الفصحى والعامية في حلبة واحدة
د . فاروق مواســـي
في حفاظنا على اللغة العربية لا بد من التأكيد على أهمية اللغة الفصيحة بالذات ، على لغة الأمة لا لهجة الأم . على اللغة التي توحد العرب ، وتظل وعاء أفكارهم . إننا نعرف حق المعرفة أن لهجة الأم هي الأوصل ، ولها نكهة خاصة وهي تنساب على لسان مبدع كسعود الأسدي عندنا ، أو فؤاد حداد في مصر وميشيل طراد في لبنان . ومن هنا خطورتها بمعنى جديتها .
كنت في مهرجان شعري حاشد في الطيبة ، وكنا ستة من شعراء وأدباء الفصحى وكان بيننا صديقنا سعود . وتصوروا كيف كان الجمهور يصغي له وهو يقرأ قصائده التي تنتهي غالبًا بملحة . ومنها هذه القصيدة :
لاهيت ستي
وفتت عالوزاتها
ومن عب لوزة
مشقت جيبة لوز
ولحقت سمرا ، سارحة بعنزاتها
ولاعبتها الكموك
فرد وجوز ...
خوثتني خفة دمها
ولفتاتها
وخسرت معها
وكان إلها الفوز ..
أي قشقلتني
شاطرة بلعباتها ..
ومن بعدها
ظليت رايح دوز
دغري لستي
وفتت عالوزاتها
مشقت أخرى مرة
جيبة لوز !!
طغى الشاعر على الجو ، وشعرت أن كلماتنا الفصيحة أضحت بحالة يرثى لها أمام جو الطرب والنشوة والألفة والحميمية التي بعثها صاحبنا في شعره العامي .
قال لي صديق وهو يحاورني :
- أليس ما ذكرته عن مهرجان الطيبة مدعاة للتفكير من جديد في لغة الأدب ، وكيف يجب أن تكون ؟
قلت : إنك تذكر – ولن تنسى – لقاءنا في القاهرة مؤخرًا بالأستاذ المفكر محمود أمين العالم ، وكيف أعترف بسبق الشعر الحديث المكتوب بالعامية المصرية وصدقه في التعبير عن الخلجات والمواقف . ذلك أن الصياغة وفقت في التعبير تمامًا عن المضمون . ومع ذلك فقد اتفق معنا أن ذلك ليس مبررًا لإنكار مسيرة الفصحى التي هي أولاً وقبلا .
- ولكن لماذا لا يكون هذا أدبًا معترفًا به ما دام يحمل شحنات الصدق الموضوعي والنفسي ؟
- صراع العامية والفصحى ليس جديدًا . ونحن منذ كنا في الصف الأول ازدوجت لغتنا : أجا = جاء ، قزاز = زجاج بدي = أريد ... إن الطفل يترجم الفصيحة إلى وعيه . وهكذا حال الأدب ، نكتبه أرقى وليس بالضرورة مطابقة ، لقد اعتدنا عملية التحويل التلقائي .
- ولكن بأية لغة يفكر الأديب أصلا ؟ هل هو يفكر بالعامية ؟
- لا أظن ذلك . إنه يفكر في حالة سيولة لفظية يترجمها بصدق تعبيرًا شخصيًا . ومن هذه السيولة يبني مواده بالصورة التي يرتئيها . من هنا يمكن أن يكون التوافق النفسي مع الأداء اللغوي سواء كان فصيحًا أو عاميًا .
- ولكن ألا ترى أن الفصحى أقدر على التعبير أحيانًا ؟
- إنني أوافق محمد مندور في قوله إن الفصحى أقدر على التعبير عن الفلسفة والعلوم والمسرحيات التاريخية والذهنية والخواطر العميقة ، ذلك لأنها أغنى في مفرداتها . أما اللهجة العامية فهي فقيرة من هذه جميعها . ومع هذا فإنني أرى أن العامية إذا استخدمت بالصورة الملائمة في الأدب فقد تكون هي الأدب بحد ذاته .
- أذكر مقالة مندور التي أشرت إليها وهي بعنوان " المسرحية بين العامية والفصحى والشعر " ( مجلة " الكاتب " القاهرة نوفمبر 1963 ) في هذه المقالة رأي هام يقول إن واقعية الأدب لا تعني وجوب استخدام العامية . والكاتب هو الذي يقرر أية لغة يستعملها لشخصياته الروائية أو المسرحية ، بشرط ألا يزيد ولا يزوّر . هو يجعلها تنطق بلسان الحال ، وليس شرطًا بلهجة عامية . ونحن نفهم واقعية نفسيته وحقائق حياته من خلال التعبير .
