تجلس هناك مجددا. منذ أسابيع أراها يوميا
تأخذ مقعدها هناك. «ولكن لماذا هناك بالتحديد؟». يتدافع هذا السؤال إلى رأسي على
أية حال. كل مرة أعبر فيها أجدها تجلس هناك. فتاة على قدر مهيب من الجمال. يقدر
عمرها بعشرين عاما. جسد فارع. في الأيام العاصفة كانت خصلات شعرها الطويل تتلاعب
فيها الرياح.
أسير وئيدا عند مروري عليها لأتفحصها عن كثب. أمكث واقفا. ربما كان ينبغي علي
مواصلة الوقوف علني أتمعنها بشكل دقيق. ولكن ماذا عسى المارة أن يفكروا؟ أو ماذا
سيحدث إن رفعت رأسها المحني الحزين ووجهت إلي نظراتها؟ ماذا علي حينها أن أفعل؟
إنها تبدو حزينة فعلا. وأنا على وشك المرور عليها الآن. يداها تبدوان فائقتي
الجمال.
نظرت مرة أخرى إلى الأمام وواصلت شق طريقي، رغم أن أفكاري بقيت معلقة فيها.
ترى هل تجلس هناك؟ الطقس عاصف، برق ورعد ومطر في الخارج، كأنها ستعاود ذلك
الطوفان. نظرت للخارج وتنهدت. علي أن أخرج، أردت ذلك أم لم أرد. هذا العلاج
اللعين، الذي أبقى الوالدة سنوات طويلة على قيد الحياة. آمل أن لا يحدث لي مثل
هذا. إنها قيد السرير لا تقوى على النهوض بنفسها.. تتناول العلاج طيلة اليوم
وكأنه غذاء.
قدمت لوالدتي بعض قطع البسكويت وفنجان شاي، قدرت أن يكفيها حتى أعود ثانية.
غادرت البيت قاصدا الصيدلية.
إنها تجلس هناك. كيف لإنسان أن يجلس هناك في هذا الجو الفظيع؟ قطرات المطر تنساب
على وجنتيها مثل عبرات كبيرة.
لا تتحرك وقد ابتلت إلى حد رؤية بشرتها من خلال ثوبها الخفيف. كم تمنيت الحديث
إليها أو سؤالها لماذا تجلس هنا. ولكن كيف سيكون رد فعلها؟ ورأيت أن لكل واحد
سببا لفعل ما يفعله. فأنا مثلا تحت المطر لجلب العلاج.
ولكن لماذا تجلس هناك؟ تصفر الريح وتطير شعرها المبتل في كل اتجاه. بقيت جامدة
الوجه، تنظر إلى الأرض حزينة. عبرت عليها مجددا دون أن أكلمها. كنت أقوم بالشراء
من الصيدلية بصورة آلية، بينما أفكاري عندها طيلة الوقت.
عند العودة سوف أتحدث معها. تناولت العلاج، استأذنت منصرفا وعدت ثانية إلى
العاصفة في الخارج. أسرعت خطواتي صوب الدكة الخشبية تحت شجرة الزيزفون حيث تجلس.
ما تزال تجلس هناك. كم كانت غارقة في حزنها. أبطأت خطواتي حينما رأيتها ثانية. لم
آبه بالمطر، أنظر إليها فقط. استجمعت كل شجاعتي واتجهت نحوها. اضطربت أفكاري.
اقتربت وئيدا. ضجت الأفكار في رأسي. ماذا سيحدث؟ وقفت أمامها وتمعنت فيها من
رأسها حتى أخمص قدميها. كان شعرها مبتلا. أحدث الماء جداول صغيرة بين شعرها،
وانساب إلى الأسفل. كان ينحدر على وجنتيها، يتجمع على ذقنها ثم يسقط أخيرا إلى
الأسفل. لم تبد أي رد فعل، لم تنبس بكلمة، لم تتحرك. أردت لمسها، لأتيقن من حقيقة
وجودها، لكنني لم أغامر. اعتراني رعب مفاجئ، فاندفعت راكضا حاملا العلاج إلى
المنزل.
توفيت الوالدة. أكد الطبيب هذا صباح اليوم. غرفتها خالية. وأفكاري كذلك. اضطجعت
على السرير منهكا وتعبا بلا حدود، وأخذتني سنة من النوم.
أتجلس هناك في هذه اللحظة؟ وثبت إلى رأسي الفكرة بغتة. دون انتظار، في منتصف
الليل. استرددت قواي بدافع الفضول. الفضول، الذي أنساني ألم وفاة والدتي لبضع
دقائق. نهضت وارتديت ملابسي على عجل ودون عناية فائقة. ولكن من يصادف المرء في
الشارع ليلا. من، عداها؟
الفكرة كانت دافعا بما فيه الكفاية لإعداد كل شيء بانتظام.
لم تكن تجلس هناك. اندفعت صوب الدكة لأنني لم أصدق عيني. تحسست المكان الذي
احتلته دوما. لمست الخشب المبلل بالندى الليلي. مسحت الدكة. لا شيء. إنها ليست
هناك. خاب فألي بصورة مرعبة. حزينا. تخيلت كيف تجلس هناك. كيف يلمع شعرها تحت ضوء
القمر ودمعة تتدحرج على خديها. كيف أمسك بيدها الرائعة، أغلق عليها بيدي وأدفئها.
كيف أركع أمامها وأنا أنظر إلى وجهها الحزين. أتحسس يدها عن قرب وأتمكن من رؤية
ابتسامة على وجهها. أجلس إلى جانبها ممسكا بيدها. أنظر إليها بسعادة.
لقد اختفت. هذه الفكرة تجعلني حزينا بشكل جنوني. لم تكن هناك. هل كانت هناك ذات
مرة؟ هل رسمتها في خيالي كما فعلت توا؟ قررت أن أنتظرها. أتطلع دوما في الاتجاهات
كافة على أمل حضورها. عليها أن تأتي.
جلست هنا لأسابيع طويلة، ولا تفعل ذلك الآن؟ أين هي.
لم تأت. انبلج الصبح وعبر بعض المارة. وحتى لا أراهم نظرت إلى الأرض. ماذا سيكون
رأيهم في، إذا ما نظروا في وجهي، وعرفوا أنني أنتظر أحدهم، لساعات طويلة.
سيعتقدون أنني فقدت صوابي أو شيئا من هذا القبيل.
كنت أحملق في حذائي. حزينا أضع يدي في حجري وأنتظر. ستأتي، إنني متيقن من هذا.
تدحرجت دمعة فوق خدي إلى ذقني، ثم سقطت أرضا.
أجلس هنا وأنتظر. ألهبت شمس الظهيرة عنقي دون أن أحس فيها. احتملت كل هذا خائبا
حزينا. كان علي أن أبدو مثلها. الفكرة تجعلني أكثر وجوما.
حياني أحدهم، إلا أنني تجاهلته. لم آبه له. تحجرت أطرافي وأنا أنتظر. سأنتظرها
حتى لو بقيت جالسا حتى نهاية حياتي.
فقد توفيت والدتي، وليس لدي التزامات من أي نوع.
ستأتي، في وقت ما. أعلم هذا.
الرأي -
* مترجم أردني.