حول التداعيات السياسية للحرب على لبنان (5- 5)/ أنطوان شلحت

 

05/10/2006 
العلاقة مع واشنطن- ما بين الطبيعية والتبعية
 
ليس أمام إسرائيل سوى أن تتماشى مع الرؤية الأميركية لـ"مكانة" سوريا، حيث أن الحرب على لبنان فتحت ثغرة في العلاقة الإستراتيجية بين الطرفين، لا يبدو أنها معنية بتوسيعها.

ولقد بات من "الأسرار المفضوحة" أن "إدارة بوش كانت متورطة بصورة وثيقة في تخطيط الرد الإسرائيلي (على خطف الجنديين). فالرئيس بوش ونائبه ديك تشيني كانا مقتنعين، كما حكى لي مسؤولون كبار في الاستخبارات ودبلوماسيون في الوظيفة وخارجها، بأن القصف الناجح لسلاح الجو الإسرائيلي ضد مجمعات الصواريخ المحصنة التابعة لحزب الله، كما لبنايات قادة هذه المنظمة في لبنان، سيخفف من مخاوف إسرائيل الأمنية. كذلك فإن قصفًا كهذا يمكن أن يشكل مقدمة لهجوم أميركي رادع ضد المنشآت النووية الإيرانية، التي يقع قسم منها في باطن الأرض" (هيرش، 2006).

بعد شهر واحد من اندلاع الحرب نشر موقع "المجلس الإسرائيلي للسلام والأمن"، الذي يضم في عضويته كبار ضباط الاحتياط في الجيش وجهاز الأمن، على الشبكة العنكبوتية مقالاً تحت العنوان الموحي "لننتصر أيضًا من أجل العم سام" بقلم ديفيد ب. ريفكين ولي أ. كيسي منوهًا بأنهما محاميان أشغلا مناصب في صياغة السياسة لدى إدارتي رونالد ريغان وجورج بوش الأب.

ومما جاء في هذا المقال:

إذا فقد الجيش الإسرائيلي من هالته كجيش لا يقهر فستهبط قيمة إسرائيل كحليف للولايات المتحدة.
على إسرائيل أن تخشى من فقدان صناع السياسة الأميركان إيمانهم بقدرتها على "أداء المهمة" في مواضيع ذات مصلحة إستراتيجية مشتركة.
لا ينبغي بقادة إسرائيل أن يتعاملوا مع الدعم الأمريكي كما لو أنه بدهي أو مفهوم ضمنًا... الشراكة الإستراتيجية بين واشنطن وإسرائيل تغذّت دائمًا على نجاحات إسرائيل في الدفاع عن أمنها وأيضًا في دفع مصالح أميركية إلى أمام- بدءًا من إذلال زبائن الاتحاد السوفياتي العرب في فترة الحرب الباردة، وليس انتهاء بتدمير الفرن النووي العراقي في 1981.
عدم قدرة إسرائيل على هزيمة حزب الله، حتى في المستوى التكتيكي والعملياتي على الأقل، يؤدي بها لأن تظهر كعبء أكثر من كونها حليفة هامة.
هذا الأمر صحيح أكثر إذا ما أخذنا في الحسبان بعض التطورات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة... فالرمال السياسية (هناك) متحركة. وثمة الآن مشاعر معادية لإسرائيل سائدة في أوساط الديمقراطيين.
الخطر الكامن في تقدير إسرائيل الخاطئ لصديقتها الأكثر قربًا إليها يوازي إهمالها لطباع أعدائها المتغير... وأي إنهاء للنزاع بظروف تدع حزب الله غير مستسلم سيخرب أكثر فأكثر مصداقية الغرب، ويبذّر قسمًا كبيرًا من عامل الردع المستند إلى نجاحات الماضي الإسرائيلية، منذ 1948 إلى أيامنا الراهنة.
وسبق لسيما كدمون، مراسلة الشؤون الحزبية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن كرّرت (7 آب 2006)، التقديرات التي أذيعت هنا وهناك بأن هناك "خيبة أمل" أميركية من أداء الجيش الإسرائيلي في الحرب على لبنان، التي بات المعلقون الإسرائيليون يجمعون على الدور الأميركي الفاعل والمباشر في إطالة أمدها، دون أن يقروا بهذا الدور، الفاعل والمباشر بالقدر نفسه، في شنّها.

