من الاجتياح المغولي إلى العهد العثماني حتى الانتداب البريطاني والاحتلال الأمريكي
لكي نفهم العراق ...
تأليف: ويليام أر. بولك
المقدمة: د. م. عبد الحي يحيى زلوم
ترجمة: د. حازم مشتاق
الكاتب وليام آر بولك ليس كاتباً عادياً، حيث درس في جامعة اكسفورد وهارفارد وحصل على الدكتوراه، وعمل أستاذاً في هارفارد بين 1955 و1961 حين اختاره الرئيس كندي عضواً في مجلس تخطيط السياسة الأمريكية لوزارة الخارجية، حيث كان مسؤولاً عن تخطيط السياسة الأمريكية لآسيا وافريقيا، وكان عضواً في “لجنة إدارة ازمة الصواريخ الروسية في كوبا”. تعلم العربية والتركية في اكسفورد، ودَرَس في جامعة بغداد والجامعة الأمريكية في القاهرة. ساعد في تنظيم “الدائرة المستديرة” التي وضعت مبادئ إنشاء الاتحاد الأوروبي. استدعاه البيت الأبيض سنة 1967 ليعمل مستشاراً لرئيس مجلس الأمن القومي آنذاك مع ماك جورج بندي أثناء حرب الأيام الستة، ثم عمل أستاذاً للتاريخ بجامعة شيكاغو، وأسس هناك “مركز الدراسات الشرق أوسطية”. وكما سيتضح للقارئ فإنه يعرف أدق التفاصيل عن العراق، موضوع كتابنا هذا، وله حوالي عشرة كتب أخرى.وجدت من المفيد أن أضع هذا الكتاب بين يدي القارئ العربي لما يحتويه على معلومات مهمة من عالم تاريخ مارس السياسة وعرف بواطن أمورها على أعلى مستوياتها. اتصلت مباشرة مع وليام بولك وأعلمته بأني قرأت كتابه هذا، وعرّفته أنني مستشار لشؤون البترول أساساً، وأكتب أحياناً حيث كتبت كتباً بالعربية والإنجليزية والألمانية، وأنني أيضاً من خريجي جامعات الولايات المتحدة في الهندسة والإدارة والإدارة العُليا، بما في ذلك كلية الدراسات العليا للإدارة من جامعة هارفارد، وأني أجد من المفيد ترجمة كتابه هذا إلى العربية. أجابني: لقد سرني اقتراحك وأوافق على ترجمتك لكتابي، وأرجو إعلامي اين أستطيع شراء كتبك. فأرسلت إليه آخر كتابين أصدرتهما وهما “امبراطورية الشر الجديدة” و”حروب البترول الصليبية” ثم أرسل لي تفويضاً بنشر الكتاب بالعربية، آملاً أن يكون علماً يُنتفع به. ولقد عَهدت للأستاذ الدكتور حازم مشتاق طالب بترجمة الكتاب إلى العربية. والدكتور حازم تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت، ونال شهادة الدكتوراه من جامعة اكسفورد سنة 1960. كما عمل أستاذاً في الجامعة الأردنية وجامعة بغداد، وأستاذاً زائراً بجامعة كاليفورنيا، وعايش وشارك في أحداث “العراق الثوري”، حيث عمل مستشاراً اعلامياً بسفارة العراق في لندن، ورئيساً لتحرير جريدة الثورة في بغداد. 

