شبكة أمان للإنقلاب على حماس واستمارة فردية للإعتراف بإسرائيل

 

- د. عادل سمارة

 

      شهد الشهر الأخير في الأراضي المحتلة، سلسلة من البيانات السياسية فيما يخص حكومة حماس، كتبتها أو أعلنتها تنظيمات محلية أو قناصل أجانب. والمفارقة أن هذه البيانات زعمت جميعاً أن هدفها هو تخليص البلد من الأزمة التي تعيشها، وأن غالبيتها الساحقة لم تتعرض لسبب تلك الأزمة، بل ركزت على أخطاء حكومة حماس. بعبارة أخرى جاء معظم هذه البيانات مثابة اصطفاف ضد موقف حماس الرافض للإعتراف يإسرائيل. كما ساندت هذه البيانات حملات إعلامية في الفضائيات والأرضيات والصحف...الخ. ونشير هنا إلى محاولتين:

    

     الأولى، هي بيان حمل إسم القوى الوطنية وضم معظم القوى من منظمة التحرير الفلسطينية التي تساند "على الخير والشر" سلطة رئاسة الحكم الذاتي وحركة فتح. وقد طرح بيان هذه القوى جملة لم نعهدها في أي عمل سياسي ديمقراطي وهي: "تشكيل حكومة مستقلين مغطاة بشبكة أمان لمدة سنة". أمر عجيب، فأية ديمقرطية هذه التي تُنيط الحكم لطرف لا يُسائله أحد حتى ولو ليوم واحد؟ أليس هذا شكلا من أشكال "المقاولة" أو "المبايعة المفتوحة" أو تسليم الزمام" إنه تكرار لمقاولة "مشروع مدريد ـ أوسلو" الذي نعاني ما نعاني بسببه.

 

      لو قبلت حماس بهذا الاقتراح لكان يعني أن يكلف رئيس الحكم الذاتي مجموعة ممن يلبون توجهاته ليديروا شؤون البلد بما يراه هو. وفي هذا الحال يكون مجلس الحكم الذاتي "مشلولا، مقيد اليدين" لا يمكنه الإعتراض أو سحب الثقة.بل يكون المجلس قد خان ثقة الناخبين الذين أوكلوه بحراسة البلد، وعندها يمكن لهذه الحكومة أن تعقد إتفاقات حل نهائي مع اسرائيل كما تريد اسرائيل، لا أحد بوسعه مناقشتها! ويمكنها تسهيل حياة الفاسدين وربما الإعتذار لهم كأنهم مناضلون جرى تلويثهم. بكلمة موجزة، فإن شبكة أمان كهذه لسنة، هي عبارة غير مسؤولة قطعاً هدفها فقط التخلص من حركة حماس والإصطفاف وراء الحكومات السابقة التي جلبت الويلات، والتي رغم ذلك يقف ممثلوها أمام الكاميرا بكل ثقة وكأنهم "مشروع الخلاص الوطني"

 

     أما المحاولة الثانية، فهي ما كتبه القنصل الأميركي في القدس الشرقية، قنصل لمناطق الحكم الذاتي، لكن قنصليته ترفض التواجد في هذه المناطق مخافة الإعتراف بأية كيانية فلسطينية حتى لو هشة. تقع مقالة أو حديث القنصل مع الصحفيين في نصف صفحة في جريدة القدس يوم 11 اكتوبر، وهي على شكل حديث منه للصحفيين وليس أسئلة من الصحفيين له. أي بعبارة أخرى فإن السيد القنصل يُملي إملاء ولا يُسأل؟ وملخص كل الحديث الطويل للقنصل هو : "المطلوب حكومة تعترف بإسرائيل". والقنصل هنا منسجم مع دوره . فهو قنصل للأراضي المحتلة، لا يقيم فيها، ولا يخدم أهلها، بل يأمرهم، هو في خدمة إسرائيل، ولذلك يقدم هذه الخدمة على أفضل وجه، بل على الوجه الأفضل.

 

       القنصل الأميركي، ليس معنياً بما هي الحكومة، حتى لو حكومة جنرالات للعسف والقمع، أو حكومة فساد مطلق، المهم أن تعترف بإسرائيل أي بمن يحتل أرضها ويقتل أهلها كل ساعة. طيب الله الأنفاس، هذه جرأة لا تُبارى، أو جبن لدينا لا يُبارى.

ألا يردنا هذا الحديث إلى ما كتبناه على مدار سنوات طوال عجاف، بأن الدول المسماة "مانحة" لم يكن هدفها لا التنمية ولا التطوير ولا التحديث ولا المساعدة في الأرض المحتلة، بل كان الهدف تمرير التسوية عبر تسييل فلوس إلى جيوب من يمسكوا بالقرار، ومن يجمُِلوا وجه المانحين أي فريق الأنجزة. وعندما جرت سرقة الفلوس لم يحتج "المانحون" لأنها ذهبت في الطريق التي يريدونها.

 

واليوم لا يقول القنصل المحترم كلمة واحدة عن السرقة الجديدة، سرقة اسرائيل للمقتطعات الضريبية الفلسطينية. ولا أدري إن كان الصحفيون قد سألوه أم لا في الأمر! وكل ما يقوله المطلوب "الإعتراف بإسرائيل".

 

أما والحال على هذا المنوال، فأخشى، ولا أبالغ والله يشهد، أن نصل إلى يوم يصبح مطلوب فيه من كل فلسطيني في الأرض المحتلة أن يعترف خطياً بتعبئة استمارة تؤكد إعترافه بإسرائيل. وبما أن القنصل ممثل للدولة الأغنى، والحكومة الأفقر ديمقراطياً في العالم فما رأيه بهذاالإقتراح؟

 

القنصل قلق على الإعتراف بإسرائيل، ولكنه لا يسأل قط عن 45 ألف أميركي من أصل فلسطيني يجري طردهم من وطنهم على يد الدولة التي يستميت لإرغامنا على الإعتراف بها على أرضنا. أليس هذا هو المندوب السامي الجديد لحقبة العولمة؟

 

إذا كان لا بد من مخرج، فليكن رمي السلطة في وجه من أغوى حماس بها. وإن رفضت حماس هذا، فلتكن حكومة من مستقلين "شرفاء" يمنحهم التشريعي الثقة ويمنعها عنهم.

www.safsaf.org