ترجمة: أحمد عثمان

 

في هذا الحوار الذي أجرته مع الكاتب صحيفة “ليمانيتي” الفرنسية السنة الفارطة، يتعرف القارئ الى بعض أفكار أورهان باموق، الفائز بجائزة نوبل للآداب، بصدد الكتابة ودور الأدب، وأثر أعماله في مجتمع قلق مثل المجتمع التركي، ثم المشكلات الثقافية والاجتماعية والشخصية التي تسببها أعمال تقوم أساساً على فقد الهوية التركية و”النيل منها” بتعبير خصومه. هنا نص الحوار:

 

رغما عنه، وجد أورهان باموق نفسه تحت نيران الأحداث الجارية. تصريحاته عن مذابح الأرمن في 1915 كلفته توجيه الاتهام إليه “عن الإضرار بالهوية التركية”. قضية سيئة السمعة بحق، إذا حلمنا أن هذا السؤال أنتج نتاجا معقدا بلا مجاملة ولا أفكار قبلية. مؤلف “اسمي أحمر” “يقدم اليوم الاثبات مع “ثلج”. تحت ثلج سوف يغطي كل شيء، يوافق “كا”، شاعر مقيم في ألمانيا، أن ينجز استطلاعاً عن مدينة منزوية حيث يتفشى وباء انتحار النساء. يجد امرأة لم يفكر مرة واحدة بأنه سوف يتجاسر ويحبها، غير أن هذه السعادة الممكنة ستجابه بالسؤال الذي يشغل بال المدينة. حجاب أو لا؟ أخت صديقته سوف تذهب الى آخر اختياراتها، الذي سيلقي بالمدينة في دراما الأحزاب المتصارعة، العسكر والإسلامويين، وقد مارس كلاهما العنف الدموي.

 

رواية ثرية، حيث المشاهد النفسانية والثقافية والسياسية والتاريخية، تعرض لنا رؤية متعددة الأبعاد لمجتمع تعيش شخصياته على مجابهة الاختيارات الأكثر صعوبة، الواقعة في شبكة من التحديدات الاجتماعية والمجابهة لضرورات البحث عن السعادة والحقيقة. نص واضح حيث ظروف الإبداع الأدبي متورطة بمهارة لا تنتزع شيئا من القدرة المثيرة للذكريات والحضور الشهواني لشخصيات المدينة حيث تختفي النيران ويسيل الدم، والثلج، مفتاح البنية السردية ورمزية الرواية.

 

 هذه رواية تحكي تاريخ شاعر يكتب ريبورتاجا، وليس رجلا يكتب رواية؟

 

 النزعة الصحافية ليست مهنتي. أنا نفسي حصلت على دبلوم الصحافة ولكني لم أمارس المهنة قط. “كا”، بطلي، قريب مني روحيا.

 

 وهذا أعطى الاحساس، بالنسبة لك، بأن الرواية وسيط، أو توليفة بين النزعة الصحافية والشعر؟

 

 أتفق معك، ولكن بالنسبة لهذه الرواية. أرى أن لكل رواية صيغتها. “ثلج” الأكثر صحافية من رواياتي. مقصدي أن أثير الانتباه الى الظروف الانسانية. من ناحية أخرى، أصبحت النزعة الصحافية أو الواقعية أو “الواقعية المفرطة” قريبة للغاية من السوريالية. لست من نمط الكتاب الذين يستطيعون إنجاز كتابة الخبر الصحافي. يلزمني بداية الإلهام، أو أحقق شيئا آخر.

 فضلا عن ذلك عنوان الرواية “ثلج” عنوان قصائد مكتوبة من قبل “كا”؟

 

 هذه أداة ما بعد حداثية قديمة. غير مهمة على نحو كبير. يتمثل الموجود في أن هناك كتابا داخل كتاب، وأن الكتاب شرح للكتاب الموجود داخل كتاب. الكتاب إطار الرواية النهاية.

المهم لدى القارئ، ما هو خارج البنية وحتى الرمزية منها، صورة الثلج تحرر الوجود الحسي القوي.

 

الثلج موجود على كافة المستويات. يمثل جزءا من المنظر، ويضفي مسحة من الجمال على المدينة، انه عنوان الكتاب الموجود داخل الكتاب. انه عنصر درامي، بما أنه من الضروري أن يكون محاصرا حتى تستطيع الأحداث أن تمضي في تركيا المنمنمة. أخيرا، بالتأكيد، تميز كل حبة في حضن التماثل الظاهري للثلج استعارة للظرف الانساني. لا توجد حبتان متشابهتان، ولكن يجب النظر اليها عن قرب، واحدة واحدة، لإدراك الاختلافات التي لا تدوم سوى عشر دقائق من الوجود الفردي للحبة. اذا نظرتم اليها، ستجدون شيئا مثيرا وجميلا. تتبدى شخصياتي، تتمايز وتختفي كما حبوب الثلج...