++
************************************************
مشروع دراسة : حول صدق التاريخ الأدبي
د . فاروق مواســـي
لا شك أن المستشرق ( مرجليوت ) ومن بعده الدكتور طه حسين في نظرية الشك الديكارتية التي طبقت على كثير من الشعر الجاهلي قد فتحا نوافذ وآفاقًا .
وتحضرني الآن تساؤلات ، قد تكون مشروع دراسات جديدة حول صدق التاريخ الأدبي ومنطقه .
ولو خرجنا بعد قراءة طه حسين في كتابه ( في الشعر الجاهلي ) رافضين ، وقلنا إن امرأ القيس حي في وجداننا وفي شعرنا ، ولا ضير علينا ولا ضرار عليه لعدنا نتساءل – مع أن المستشرق ( مونرو ) يريدنا أن نحكم من خلال منطق القدماء – نتساءل في سيرة امرئ القيس :
كيف يصل إلى إنسان نعيُ أبيه ويظل يسكر ويلعب النرد ؟ أليست لعبة النرد تحتاج إلى إعمال فكر ؟
وإذا كان الإنسان يفكر في كسب الدست ، فكم بالحري أن تصحّيه الفاجعة ويقوم لتوه... ولا يقول قولته المأثورة : " اليوم خمر ، وغدًا أمر "... أم إن القصة وردت حتى تظهر فتوته وعدم جزعه ، وحتى يتلاءم الموقف وما قاله الأب المحتضَر أن يقوم بمهمة الثأر ذلك الذي لا يجزع من بنيه ؟ قلت لكم بالحري أن تصحيه الفاجعة وهو الشاعر ، ونحن نعرف أن الشاعر في طبيعته عاطفي منفعل ...
وإذا كان امرؤ القيس قد كسب القبائل ، وقتل من بني أسد ما قتل ، فلماذا تتخلى عنه القبائل بهذه السرعة ؟ ألأنه قتل مائة ، وهي تقتنع بالعدد ؟
ولنأت إلى طَرَفة :
تحدثنا كتب الأدب أن عمرو بن هند أرسل طرفة وخاله المتلمس إلى المكعبر والي البحرين ، ومع كل منهما رسالة تأمر الوالي بقتل حاملها ...
أما المتلمس فقد أوجس في نفسه خيفة ، فأقرأ رسالته لأحد حزاورة العرب ، فإذا بها الصحيفة المشهورة ، وإذا بالمثل ينطبق على حامل موته بيده . وتحدثنا الأخبار أن المتلمس حاول إقناع طرفة أن يطلع رسالته أحدًا ، لكن طرفة أبى ، لأنه مقتنع أن مصيره لا يمكن إلا أن يكون العطاء والتكريم . ومن المنطق في مثل هذه الحالة – وبعد فتح رسالة خاله- أن يقرأ طرفة رسالته ، أو يقرأوها له . ثم إن شخصية طرفة الشاب مطالبة بالحق لا تستسلم . ودليلنا معلقته .. فابن عمه ( مالك ) لا يطيق الشاعر ، ويخاصمه بسبب إلحاح طرفة على حقوق أخيه معبد :
فما لي أراني وابن عمي مالكًا متى أدن منه ينأ عني ويبعد؟
على غير شيء قلته غير أنني : نشدت فلم أغفل حمولة معبد
نخلص إلى القول إن قصة طرفة هذه قصة تصلح لأدب الأطفال لتعلم هؤلاء أصول الحذر .
فهل طرفة بهذه السذاجة حتى يأتي إلى البحرين يمنّي نفسه ، ويتخلى عنه خاله المتلمس الذي كان وإياه في مجابهة عمرو بن هند ؟؟
ولنأت إلى زهير بن أبي سلمى :
والمبالغة تقول إنه ما كان يحيى هرمًا ( عِموا صباحًا أو مساءً ) حتى يأخذ وليدة أو فرسًا أو ...
فما هذا المنطق ؟ وهل سلام زهير له أهمية خاصة ؟ وهل مكانة زهير ( الذي أشبع سارقي إبله سبًّا وأودوا بالإبل ) مكانة خاصة ؟؟؟
ولنفرض أن زهيرًا كان يحصل على ذلك ، فما هو المنطق أن تأتي إلى جماعة ، بلغة اليوم ، وتقول : صبحكم الله بالخير إلا العم أحمد وهو أفضل الحاضرين ... هكذا وبصورة تلقائية!!!