 حلقة 6

العراق إلى أين؟ ولمن؟
بلاد من سيكون العراق؟ هل سيكون أمريكياً في شكل من أشكال الهيمنة تحت زعيم عراقي نصبته أمريكا؟ هل سيكون شيعياً تحت حكومة إسلامية أصولية؟ أم سيكون سنياً عربياً بنظام علماني؟ هل سيكون “ديمقراطية موجهة” (اقرأ: ديكتاتورية) تحت لجنة عسكرية مسيطرة أو رجل قوي واحد؟ أم سيكون دولة خاضعة إلى “انتداب” الأمم المتحدة؟ هل سيكون دولة واحدة، أم دولتين، أم ثلاث دول؟ جميع هذه الاحتمالات واردة وممكنة. والاحتمال الذي سيكون الأقوى هو ذلك الذي سيقرره الامتداد الطويل للتجربة العراقية والتيارات التي بدأت تتشكل تحت الاحتلال الأمريكي. ومحاولة التصور المسبق هي الغاية المتوخاة من هذا الجزء الختامي من كتابنا “لكي نفهم العراق”.
معظم هذا الكتاب قد خُصص لإيضاح وشرح الامتداد الطويل للتجربة. ويظهر السجل أن العراق كان طوال آلاف من السنين على نحو متقطع مجتمعاً غنياً وخلاقاً، إلاّ أن فوراته من الازدهار الحضاري العظيم كانت تتخللها كوارث مأساوية، غزوات أجنبية، ودمار هائل، ونظم استبدادية محلية، وانفجارات سكانية، وأوبئة، ومجاعات، وإبادة الجنس. والشعب العراقي أظهر مرونة فائقة وقدرة متميزة على التكيف في مواجهة الشدائد. ولكنه في القرن الماضي تعرّض إلى الانهاك والاستنزاف بفعل هجمات شرسة وعنيفة وشبه متواصلة. والعراق اليوم هو مجتمع جريح.
على امتداد تاريخه الطويل، الفئة الوحيدة التي نادراً ما “امتلكت” العراق كانت شعبه. ولعل آخر مرة امتلك العراقيون فيها بلادهم كانت قبل آلاف السنين في العصر العبيدي. ومنذ ذلك الحين، عندما يضغط عليهم تهديد اقتصادي أو اجتماعي أو عسكري، كانوا في كثير من الأحيان يسعون إلى السلامة بأقصر الطرق. وفي الماضي، الديكتاتوريون، و”اللوكالات”، والرجال الأقوياء، و”ملوك الكل”، و”الزعماء الأوحدون”، و”الرؤساء الأبطال”، كانوا، في كثير من الأحيان، يقودونهم عبر هذه الطرق الأقصر. وكانت قيادتهم تنطوي على ثمن فادح. وعلى الرغم من أن الدروب التي سلكوها نادراً ما قادت إلى الأمان والازدهار، إلاّ أنه كان من الصعب أن يقاوم المرء دعواتهم. وفي كثير من الأحيان، لم يكن لدى العراقيين خيار آخر. وكانوا ينقادون إلى ما يريده الرجال الأقوياء المحليون أو الغزاة الأجانب، إما بالإكراه، أو بالتخويف، أو بالخداع والتضليل. ومع مرور الزمن، أصبح الانقياد عادة. ولذلك، فإن التحدي الذي يواجهه العراقيون اليوم هو أن يكسروا قيود وسلاسل تاريخهم، وأن يعثروا على صوتهم، وأن ينتزعوا حقهم في حكم أنفسهم بما يحقق أفضل مصالحهم. هل يستطيعون أن يفعلوا ذلك؟ إنهم شعب صلب وفخور ومقتدر. ولكن الخيار ليس لهم وحدهم تماماً.
ينبغي أن نقيّم أعمال سلطات الاحتلال في سياق هذا التحدي. هل شجعت تلك السلطات التحرك نحو مجتمع عراقي يكون منفتحاً وحراً ومسالماً، أم أن سياساتها عملت ضد هذه الأهداف؟ هل سينظر المراقبون بعد جيل من الآن إلى هذه الفترة باعتبارها مجرد لحظة فاصلة بين ديكتاتورين؟ قبل تقييم تأثير البرنامج الأمريكي في العراق ذاته، دعونا نتأمل ما أصبح نمطاً للفعل الأمريكي طوال نصف القرن الماضي من الزمان. السياسة الأمريكية التي رسمتها المجموعة ذات التوجه الايديولوجي التي تدعى بالمحافظين الجدد أعلنت أن أمريكا لديها الحق، بل الواجب، في أن تفرض طريقتها في الحياة على العالم أجمع. والعراق كان خطوة أولى في حملة “صليبية” جديدة ستنجز بحرب جوهرها أن تشن بلا نهاية وفي كل مكان. إذا كانت إعادة تشكيل العالم على صورة أمريكا ومثالها هي بالفعل غاية المحافظين الجدد، وإذا كانت الحرب هي الوسيلة التي ينوون اعتمادها، فإنهم تلاميذ خائبون في دراسة التاريخ. والنتائج التي تمخضت عن التدخلات العسكرية الأمريكية تبين نمطاً مختلفاً. غواتيمالا في ،1954 و،1966 و،1972 ولبنان في ،1958 وفيتنام الجنوبية في ستينات القرن الماضي، وجمهورية الكونغو في ،1967 ونيكاراجوا في 1978 و،1982 وجرينادا في ،1983 وباناما في ،1989 والعراق في ،1991 والصومال في ،1993 وأفغانستان في ،2001 وهذا عدد قليل نذكره على سبيل المثال لا الحصر من 35 تدخلاً أمريكياً منذ الحرب العالمية الثانية. ماذا حدث؟ لم تتحول دول غير ديمقراطية إلى دول ديمقراطية. فالديمقراطية إما أن تقوم على الصعيد الداخلي بالجهد الذاتي، أو أنها لن تقوم على الإطلاق، ولم يحدث أبداً أن فرضت على حكومات أو شعوب بأسنّة الحراب.
إلاّ أن الحراب تستطيع أن تقلل من احتمال إقامة مجتمع أكثر تمثيلاً، وأكثر تسامحاً، وأكثر مسالمة، أو حتى أن تجعله مستحيلاً. تأمل أيضاً ذلك الجانب من السجل. المخابرات الأمريكية (بمساعدة المخابرات البريطانية) دبرت في 1953 انقلاباً لإطاحة الحكومة الإيرانية المنتخبة ديمقراطياً التي كان يترأسها محمد مصدق. وهذا العمل أعاد إلى السلطة حكومة الشاه غير الديمقراطية، وأدى إلى الثورة التي أقامت الحكومة الأصولية الإسلامية، وخفضت من قيمة “صورة” أمريكا بوصفها راعية الديمقراطية.
الصلة الوثيقة لهذا الموضوع بالعراق يأتي على نحو ثنائي: الأول: جزئياً بسببه، لأن الشرق أوسطيين يعتقدون أنه عندما تستهجن الولايات المتحدة أية حكومة، فإنها تتحرك “لزعزعة استقرارها”. والثاني، أن النجاح الابتدائي للانقلاب في إيران، الذي يعتبر مثالاً كلاسيكياً للجاسوسية، أرسى أسلوباً تابعته أمريكا في عدة دول أخرى، بما في ذلك العراق. في العراق، قدمت المخابرات الأمريكية مساعدة استخباراتية خفية إلى البعث العراقي لكي تتيح له أن يستولي على السلطة في انقلاب. وكما في إيران، أقدمت الولايات المتحدة على هذه الخطوة لأنها لم تكن على اتفاق مع حكومة قائمة. وحكومة الجنرال عبد الكريم قاسم لم تكن حكومة ديمقراطية، ولكن، كما في إيران، فإن الانقلاب بدأ عملية كانت ستؤدي إلى حكومة أسوأ بكثير من تلك التي سقطت. وكانت أمريكا شريكة ومتورطة في التطهير الدموي التالي الذي طال أعضاء في الحكومة العراقية المخلوعة. هذه الأحداث أقنعت العراقيين أن أمريكا، بينما تتحدث عن الديمقراطية، فإنها تتصرف أحياناً مثل عصابة من عصابات المافيا. وبعض العراقيين الطموحين توصلوا أيضاً إلى نتيجة مفادها أن التجسس “صحيح سياسياً”. وما هو غير صحيح سياسياً كان معارضة رغبات الدول الكبرى. رئيس مجلس الوزراء مصدق في إيران عبث بالنفط. ورئيس الوزراء قاسم في العراق غازل الشيوعيين لفترة قصيرة. وكان عليهما أن يذهبا. وهكذا، عندما يسخر الغرباء بجنون الاضطهاد والارتياب في الشرق الأوسط، فإن العراقيين والإيرانيين وآخرين يتحدثون عن التاريخ.
في أعقاب الانقلاب الذي فتح الطريق، فإن صدام حسين بنى حزب البعث وأخذ السلطة. وعندما دفع بحزم إلى الاستكانة، فإن إدارتي ريغان وبوش الأولى وجدتا سبباً يدعوهما إلى ربط الولايات المتحدة بالصداقة معه. وحتى على الرغم من أن سجل صدام حسين من الطغيان، والتعذيب، والذبح، كان واضحاً بالفعل للعراقيين، وكان معروفاً تماماً في جميع أنحاء العالم، فإنهم أرسلوا مبعوثين رئاسيين (كان أبرزهم دونالد رامسفيلد) في زيارات نالت تغطية إعلامية واسعة؛ لكي يؤكدوا لصدام حسين أن أمريكا تدعمه. وبالإضافة إلى هذا الدعم الدبلوماسي، فإنهم منحوا أو أقرضوا نظامه الأموال والأسلحة، وأمدوه بمعلومات استخبارية حساسة أتاحت له أن يهزم إيران. وعلى الرغم من تنديدهم العلني بمثل هذه التصرفات، فإنهم سهلوا بيع المطعومات للأسلحة الكيماوية والبيولوجية إلى العراق، بالإضافة إلى معدات صنعها، حتى عندما كانوا يعلمون أن هذه الأسلحة كانت تستخدم ضد المدنيين العراقيين. كما أنهم شجعوا الشركات أو سمحوا لها أن تبيع مكونات للأسلحة الذرية.
عند نهاية الحرب العراقية - الإيرانية في ،1988 لم تبد إدارة بوش أية معارضة لنية صدام حسين المعلنة “بتعديل” حدود العراق مع الكويت، بالرغم من أن مثل هذا العمل قد ينطوي على استخدام القوة العسكرية. وعندما ذهب العراقيون إلى مسافة أبعد مما توقع المسؤولون الرسميون الأمريكيون - ما عرّض إلى الخطر ليس المبادئ الأمريكية بل المصالح الأمريكية في النفط والمال- ذهبت أمريكا إلى الحرب. وبعد ذلك، في ،1991 بعد أن هزمت العراق فإنها لم تمنع النظام من قمعه الوحشي لأولئك العراقيين الذين كانوا يحاولون أن يحرروا أنفسهم.
الوقائع والتوجيهات إلى حد هذا اليوم ليست مشجعة. في أعقاب تدمير طغيان صدام حسين، أقنعت أمريكا الكثيرين من العراقيين، وربما معظمهم، أنها لم تحتل بلادهم لكي تنشر الحرية، بل لكي تمارس شكلاً جديداً أكثر تطوراً من أشكال الامبريالية. وفي استطلاع مستقل للرأي العام أُجري مؤخراً، ظهر أن اثنين في المائة فقط من العراقيين العرب ينظرون إلى الويات المتحدة بوصفها قوة تحرير. وهذا النمط من الإنكار أثار لديهم حماسة وطنية تؤجج اليوم ثورة وطنية. وأثناء صيف عام ،2004 شن المتمردون ستين هجوماً على الأقل يومياً على القوات الأمريكية. وأفاد ضابط من فرقة الفرسان الأولى “إذا مكثنا في أي مكان أكثر من خمسة دقائق، فإنهم يبدأون بإطلاق النار علينا”. وإذا تذكر الأمريكيون تاريخهم الخاص، فإنهم لا يمكن أن يصابوا بالدهشة. وأفاد رجل الدولة البريطاني أدموند بيرك، وهو يكتب عن تمرد آخر، الثورة الأمريكية، في 1775 أن “استخدام القوة لوحدها ليس إلاّ إجراء (مؤقتاً)؛ لأنها قد تتغلب للحظة، ولكنها لا تزيل ضرورة التغلب مرة أخرى. ولا يمكن أن تحكم أمة تحتاج إلى إخضاعها على نحو متكرر دائم”. ومع الكلفة العالية للثورة العراقية في الأرواح والممتلكات -أكثر من 1500 من الوفيات المعلنة (والبعض يقدرها بعدة أضعاف ذلك الرقم)، وحوالي عشرة آلاف أسير عراقي محجوزون في السجون الأمريكية- فإنها قد كوّنت ثلاثة اتجاهات جديدة ستشكل مستقبل العراق.
الاتجاه الأول من هذه الاتجاهات هو ذلك الذي يعارض الاحتلال الأجنبي، ودفع الشيعة والسنّة من العراقيين العرب مؤقتاً على الأقل، إلى الوقوف معاً في قضية مشتركة. وقد حدث ذلك لفترة وجيزة في معارضتهم للبريطانيين سنة ،1920 كما أفاد وزير المستعمرات في ذلك الحين وينستون تشرتشل. ولكنهم تحت الاحتلال البريطاني سرعان ما تفرق شملهم وانقسم جمعهم وانشطروا إلى كتلتين. وحصل السنّة على معاملة تفضيلية، في حين أُبعد الشيعة عن المشاركة في الحكومة. وفي 2004 تعمل الطائفتان معاً، أو على الأقل إحداهما بموازاة الأخرى، ضد عدو مشترك، هو الاحتلال الأمريكي. ومن المفهوم، أن الأكراد وقفوا بمعزل عن هذا الصراع الوطني.
على الرغم من انقساماتهم الداخلية المريرة في كثير من الأحيان، فإن الأكراد كانوا يطمحون إلى إقامة دولتهم المستقلة منذ وقت طويل. وقد اقتربوا من تحقيق ذلك الحلم خلال السنوات الأخيرة. واستفادوا من المساعدات المالية ومن التجارة مع تركيا وإيران وسوريا والعراق العربي، فحققوا تقدماً اقتصادياً كبيراً، ما شجع الأغلبية الساحقة منهم على توقيع عريضة يطالبون فيها بالتصويت على الاستقلال، ودفعهم إلى تزيين بلادهم بالأعلام الكردية. وقاموا الآن بما يقرب من توحيد المنظمات المختلفة التي قاتلت في حرب العصابات ضد البعث، وفي كثير من الأحيان بعضهم ضد بعض في ما يشبه جيشاً وطيساً أصبح القوة العسكرية الوحيدة الفعّالة المؤلفة من السكان الأصليين في العراق. ومشاركتهم في الشكل الذي سيكون عليه العراق كائناً ما كان، ستكون دائماً جزئية. ولكن التهديدات التي يخافونها من تركيا وإيران ستجعل ارتباطهم بالعراق الخيار الأقل سوءاً من خياراتهم الحالية. وهاتان القوتان المختلفتان تماماً -المعارضة العربية للحكم الأجنبي والخشية الكردية من التدخل الأجنبي- سيدفع العراق إلى البقاء متماسكاً كدولة واحدة، وعلى الرغم من أنه ربما سيضطر إلى الاعتراف بانقساماته العميقة بالتحول إلى دولة فيدرالية، والذهاب إلى أبعد من الفيدرالية في محاولة ترمي إلى “بلقنة” العراق، ستحوله إلى بلقان شرقي  هيجان عاصف من المجموعات الإثنية. وفي الحد الأدنى، فإن تفتيت العراق إلى أجزاء سيؤدي إلى هجرة الجماعات الإثنية والجاليات الدينية من منطقة إلى أخرى، ويعطل الخدمات العامة، ويعيق التجارة، ويسبب خروقات هائلة لحقوق الإنسان، ويمنع التئام الجروح التي تخلفت عن عهد صدام.
الثورات الوطنية ضد الاحتلال الأجنبي، وهي الاتجاه الثاني، تجرد الطرفين من القشرة الرقيقة للمدة التي تفصلنا جميعاً عما هو حيواني. وإذا امتد الصراع مدة طويلة كافية، فإن اكتساب عادة العنف سيؤدي بالمجتمع إلى الانفصام عن مفاصله. وستتوقف مؤسساته الأساسية عن أداء وظائفها، وسيتخاصم الجيران، وحتى العوائل ستفقد اللحمة والوئام، وستمحى الخطوط المعتادة التي تفصل السلوك المقبول عن الجريمة. عند ذاك ستتداعى مجتمعات بكاملها. وهو ماحدث في الجزائر في خمسينات وستينات القرن الماضي، وفي فيتنام في الستينات وأوائل السبعينات. وهو ما يحدث اليوم في أفغانستان وكشمير والشيشان، وفي دزينة من البلدان الأخرى. ويتوقف ما يمكن أن يحدث للعراقيين على مدى استمرار الصراع ومدى العنف الذي سيرافقه. ولكن العراقيين يمكن جرهم إلى حضيض من التفكك الاجتماعي ما يجعلهم يتخلون عن محاولة الوصول إلى مجتمع عادل ومسالم. وفي مثل هذه الظروف، يصبح ظهور “أمراء الحرب”، (كما في أفغانستان) أو ديكتاتور جديد “شبح صدام” أمراً حتمياً. وعلى هذا النحو، فإن حقيقة التدخل العسكري الأمريكي في العراق ذاتها تؤكد اتجاهات أعلنت أمريكا أنها ترغب في تفاديها.