وكتبت كدمون في هذا الصدد تقول: "الوعود شبه الوحيدة التي تتحقق منذ بدء الحرب هي الوعود بالمزيد من الدم والدموع والألم، التي وردت أيضًا ضمن خطاب رئيس الحكومة إيهود أولمرت قبل أسبوع. أمس (الأحد- 6 آب 2006) كان أحد أيام الحرب الأكثر صعوبة، بسبب موت عدد كبير من الجنود والمسّ الشديد الإضافي بعشرات المدنيين. وربما أيضًا بسبب الاعتراف الآخذ في التجذّر بأنه لن يترتب على هذه الحرب منتصرون ومهزومون. الأميركيون ينظرون إلى نتائج القتال المستمر منذ حوالي شهر. وقد قرروا أن الوقت لا يعمل لصالح أي طرف، ولذا من الأفضل التوقف الآن. لن تكون هنا مفاوضات. وكوندوليسا رايس لن تمكّك بين بيروت والقدس. خلال عدة أيام سيصدر عن الأمم المتحدة قرار بإنهاء الحرب. الآن لم نعد نحن وإنما الولايات المتحدة هي التي تقول: إلى هنا".

وشدّدت كدمون، داخل ذلك، على أن "الموقف الذي تعرضه الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة لا يقبل التأويل. ومؤداه أن واشنطن يئست منا. وهي باتت تفهم أننا لن ننجز أكثر مما حققنا إلى الآن. بكلمات أخرى فإن نافذة الفرص العسكرية قد طرقت في وجوهنا. لقد أراد الأميركيون إثباتات على قدراتنا: إذا لم يكن (اغتيال حسن) نصر الله، فعلى الأقل (السيطرة على) تحصين منيع، سفينة سلاح، شيء ما يظهر أننا بحاجة إلى مزيد من الوقت. لكن حتى هذا الأمر لم يكن في مقدورنا أن نمنحهم إياه".

في ضوء هذا فإن السؤال المستحق هو: ما هي التفاعلات الرغبية التي يمكن أن تترتب على "خيبة أمل" السيّد الأبيض فيما وراء المحيط؟. هنا بعض الإشارات:

(*) يرى أمير أورن، معلق الشؤون الأمنية في "هآرتس"، أنه سوية مع استمرار العمليات العسكرية في لبنان على نحو ما هي عليه إلى الآن، انتقل "مركز النشاط" إلى مزرعة الرئيس جورج بوش في تكساس، حيث يمضي إجازته الصيفية ("هآرتس"، 6 آب 2006). وأضاف: الناطق بلسان بوش، طوني سنو، أكد في 4 آب أن بوش استدعى مستشارين وخبراء خارجيين لقضايا الشرق الأوسط.
وما يمكن أن يتمخّض عن ذلك، برأي أورن، هو أن يعلن بوش في نهاية المطاف عن "خارطة طريق لتسوية علاقات لبنان مع جيرانها"، كبنية أساسية للهدنة، وبقصد بلوغ غاية (قصوى) تتمثل في أن تقف في مواجهة إيران "جبهة عربية معتدلة تشمل العراق والسعودية والأردن ولبنان (بدون "الجناح العسكري لحزب الله") وسوريا". وتابع: "عزل دمشق عن طهران سيكون الجهد الرئيس لعملية كهذه، كما سيتم استكمال المس العسكري بحزب الله الذي يرى قائد هيئة الأركان، دان حالوتس، في زعيمه "قائد المنطقة العسكرية لغرب إيران". وفي السياق الإسرائيلي فإن معنى خطة كهذه هو التجديد السريع للمساومة حول السلام مقابل هضبة الجولان، بما في ذلك ملحق مزارع شبعا. وكما في العام 2000 فإن كثيرين من مسؤولي جهاز الأمن سيؤيدون خطة التسوية هذه، ذلك أن أكثر من ثلاثة أسابيع متواصلة من هطول الكاتيوشا أكدت مخاوفهم بشأن تقليص أهمية الأرض في عصر السلاح المتعرّج المسار والبعيد المدى".