 

 تحدثت عن مدينة “قارس” كتركيا مصغرة. رجع البطل اليها لكي يعيد إيجاد ما هو أكثر تركية في جذوره، ولكنها أيضا مدينة كوزموبوليتية؟

 

 كان هذا حالها، في الماضي، قبل الحرب العالمية الثانية. كانت المدينة مزدهرة لأنها تتاجر مع الاتحاد السوفييتي. خلال الحرب الباردة، أغلقت الولايات المتحدة الحدود وانهارت قارس خلال خمسين عاما، حتى أصبحت من أفقر مدن تركيا. ولكن كوزموبوليتانيتها تتأتى من كونها، خلال أربعين عاما، كانت مدينة روسية. بعد الحرب الروسية  العثمانية عام ،1878 روسيا، التي كانت تعمل استراتيجيتها على الحصول على منفذ مباشر على البحر المتوسط، احتلتها لمدة أربعين عاما وأنشأت فيها مدينة حديثة، على النمط الغربي. أمضيت فيها يوما وأنا في الخامسة والعشرين من عمري من باب الفضول، وهذه الصفة المزدوجة أثارتني، أيضا بحثت عن مكان لروايتي ، ولذا فكرت من فوري في “قارس”. فضلا عن ذلك نفى الروس اليها ألمانا أيام القياصرة، وستالين، بعد الحرب العالمية الثانية، طالب بعودتها الى الاتحاد السوفييتي كشرط من شروط السلام. واستخدمتها تركيا لكي تبرر انضمامها الى حلف الأطلنطي. احدى نتائج هذا الوضع كان أحد الأسباب القوية لوجود الأمن السري التركي والمراقبة العامة للسكان.

 

 إنها مدينة متفردة، ولكن أين الهوية التركية؟

 

 إنه استغلال للروح التركية عبر الرهانات السياسية. وهذا يمضي عبر المسرح، عبر المشاهد المؤداة لمرتين، في سياقات مختلفة.

 

أفضل عرض المصادر الشخصية. قرأت كثيرا مذكرات كتاب أتراك قدامى، من المتغربين، الذين قاموا بجولات في الأناضول. حكوا عن مغامراتهم مع الفلاحين، مع الشرطة، وكيف أن معتقداتهم اليسارية، النسوية والحديثة اصطدمت مع التقاليد. كانت لديهم عظمة ظرف رجل المسرح، معنى الرسالية، مفردة التاريخ الهيجلي، وحتى الماركسي. تذكرت هذه الملاحظة لماركس بصدد “التاريخ الذي يتكرر” لهيجل: “يتكرر أول مرة كمأساة، وثاني مرة كتهريج”.

 

 المشهد تهريج، غير أنه يلمس وضعا دراميا لدى النساء، يترجم عبر وباء الانتحارات؟

 

 هذه الأحداث حقيقية، وان كانت تخص قرية أخرى مثل قرية “قارس”. الكتاب عبارة عن مأساة وتهريج، سخرية ودراما، بسمة ودموع. انه معنى فكرة كتابي، الذي استعرته من ستندال: “السياسية في نتاج أدبي، طلقة مسدس أثناء الحفل الموسيقي (...). سنتكلم عن أشياء بشعة غير أنني أريد قراءة هذه الأشياء البشعة اللا محتملة.

 

 كما قلت عن حبوب الثلج، هناك قدرية جماعية قوية، ولكن شخصيات متميزة للغاية؟

 

 هي رواية عن الفرد ومجتمعه، عن فرحة الانتماء، وأيضا عن المصاعب التي يواجهها عند البحث عن السعادة الفردية، عن الليبرالية الفردية. كافة شخصياتي مأخوذة في تناقضاتها ما خلا الاسلاميين الراديكاليين، المنتمين كليا.

 

 

 كيف استقبلت الصحافة التركية هذا الكتاب؟

 

 الاسلاميون الراديكاليون والعسكريون العلمانيون أحبوا وكرهوا الكتاب، لحجج متعارضة كليا. الاسلاميون أحبوا أن كاتبا علمانيا من الضفة المقابلة كشف بشرف كيف أن العسكريين الأتراك اضطهدوهم وأن المؤسسة السياسية  العسكرية لا تنشغل البتة بالحرية الدينية ولا بالديمقراطية. غير أنهم تضايقوا أنني صورت “مؤمنا” هو ذا الاسم الذي يستخدمونه  يمارس الحب خارج الزواج: بالنسبة لهم، هذا لا يطابق الواقع. ولكنهم لم يهددوني. العلمانيون، بداية، ثمنوا كون هذا الكتاب هو انعكاس القلق بالنسبة لموضوعات وأدوات الأصوليين، وتقدمهم الانتخابي. غير أن الكتاب أزعجهم لما صور تعذيب الجيش.

 

بالنسبة للنساء، اللائي يمثلن 60% من المنتخبين، رأين أنني منحت اهتماما كبيرا، وتعليلاتهن لشخصياتي الاسلامية، ورأينه على أساس كونه نوعا من الخيانة لهن.

 

 هل أسهم كتابك في تغيير رؤية المجتمع التركي نحو وضعية النساء؟

 

 للأسف لا. من الصعب تغيير التمثلات الكبرى. منذ متى غير كتاب العالم؟
 

منقول عن الصحافة الامارتية

www.safsaf.org