الذين يدافعون عن سلطات الاحتلال يشيرون إلى حقيقة كون أن تلك السلطات تحركت تصاعدياً بكل السرعة المدروسة من “مجلس سياسي”، إلى “مجلس حكم”، إلى “سلطة مؤقتة”، وصولاً إلى جمعية معينة صادقت على تثبيت وزراء نصبهم الأمريكيون، ويوجههم “مستشارون” أمريكيون، ويعملون تحت إمرة رئيس وزراء اختاره الأمريكيون. صحيح، أن المرحلة الأخيرة من العملية قد تركت مساحات كبيرة من الحكومة “محجوزة” في أيادٍ أمريكية، تماماً كما فعل البريطانيون في العشرينات. وسيحتفظ الأمريكيون بالسيطرة المطلقة على الشؤون العسكرية، والمالية، والخارجية، والنفط، وسيستمرون في التأثير على اختيار الموظفين الكبار.
خذ أولاً الموظفين العراقيين في الحكومة التي نصبها الأمريكيون. بتوظيفهم عملاءهم في المناصب الرسمية، دون أي اعتبار لمكانتهم بين العراقيين، سارت سلطة الاحتلال على الطريق الذي اختطه البريطانيون في العشرينات. ومثل فيصل، الذي نصبه البريطانيون ملكاً على العراق في ذلك الوقت، كذلك أحمد الجلبي وإياد العلاوي كانا عميلين أمريكيين مدفوعي الأجر. فيصل لم يعش أبداً في العراق. والجلبي كان خارج البلاد منذ الثالثة عشرة من عمره. وإياد علاوي كان في الخارج طوال حوالي خمسة وثلاثين عاماً، وهي مدة أطول من تلك التي قضاها معظم العراقيين على قيد الحياة. وكان الجلبي المرشح المفضل لدى زمرة المحافظين الجدد التي رسمت سياسة إدارة بوش نحو العراق. وقد تخلوا عنه على مضض وبتردد. وفعلوا ذلك ليس عندما أصبحت خلفيته المالية الإجرامية معروفة -وهذه كانت معروفة قبل الغزو بوقت طويل- ولا عندما لم يستطع أن يقدم كشف حساب للمبلغ الذي يزيد على ثلاثين مليون دولار دفعتها له الحكومة الأمريكية، ولا عندما أصبح معروفاً أنه يستغل صلاته بالسلطات الأمريكية للإثراء غير المشروع، على حساب عراقيين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. ولكنهم تخلوا عنه عندما أصبح موضعاً للشك في أنه نقل إلى إيران معلومات عن جهود أمريكا في فك الشيفرات، وأنه متورط في تزييف النقود.
وبعد إزاحته من الطريق، ركزت سلطة الاحتلال اهتمامها على إياد علاوي. وبحسب استطلاعات مستقلة للرأي العام في ابريل/ نيسان ،2004 فإنه كان الشخصية الأكثر تعرضاً للكره في مجلس الحكم. وهو مسؤول بعثي كبير سابق، قيل إنه كان “منفذاً.. للعمليات القذرة.. ويداه ملطختان بالدماء” عمل في جهاز صدام الاستخباري السري الخاص الذي يتولى قمع الخصوم والمعارضين والأعداء. (بحسب ضابط سابق كبير حسن الاطلاع في المخابرات الأمريكية). وقطع صلته بصدام وانقلب عليه في السبعينات، وحاول العملاء العراقيون أن يغتالوه. وبعد ذلك، وطلباً للثأر، عمل انطلاقاً من لندن وكردستان، وقاد مجموعة تمولها المخابرات الأمريكية وتدعى “الوفاق”، في هجمات إرهابية معادية لصدام، وقيل إن إحداها كانت تفجير باص مدرسي كان مملوءاً بالأطفال. وكان يبدو في الظاهر أن مبعوث الأمم المتحدة وزير الخارجية الجزائري السابق الأخضر الإبراهيمي هو الذي اختاره رئيساً للوزراء. ولكن سلطة الاحتلال هي التي اختارته في الواقع.
السياسة الأمريكية حول الجيش العراقي لم تكن أقل رعونة، ولكنها كانت أيضاً في النهاية أشد خطورة. في البداية، اقترح الجنرال غارنر تحويل تلك الوحدات العسكرية العراقية، التي كانت ما تزال قائمة بعد الغزو، إلى كتائب عمل. وكانت تستطيع القيام بأعمال الصيانة الضرورية والطارئة، وتدفع لها أجوراً لقاء عملها. وكانت تلك فكرة معقولة، ولعلها كانت ستنجح في التطبيق. ولكن بديل غارنر، بول بريمر قلب هذه السياسة رأساً على عقب، وقام بتسريح مئات الآلاف من الجنود، وأرسلهم إلى بيوتهم، متجهمين، وجياعاً، ومفلسين، ولكن سمح لهم بأن يحتفظوا بأسلحتهم. وانحرف كثيرون منهم إلى الجريمة، بدافع اليأس أو الطمع. وآخرون أصبحوا القبضة المسلحة للحركة الوطنية المعادية للأمريكيين. ودفع الجيش الأمريكي ثمن سياسة بريمر بالدم. كانت هذه السياسة سيئة، ولكن ما هو أسوأ بكثير (على الأقل بالنسبة إلى مستقبل العراق) بوشر بتنفيذه أيضاً في ذلك الوقت. وفي مواجهة الانتقادات حول ازدياد عدد الإصابات الأمريكية، التي فاقت الألف قتيل وربما وصلت إلى عشرة آلاف جريح، قررت السلطات الأمريكية إعادة بناء القوات العراقية العسكرية والأمنية. وكان الهدف هو استخدام “العراقيين المدجنين” في محاربة العراقيين “الجامحين”.
كثير من العراقيين يعتقدون أن الدافع الحقيقي للغزو الأمريكي لم يكن الخوف من الخطر العراقي على أمريكا، بل كان الطمع في نفطه. والحقيقة هي أن الحصول على نفط الشرق الأوسط بشروط مقبولة، كان دائماً يصنف بوصفه واحداً من ثلاثة أو أربعة أهداف أساسية توختها الإدارات الأمريكية الديمقراطية والجمهورية معاً طوال نصف القرن الماضي. ومن المؤكد أن السعي إلى ذلك الهدف سيتواصل ويستمر. وسواء كانت أو لم تكن السيطرة على الإنتاج العراقي هي السبب الرئيسي للغزو، فما لا يمكن إنكاره هو أن السياسة الأمريكية حول النفط ستلعب دوراً أساسياً في تشكيل العراق. ولذلك، كل معني بالعراق -أو بالاقتصاد الغربي- يحتاج أن يدرك بالضبط ما هو كنه هذا الموضوع الذي هو على المحك هنا.
انطلاقاً من تجاربهم الطويلة مع المستغلين الأجانب، ومن ذكرياتهم القريبة عن “سياسة النفط الخام”، يصبح من المؤكد تقريباً أن العراقيين سيردون على “الامبريالية النفطية” بعداء لا ينتهي. ومن هنا، فإن ما يحدث للنفط يترك تأثيراً بارزاً على الأمن في العراق. والآن فإن الهجمات على خطوط الأنابيب ومنشآت أخرى تؤشر الاستعداد العراقي لاستخدام ما سماه “الإسرائيليون”، بالنسبة إلى أنفسهم، ب”الخيار الشمشوني”: أي الاستعداد لتقويض المعبد بدلاً من خسارته للعدو.
السياسة العسكرية في العراق هي أيضاً تعيد إلى الذهن ما حدث في الثورة الأمريكية. ولو كانت سلطات الاحتلال وعت جيداً دروس تاريخها الأمريكي، لعلمت أن وجود القوات البريطانية في بوسطن هو الشرارة التي أشعلت الثورة الأمريكية. الجنود والمدنيون هم جيران سيئون، ولكن سلطات الاحتلال، إلى صيف ،2004 وضعت قوات أمريكية في المدن العراقية. وكان من المحتوم، أن تتراكم الحوادث الصغيرة، وسوء الفهم الناشئ من عدم قدرة الطرفين على أن يتكلم أحدهما بلغة الآخر. والخوف، وأن تؤدي كلها إلى انتشار العداء. وأخيراً، القيادة العليا أدركت الخطر وسحبت إلى حد كبير قواتها من المدن إلى قواعد ريفية. وحتى لو لم تستأنف الهجوم ضد المدن في سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول، فإن ذلك لم يكن ليكون إلاّ مجرد حل جزئي للمشكلة. وتلك القواعد أقيمت فوق أو بجوار مواقع أثرية عراقية في كثير من الأحيان، وبذلك عرضت إلى الخطر كنوزاً حضارية لا تقدر بثمن أو دمرتها بالفعل.
وفضلاً عن ذلك، فإن العراقيين، في ذاكرتهم الأقرب، ينظرون إلى تلك القواعد بوصفها تهديدات تمس شرفهم الوطني واستقلالهم السياسي وأمنهم القومي. وقد أعطتهم أمريكا أسباباً وجيهة عدة تدعوهم إلى هذا الاعتقاد، لأنها لم تخف خططها الرامية إلى استخدام العراق كقاعدة عسكرية رئيسية في الشرق الأوسط. ومن الفوائد التي قدمتها لهذه السياسة، أنها تزيل وضعاً مثيراً للحساسية من العلاقات السعودية - الأمريكية. ولكن العراقيين، الذين يتذكرون كيف قامت بريطانيا بانسحاب مماثل إلى قواعد نائية في العراق، واحتفظت بها بعد مرور مدة طويلة على “الاستقلال”، واستخدمتها في إطاحة حكومة عراقية (حكومة الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني في سنة 1941)، سوف ينظرون إلى القواعد الأمريكية، كما نظروا من قبل إلى القواعد البريطانية، بوصفها سيوفاً مسلطة على رقابهم. والأسوأ من ذلك، بعد أن استمعوا إلى ما يعلنه المحافظون الجدد في واشنطن، فإن القوميين سيرون أن العراق يتحول إلى محطة متقدمة وقاعدة أمامية للسياستين الأمريكية و”الإسرائيلية” معاً.
السياسة “الإسرائيلية” هي الآن عامل مهم في السياسة العراقية، وستبقى كذلك في المستقبل تحت أية حكومة منظورة. والعراقيون يرون “إسرائيل” بوصفها محطة كولونيالية غربية أمامية في الشرق الأوسط. ويساورهم الخوف بالأخص من الحكومة الحالية. ولكنهم، منذ الثلاثينات، كانوا يعتقدون أن بريطانيا أوجدت “إسرائيل” لكي تهدد العالم العربي وترغمه على الإذعان للمطالب البريطانية. ومثل بقية العرب، يتخوف العراقيون من البرنامج “الإسرائيلي” المكثف في صنع اسلحة الدمار الشامل وإنتاجها. وأخيراً، فإنهم يتعاطفون مع الفلسطينيين الذين فقدوا وطنهم، والذين يعيشون اليوم تحت ما يعترف “الإسرائيليون” بأنه احتلال وحشي. هذه الأحداث وما يرى العراقيون أنه اليد الخفية للامبريالية الغربية وراءها، تشكل مستودعاً من الغضب والإحباط والشعور بالعار. ويعود السبب جزئياً في هذه الكراهية العارمة، التي يبديها العراقيون للولايات المتحدة، إلى أن العراقيين يلقون بالمسؤولية في كل ذلك على الولايات المتحدة، ويرون أنها القوة العسكرية والمالية التي تدعم ما يعتبرونه السياسة “الإسرائيلية” العدوانية. ويستتبع ذلك أن الولايات المتحدة، إذا عقدت مؤتمراً إقليمياً تسوده أجواء الإنصاف والعدالة للتباحث في المظالم، والسعي إلى التوصل إلى حلول في معالجة هذا الجرح المتقيح، فإن تأثيرات ذلك في العراق ستكون درامية ومثيرة.
لدى أمريكا اليوم خياران في العراق: أن تبقى أو أن ترحل. و”مواصلة السير على النهج نفسه”، إذا استخدمنا العبارة التي يكررها جورج بوش، هو الخيار الذي تراهن عليه إدارته، وأنا أكتب هذه السطور. أمريكا تواصل محاولتها إحلال الأمن بالقتال ضد المتمردين، وتواصل سيطرتها على صناعة النفط والقطاعات الرئيسية الأخرى في الاقتصاد العراقي. وهي تتولى “توجيه” معظم الجوانب الأخرى في الحكومة من خلال “مفتشين عامين” تقوم هي بتعيينهم، والشركات الأمريكية تواصل هيمنتها على الاقتصاد.
في أحسن الأحوال، “مواصلة السير على النهج نفسه” لا يمكن أن يكون إلاّ تدبيراً مؤقتاً، لأن أمريكا ستضطر في آخر المطاف إلى الرحيل. ولكن أثناء الفترة التي ستبقى فيها، ربما حتى السنوات الخمس المقبلة، فإنني أخمن أن ثلاثين أو أربعين ألفاً أخرين من العراقيين سيموتون أو يقتلون، بينما ستخسر القوات المسلحة الأمريكية ربما خمسة آلاف قتيل وعشرين ألف مصاب بجروح بليغة. أما الكلفة النقدية فستصل إلى مئات البلايين. تأمل ما تعنيه هذه الأرقام.
البديل، الرحيل عن العراق، ليس سياسة واحدة، ولكنه يعرض نوعين مختلفين تماماً من السلوك. أحدهما يمكن أن يسمى “الفتنمة”. في فيتنام، سعت أمريكا إلى تسليم الحرب إلى حكومة الجنوب وجيشه، ولم يدم أي منهما طويلاً. وبما أن أياً منهما لم يكن موجوداً في عراق ما بعد صدام، كان لابد من إقامة حكومة وجيش لكي تحصل أمريكا على خيار تنفيذ هذه السياسة. وكما كنت قد كتبت؛ فإن عدداً قليلاً فقط من المراقبين يعتقدون أن أياً منهما سيبقى قائماً بعد الانسحاب الأمريكي. وأفضل ما يمكن أن تكسبه أمريكا إذا امتدت العملية عدة سنوات، هو الحصول على ورقة تين لكي تغطي الهزيمة. والأسوأ، في حالة وقوع انهيار سريع، سيكون انسحاباً ذليلاً مجللاً بالخزي والعار، كما حدث في فيتنام.
الشكل الأفضل “للخروج”، النوع الثاني من السلوك، ينطوي على الاختيار وليس الاضطرار. الوقت رصيد مخرّب، وكلما استغرق تأجيل الاختيار وقتاً أطول، أصبح ذلك الاختيار أصعب. والخطوات التي يتطلبها تنفيذ هذه السياسة لا تحتاج أن تكون درامية ومثيرة، ولكن العملية تحتاج إلى التأكيد. وعلى هذا النحو، يمكن للخطوات الأولى أن تكون لفظية ليس غير. وينبغي على أمريكا أن تعلن أولاً، بطريقة واضحة لا تقبل التأويل، أنها ستتخلى عن إغلاقها للاقتصاد العراقي، وستتوقف عن إنفاق الإيرادات العراقية كما تهوى وتشاء، وستسمح للإنتاج العراقي من النفط أن تتحكم فيه قوى السوق وليس الاحتكار الأمريكي. وإذا أمكن أن توجد إدارة أمريكية تمتلك من الشجاعة ما امتلكه الجنرال شارل ديغول في الجزائر، عندما اعترف أن التمرد الجزائري قد “انتصر” ودعا إلى “سلام الشجعان”، فإن القتال سيخمد بسرعة كما خمد هناك (في الجزائر)، وفي جميع حروب العصابات الأخرى. عند ذاك، وعند ذاك فقط، تصبح الانتخابات ذات معنى. وفي هذه الفترة، سيحتاج العراق إلى قوة شرطة ولكن ليس إلى جيش. قوة متعددة الجنسيات للمحافظة على السلام تابعة للأمم المتحدة ستكون أسهل وأرخص وأسلم من انشاء جيش عراقي، كان في الماضي قد دمر الخطوات نحو مجتمع مدني، ومن المحتمل أنه سيفعل ذلك مجدداً، ومن المحتمل أنه سيمهد الطريق بالفعل لصدام حسين آخر.
 