وسبق لأورن أن أشار أيضًا إلى خيبة الأمل الأميركية من الأداء العسكري الإسرائيلي، بل ربما كان "طليعيًا" في ذلك، حيث كتب يقول ("هآرتس"، الفاتح من آب 2006): صحيح أن هناك تقاربًا بين الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، لكن نسيج العلاقة بينهما غير متساوٍ. ثمة من يطلب إذناً، وثمة من يصادق. ثمة من يثير توقعات وثمة من يخيّب الأمل. والمشكلة الأميركية في الوقت الراهن هي أن القتال يمكن أن يتوقف بصورة مفاجئة قبل الأوان، وبالتالي فإن التهديد سيتجدد بسرعة.
وتابع: الرئيس بوش خائب الأمل. لم يتصوّر بينه وبين نفسه أن الجيش الإسرائيلي على هذا النحو، وهو الجيش الشديد القوة والعزم والأحابيل، والطافح بالسلاح الأميركي. لقد استدعوا كلبًا من نوع "بولدوغ" فجاءهم كلب من نوع "بودل". وربما مع كل ذلك هو مجرّد كلب صيد. الجيش الإسرائيلي آمن بأنه مستعد جيدًا للاختبار، لكنه أخطأ الحساب أو نسي المادة. وها هو ذا الآن يتلقى موعدًا ثانيًا حتى من قبل انتهاء الموعد الأول... إلى أن يتم الحصول على موافقة حزب الله وإيران وسوريا على الاتفاق، ستستمر بل وستتصاعد العملية البرية للجيش الإسرائيلي في لبنان لإضعاف حزب الله.
ويؤكد أورن أن ما حصل للجيش الإسرائيلي في هذه الحرب "هو واحدة من القصص الغامضة الكبرى والحزينة في تاريخ دولة إسرائيل. إنه أحجية. على الورق، وخلال التدريبات، يبدو كل شيء واعدًا. لكن في الميدان الوعد يتلاشى، مثلما حصل مع منتخب البرازيل في المونديال. وفي مستويات الجنرالات والسياسيين، من المشكوك فيه أن نجد مسؤولاً إسرائيليًا واحدًا لن يخرج من هذه المعركة بندوب وجراح ومعاناة من جراء نزف سمعته".

وفي اليوم نفسه كتب المعلق العسكري زئيف شيف يقول: "يفضل عدم إلقاء التهم على الأميركيين، فليسوا هم الذين خيبوا أمل إسرائيل وإنما إسرائيل هي التي خيبت أملهم من ناحية إستراتيجية، عندما لم تفلح في أن تزوّد الإدارة الأميركية بأوراق عسكرية. ولذا بدأوا بممارسة الضغط على إسرائيل لتغيير الاتجاه" (صحيفة "هآرتس"، الفاتح من آب 2006).


(*) في الشأن ذاته قال يورام أتينغر، القنصل الإسرائيلي العام السابق في هيوستون (ولاية تكساس الأميركية) والذي عمل أيضًا ملحقا في السفارة الإسرائيلية في واشنطن، إن إسرائيل "خيبت أمل الولايات المتحدة في هذه الحرب" (موقع "واينت" الإلكتروني، 6 آب 2006).

وأضاف أتينغر، الذي يعتبر أيضًا خبيرًا في شؤون الشرق الأوسط والولايات المتحدة، أن واشنطن حثّت إسرائيل على السير بالسرعة القصوى (150 كم في الساعة) في الطريق إلى القضاء على قدرات "حزب الله" العسكرية، لكونه الذراع السوري - الإيراني الذي أجهز سنة 1983 على 300 أميركي (في لبنان)، ولضلوعه في الأنشطة "الإرهابية" المعادية لأميركا في العراق. لكن إسرائيل متردّدة في الضغط على دواسة السرعة مكتفية بالسير بسرعة 80 كم في الساعة. وخيبة الأمل (الأميركية) من هذا التردّد عبرت عنها مؤخرا صحيفة "وول ستريت جورنال" المؤيدة لإسرائيل، وهي الصحيفة اليومية الأوسع انتشارا في الولايات المتحدة، والتي تعكس بصورة عامة موقف الرئيس (جورج) بوش ونائبه (ديك) تشيني، حيث كتبت الصحيفة: "تداعيات أي فشل إسرائيلي ستكون مروّعة... لقد تعهدت إسرائيل بعدم التوقف إلى أن يتم نزع سلاح حزب الله... إن إنهاء الحرب، في ظل بقاء حزب الله محتفظا بقدرة عسكرية، سيضرّ بشدّة برؤية بوش للشرق الأوسط...".
كذلك فإنه كلما بدت إسرائيل غير راغبة، أو غير قادرة، على إلحاق الهزيمة بحزب الله، ارتفع شأن هذه المنظمة، "الأمر الذي سيؤدي بالتالي إلى تشجيع الأنظمة الداعمة للإرهاب في الشرق الأوسط، وإضعاف الأنظمة العربية الموالية لأميركا، وزعزعة الاستقرار الإقليمي، فضلا عن المس بقدرة الردع الإسرائيلية والأميركية على حد سواء، وتراجع المصلحة الأميركية في التعاون مع إسرائيل".