وهل أجدادنا بهذه القحة ؟ وأين التواضع الذي حدثونا عنه ؟ بل أين المجلس القبلي الذي جرى فيه مثل هذا في تاريخ العرب ؟
وفي ترجمة عمرو بن كلثوم قصة دراماتيكية تصلح لبعث الاعتزاز في نفس النشء ... ولكن كيف يتأتى قتل عمرو بن هند في مجلسه وبين أهله ولا يتعرض له أحد بسوء ؟
وإذا كان عمرو بن كلثوم فاتكًا لا يجرؤ عليه أحد ، فلماذا لا يحل محل عمرو بن هند في زعامة قبائل العرب من قبل النعمان بن المنذر ؟؟؟
وأما الحارث بن حلزة فتحدثنا الروايات أنه ارتجل قصيدته التي مطلعها :
آذنتنا ببينها أسماء : رب ثاو يمل منه الثواء
ارتجلها دون سابق إعداد ؟ بل تحدثنا الروايات أنه اتكأ على رمح نفذ من يده - وهو لا يدري لفرط تأثره ...
ولن نواصل المبالغات ونتحدث عن عنترة .. فهي هنا أسطورية أكثر منها أدبية تاريخية ...
وإذا انتقلنا إلى العصر الإسلامي فقصص العذريين تتشابه ، وكأن لُحمتها وسَداها من الخيط نفسه : تموت العاشقة ، ثم يشهق العاشق بعدها شهقة ويموت .
ولو قرأنا أمثال العرب لوجدنا :
أخطب من سحبان / أفصح من سحبان / أبلغ من سحبان .
على أن سحبان وائل المشهور بالفصاحة والبلاغة والخطابة لم يعرف له غير مقطوعة صغيرة لا تدل على بلاغة خاصة أو مكانة تشفع لها بالسبق ، ولم يرد في أمهات الكتب الأدبية قطعة أخرى له ، أو أخبار تتجاوز خبرًا مبالغًا فيه ، ذلك أنه خطب من صلاة الظهر حتى العصر ، فما تنحنح ولا تلكأ ولا تلجلج !!! وقس على ذلك .
بل إن حياة عمر بن أبي ربيعة الغزلية الماجنة تنتهي بقسم أنه لم يفعل فاحشة قط .
وإذا جئنا إلى فترة العباسيين ، وهي فترة التدوين فإن الأمر لا ينقطع . ولنأخذ مثلين بارزين :
فهذا المتنبي ، شاعرنا الكبير ، هذه الشخصية الحذرة من مصائب الدهر ، المتعلقة ، والمتكيفة لواقعها الجديد ، والمتمردة في نفس الآن ، هذا الشاعر يكمن له أعداؤه ، وعندما ينجح في الخلاص يعيده بيت من الشعر ، إذ يقول له غلامه : أتهرب وأنت القائل :
الخيل والليل والبيداء تعرفني : والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فهل هذا البيت له هذه القدسية حتى تعيده إلى الثبات ... مع أن الجرأة طبع من طباعه ؟؟؟
أما أبو العلاء المعري فذكاؤه خارق : يلعب النرد والشطرنج – وهو البصير – ، ويحضر محاكمة لينقل حوارًا بلغة أردية لا يفهمها ، بل يعرف مكان شجرة بين المعرة وبغداد ... وقس على ذلك .
والذي أريد أن أقوله من وراء هذه الملاحظات أن التهويل والمبالغة جزء من تاريخ الأدب ، وكأنها أمر لازب لا غناء عنه ، وذلك حتى تظهر السجايا التي يعتز بها العربي ...
إننا بحاجة إلى التعامل والنص أكثر من تعاملنا وتاريخ الأدب ، ودراسة التاريخ لا تهم إلا بالقدر الذي يخدم دراسة القصيدة .
ونحن بحاجة إلى غربلة الكثير ، وألا نسمح لأنفسنا بإعادة طبع مادة لا تنسجم وذوقنا المعاصر .
ونحن بحاجة إلى فحص مقارن ... فنرى هل في آداب الأمم – ولا أعني أساطيرها – ما يشبه هذه الروايات ...
والتساؤلات – كما قلنا – مشروع دراسة ، ولا تبدأ الدراسة إلا بعد تساؤل ...