**
 

5 حلقة

                                العراق تحت الاحتلال الأمريكي

الغزو العراقي للكويت كان فاتحة فترة أسميها “العراق الأمريكي”، لأنه منذ 1990 وحتى الآن كان الفعل الأمريكي في الأعم الأغلب هو الذي قرر مجريات الأمور وتطورات الأوضاع. وكان تتابع الحوادث الواحدة بعد الأخرى قد جرى بسرعة فائقة، بحيث أنها تبدو في معظم الأحيان غير مفهومة أو ضبابية في ضوء ما تبعها في وقت لاحق. وسأسعى هنا إلى إيضاح العلاقات الداخلية بين الوقائع وبيان الصورة النمطية التي نجمت عنها وتولدت منها.
رد الفعل الأمريكي الأولي على غزو العراق للكويت كان متردداً، وكان ذلك قد نتج عن موضوعتين أساسيتين تحكمتا في السنوات الخمس عشرة من “العراق الأمريكي”. وهاتان الموضوعتان هما: سوء الفهم والتضليل.
كما رأينا، كانت “الإشارات” التي أرسلت للرئيس العراقي في غضون العام 1990 قد شكلت ما اعتبره قبولاً أمريكياً بهجومه على الكويت، وبدأت تلك الإشارات بسوء الفهم على الأقل. وبينما لا تزال الوثائق المعنية غير متوافرة، وهي على كل حال قد لا تعبر عن طريقة تفكير المسؤولين الرسميين الأمريكيين، فإنني أعتقد أنها ستوضح في النهاية أن المسؤولين الرسميين الأمريكيين كانوا يظنون أن صدام لم يكن يريد سوى تسوية النزاع الطويل الأمد حول الحدود العراقية  الكويتية. وكانت الحدود مسألة في غاية الأهمية، بالأخص في أقصى الجنوب العراقي، حيث لم يمتلك العراق إلاّ منفذاً واحداً صغيراً فقط على الخليج. وكان العراق قد ذهب بالفعل إلى الحرب مع إيران بسبب النزاع حول ذلك المنفذ جزئياً. وفي سياق مناقشة جرت بيني وبين وزير خارجية العراق في ذلك الوقت، طارق عزيز، سنة ،1983 تطرق الحديث إلى مشكلة الخلاف حول الحدود الكويتية. وكانت حجته، والمسؤولين العراقيين الآخرين، هي أن طريقة ترسيم الحدود أعاقت حصول العراق على منفذ على الخليج، وطرحوا هذا الموضوع في محادثاتهم مع الكويتيين من حين إلى آخر. العراق يحتاج إلى منفذ، وما أرادوه كان قليلاً في قيمته بالنسبة إلى الكويتيين. ودفع الكويتيين إلى التفاوض كان التفسير الأفضل للتصريحات المتكررة بأن حكومة الولايات المتحدة لا تتدخل في النزاعات الحدودية بين الدول العربية. وإذا لم يستجب الكويتيون، فمن المحتمل أن إدارة بوش الأب كانت مستعدة للتسامح مع استيلاء عراقي محدود على قطعة صغيرة من هذه الأرض الجرداء، وهذا التفسير أكدته السفيرة ابريل غلاسبي في مقابلة صحفية نشرتها جريدة (النيويورك تايمز) بعد الغزو مباشرة. وأفادت أن أحداً من المسؤولين في الحكومة الأمريكية لم يكن يخطر على باله أن العراقيين سيستولون على الكويت “بالكامل”.
إذا كان المسؤولون الأمريكيون قد تفاجأوا بالاستيلاء على الكويت كلها، فإنهم كانوا تلامذة خائبين وفاشلين في التاريخ والاقتصاد معاً. طوال ثماني سنوات كان العراقيون يعتبرون الكويت بقية باقية من الإرث الإمبريالي، اقتطعت “بطريقة مصطنعة” ما أصبح يعرف بالعراق فيما بعد، وهي لهذا السبب جزء لا يتجزأ من العراق من الناحية القانونية الشرعية.
يبدو أن مالم يحسب صدام حسابه جيداً هو أنه وضع يده في شيئين لا يمكن للدول الكبرى أن تتسامح مع التدخل فيهما، هما: المال والنفط. وهذان الشيئان، وليس الاعتبارات الأخلاقية أو القانونية، هما اللذان جعلا الكويت تختلف عن غوا والتيبت وتيمور الشرقية. وكما أفاد عضو الكونجرس الأمريكي في ذلك الوقت: “لو كانت الكويت تنتج الموز بدلاً من النفط، لكان من المحتمل أن يقابل اغتصاب صدام بالتسامح”.
بسرعة غير مسبوقة، تبددت المفاجأة التي اجتاحت الغرب. وفي مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مررت الولايات المتحدة القرار رقم 660 بموافقة 14 صوتاً على صفر، وكان القرار يقضي بالانسحاب العراقي الفوري. والأهم حتى من كل ذلك، أن الخصمين القديمين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، أصدرا بياناً مشتركاً يشجبان فيه الغزو العراقي. ومن المحتمل أن صدام توقع هذه الخطوات وأسقطها من الحساب. ولكن ما هو أهم وأخطر كان قرار مجلس الأمن المرقم ،661 الذي صدر بعد أيام قليلة، والذي ينص على مقاطعة تجارة العراق عبر البحار.
في محاولة للاستجابة، عرض صدام مقترحه الأول للخروج من الأزمة. وفي الشهور التي أعقبت ذلك، عرض مقترحات أخرى. وتقدمت كل من الأردن والمغرب وليبيا وفرنسا ويوغسلافيا، بمقترحات متعددة ومختلفة. ولكنها كلها قوبلت بالرفض من جانب الولايات المتحدة و/أو العراق. ولعل أهم محاولة لتحاشي الحرب كانت تلك التي قام بها العضو في “مجلس الأمن” (الذي أصبح رئيساً للوزراء في وقت لاحق)، الدكتور ايفجيني بريماكوف. وقام بريماكوف بزيارتين إلى بغداد في شهر تشرين الأول. وكما أخبرني في وقت لاحق، فإنه أقنع صدام بالموافقة على الانسحاب من الكويت بشرطين: الأول، أن تنسحب القوات الأمريكية أيضاً، والثاني، أن يعقد مؤتمر دولي يتولى تسوية جميع المشكلات البارزة العالقة في الشرق الأوسط، بما في ذلك مشكلة الأسلحة النووية ومشكلة الصراع “الإسرائيلي”  الفلسطيني. طار بريماكوف بعد ذلك إلى واشنطن حيث نقل إلى الرئيس جورج بوش في 1 أكتوبر/ تشرين الأول ما عرضه صدام. وقد أخبرني بريماكوف أن الرئيس بوش ظهر عليه أنه قد فوجئ بهذا العرض وقال: “هذه هي أول مرة أسمع فيها بمثل هذا العرض. ما هي المدة التي ستمكثها في واشنطن؟” فأجابه بريماكوف، “سأبقى في واشنطن المدة الضرورية، سيدي الرئيس”. عندئذٍ قال بوش “أعطني بعض الوقت، وسأعاود الاتصال بك”. وكان بريماكوف يتناول طعام الغداء في دار الضيافة الرئاسية، عندما دخل أحد مساعدي الرئيس وبادره بالقول “قد يكون من الأفضل أن تحزم حقائبك”.
الحقيقة، أن إدارة بوش كانت قد عقدت العزم بالفعل على الحرب، وكانت غير مستعدة للتفاوض من أجل إنهاء الأزمة. واعتبرت العرض الذي نقله بريماكوف بمثابة “وضع العصي” في عجلات سياستها في محاولة ترمي إلى إخراجها من مسارها.
في هذا الوقت في الكويت، واصل العراق النمط المتوحش الذي تبناه في قمع الأكراد والشيعة، تدمير الممتلكات، والاعتقالات، وأعمال التعذيب، والإعدامات. وربما أعدم ما يصل إلى ألف كويتي باعتبارهم أعداء الدولة (الجديدة). وأضاف العراق جريمة أخرى إلى هذه الجرائم المريعة، وهي جريمة السلب والنهب على نطاق واسع.
بعد ذلك اكتسبت الأحداث حياة خاصة بها. وفي الأيام الأولى من العام ،1991 احتشد في منطقة الخليج نحو 000.250 جندي ومالا يقل عن 1000 طائرة، وما يقرب من 30 سفينة حربية قادرة على إطلاق الصواريخ أو إطلاق الطائرات. وبالإضافة إلى ذلك، احتشدت قاذفات القنابل من طراز باء -1 وباء -2 وباء -52 البعيدة المدى في قواعد تقع ضمن مديات الأهداف العراقية.
على الرغم من الجهود الدبلوماسية التي بذلت في الدقيقة الأخيرة، رفض صدام أن يستجيب أو يستسلم، بما في ذلك اجتماع متوتر استغرق ست ساعات بين وزير الخارجية الأمريكية جيمس بيكر ووزير الخارجية العراقي طارق عزيز، عقداه في جنيف. ومن المحتمل أنه كان ما يزال يعتقد أن التحالف سينفرط عقده أو أن الأمريكيين سيتراجعون عند الوصول إلى الحافة. ولعله كان يخشى أنه إذا تصور الناس أنه يدير ظهره ويولي الأدبار هارباً فإن جيشه ذاته سيطيح به. ومن المؤكد أنه أخطأ الحساب وأساء التقدير. وفي آخر لحظة، بتاريخ 13 يناير/ كانون الثاني ،1991 طار الأمين العام للأمم المتحدة خافير بيريز دي كويار إلى بغداد، ولكن صدام لم يتزحزح عن موقفه.
جاءت الحرب في 17 يناير/ كانون الثاني ،1991 ومثل الغزو الأمريكي في سنة ،2003 لم تكن أبداً مباراة متكافئة بين ندين. كان لدى العراق في ذلك الوقت جيش أكبر مما كان لديه في سنة ،2003 ولكنه كان جيشاً مسلحاً بمعدات عسكرية قديمة مستهلكة، وكان ضعيفاً في القيادة والسيطرة، وكان يفتقر كلياً تقريباً إلى الأسلحة المتطورة ذات التقنية العالية. ولم يكن لدى العراقيين ما يماثل أو يوازي الأسطول الجوي الهائل الذي سيقوم بما يزيد على 106000 طلعة ويسقط 88000 طن من القنابل. وأطلقت أيضاً على أهداف عراقية نحو 300 من صواريخ توماهوك  كروز الموجهة، يحمل كل منها نصف طن من المواد الشديدة الانفجار. هذه الهجمة الجوية المكثفة دمرت العراق قبل وقوع أي اشتباك بين القوات البرية.
في نوبة من الغضب العقيم، أطلق العراقيون عدداً قليلاً من الصواريخ على “إسرائيل”. ومن المفترض أن حساباتهم جعلتهم يعتقدون أنه إذا ردت “إسرائيل” بضربة انتقامية، فإن الأعضاء العرب في التحالف سينسحبون، كما أنهم أطلقوا أيضاً عدداً قليلاً من الصواريخ على المملكة العربية السعودية. ولم يؤد أي منها إلى حدوث ضرر فادح. الضرر المريع في الحقيقة كان قد حدث في الكويت حيث أشعلت النار في نحو سبعمائة بئر نفط اعتباراً من 22 يناير/ كانون الثاني، وسمح للنفط أن يتدفق إلى الخليج ويشكل بقعة مساحتها 350 ميلاً مربعاً، أو 900 كيلومتر مربع).
حتى بعد الوصول إلى هذه النقطة، جرت محاولات ترمي إلى إيقاف القتال. وحدثت مظاهرات شعبية كبرى في جميع أرجاء أوروبا وأمريكا، والبابا يوحنا بول الثاني دان الحرب، والرئيس جورباتشوف قدم خطة أخرى للسلام. ويبدو أن الرئيس بوش شعر بقلق شديد من أن تؤدي الأحداث أو المقترحات إلى إجهاض الهجوم. وفي السيرة التي كتبها هو وبرنت سكوكروفت عن فترة رئاسته بعنوان “عالم متغير”، أفاد بوش أنه “في وقت مبكر من صباح يوم الجمعة الموافق 15 فبراير/ شباط 1991 جاء أحد موظفي البيت الأبيض إلى غرفة نومنا، حيث كنا باربرا وأنا نتصفح الصحف ونرتشف القهوة، وأخبرنا أنه سمع أن بياناً عراقياً سيصدر في السادسة والنصف من العراق. فتحت التلفزيون، وانتظرنا الساعة السادسة والنصف. وأفاد بأن العراقيين قد أعلنوا أنهم سيمتثلون للقرار ،660 بما في ذلك البند المتعلق بالانسحاب من الكويت. وبدلاً من أن يتملكني الابتهاج، شعرت أن قلبي قد غاص”. بوش كان يريد أن يذهب إلى الحرب.
في 24 فبراير/ شباط، معتبرين أن الجيش العراقي قد جرى إنهاكه بطريقة فعالة، بدأ الأمريكيون هجومهم البري. وكان العراقيون قد بدأوا ينسحبون بالفعل في 25 فبراير/ شباط، ولكنهم تعرضوا إلى مذبحة على “طريق الموت”. ولم تكن حروب الشرق الأوسط قد شهدت مذبحة بهذا المستوى منذ أن استولى هولاكو على بغداد (سنة 1258). وحاول صدام أن يتفاوض حول الشروط، ولكنه استسلم في النهاية بتاريخ 27 شباط. عند ذلك، أعلن الرئيس بوش إيقاف إطلاق النار. وكانت خسائر الحرب فادحة في الأرواح. ومن المحتمل أن عدد القتلى من المدنيين وصل إلى عشرة آلاف، ومن العسكريين إلى ثلاثين ألفاً. وبالمقارنة النسبية مع عدد السكان، فإن تلك الأرقام تصل إلى خمسة أضعاف الخسائر التي تكبدتها أمريكا في حرب الفيتنام.
وعلى الرغم من أن القوات البرية الأجنبية كان وجودها مقتصراً على المناطق الحدودية، إلاّ أن إمكانية القيام بتدخل جوي واسع النطاق بقيت قائمة. لم يكن هناك تفويض واضح من الأمم المتحدة للسيطرة على المجال الجوي العراقي، ولكن منطقة شمالية لحظر الطيران أقيمت في نيسان 1991 بذريعة حماية الطائرات التي تنقل معونات الغوث إلى الأكراد. حظر الطيران العراقي شمال خط العرض 36 بقي قائماً بأسماء مختلفة حتى عام ،1998 وفي الجنوب أقيمت منطقة مماثلة بعد أربعة شهور. وكانت تقضي بحظر طيران الطائرات العراقية جنوب خط العرض ،32 وهكذا أصبحت الأجواء العراقية كلها ممنوعة للطائرات العراقية، باستثناء شريط يشمل المنطقة الوسطى من العراق. بالإضافة إلى الأسلحة والقيود المفروضة على النشاط الجوي، فرض مجلس الأمن حصاراً اقتصادياً على العراق، وأقام لجنة تراقب تنفيذه. وبموجب بنود هذا الحصار، جرى تجميد الأصول المالية العائدة للعراق في الخارج، ومنعت جميع عمليات الاستيراد والتصدير، باستثناء التجهيزات الطبية ومواد غذائية معينة شملها برنامج “الغذاء مقابل النفط” الذي بدأ تطبيقه في 1995. وجرى لاحقاً توسيع القرار الأصلي ليشمل تقييد النقل البحري والجوي، وتكليف اللجنة بصلاحية تحديد متى أو إذا كان يمكن أن يستورد الغذاء. وقد وصف الناقدون هذه القرارات بأنها أقسى تدابير عقابية على الإطلاق فرضت على دولة مهزومة، وبقيت سارية المفعول طوال سبع سنوات. وعرّضت الشعب العراقي إلى أذى شديد وضرر فادح، ولكنها لم تمنع الحكومة من شراء الأسلحة.