كما أكد أن ابتعاد إسرائيل عما يسميه "تراث التحدي السياسي والعسكري" سيضعف تعاطف مؤيدين معروفين لإسرائيل في الكونغرس والإدارة الأميركية والمجتمع المسيحي في الولايات المتحدة. "فكلما طال أمد الحرب سيكون من الصعب على الرئيس بوش المضي قدما في دعمه لإسرائيل في ظل ما يمكن أن يتعرّض له من ضغوط من جانب جهات ومحافل انتقادية مثل بوش الأب ومحافل وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية وشركات النفط والهندسة المتعددة الجنسيات، إضافة إلى دول مثل السعودية والاتحاد الأوروبي وإلى الأمم المتحدة".
وهو يعتقد أن انجرار إسرائيل وراء عملية سياسية، قبل القضاء على قدرات "حزب الله" العسكرية، "سيضطر واشنطن أيضا للانجرار إلى هذه العملية، وسيزداد تأثير الأمم المتحدة وأوروبا ووزارة الخارجية الأميركية (التي تدعو إسرائيل للانسحاب إلى خطوط العام 1949). كما سيزداد وزن الولايات المتحدة كوسيط محايد على حساب مكانتها كحليف خاص لإسرائيل، وسيتصاعد الضغط على الأخيرة لتقدم تنازلات واسعة".
وختم قائلاً: الرئيس بوش ونائبه تشيني لا ينظران إلى إسرائيل كدولة تابعة وإنما كحليف قيمي وإستراتيجي حميم يشكل موقعا أماميا في الحرب العالمية الثالثة بين الديمقراطيات الغربية وبين "الإرهاب الإسلامي" المتمركز في الشرق الأوسط. لذلك فإن بوش ونائبه لا يتصرفان كوسيط محايد، وإنما يحثان إسرائيل على إظهار الجرأة التي رفعت مكانتها من "البقية الباقية" في العام 1948 إلى حليف مركزي في العام 2006. وبالتالي فإن تصميم إسرائيل على هزيمة "حزب الله" يستوجب الانتقال إلى "غيار عال" والسير بالسرعة القصوى ( في الحرب على لبنان) وفقما تقتضي المصالح المشتركة لإسرائيل والولايات المتحدة.

بعد انتهاء الحرب رأى المعلق الصحافي يونتان روزنبلوم (صحيفة "معاريف"، 29 آب 2006) أنه بدأت تهبّ في أميركا رياح مقلقة، وبخاصة في اليسار، ولها إسقاطات على أمن إسرائيل أوسع مما لموازياتها في أوروبا.
لكن الأكثر إقلاقا، في رأيه، هو "استطلاع بلومبرغ"، الذي أُجري أخيرا وتفحص مواقف مصوتين حيال الحرب في لبنان وحيال إسرائيل. الحزب الديمقراطي، وهو البيت السياسي التقليدي لأكثرية يهود أميركا، آخذ في التحوّل تدريجيا إلى منطقة معادية لإسرائيل. 54 في المائة من الديمقراطيين يعتقدون أن على الولايات المتحدة أن تتبنى نزعة "أكثر حيادية" إزاء إسرائيل، مقابل 29 في المائة من الجمهوريين. وقد شعر حوالي ثلثي الجمهوريين أن القصف الإسرائيلي في لبنان كان مُحقا تماما، مقابل 29 في المائة من الديمقراطيين.
مواقف التيار الديمقراطي المركزي آخذة في الاقتراب من اليسار الأوروبي، وهو أمر كان واضحًا للعيان في مُساءلة جون بولتون، سفير الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، من طرف السناتور جون كيري. ولقد عاد كيري وانتقد بولتون لكون الولايات المتحدة "الشخص الشاذ" في الأمم المتحدة.
يشترك اليسار الأميركي مع نظرائه الأوروبيين في عقيدة تنويرية بدائية، فحواها أن الناس العقلانيين الذين يجلسون إلى طاولة مباحثات يستطيعون حل جميع المشكلات في العالم. بحسب هذا التصور، لا توجد أهداف لا يمكن تسويتها. يمكن حل جميع الصراعات إذا غيّرنا قليلا طريقة تقسيم الكعكة. الكلام حسن دائما والعمل العسكري سيء.
أولئك الذين يفترضون أنه يمكن حل جميع الأزمات، لا يستطيعون فهم غضب الجهاديين، ويُخيل إليهم أن هذا الغضب سيختفي إذا ما قدمت إسرائيل على المذبح. إن المتمسكين بهذه المواقف يمثلون في الأمد البعيد خطرا على أنفسهم، وفي الأمد الحالي خطرا على إسرائيل.

أما الباحثة ليمور سميميان دراش فتقول (صحيفة "معاريف"، 29 آب 2006) إنه خلف ما قيل إلى الآن، بشأن حرب إسرائيل- حزب الله، ينبغي فهم أن الإخفاق الأكثر خطورة هو في المجال الإيراني. وقد أجاد وصف هذه الصورة وزير الخارجية الايطالي بقوله: "التوجه العنيف الأميركي نحو الشرق الأوسط، الذي كانت إسرائيل شريكة له، فشل وأفضى إلى أضرار شديدة فقط. دور ايطاليا وأوروبا هو أن تُثبتا لإسرائيل أنه فقط في مقدور التدخل الدولي أن يجلب لها بالأمن". وتُسمع أقوال مشابهة أيضا في فرنسا.

وتضيف: يبدو أكثر من أي شيء أن فشل أولمرت - بيرتس - ليفني (لا يجوز أن ننسى نصيب ليفني من الفشل) يتمثل في إضعاف المدرسة الأميركية، لا لأن طريقة المصالحة الأوروبية قد تمت البرهنة عليها (مع أنها قد عززت حزب الله في لبنان وحماس في غزة)، بل لأن هذا الفشل في الحرب يُمكن أوروبا والأمم المتحدة من أن تضربا مجددًا الدولة الوحيدة التي رأت وضع النزاع الإقليمي كما رأيناه تماما. ولذا فلم يكن من قبيل المصادفة أن ألحت علينا الولايات المتحدة أن نحرز إنجازات في هذه الحرب، وخاب أملها خيبة شديدة. عرفت الولايات المتحدة ما ندركه اليوم. كانت تلك مراجعة عامة للمواجهة الوجودية، لمجابهة إيران (والتحقيق في استعمال إسرائيل للقنابل العنقودية الأميركية، برغم أنها هي نفسها استعملت هذه القنابل في العراق وأفغانستان، هو فقط المؤشر الهامشي للغضب الأميركي على التصرف عديم المسؤولية لأولمرت - بيرتس - ليفني في هذه الحرب).

وتخلص إلى القول: فشل حرب إسرائيل- حزب الله هو فشل استراتيجي تاريخي، من ذلك الصنف الذي يصوغ ميزان القوى في المعادلة الرئيسة، التي تقف فيها الأسرة الدولية أمام إيران.

قبل الحرب على لبنان ألمحت مصادر إسرائيلية إلى شوائب تعتور العلاقات مع الولايات المتحدة.

ومن ذلك ما تضمنته وثيقة "مؤتمر هرتسليا السادس حول ميزان المناعة والأمن القومي لإسرائيل" (2006) حيث ورد أن هناك من يقدر أن دعم الولايات المتحدة واليهود الأميركيين لإسرائيل عرضة للخطر والتهديد نتيجة لعمليتين - سيرورتين- بعيدتي المدى هما:

- اتجاه مناهضة الصهيونية الذي يقوده اليسار المتشدد، والذي يعمل في الجامعات الأميركية على ترويج آراء سلبية تجاه إسرائيل بين القادة المستقبليين للولايات المتحدة.