كانت الحكومة الأمريكية قد عقدت العزم على تدمير العراق. وقامت المخابرات الأمريكية بتنظيم طلعات فوق بغداد بطائرات من دون طيارين، وأسقطت منشورات تحرض على الثورة، وأنفقت الملايين من الدولارات في التشجيع على المؤامرات والانقلابات. ومدير أحد برامج المخابرات الأمريكية أخبر (الواشنطن بوست) أن تلك المخابرات كانت تعمل مع (الوفاق الوطني العراقي) للقيام بسلسلة من الهجمات بالسيارات المفخخة والاغتيالات. وقد فشلت تلك الجهود لأن الوفاق كان “مخترقاً” من قبل المخابرات العراقية التي “لفلفت” وأعدمت معظم أعضائه في يونيو/ حزيران ،1996 (رئيس الوفاق في ذلك الحين، إياد علاوي، الذي كان هو نفسه مسؤولاً بعثياً سابقاً وعميلاً مخابراتياً انقلب ضد صدام، لم يلق القبض عليه. وأصبح في وقت لاحق، في يونيو/ حزيران ،2004 أول رئيس وزراء مؤقت معين أمريكياً في العراق).
في أغسطس/ آب ،1998 تعرضت حتى اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة إلى فضيحة عندما علم صدام أنها تستخدم للتستر على نشاطات عملاء المخابرات الأمريكية والبريطانية والموساد. وأجبرت الأونسكوم على مغادرة العراق. الولايات المتحدة وبريطانيا شعرتا بغضب عارم، ولكنهما لم تنفيا الاتهام العراقي. والدولتان استخدمتا عملية انتقامية عقابية في الرد. وشنتا حملة جوية كبرى (عملية ذئب الصحراء) عارضها معظم العرب، وفرنسا، وروسيا، ودول أخرى. ولم تغب خطورة هذه الأحداث عن ذهن صدام؛ ذلك أن حرباً سرية نشيطة وواسعة النطاق كانت قد حصلت على المساندة بضربات جوية. وسرعان ما سيبدو واضحاً أن هذه كانت النذر الأولى والخطوت التمهيدية نحو حرب شاملة.
انحدر العراق إلى الحضيض في ،1994 وبفعل القيود التي فرضتها العقوبات الاقتصادية، تدهورت الأوضاع المعيشية إلى مستويات بائسة. وفرغت مخازن المستشفيات من الأدوية والمواد الطبية وحتى من الصوابين التي تستخدم في غسيل الأغطية والشراشف. وانتشرت المعاناة من سوء التغذية على نطاق واسع، وارتفعت نسب الوفيات بين الأطفال حديثي الولادة إلى درجات عالية غير مسبوقة. وأصبح من الصعب حتى الحصول على مياه عذبة نقية صالحة للشرب.
كان تقدير صدام عن النصر قد شاركته فيه مجموعة جديدة وصلت إلى السلطة في واشنطن عام ،2001 “المحافظون الجدد” كانوا يحتلون ما كان لينين يسميه “قمم السلطة”، أي، المراكز الرئيسية في وزارة الدفاع، وفي مكتب أنشط نائب للرئيس في التاريخ الأمريكي، وفي أجهزة الإعلام، وفي تشكيلة متنوعة من مراكز البحوث الممولة تمويلاً جيداً. وسرعان ما بدأوا حملة “صليبية” أمريكية كانوا يبشرون بها ويدعون لها طوال العقد السابق من الزمن. وبالنسبة إليهم فإن الحملة في أفغانستان ضد الطالبان، الذين كانوا يؤيدون القاعدة وزعيمها بن لادن، كانت مجرد عرض جانبي ومشهد ثانوي. المسألة الأساسية المهمة في نظرهم كانت العراق، وهو في رأيهم الخطوة الأولى في حرب دائمة ضد أية فئة أو دولة يمكن أن تعارض أو تناقش الهيمنة الأمريكية. وبفضل تأييد الرئيس جورج دبليو. بوش، ونائب الرئيس ديك تشيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، شن المحافظون الجدد حملة نشيطة من أجل إقناع الرأي العام الأمريكي بأن النظام العراقي كان متسلحاً بأسلحة نووية والأسلحة الأخرى للدمار الشامل، وأنه يمثل خطراً مميتاً يهدد أمريكا. وفي أعقاب الهجوم على مركز التجارة العالمي والبنتاجون، فإنهم شجعوا أيضاً الاعتقاد أن العراقيين كانوا وراء ذلك الهجوم بالتعاون مع القاعدة. وتقليداً للعملية العاطفية (التي قامت على المحاولة المزعومة لاغتيال الرئيس بوش) والتي أقنعت الرئيس كلينتون أن يهاجم العراق بالصواريخ الموجهة سنة ،1993 استخدم المحافظون الجدد رد الفعل العاطفي الذي تولد من هجوم القاعدة 11-9 لكي ينفذوا برنامجهم. ولم يكن ذلك البرنامج سوى أن يقودوا الولايات المتحدة إلى الحرب في العراق. وكان “تغيير النظام” في العراق قد تقرر سراً أن يكون سياسة أمريكا في اليوم التالي للهجوم الذي شنته القاعدة بتاريخ 11 سبتمبر/ أيلول سنة ،2001 ولكنه أصبح هدفاً معلناً بحلول العام 2002.
عندما بدأت القوات العسكرية الأمريكية والبريطانية تحتشد في السعودية والكويت وقطر وتركيا، حاولت الحكومة العراقية أن تجد من الوسائل ما يدرأ الهجوم. ولما لم تكن لديها قنوات دبلوماسية، استعانت بوسائل أخرى. أحد هذه المساعي حدث من خلال المدير السابق لمكتب مكافحة الإرهاب في المخابرات المركزية الأمريكية فينسنت كانيسترارو، وأفاد أن العراقيين عرضوا أن يسمحوا بدخول عدة آلاف من الجنود أو من عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي للتجول في البلاد لكي يثبتوا أنهم ليس لديهم أسلحة دمار شامل ولا وسائط إيصالها. وبحسب رواية كانيسترارو، فإن إدارة بوش “قتلت” المقترح العراقي.
بدأ الهجوم على العراق في 20 مارس/ آذار ،2003 كما كان قد بدأ في ،1991 بهجوم جوي عنيف لكي يحدث “صدمة ورهبة” لدى العراقيين ويدفعهم إلى هزيمة سريعة لن تعرف فيها أبداً الأرقام الدقيقة، ولكن قتل نحو عشرة آلاف مدني عراقي وعشرات الآلاف من الجنود في غضون ثلاثة أسابيع. وكانت الإصابات البريطانية والأمريكية قليلة نسبياً بالمقارنة، فقتل 128 جندياً أمريكياً و31 جندياً بريطانياً. ومعظمهم قتل “بالنيران الصديقة”، وكانت قوة النار الحليفة متفوقة تفوقاً ساحقاً. ومن بين الأسلحة المدمرة التي استخدمها التحالف كانت هناك 13000 من “المتفجرات العنقودية” التي تحولت بانفجارها إلى مليونين من القنابل العنقودية التي محت من الوجود مناطق كاملة. والتنسيق الوثيق بين القوات البرية والجوية والتمزيق الذي أحدثه القصف المكثف قبل الهجوم البري، يفسران هذا التباين في الإصابات بين الطرفين. وكما أفاد مراقب عسكري بقوله “تعرضت فرق كاملة إلى التدمير”. والحرب الإلكترونية تناوبت في تقطيع الاتصالات العراقية أو استخدمتها لتحديد الأهداف. في كل مجال من مجالات النشاط كان العراقيون أمام عدو يتفوق عليهم في السلاح، ويتفوق عليهم في العدد، ويتفوق عليهم في النوع.
إلاّ أن القوات الزاحفة واجهت جيوباً من المقاومة قاتلت قتالاً مستميتاً، وبالأخص في البصرة وبغداد والموصل. وحتى عندما فقدت التشكيلات العسكرية العراقية تماسكها وترابطها تماماً، استمرت مجموعات صغيرة في القتال. وتحدثت التقارير في أحيان كثيرة عن حالات فردية من الشجاعة الانتحارية  جنود لا أسلحة لديهم سوى البنادق يهاجمون الدبابات والمركبات المدرعة، ولكن العراقيين لم تكن لديهم أية فرصة. وبوصفه “حرباً”، انتهى الصراع بسرعة. وفي أواسط شهر ابريل/ نيسان، لم يعد الجيش العراقي موجوداً، وفي 16 ابريل/ نيسان، أعلن الرئيس بوش أن العراق قد “تحرر”.
ما حدث بعد ذلك أذهل القادة العسكريين الأمريكيين والبريطانيين. ومع أنهم أبادوا الجيش العراقي، إلاّ أنهم لم يستطيعوا أن يعلنوا النصر. فالسلام لم يأت، والحرب قد اكتسبت شكلاً جديداً. وهذا الشكل الجديد أربك قوات الاحتلال ودفعها إلى تصرفات أدت إلى تأجيج المقاومة بقدر ما أدت إلى تهدئة البلاد.
عشرات الآلاف من الجنود هجروا ما تبقى من وحداتهم. وأخيراً، في 24 مايو/ أيار، الحاكم الإداري الأمريكي الجديد، بول بريمر الثالث، أصدر أمراً مفاجئاً بتسريح ما تبقى من الجيش العراقي. وقيل ببساطة لما يقرب من نصف مليون جندي أن يذهبوا إلى بيوتهم. (سلف بريمر، الجنرال جي غاردنر، كان قد خطط للاحتفاظ بهم لكي يستخدمهم، ويدفع لهم رواتبهم، بوصفهم كتائب عمل). الجنود المتجهمون المنهزمون أخذوا أسلحتهم معهم. وعندما وصلوا إلى بيوتهم، وجدوا أن أحداً لم يكن يملك مالاً، والرواتب لم تكن تدفع حتى للطواقم الطبية العاملة في المستشفيات، ولكن عدم امتلاك المال لم يكن مشكلة ولا يسبب أي فرق؛ لأن التضخم المتفلت من عقاله قد جعل النقود حرفياً لا تساوي ثمن الورق الذي تطبع عليه. وما يهم كان الأشياء. وقبل كل شيء، الغذاء، وبما أن الجميع كانوا في ضائقة خانقة، أصبح النهب ظاهرة شائعة إلى الحد الذي يكاد فيه أن يبدو كما لو كان ظاهرة طبيعية. وكل فرد كان يأخذ ما يحتاج إليه ويدافع عما يستطيع أن يحتفظ به، حيث تم نهب المباني الرسمية والمتاحف والمؤسسات الصناعية وغيرها.
في البداية، السلطات الأمريكية صرفت العراقيين بوصفهم “فلول البعثيين”، ولكن الهجمات تصاعدت حدتها وأعدادها وتوزعها. ومع مجيء الصيف، شملت الهجمات منشآت كان يعتقد بأنها تبرر أو تدعم الاحتلال (مثل تفجير خط أنابيب نفط مرتين، في 15 و 17 أغسطس/ آب 2003)، وعلى عراقيين تعاونوا مع قوة الاحتلال. وبعد ذلك حتى مقر الأمم المتحدة في بغداد تعرض إلى التفجير في 19 أغسطس/ آب. ويبدو أن الذين نفذوا الهجوم كانوا يعتقدون أن الأمم المتحدة كانت توفر غطاء للاحتلال. وقتل في ذلك الهجوم رئيس البعثة سيرجيو فييرا دي ميلو ورئيسة هيئة موظفيه ناديا يونس. وفي وقت لاحق، تعرضت سفارة المملكة الأردنية الهاشمية، التي كانت حكومتها تتولى تدريب جيش عراقي جديد ترعاه أمريكا، إلى القصف بالقنابل. وفي سبتمبر/ أيلول، اغتيل عضو في مجلس الحكم. وفي ديسمبر/ كانون الأول حاول أحدهم أن يقتل الحاكم الإداري الأمريكي في الوقت نفسه الذي حوصر فيه صدام حسين أخيراً واعتقل.
في الشهور الأولى، كان يبدو أن الهجمات منفصلة وغير منظمة، ولكنها سرعان ما بدأت تصبح منظمة. ولكن من الذي ينظمها، لا يعلم أحد بعد حتى الآن. ومع التنسيق الذي أظهرته الهجمات، أخذ المسؤولون الرسميون الأمريكيون ينسبونها إلى محرضين خارجيين، الذين كانوا يصنفونهم تحت اسم فضفاض هو “القاعدة”.
في بادئ الأمر، كانت المظاهرات المعادية للأمريكيين تحدث في مناطق أغلبية سكانها من العرب السنّة، ولكنها بدأت تحدث على نحو متزايد بمشاركة العرب الشيعة.
وفي حين ان المسؤولين الرسميين في الإدارة الأمريكية يؤكدون دائماً أن التمرد يدور في نطاق ضيق وصغير، ولا يشمل إلاّ عدداً قليلاً من “البعثيين المستميتين”، فإن ضباط الاستخبارات الأمريكية اعترفوا، بحلول يوليو/ تموز ،2004 أن هناك على الأقل 50 منظمة تضم ما يزيد على 20000 مقاتل ومؤيد نشيط. وذهبوا أيضاً إلى التأكيد أنه بينما دخل إلى العراق بعض الأجانب والغرباء لكي يقاتلوا ضد الأمريكيين والبريطانيين، فإن العراقيين وليس الأجانب والغرباء، هم الذين كانوا في مركز القلب من المقاومة. والتمرد قد تحوّل إلى حرب وطنية تعتمد أساليب وحرب العصابات وتكتيكاتها.
حدث أخيراً أن الحاكم الإداري الأمريكي المطلق بول بريمر غادر البلاد متسللاً سراً على متن طائرة عسكرية نفاثة. ماذا ترك وراءه؟ تأمل الجواب التالي:
“أسبوعاً بعد اسبوع وشهراً بعد شهر لزمن طويل قادم ستكون لدينا استمرارية لهذه الحرب البائسة، المدمرة المتقطعة،
“الموسومة بالتأكيد من حين إلى آخر بكوارث ثانوية” وموت الجنود والعملاء، ومن المحتمل تماماً أن ترافق ذلك واقعة ما غاية في الخطورة..
وإنه لشيء استثنائي أن تنجح الإدارة المدنية في مثل هذا الوقت القصير في استعداء البلاد بأسرها إلى الحد الذي جعل العرب يدفنون الثارات التي تناقلوها طوال قرون، وأن تعمل العشائر الشيعية والسنّية معاً يداً بيد”.
ما يدعو إلى مزيد من الاهتمام بهذه الفقرة هو أنها قد كتبت قبل 85 سنة، في 31 أغسطس/ آب ،1920 وكاتبها هو وينستون تشرتشل إلى رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الحين ديفيد لويد جورج. وقد وجد أنها تنطوي على تنبؤ قاتم إلى الحد الذي دفعه إلى الامتناع عن إرسالها. أي رسالة كان سيرسلها اليوم؟ سأتحول إلى هذا السؤال بأن أسأل: بلد من سيكون العراق؟