- وعلى الطرف الآخر للطيف السياسي، تشتد في أوساط اليمين المتطرف والتيار المسيحي الأصولي (المحافظون الجدد) المتمسك بعقيدة "أرض إسرائيل الكبرى"، الانتقادات والحملات الموجهة ضد إسرائيل كلما تحركت في اتجاه السلام مع العرب. فالتيار المسيحي اليميني المؤمن بفكرة "الخلاص" وأن المجتمع في إسرائيل مجتمع ديني، سيكف عن تأييد إسرائيل حالما يتأكد لأتباعه أن الواقع في الدولة اليهودية مغاير لما تصوروه.

وينبثق عن ذلك استنتاجان عمليان رئيسيان: أولاً، يتعيّن على إسرائيل أن تحاول كسب تأييد الأميركيين العلمانيين أيضاً، وأن تعمل ثانياً على الحدّ من تبعيتها واعتمادها على دعم الإدارة الأميركية ودعم يهود الولايات المتحدة ("أوراق إسرائيلية"، 2006).

 
إجمال مرحلي
 
حملة الاحتجاج الشعبية على نتائج الحرب الأخيرة على لبنان، التي بدأت فور انتهائها من جانب مجموعة كبيرة من ضباط وجنود الاحتياط و"الحركة من أجل جودة الحكم"، والتي تركز على مسؤولية الثلاثي أولمرت- بيرتس- حالوتس عن نتائجها الكئيبة، لم تلن قناتها مع استقرار رأي رئيس الحكومة على تشكيل لجان الفحص المختلفة. ولا تزال هذه الحملة تطالب بلجنة تحقيق رسمية برئاسة قاض.

في الوقت نفسه بدأت تحركات في حزب "العمل" يشتم أن الهدف منها هو الإطاحة ببيرتس عن رئاسة الحزب، كما أعلن بيرتس أنه يؤيد لجنة تحقيق رسمية، مثل غالبية أعضاء الكتلة البرلمانية، في خطوة وصفت بأنها تتغيّا اتقاء تحميله أوزار الحرب.

وأيًا يكن اتجاه هبوب الريح في هذا الشأن فإن هذا الوضع سيؤدي إلى حالة من الجمود السياسي، التي يجمع كثيرون على استحالة ديمومتها، خصوصًا في ضوء بعض التحركات الدولية أيضًا.

ويبقى السؤال حول مقدرة حكومة أولمرت على مواصلة التهرّب من مطلب لجنة التحقيق الرسمية وحول الأزمات السياسية التي قد يثيرها هذا المطلب في صفوف الائتلاف الحاكم، مفتوحًا على احتمالات عديدة.

ويؤكد أكثر من مراقب أنه إذا ما تعاظم الاحتجاج عقب قرار تشكيل لجان الفحص فإن أولمرت سيدفع ثمنًا باهظًا قد يصل إلى حدّ سقوط حكومته. وإذا ما هدأ الاحتجاج وذاب في خضم الأعياد القريبة يمكن القول إن أولمرت خرج من هذه المعركة بثمن بخس، هذا إذا ما أخذنا في الحسبان أن إيهود باراك خرج من أحداث أكتوبر 2000 في الوسط العربي بلجنة تحقيق رسمية، كما خرج مناحيم بيغن من مذبحة صبرا وشاتيلا بلجنة تحقيق رسمية.

لكن إذا اضطر أولمرت للانجرار بعد عدة أسابيع إلى لجنة تحقيق رسمية، بتأثير من موقف شريكه الرئيس في الائتلاف أيضًا، فعندها قد يكون منتهيًا من ناحية سياسية.

(انتهى)


[ينشر بالتعاون مع مجلة "قضايا إسرائيلية" الفصلية المتخصصة الصادرة عن مركز "مدار" - رام الله]

 

[ينشر بالتعاون مع مجلة "قضايا إسرائيلية" الفصلية المتخصصة الصادرة عن مركز "مدار" - رام الله]

 
مصادر مختارة

 صحف "هآرتس"، "معاريف"، "يديعوت أحرونوت" في الفترة ما بين 13 تموز- 31 آب 2006.
 أوراق إسرائيلية، 2004، العدد 24. "الجيش يحتكر تفسير الواقع". إصدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله.
 أوراق إسرائيلية، 2006، العدد 34. "وثيقة مؤتمر هرتسليا السادس". إصدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله.
 برلمانت (برلمان)، 2006، العدد 52. "وزارة الدفاع ووزير الدفاع"، إصدار: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية- القدس.
 شيلح، عوفر، 2006. "علاقات المستويين السياسي والعسكري في انتفاضة الأقصى: ما الذي تغيّر؟". ضمن رام إيرز (محرّر): "علاقات المستوى المدني والمستوى العسكري في إسرائيل: على خلفية مواجهات عسكرية". إصدار: مركز يافه للدراسات الإستراتيجية- جامعة تل أبيب.
 هيرش، سيمور، 2006. "مصالح واشنطن في الحرب الإسرائيلية"، نيويوركر، 14/8/2006. مقتبس لدى موقع "الضفة اليسرى" الإلكتروني باللغة العبرية، 17/8/2006.
 عوز، د. فانيا، 2006. "تقاليد حرية التعبير في إسرائيل"، ضمن ميخائيل بيرنهاك (محرّر): "صمت يتكلمون- الثقافة القضائية لحرية التعبير في إسرائيل". إصدار: قسم الحقوق في جامعة تل أبيب، منشورات "راموت".
 

 

الحلقة الرابعة

حول بعض الرؤى السياسية
شكلت النتائج العسكرية للحرب متكأ لدى البعض للوصول إلى خلاصة سياسية بعيدة المدى طال أوان استحقاقها، وهي الاستفاقة من وهم القوة العسكرية.

في هذا الخصوص يشير الخبير الإستراتيجي الجامعي، رؤوبين بدهتسور، مثلاً، إلى أن حرب يوم الغفران (حرب أكتوبر 1973) لا تزال محفورة في الذاكرة (الإسرائيلية الجماعية) باعتبارها حدثًا انعطافيًا "تصدعت في أعقابه ثقة الجمهور بالجيش الإسرائيلي". لكن "ما زال من السابق لأوانه أن نُقدّر فيما إذا كانت حرب لبنان الثانية ستُستذكر كخط انكسار يصحو الجمهور في أعقابه من وهم القوة العسكرية الإسرائيلية غير المحدودة" (صحيفة "هآرتس"، 16 آب 2006).

ومع ذلك وكتعويل على استبطان مثل هذه الخلاصة الأخيرة يبني البعض الآخر عدة رؤى سياسية.

نذكر من هؤلاء عوزي بنزيمان، الذي رأى أن الحرب أثبتت حدود القوة العسكرية لإسرائيل وقوة الاستفزاز الكامنة في تأبيد مطالب الفلسطينيين والسوريين حيال إسرائيل (صحيفة "هآرتس"، 23 آب 2006).

على النسق ذاته يرى شلومو بن عامي، وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، أن البشرى السارّة هي أن الحرب الأخيرة ربما تخلق احتمالاً لتسوية سياسية. "فقد أضحى واضحًا أن الانتصارات الإسرائيلية الساحقة لم تؤد إلى تسويات سياسية، بينما كانت أوضاع التعادل في المعركة أو انكشاف هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية بمثابة مقدمة لعمليات سياسية واعدة. هذا ما كان عقب حرب يوم الغفران التي أدت إلى سلام مع مصر وعقب الانتفاضة الأولى وصواريخ السكود في حرب الخليج التي قادت إلى مؤتمر مدريد" (صحيفة "هآرتس"، 22 آب 2006).

أما معلق الشؤون الاستخباراتية يوسي ميلمان فيرى أن "حتى لو لم يكن هناك حسم ساحق فقد بلورت الحرب فرصة لترميم العملية السياسية" ("هآرتس"، 29 آب 2006). وأضاف "انتصارات إسرائيل العسكرية على العرب في السابق لم تترجم دائما إلى إنجازات سياسية لا بل أدّت إلى الجمود. أما حرب مثل حرب يوم الغفران، التي استمرت طويلاً وانتهت من دون حسم عسكري واضح، فقد أدت إلى تحريك عمليات سياسية أثمرت عن تسويات مع مصر وسوريا. حرب لبنان الثانية قادرة أن تؤدي إلى تسوية مع لبنان واستئناف المفاوضات مع سوريا. والرئيس بشار الاسد أوضح في عدة مناسبات أنه مستعد لذلك. ويجب أن نأمل بأن تعرف الحكومة كيف تستغل هذه الفرصة الجديدة".

ودعا المعلق السياسي دانيئيل بن سيمون ("هآرتس"، 15 آب 2006) إلى أن تخرج إسرائيل من شرنقة الأحادية وأن تلتفت إلى محيطها الإقليمي.