**

 

 حلقة 4

 

العراق.. من عبدالكريم قاسم إلى صدام حسين

طوال نصف قرن من الزمان، منذ الأيام الأخيرة للإمبراطورية العثمانية، كان ضباط الجيش العراقي يجتمعون ويناقشون الشؤون السياسية، وقد اقنعوا أنفسهم أن لديهم مهمة “مقدسة” لحماية أمتهم، لأنهم كانوا يعتقدون أنهم الوحيدون الذين كانوا فوق الفساد الذي كان مستشرياً بين السياسيين المدنيين. كما أنهم لاحظوا بفخر واعتزاز أنهم وحدهم الذين كانت لديهم القوة لوضع إرادة الأمة موضع التنفيذ. وكان آباؤهم وآباء آبائهم قد قاموا بتشكيل جمعيات سرية قبل الحرب العالمية الأولى، وشاركوا في الثورة العربية، وأطاحوا بحكومات كانوا يعتبرونها خائنة أثناء سنوات “العراق البريطاني”، وسار الضباط الشبان على خطى تلك التقاليد.
وبعد أن كشفت المؤامرات التي كانوا يحيكونها وأحبطت المحاولات الانقلابية التي كانوا يدبرونها، تعرضت مجموعة منهم بعد أخرى إلى النفي أو السجن أو الإعدام رمياً بالرصاص. ولكن بما أن حتى الحكومات المدنية كانت تعتقد أن العراق يحتاج إلى جيش، فإن سيلاً لا ينتهي من المجندين الجدد أعادوا تكوين طوابيرهم وكوادرهم. وفي جميع الأوقات، كان الساخطون يجدون بين الإخوة الضباط من كان مستعداً للإصغاء إليهم، وكان الضباط بدورهم يجدون جنوداً مستعدين لإطاعة أوامرهم. وكانت القومية هي قضيتهم، وكان نموها وانتشارها بين العرب قد حدثا معاً مؤخراً وبأسلوب غير مباشر.
كان حزب البعث قد تأسس قبل عقد من الزمان في دمشق على يد جماعة من السوريين بوصفه نادياً فكرياً للحوار، ولكنه تطور إلى حزب سياسي صغير إلاّ أنه نشط. وكان الحزب يتميز بنزعات فاشستية وميول صوفية واتجاهات اشتراكية غامضة، إلاّ أن تأييده للوحدة العربية الشاملة كان واضحاً وثابتاً وقوياً (كما أدركت بعد مناقشات طويلة مع قادته). وقد وصلت أفكاره إلى العراق سنة 1951 على يد مهندس عراقي شاب يدعى فؤاد الركابي، وسيغتاله صدام حسين في وقت لاحق. والذي يلفت النظر في حزب البعث في المرحلة الأولى من تاريخه ليس أفكاره بل مفهومه للعضوية. الركابي ورفاقه ألقوا بشبكتهم على مجال أوسع من مجرد ضباط الجيش، وشمل نشاطهم التنظيمي العدد المتزايد من المهنيين المتعلمين. والمسائل التي طرحوها كانت أكثر إثارة من المناقشات المألوفة حول توزيع المناصب الوزارية، وكانت تلك المسائل لا تدور حول القومية فقط، بل أيضاً حول المظالم الاجتماعية الصارخة التي نشأت من القانون البريطاني (حول دعاوى العشائر وتسوية خلافاتها) ومن القانون رقم 28 لسنة ،1932 الذي أقره البرلمان (حول حقوق المزارعين وواجباتهم). انضم عدد قليل من المدنيين إلى الركابي، ولكنه أحدث تأثيراً في حلقات صغيرة من ضباط الجيش. واستطاعت إحدى تلك الحلقات أن تبرز في المقدمة في سنة ،1958 وكانت تتألف من عدد قليل من “الضباط الأحرار” أقل من 12 ضابطاً، ولكنها كانت حلقة مهمة لأن ضباطها كانوا يقودون بالفعل وحدات عسكرية ميدانية. وتوسع نفوذهم عندما وجهوا الدعوة إلى ضابط من رتبة عليا لكي يصبح قائدهم، وكان ذلك الضابط هو اللواء الركن عبدالكريم قاسم. وأحضر قاسم بدوره مجموعة أخرى يقودها أحد مريديه وأعوانه، العقيد الركن عبدالسلام عارف، الذي كان في تلك الفترة قد اعتنق فكرة الوحدة العربية وأصبح أحد أصلب وأشد دعاتها.
هؤلاء الضباط الذين جمعتهم روابط واهية وتحالفات غامضة، أثار حماستهم ما حدث في فبراير/ شباط ،1958 وكان يبدو لهم بأنه خطوة كبرى نحو تحقيق الوحدة العربية، أي قيام جمال عبدالناصر بتكوين “الجمهورية العربية المتحدة”. وكان جواب نوري على هذا العمل الذي اعتبره تحدياً، أن بادر إلى تشكيل اتحاد مضاد يجمع العراق والأردن، وكان من المفترض أن تنضم إليه الكويت أيضاً. وما اعتبر مهماً في هذا الاتحاد الجديد كانت نتيجته العكس تماماً مما خطط له نوري. وعندما سعى إلى توطيد هذا الاتجاه بإرسال وحدات من الجيش العراقي إلى الحدود الأردنية، جعل وقوع عمل انقلابي ممكناً. وللوصول إلى تلك الحدود، كان على الجيش أن يمر ببغداد، وكانت تلك هي الفرصة السانحة التي كان ينتظرها قادته.
في ليلة 13 يوليو/ تموز، قامت القوة التي كانت تحت إمرة العقيد عارف بالاستيلاء على ما أسماه لينين ب “قمم السلطة”. وبالنسبة إلى بغداد، شملت تلك القمم دار الإذاعة والقصر الملكي، وأكد رجاله ذلك عصراً بقتلهم الملك وخاله، الشخص الأول في النظام، الأمير عبدالإله. وأفلت نوري من قبضتهم في اللحظة الأخيرة، وهرب عبر النهر، كما فعل في مرة سابقة سنة 1941. وبعد مطاردة حامية، اغتيل رمياً بالرصاص في شارع من الشوارع. بهذه الطلقات القليلة، سقط النظام القديم، وقد أصيب زعماء الانقلاب بالذهول للسهولة التي حدث بها ذلك، بينما كانت الجماهير المندهشة ترقص في الشوارع على ما اعتبروه موسيقا عهد جديد.
لم يبق قاسم طويلاً على قيد الحياة بعد أن أغرقه المتملقون الأذلاء بطوفان من المدائح التي تشيد بعظمته وعبقريته. وكان الصوت الذي سمعه صوتاً يحثه على استخدام أحد تلك الألقاب التي يتردد صداها على امتداد التاريخ العراقي منذ أول “لوكال”. كان قاسم رجلاً بقدرات محدودة وإنجازات متواضعة؛ فشرب حتى الثمالة من كأس الغرور وشعر بالخيلاء عندما وصف بأنه “الزعيم الأوحد”. وعندما بدأ رفيقه في السلاح، العقيد عارف، يكسب أنصاراً يؤيدونه في معزل عن قاسم، أبعده هذا الأخير إلى منفى مهذب بتعيينه سفيراً للجمهورية العراقية في ألمانيا الاتحادية. وعندما حاول أن يعود، سارع قاسم إلى اعتقاله.
وفي صبيحة الثامن من فبراير (14 رمضان) قام حلف هش من الضباط باقتحام وزارة الدفاع (في منطقة باب المعظم)، واعتقلوه، وبعد محاكمة عسكرية ميدانية، أعدموه رمياً بالرصاص. وقيل إن ذلك الانقلاب قد حدث بمساعدة ال”سي.آي.ايه” التي شعرت بقلق شديد من مغازلة قاسم للشيوعية.
أطلق الانقلابيون على أنفسهم صيغة تنم على التفخيم هي “المجلس الوطني لقيادة الثورة”. وعينوا حليف قاسم السابق، الذي كان قد خرج من السجن مؤخراً، العقيد الركن عبدالسلام عارف، رئيساً للجمهورية، وعينوا القيادي البعثي البارز العقيد الركن أحمد حسن البكر، رئيساً للوزراء. وأعتقد البعثيون أنهم وصلوا، ولكي يضمنوا حكمهم، قاموا بحملة تطهير شرسة طالت المئات وربما الآلاف من أعضاء نظام قاسم الذين تعرضوا إلى القتل. ومرة أخرى، قيل إن المخابرات المركزية الأمريكية ساعدتهم في تشخيص العناصر التي ينبغي تصفيتها. وبعد أن قتلوا عدداً كبيراً من خصومهم، كان يبدو للبعثيين أنهم أصبحوا في أمان. ولكن سرعان ما دبّ دبيب الاختلاف بين أعضاء المجلس. والقضية الأساسية كانت هي نفسها تلك التي راودت العراق منذ أيام نوري السعيد وشغلت حكم قاسم: هل ينبغي أن يندمج العراق في دولة عربية وحدوية (كما كان يطالب عارف)، أي أن يتبع سياسة قومية، ام أن يبقى دولة منفصلة (كما كان معظم البعثيين قد بدأوا يصرحون)، أي أن يتبع سياسة وطنية؟ وعمد كل طرف إلى تنظيم قواه بحيث تأرجح العراق، لفترة من الوقت، على حافة الحرب الأهلية. وحسم الصراع بانقلاب إضافي آخر، انقلاب داخل الانقلاب السابق. في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1963 استولى عارف على السلطة التي كاد أن يستولي عليها وأفلتت منه في 14 يوليو 1958.
لا عجب أن يتحرك عارف بسهولة فائقة في الظلال، بالنظر إلى خلفيته في العمل السري، ودوره بوصفه الرجل الثاني بعد قاسم، وذهابه إلى المنفى، ودخوله إلى السجن، ثم أخيراً نجاحه في الاستيلاء على السلطة. وكان استبدادياً إلى أقصى الحدود؛ فاحتكر السلطة، واحتفظ بسيطرة شخصية يقظة على الجيش. ولكي يمنع الآخرين من التآمر ضده، قام بتشكيل ما أصبح يعرف في وقت لاحق بالحرس الجمهوري، واختار لقيادته رجلاً من أقاربه من أبناء عشيرته. وهي خطوات سيقوم صدام حسين فيما بعد بما يماثلها. وتعلم بسرعة أن يلعب على النزعتين: نزعة الوحدة العربية (التي أصبح هدف تحقيقها بنداً أساسياً في الدستور الجديد)، ونزعة الانفصالية (الإقليمية (المترجم) العراقية، التي لم يكن يعلنها صراحة، ولكنها كانت تظهر واضحة في الطريقة التي استخدم بها موارد الدولة لبناء قاعدته السياسية. وجاءت القطيعة النهائية بينه وبين القوميين الوحدويين عندما حاول قادة هذا الجناح في الجيش القيام بانقلاب عليه في سبتمبر/ أيلول 1965(67) وكان حكيماً بتشكيل حرسه الجمهوري، لأنهم كانوا هم الذين أنقذوه. ولكن ما فشل أعداؤه في فعله تحقق ربما عن طريق حادثة عرضية مفاجئة: سقوط طائرة مروحية كان يستقلها في ربيع عام 1966. وخلفه على الفور شقيقه عبدالرحمن عارف الذي واصل السير على نهجه.
كان يبدو، لفترة وجيزة، تحت حكم الشقيقين عارف، أن الحرب الكردية، القرحة النازفة منذ وقت طويل في الشؤون العراقية، ربما ستتوقف. وكان عارف الأول قد اختار محامياً مدنياً لكي يكون رئيساً للوزراء (عبدالرحمن البزاز). وكان من أهم بنود برنامجه السياسي أن يقدم للأكراد عرضاً جدياً بالحكم الذاتي؛ وقد خاب هذا الأمل وتبدد عندما اضطر عبدالرحمن عارف إلى عزله بضغط من القادة العسكريين؛ فتواصلت الحرب وامتدت.
وكما يحدث في العراق دائماً، انطوى هذا الوضع على إمكانية وقوع انقلاب عسكري. وكان كل شيء يتوقف على حجز الزاوية الذي يتمثل في تحييد الحرس الجمهوري. استطاعت مجموعة صغيرة من البعثيين، بمساعدة من الولايات المتحدة، أن تحقق هذا الهدف باستغلال ذكي للشكاوى والخيبات التي كانت تعتمل في قلوب ضباط لم يكونوا من المنتمين إلى حزب البعث. وبما أن أحداً لم يكن يخاف من البعثيين، كان بوسعهم أن يتسللوا إلى العدد القليل من نقاط الضعف في هيكل النظام، ولكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى المفصل الرئيسي في نظام عارف، وهو قريب من أقرباء عارف كان قائداً للحرس الجمهوري. وحانت فرصتهم عندما سافر هذا الرجل إلى الخارج لفترة وجيزة. عند ذاك، تماماً كما فعل عارف سنة 1958 (14 يوليو)، استولوا على دار الإذاعة، ووزارة الدفاع، ومقر قيادة الحرس الجمهوري. وفوجئ عارف بهذا التحرك، وكان يعتقد أن البعثيين قوة منهكة ومستهلكة (بفتح اللام) وأنهم كانوا معزولين تماماً؛ فوافق على الاستقالة، وغادر إلى لندن، وكان الانقلاب غير دموي.
كان ذلك الانقلاب المرحلة الأولى، والبعثيون كانوا فيه مجرد طرف في تحالف. وجاءت المرحلة الثانية بعد أسبوعين عندما طرد البعثيون شركاءهم في التحالف وانفردوا بالسلطة، وكانوا أقلية صغيرة. فلعبوا في سنة 1968 في العراق، وعلى مستوى أصغر، الدور الذي لعبه البلاشفة مع خصومهم في سنة 1917 في روسيا. ومثلما فعل البلاشفة في زمان ومكان آخرين، عمد البعثيون إلى استخدام سلطة الدولة لكي يحققوا إدارياً ما عجز تنظيمهم الصغير عن تحقيقه سياسياً.
في هذا النظام الجديد، لعب صدام حسين في البداية دوراً ثانوياً يكاد يكون محجوباً. في الواجهة الأمامية من السلطة، كان يقف رجل يمتلك سمعة عالية وسلطة واضحة. الجنرال أحمد حسن البكر كان يجمع مناصب رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، والأمين العام لحزب البعث، ورئيس ما أصبح يدعى منذ أيام الرئيس المصري ناصر “مجلس قيادة الثورة”. وصدام كان يصرح أنه ليس إلاّ مساعده. وكان متواضعاً في العلن، بالأخص أمام هذا الرجل الذي ينتمي إلى جيل أقدم، ولكنه كان يتحرك خلسة بثبات وعزم لكي يبني واقعاً سياسياً جديداً يستطيع أن يسيطر عليه؛ لأنه وحده كان يعرف ما هو. والمقارنة مع هتلر (في ألمانيا) سنة ،1932 الذي كان يقف بتواضع واحترام ويراعي أصول اللباقة أمام الفيلد مارشال الطاعن في السن فون هندينبورغ، بينما كان يبني سلطة جديدة، ربما ليست خاطئة تماماً.
كانت السلطة هي هدفه أولاً وآخراً. وسواء أكان قد قرأ ماكيافيللي (كتاب الأمير) أم لم يقرأه، فإنه كان سيتفق معه في الرأي القائل إن المصلحة العليا للحاكم هي السلطة، ولا شيء غير السلطة، وكيف يحصل عليها، وكيف يحتفظ بها، وكيف يستخدمها. وهذه كانت هي القوى الدافعة في حياة صدام حسين.