ومما كتبه في هذا الصدد:
في السنوات الأخيرة تعززت نزعتنا القسرية للتحادث مع أنفسنا حول التسوية مع العرب، كما لو أن النزاع الحقيقي في الشرق الأوسط هو بين اليمين واليسار (في إسرائيل).
منذ ست سنوات توقفت السياسة الإسرائيلية عن التقدّم ولو خطوة واحدة إلى أمام. ومنذ أن دفع إيهود باراك ياسر عرفات إلى داخل الكوخ في كامب ديفيد في تموز 2000 لم يحصل أي تماس جدي بين زعيم إسرائيلي وبين زعيم عربي نخوض نزاعًا معه. النتيجة كانت مروّعة. فلقد أقفلت إسرائيل الأبواب أمام جيرانها وعقدت العزم على الوصول إلى تسويات سياسية وفقًا لما تفكر به وبسجال مع ذاتها عبر التغاضي عن جيرانها.
ربما يكمن مصدر العدوانية تجاهنا في طبيعتنا الأنانية وفي عدم تعاملنا مع جيراننا، في عدم استعدادنا لرؤيتهم عن بعد متر واحد... كما لو أن العرب هوام لا يليق التحادث معهم.
بدل الحديث مع أعدائنا نتحدث فقط مع أصدقائنا حتى لا نقول الأوصياء علينا، الأميركان... تبنينا الإنجليزية كلغة أم ونتعامل مع اللغة العربية كما لو أنها خطر وجودي. حتى الآن لم يثبت استعباد حياتنا وقيمنا ومستقبلنا لأميركا نفسه. ولم نكن البتة عديمي الأمان كما نحن الآن. وكجزء من يأسنا فإننا نحيط أنفسنا بسور ونحوّل شعار الانبعاث القومي إلى غيتو محض ومحكم الإغلاق من كل ناحية.
إذا تفشى اليأس من الجيران والسلام، فمن شأن الإسرائيليين تسليم مقود الدولة لأيدي مهووسين خطرين مثل أفيغدور ليبرمان. "من أجل أوضاع جنونية يتوجب أن يكون في الحكم أشخاص مجانين"، هذا ما قاله أحد سكان كريات شمونه، وعكس بذلك المزاج العام الجديد وذكر ليبرمان كوصفة سحرية.
إذا لم يعد أولمرت الأمل عاجلاً وإذا لم يفاوض السوريين والفلسطينيين واللبنانيين فمن شأن اليأس من الوضع أن يدفع الإسرائيليين نحو حلول متطرفة.

أما البروفيسور يارون إزراحي فيدعو ("هآرتس"، 22 آب 2006) إلى اجتراح "منعطف حاسم في إستراتيجية إسرائيل السياسية والثقافية".
وهو يقول: بوصفها الدولة غير المسلمة الوحيدة في الشرق الأوسط ليس في مقدور إسرائيل الاستمرار في الوجود في المنطقة طويلاً إذا ما واصلت تؤدي في نظرها وفي نظر جيرانها دور رأس الحربة للكفاح الغربي ضد الإسلام.
لقد نجحت إسرائيل في أن تقدّم الوقود للدعم المشهدي المتدحرج لصورة الشيطان التي تخلعها عليها وسائل الإعلام الإسلامية. بالذات الآن حان الوقت لمنعطف حاد في الوعي والسياسة الإسرائيلية حيال العالم الإسلامي.
يجب الوقوف الآن إلى جانب الإسلام المعتدل والظهور كمدافع عن الحضارة الإسلامية المتصلة مع اليهودية بتيارات تحت أرضية تاريخية عميقة... والمقصود الوقوف في وجه الهجوم الثقافي، الديني، الأخلاقي والإعلامي على الإسلام، الذي يعرض نمط الحياة الإسلامي كما لو أنه عنيف وبدائي بصورة جوهرية.
مع تواتر الحديث عن جولة مقبلة فإن المطلوب هو خيال سياسي غير مألوف وشجاعة كبيرة من أجل إيجاد جولة مقبلة تكون بمثابة منعطف حاسم في إستراتيجية إسرائيل السياسية والثقافية. المطلوب الآن هو تحوّل بمقدار 180 درجة عبر التخلي عن الطريق السياسية التقليدية التي لم تجلب لنا إلا الثمار الفاسدة.