وفي حين أن صدام كان راغباً، بالتأكيد، في استخدام أشكال بشعة من القمع، ومن المحتمل أنه كان يستمتع بذلك شخصياً، إلاّ أنه أدرك أن الخوف وحده لن يضمن بقاء نظامه. وفي مجتمع “عشائري” شديد الترابط مثل العراق، كان على الزعماء أن يستعينوا بالقواعد الثابتة للتعامل على أساس القرابة، لكي يتفادوا التعرض إلى الثأر. لذلك بينما عمد صدام إلى تعذيب أو قتل الأعداء المحليين والأجانب، الحقيقيين أو المفترضين، كان يسعى أيضاً إلى كسب الود والرضى. واستخدم من الوسائل والأساليب ما يمكن ترتيبه في ثلاثة أصناف. أولاً: قام بإطلاق سراح المسجونين من أعداء الأنظمة السابقة. ونال بذلك رضاهم ورضى أقربائهم العديدين وشعورهم بالامتنان. وفضلاً عن ذلك، فإن إطلاق سراح البعض جعل اعتقال آخرين يبدو أكثر معقولية. وثانياً: أعاد توظيف الآلاف الذين فقدوا وظائفهم لأسباب سياسية أو مالية، وجعلهم يدركون أنهم يدينون بالفضل له شخصياً، وأن الأفضال والمكرمات يمكن سحبها واستردادها. وثالثاً، والأهم من ذلك كله، تابع الخطة الرئيسية للتنمية الوطنية التي وضعها وأقامها نوري السعيد للمرة الأولى (مجلس الإعمار)، وطبقها من بعده على نحو متقطع قاسم ثم الشقيقان عارف. وبدأ يشجع على نمو طبقة متوسطة وبناء دولة عصرية بأحدث المقاييس، تضم سكاناً هم الأفضل تعليماً والأصح بدناً والأطول عمراً في العالم العربي.
وفي حين أن الرجال والنساء الذين كانوا يحرثون التربة بجهد سواعدهم في فترة (العراق البريطاني) قد تحولوا تماماً إلى عبيد للأرض بفضل (نظام دعاوى العشائر) الذي وضعه البريطانيون والقانون البرلماني العراقي رقم 28 لسنة 1932 (حول حقوق وواجبات المزارعين)، بدأت حكومة البعث الجديدة في سنة 1969 عملية توزيع الأراضي العشائرية السابقة، التي استولى عليها تجار المدن و”شيوخ” العشائر (سميت هذه العملية بالإصلاح الزراعي). وفي غضون سنوات قليلة، استلم حوالي ربع مليون فلاح قطعاً من الأراضي تكفي كل منها أن تعيل عائلة.
ولعل الأهم والأدعى إلى الإعجاب كان ما اتخذته الحكومة من خطوات أتاحت مجانية العناية الصحية ومجانية التعليم لجميع المواطنين. وفي غضون عقد واحد من الزمان تضاعف عدد الطلاب المسجلين.
تأميم شركة نفط العراق كان ربما الخطوة الأكثر شعبية على الإطلاق التي خطاها صدام. ومن الصعب على الأجانب، وخصوصاً الأمريكيين المعاصرين، أن يفهموا مدى مرارة العراقيين من السيطرة الأجنبية. كانت هناك (ولا تزال) جروح مفتوحة عديدة في تاريخهم القريب، إلاّ أن السيطرة الأجنبية على اقتصادهم يبقى الجرح الأكثر مرارة. والجيل الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وترعرع في ظلالها كان يعتبر النفط، الثروة الوطنية الوحيدة الأساسية التي يملكها العراق، بوصفه رمز الإمبريالية البريطانية وسببها.
هنا أريد التأكيد موضوعياً أن تأثير التأميم على العراق كان مثيراً وإيجابياً. وارتفعت العائدات من مبيعات النفط من بليون دولار في سنة 1973 إلى 8 بلايين دولار في غضون سنتين، وكانت تلك هي مجرد البداية. ومع مجيء العام ،1980 ارتفعت تلك العائدات إلى أرقام مذهلة تصل إلى 26 بليون دولار.
في سبتمبر 1980 بدأ ما سيصبح “المستنقع الذي غاص فيه العراق”، ثماني سنوات من الحرب مع إيران هدرت موارده، وكلفته حوالي 15 بليون دولار، وحصدت أرواح مئات الآلاف من شعبه، وجعلته يخسر ما يقرب من خمسين ألف شاب سقطوا في الأسر، وأوشكت أن تقوده إلى الإفلاس. وتقاتل الطرفان على جبهة طولها 725 ميلاً، أي ما يعادل 169.1 كيلو متراً. وكانت الحرب شبيهة بحرب الخنادق الساكنة الشرسة في الجبهة الغربية في الحرب العالمية الأولى، وستكون كلفتها بالنسبة إلى عدد السكان، على العراق، الذي كان بلداً يبلغ عدد سكانه في ذلك الحين 14 مليون نسمة، أكبر بكثير من كلفة حرب أمريكا في فيتنام.
في البداية، كانت الحملة تسير جيداً، ولكن أصبح من الواضح بسرعة أن الإيرانيين ليسوا مستعدين للاعتراف بالهزيمة أو للتفاوض. وعاد إلى الخدمة في الجيش حتى الضباط الذين كانوا قد نالهم التطهير، وبعضهم عاد إلى الخدمة مباشرة من السجن. والجنود الإيرانيون، مثل اولئك الذين قاتلوا مع الشاه إسماعيل ضد السلطان سليم، ذهبوا إلى المعركة بوصفهم استشهاديين، معلنين إيمانهم في سيرهم إلى ملاقاة الموت الأكيد. وأعقب ذلك نوع من المأزق الناشئ من التعادل استمر إلى وقت زيارتي. ومن ثم أخذ الإيرانيون زمام المبادرة وتحولوا من الدفاع إلى الهجوم. وتزايدت الخسائر العراقية في الأرواح، حتى وصلت ربما في نهاية الحرب إلى أكثر بكثير من مائة ألف قتيل، وأكثر من ضعف ذلك العدد من الجرحى، بالإضافة إلى مئات الآلاف من الأسرى. وكان يبدو لفترة من الوقت أن الجيش الإيراني يحتمل أن يخترق الدفاعات العراقية. والأسوأ من ذلك، أن عائدات النفط العراقي قد هبطت عمودياً بعد أن دمر الإيرانيون المنشآت النفطية في ميناء الفاو العراقي، وبعد أن قام السوريون، الذين تشاجر معهم العراقيون، بقطع تدفق النفط في الأنابيب الممدودة إلى البحر الأبيض المتوسط.
جاء العون الأمريكي في عدة أشكال. خشيت الولايات المتحدة أن يخترق الإيرانيون الدفاعات العراقية، فبدأت تزود العراقيين بصور التقطتها الأقمار الصناعية تبين تفاصيل توزيع القوات المسلحة الإيرانية وانتشارها. هذه الصور الدقيقة التي وصلت في الوقت المناسب، أتاحت للجيش العراقي أن يتخذ التدابير المضادة الناجعة التي أدت إلى حدوث عشرات الآلاف من الإصابات في صفوف الجيش الإيراني، وقلبت مجرى الحرب رأساً على عقب. كما بدأت الولايات المتحدة بتزويد العراق بالأسلحة والمواد الغذائية، وأقرضته أو منحته ما يحتاجه من الأموال. ولولا تلك المعونات لكان الاقتصاد العراقي قد تعرض إلى الانهيار. ولعل التحركات السياسية والدبلوماسية لا تقل أهمية عن كل ذلك. ومن المحتمل أنها كانت أكثر أهمية بالنسبة إلى صدام شخصياً. طار دونالد رامسفيلد إلى بغداد في ديسمبر/ كانون الأول سنة 1983 كمبعوث رئاسي، وسيصبح فيما بعد وزيراً للدفاع، لكي يبين وقوف الولايات المتحدة إلى جانب صدام والقضية العراقية. وبعد شهر واحد، رفعت الولايات المتحدة اسم العراق من “القائمة الإرهابية” وأضافت اسم إيران. وسرعان ما بدأت الولايات المتحدة بتطبيق سياسة عرفت ب”عملية الوفي” لمنع الدول الحليفة من بيع أو تسليم أسلحة إلى إيران. وأخيراً، أخذت البحرية الأمريكية مواقعها في الخليج. وقد فعلت ذلك في الظاهر لحماية الناقلات التي كانت تنقل النفط من الكويت. ولكن ما عرف ب”حرب الناقلات” ذهب إلى أبعد بكثير مما كان يتطلبه تحقيق ذلك الهدف، وقامت البحرية الأمريكية بتدمير البحرية الإيرانية.
قدمت الحكومة الأمريكية إلى صدام عوناً عسكرياً ودعماً سيكولوجياً (نفسياً) أدى حرفياً إلى إنقاذ نظامه، ولكن تلك الحقيقة أصبح ينظر إليها في وقت لاحق بوصفها محرجة عندما بدأت أمريكا تتحدث عن “تغيير النظام”. وقد أصبحت تلك الحقيقة محرجة بوجه خاص للولايات المتحدة، لأن سياستها الجديدة دخلت إلى حيز التنفيذ بعد أن أصبح معروفاً أن صدام قد شرع يباشر برنامجاً لتطوير أسلحة نووية -قامت القوة الجوية “الإسرائيلية” بقصف وتدمير مفاعله النووي (اوزيريس)- وبعد أن استخدم أسلحة كيماوية محرمة دولياً. وفي الواقع، سمحت له الحكومة الأمريكية أن يشتري زروع الجراثيم والفطريات ومواد أخرى ضرورية لصنع الأسلحة البيولوجية والكيماوية. السبب الذي دفع إدارة ريغان إلى دعم صدام.
ومع ظهور النتائج العملية المحسوسة للهجمات الأمريكية على الأسطول الإيراني في الخليج، والحظر على مبيعات الأسلحة إلى إيران، بدأت عائداتها تنضب ومعداتها تتعطل، أخذت إيران تتمايل وتترنح. وتوقفت الحرب بموجب قرار من مجلس الأمن في منظمة الأمم المتحدة في يوليو 1988 يقضي بوقف إطلاق النار. وخرج الطرفان من الحرب وقد هزما معاً.
في شهر يناير/ كانون الثاني 1991 باع العراق نفطه بسعر 21 دولاراً للبرميل الواحد. ولكنه بعد ستة أشهر لم يستطع أن يبيع بأكثر من 11 دولاراً فقط للبرميل الواحد. وكانت الحرب قد انتهت، ولم يعد ممكناً الحصول على قروض من الدول العربية الأخرى. وكانت الكويت تطالب بتسديد قروضها. كان صدام في وضع يائس وحرج، وكان يبدو أن بقاءه بالذات قد أصبح على المحك، وفي البلد المجاور مباشرة كان يوجد البنك. في مثل هذه الظروف، اتخذ صدام قراراً كارثياً كان يقوم على حسابات خاطئة إلى أبعد الحدود، مما دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأنه كان ضحية خدعة أو حيلة هدفها جره جراً إلى الهزيمة.
ليس من الضروري أن نتفق مع صدام في الرأي، ولكننا إذا لم نأخذ رأيه بنظر الاعتبار وندخله في الحسبان، وندرك السياق العام والوضع الحقيقي اللذين اتخذ فيهما قراراته، فإننا لا يمكن أن نفهم ما فعله العراق.
على كل حال، ربما كان صدام يعتقد، بعد أن أقدم على غزو الكويت، أن الدول الأخرى ستذعن لما حدث كما فعلت في أمكنة أخرى. وأخبرني أشخاص كثيرون في العراق أن هذا هو ما حدث عندما قامت الصين بغزو التبت، وعندما استولت اندونيسيا على تيمور الشرقية، وعندما قامت الهند بضم غوا.
وما لم يفهمه، وإن كانت هناك دلائل تشير إلى أنه قد حاول، كان قوة الرأي العام في الغرب. وسياساته الوحشية وبالأخص استخدامه الغازات السامة ضد الأكراد كانت مع مجيء سنة 1990 قد جعلته مكروهاً على نطاق واسع. وهذا التحول في الرأي العام أتاح لجماعة سميت “المحافظون الجدد” أن تكسب التأييد في الولايات المتحدة. وكان دافعهم ليس المحافظة على “بقاء الكويت” بل المحافظة على “أمن إسرائيل”. وكانت فكرتهم الأساسية، التي تبنتها في وقت لاحق الحكومات “الإسرائيلية” اليمينية المتعاقبة بقيادة بنيامين نتنياهو وأرييل شارون، تقوم على مفهوم مفاده أن الفلسطينيين لن يوقفوا انتفاضتهم من أجل الاستقلال إلاّ إذا شاهدوا بعيونهم أن الدولتين العربيتين الرئيسيتين، سوريا والعراق، قد هزمتا. وكلما اندفع صدام أكثر في مناصرة قضية الفلسطينيين، أصبح أخطر على “إسرائيل” في نظر المحافظين الجدد. وبحلول عام ،1990 كانت الصحافة الأمريكية والإذاعة الدعائية التابعة للحكومة الأمريكية، صوت أمريكا، تتحدث بعبارات واضحة وصريحة عن الإطاحة به.
في اليوم الذي حرك فيه صدام قواته إلى الحدود الكويتية، أجاب الناطق الرسمي بوزارة الخارجية الأمريكية عن سؤال حول فيما إذا كانت حكومة الولايات المتحدة قد خططت للدفاع عن الكويت، بقوله: “ليست لدينا أية اتفاقيات دفاعية مع الكويت. وليست هناك من جانبنا أية التزامات خاصة دفاعية أو أمنية مع الكويت”. وللمزيد من التأكد، استدعى صدام السفيرة الأمريكية في بغداد، ابريل غلاسبي. وسألها: ما هو موقف حكومتها من المشكلة العراقية - الكويتية؟ أراد صدام أن يعرف. ومن المحتمل أن تصريحاً واضحاً وقوياً بأن أمريكا ستحمي الكويت كان سيردعه. ولكن بموجب التعليمات الرسمية من واشنطن، وهي تعليمات مكررة إلى جميع السفارات الأمريكية الأخرى، أجابت السفيرة بما معناه أن أمريكا لم تتخذ موقفاً من المنازعات الحدودية بين الدول العربية. وهذا التصريح قد نال تأكيداً من مساعد وزير الخارجية أمام الكونغرس بتاريخ 31 يوليو 1990 أخذ صدام هذه التصريحات بوصفها الضوء الأخضر، وبدأ يستعد للعمل.
وأصدر أوامره إلى قواته باجتياز الحدود وغزو الكويت في 2 اغسطس/ آب 1990 وبعد أربع وعشرين ساعة كان قد استولى على الكويت. ولكن الهدف الأهم أفلت من قبضة قواته، وهرب إلى الخارج  الشيخ حاكم البلاد. غير هياب ولا وجل، أعلن صدام أن الكويت قد “عادت” إلى الوطن الأم، بوصفها محافظة عراقية. وسرعان ما سيدرك صدام أنه ألقى العراق من المقلاة الإيرانية إلى النار الأمريكية.

 

 

 حلقة3

العراق في ظل الاستعمار البريطاني


يستعرض الكاتب في الفصلين الأول والثاني تاريخ العراق القديم، وتاريخ العراق الإسلامي، ويتحدث الكاتب في الفصل الثالث عن تاريخ العراق في ظل الاستعمار البريطاني الذي يستعرضه الفصل الآتي:
على الرغم من أن الحرب العالمية الأولى بدأت في أوروبا في شهر اغسطس/ آب سنة ،1914 إلاّ أن بريطانيا لم تعلن الحرب على الإمبراطورية العثمانية حتى الخامس من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني. ولكن قبل أن تعلن الحرب رسمياً، اعترفت بريطانيا بالكويت، التي كانت في ذلك الوقت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، بوصفها دولة مستقلة تحت الحماية البريطانية. وبعد ذلك، في السادس من نوفمبر، أنزلت بريطانيا قوة عسكرية مشتركة بريطانية - هندية في ميناء الفاو الجنوبي. وتقدمت هذه القوة إلى الداخل، وسيطرت على المنطقة حول البصرة. وقد قام البريطانيون بهذه الخطوات متذرعين ظاهرياً بحماية حقل النفط في إيران المجاورة الذي كانوا يحتاجون إلى إنتاجه لبحريتهم. ولكن منذ الأيام الأولى، كان احتلالهم يتوخى هدفاً مختلفاً تماماً. وبدأوا فوراً بفرض القوانين البريطانية - الهندية، والشرطة، والإدارة البيروقراطية، والحكومة، في المنطقة التي يسيطرون عليها. وبعبارة أخرى، فإنهم بدأوا يتعاملون مع الجزء الذي يسيطرون عليه من العراق كجزء من إمبراطوريتهم الهندية.لماذا قرر البريطانيون احتلال العراق؟ الأجوبة المعاصرة عن هذا السؤال كانت غامضة ومعقدة ومتحيزة، وشبيهة تماماً بالأسباب والأعذار التي استخدمتها أمريكا في تبرير غزوها للعراق سنة 2003. وبما أنها ساهمت في تشكيل شطر كبير من المستقبل، فإنها تستحق الإيضاح.في المراسلات الدبلوماسية التي تبودلت بين لندن ودلهي خلال السنوات التي سبقت الحرب، كان التهديد المنبعث مما سمي حينذاك بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية يشغل حيزاً بارزاً. الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وروسيا) كانوا يسيطرون على عدد كبير من السكان المسلمين في أفريقيا وآسيا. وكل واحد منهم كان يخشى أن يحاول رعاياه المسلمون طرده إلى الخارج. عندما أشعلت بريطانيا نار الحرب مع الإمبراطورية العثمانية بغزوها للعراق، كان من المحتوم أن تترتب على ذلك جملة من التداعيات العملية. وجواب السلطان العثماني بعد أسبوع من الإنزال البريطاني في العراق بطريقة كان هو أكثر ما يخشاه البريطانيون والفرنسيون والروس، وتمثل الدعوة إلى إعلان الجهاد المقدس، وكان لا بد أن يفعل ذلك. وكان البريطانيون والفرنسيون محظوظين، ولكنه كان حظاً أعماه الغباء. لم تحدث انتفاضة كبيرة بين الشعوب الخاضعة لهم، إلاّ أن الحظ لم ينقذ الروس، ولم تستطع روسيا أن تجهز جيوشها الجرارة لا بالغذاء ولا بالسلاح. ومن هنا، عندما أغلق الأتراك طريق التموين من خلال جزر الدردنيل ومضيق البسفور، بدأت روسيا تعاني من المجاعة، وبدأت جيوشها تتعرض إلى الانهيار. عندئذٍ أصبحت ثورة 1917 شبه محتومة. وهذه الواقعة حررت جيشاً ألمانياً كاملاً للقتال على الجبهة الغربية التي كانت تتعرض إلى ضغط شديد.
أعقبت ذلك إخفاقات سياسية أخرى. بعد أن قرر البريطانيون أن يدخلوا الحرب، كان بوسعهم أن يحققوا ما كان مهماً لهم بالفعل، أي حماية إنتاج إيران من النفط، عن طريق الاكتفاء باحتلال المنطقة الصغيرة التي تحيط بالكويت والبصرة. وبدلاً من ذلك، قرروا أن يأخذوا ما كانوا يسمونه “تلك الرقعة من الأرض المعروفة باسم ميزوبوتاميا” (بلاد ما بين النهرين - المترجم). وفي يونيو/ حزيران سنة ،1915 قام الجيش الصغير الذي أنزلوه في البصرة بتقدم متهور نحو بغداد. لماذا فعلوا ذلك؟
أحد الأسباب التي لا يمكن استبعادها في الحروب هو أن الجنرالات يتم توظيفهم لكي يقاتلوا. تلك هي الطريقة التي تتيح لهم أن يحصلوا على الترقيات والأوسمة. الجلوس في البصرة كان باعثاً على الملل. ومن الواضح أنهم شعروا أن الآخرين يسبقونهم إلى هالات المجد وأكاليل الغار، وأنهم يبعدون عن مراكز الضوء إلى الظلال، وأنهم يتعرضون إلى التهميش بالأحداث الكبرى التي تتكشّف على الجبهة الغربية. وكانوا لا يريدون أن يخسروا لحظتهم في التاريخ. وفضلاً عن ذلك، مهما كان ما يريدونه، فإنهم لم يكونوا يتمتعون بسيطرة كلية. فما إن تبدأ العمليات العسكرية، حتى تميل إلى توليد زخمها الخاص ويصبح من الصعب إيقافها. وكما أفاد الضابط السياسي الأقدم في القوة البريطانية، ما إن نزل الجنود إلى البر في البصرة، فإنه لم يستطع أن يرى كيف “يمكننا أن نتجنّب احتلال بغداد”.وعندما زحف الإنكليز نحو بغداد، أرغمهم الأتراك على الارتداد إلى الوراء، وحاصروا فرقة بريطانية كاملة في مدينة الكوت على مسافة مائة ميل إلى الجنوب من بغداد. وطيلة أربعة أشهر حاول البريطانيون كسر الحصار، وخسروا 7000 جندي في هذه المحاولات. وفي اليأس الذي أطبق عليهم، جرّبوا رشوة القائد التركي لكي يسمح للجنود المحاصرين بالخروج أحراراً. وشعر القائد التركي بأنه قد أهين، ورفض العرض البريطاني، وأرغم 13309 جنود بريطانيين على الاستسلام. وسيستغرق احتلال العراق أربع سنوات، وسيكلف 20000 إصابة بريطانية أخرى، معظمهم من الهنود.ما إن بدأت تكاليف حملة العراق في الازدياد، وأضيفت إلى النفقات الهائلة للحرب في أوروبا، حتى أصبح واضحاً للحكومة في لندن أنه ينبغي العثور على وسائل إضافية للاقتصاد. ولكن، خلال السنوات الأولى من الحرب، لم تصل هذه الرسالة إلى أذهان الموظفين البريطانيين في العراق. وطالما أنهم كانوا يقاتلون الأتراك بالفعل، فإنهم كانوا يستطيعون تبرير ما كانوا يفعلونه، إلاّ أن حربهم انتهت بالهدنة في 30 أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1918.
الانتداب
ومرت سنوات عديدة قبل أن يعترف البريطانيون بما كان واضحاً حتى في ذلك الوقت للمراقبين المحايدين. العراقيون لم يكونوا يريدون أن تحكم بريطانيا بلادهم. والإنكليز الذين فهموا، اعتقدوا أنه ينبغي أن يضعوا حجاباً يخفي وجه حكمهم، وكانت عصبة الأمم هي التي ستزودهم بالحجاب المطلوب. العراق لن يكون مستعمرة بريطانية، بل سيكون بلداً خاضعاً “للانتداب” الذي ستمنحه العصبة إلى بريطانيا، التي ستتولى تأهيل الشعب العراقي للحكم الذاتي. وقام بوضع الخطة فريق من الموظفين البريطانيين بينهم العقيد تي.تي. لورنس (ويعرفون بين الإنكليز “بالشريفيين”، لأنهم كانوا يعملون مع أسرة شريف مكة في “الثورة في الصحراء”) في ربيع عام 1919.وصادقت على الانتداب الدول المتحالفة الرئيسية في مؤتمر عقد في سان ريمو في ابريل/ نيسان ،1920 وفي نظر العديد من العراقيين، الذين اعتادوا أن يقرأوا ما بين السطور، كان ذلك يبدو برهاناً على أن بريطانيا تعتزم البقاء في العراق.شعر العراقيون بقلق شديد. وكما اعترف أخيراً التقرير الرسمي البريطاني لسنة 1928: “منذ البداية، كانت فكرة الانتداب فكرة كريهة ومقيتة لدى جميع الفئات المتعلمة في البلاد تقريباً”. ومع أن معظم المعارضة التي واجهتها بريطانيا كانت عراقية أصيلة، كما أوضح هذا التقرير، إلاّ أنه كانت هناك بعض الإثارة الخارجية. وهذه الحقيقة أتاحت للموظفين البريطانيين في ذلك الوقت، كما أتاحت للموظفين الأمريكيين في وقت لاحق، أن يزعموا أن المعارضة المحلية كانت ضعيفة، وتتألف من “فلول” ساخطة، يحرضها الأجانب الغرباء. دعونا نتفحص هذا الزعم، لأنه كان مهماً حينذاك كما هو في وقت لاحق.
الثورة
مع ازدياد الغضب وتفاقمه، عمد البريطانيون إلى الرد باستخدام القوة العسكرية. أدى هذا بدوره إلى التقارب بين السنّة والشيعة بعد أن كانا يتبادلان العداء في السابق - ومرة أخرى، كما سيحدث في 2003 و،2004 وخلال الشهر الفضيل (رمضان)، عقدت اجتماعات، مشتركة سنية - شيعية، وألقيت خطابات تدعو إلى الاتحاد ضد البريطانيين. وكما هي العادة التقليدية في أوقات الخطر، أغلقت الأسواق، وهوجم الجنود البريطانيون. وأصدر زعماء الطائفة الشيعية تعليماتهم إلى إخوانهم وأتباعهم، بالأخص من أبناء العشائر في الجنوب، بالثورة ضد البريطانيين. وفي الثلاثين من يونيو سنة ،1920 انفجر العراق في ثورة عارمة ضد البريطانيين.كان لدى البريطانيين حينذاك 133000 جندي في العراق، وكانت تقف ضدهم في أي وقت محدد من الأوقات نسبة ضئيلة من ذلك العدد من العراقيين. وبدقة خارقة، كانت أعداد الجنود والمقاومين في ذلك الحين تكاد تتطابق تقريباً مع أعدادهم في 2004. ولكن، على خلاف الجنود الأمريكيين في ،2004 كان الجنود الإنكليز في سنة 1920 ينتشرون على مساحة واسعة، ويفتقرون إلى القدرة على الحركة السريعة. حرب العصابات لا يجيدها الجنود النظاميون، في حين أن تكتيكات اضرب واهرب هي صنعة يتقنها رجال العشائر. وطوال الشهور الستة التالية، قاتل البريطانيون الشعب العراقي كله بالفعل -بمن في ذلك الأكراد الذين يفترض أنهم معادون للعرب- وخسر البريطانيون 1654 رجلاً، وأنفقوا من الأموال ما يزيد على ستة أضعاف ما أنفقوه على حملتهم العسكرية بكاملها خلال الحرب العالمية الأولى في العراق.الحكومة البريطانية شعرت بالارتياع. لم تكن هذه ثورة عشائرية، كانت حرباً وطنية من أجل الاستقلال. لا شك في أن العشائر قامت بقسط كبير من القتال. ولكن كان يقودهم رجال دين محترمون، سنّة وشيعة معاً، وأطباء، ومعلمون، وتجار، وصحافيون، وحتى أولئك العراقيون “المدجّنون” الذين كانوا يتدربون لكي يصبحوا موظفين حكوميين.وقرر البريطانيون أن ينفذوا خطتهم للانتداب، وكانت تلك الخطة تقضي أن يصبح العراق “دولة مستقلة بضمان من عصبة الأمم، وأن يكون خاضعاً للانتداب البريطاني...”. متى بالتحديد سيتحقق ذلك، كان أمراً ترك غامضاً، أو، بعبارة أخرى، سيستمر الحكم البريطاني “حتى يحين الوقت الذي يستطيع العراق فيه أن يقف على قدميه، وعندها سينتهي الانتداب”.الظروف لم تكن مواتية على الإطلاق لمثل هذه الدولة شبه المستعمرة (بفتح الميم) شبه المستقلة. والجنود البريطانيون كانوا ما يزالون مشتبكين في القتال في سائر أنحاء البلاد، والمتمردون كانوا ما يزالون يشنون غارات مثيرة. الملفات الحكومية اختفت، وكانت سُحب الدخان ما تزال تنبعث من الأبنية الحكومية المدمرة. وكنوع من ورقة توت لا تستر عارياً، كائناً ما كان الوضع الذي سيصبح العراق عليه، قرر المندوب السامي، سيربيرسي كوكس، تأليف “مجلس دولة مؤقت” يقوم على انتقاء الأعضاء. وفي خطوة كانت تستبق خطوات أمريكية مماثلة بعد أربعة وثمانين عاماً، اختار بنفسه الأعضاء العراقيين فرداً فرداً. وكان عليهم أن يعملوا في مجالات معينة، بسلطات محدودة، وأن يقبلوا “نصائح” الموظفين البريطانيين. وكرئيس اسمي ومؤقت للدولة، نصب كوكس رجلاً عراقياً طاعناً في السن، شخصية تقليدية يعرف صاحبها بنقيب الأشراف. وفي جانب من تحركاته لم ينل في ذلك الوقت إلاّ القليل من التمحيص، قرر كوكس أن الفئة التي يستطيع العمل معها في العراق هم السنّة. ورفض عرضاً من المجتهدين الشيعة القياديين في النجف وكربلاء للتفاوض حول إنهاء الاضطراب العشائري. وأدت تحركاته المبكرة بالتراكم إلى إبعاد الطائفة الشيعية عن الحكومة البريطانية، وفي وقت لاحق، عن الحكومة العراقية أيضاً. والتيار الذي حرّكته كانت له نتائج عميقة امتدت إلى أيامنا الراهنة.بعد ذلك، هدأت البلاد التي أنهكها التمرد، وبدأ البريطانيون في تنظيم الدوائر والإدارات لتقديم الخدمات الأولية.ما كانوا يفعلونه حتى ذلك الوقت كان سلسلة من التدابير المؤقتة والبدائل المرتجلة. وبدا أن الوضع يتطلب ترتيباً دائماً ليس فقط للعراق بل أيضاً للمنطقة البريطانية برمتها. وهكذا، في مارس/ آذار ،1921 عقد وزير المستعمرات حينذاك، المستر وينستون تشرتشل اجتماعاً مع جميع الخبراء البريطانيين الكبار في شؤون الشرق الأوسط في القاهرة؛ لتنظيم ليس العراق فقط بل الشرق الأوسط البريطاني بكامله.السؤال الرئيسي بالنسبة إلى الجزء العراقي من جدول الأعمال كان يتعلق بكيفية تقليص النفقات. الجانب العسكري ينبغي تخفيضه إلى أدنى حد، وهذا لا يمكن أن يحدث إلاّ إذا أمكن إقناع المتنفذين من العراقيين أن لديهم حكومة. وافق تشرتشل على كل ذلك، ولكن من هو الذي سيقود مثل هذه الحكومة؟ كان هناك مرشحان محليان جرى تقييمهما ورفضا. كان الأول هو نقيب الأشراف ورئيس الحكومة الانتقالية، وصرف النظر عنه لأنه طاعن في السن. وكان الثاني وزير الداخلية الانتقالي الذي عينه البريطانيون، السيد طالب النقيب، وهو رجل قدّم خدمات جلى للبريطانيين في خلال الحرب وأثناء التمرد اللاحق. رجل ليست مقدرته موضعاً للشك. وكان وجيهاً بارزاً يتمتع بشعبية واسعة لا يدانيه فيها أحد من وجهاء العراق. وكان اختياره مستحيلا، كان صاحب شعار “العراق للعراقيين”. وعندما تكلم بالمكشوف أمام صحافي انكليزي عن أمله بأن يختار العراقيون قائدهم من بينهم، ألقى البريطانيون القبض عليه، وساقوه مخفوراً إلى سيارة مدرعة، ونقلوه بسرعة إلى المنفى. ونوقش اختيار عدد قليل آخر من المرشحين، ولكن في الوقت الذي انعقد فيه مؤتمر القاهرة، كان قد أصبح واضحاً أن قراراً قد اتخذ بتقديم العرض الى الرجل الذي نفاه الفرنسيون أخيراً حينما كان ملكاً على سوريا. وهذا الرجل هو فيصل بن الحسين، الذي كان البريطانيون قد عملوا معه إبان الثورة العربية، والذي بدأوا يدفعون له معونة مالية. فيصل، الذي كان معروفاً على نطاق واسع في سوريا وفلسطين ومصر بوصفه قائداً للثورة العربية، كان معروفاً على نطاق ضيق في العراق، لأن العراق كان معزولاً إلى حد بعيد عن بقية أنحاء العالم العربي خلال الحرب. ولم يجد البريطانيون في ذلك الوقت، ولا الأمريكيون بعد 83 سنة، شخصاً في العراق يشعرون بأنه يناسبهم. وهكذا، تماماً كما ركّز الأمريكيون في سنة 2003 أولاً على أحمد الجلبي وبعد ذلك على إياد علاوي، ولم يكن أحدهما قد عاش في العراق طوال عقود من الزمن، كذلك استورد البريطانيون فيصلاً. وفي محاولة تهدف إلى كسب أنصار له، شن البريطانيون حملة دعائية ترمي إلى تكوين رأي عام يؤيده بوضوح، ولكن فيصل شعر بخيبة أمل للاستقبال “الفاتر” الذي لقيه.
دور الجيش
في الثلاثينات من القرن الماضي، كان تخفيض قيمة الحكومة التمثيلية، والافتقار إلى تطوير المؤسسات المدنية، والاختلال في التوازن بين المدن والأرياف، وبين الأغنياء والفقراء، وبين من يملكون أرضاً ومن لا يملكون أرضاً، وبين المتعلمين والأميين، قد أدى إلى ظهور شعور من الإحباط والغضب. وربما كان الأهم حتى من ذلك، أن تلك العوامل قد شجعت البحث عن الطرق الأسهل والأقصر. وفي ذلك البحث، ظهر الجيش كما لو أنه يوفر وسيلة للعمل هي الأكثر كفاءة، والأكثر حداثة، والأقرب إلى متناول اليد. وهكذا، في الفترة من سنة 1936 إلى سنة ،1941 كان الجيش دائماً مرجعاً أساسياً في الحياة السياسية. وفي خلال تلك الفترة، قام الجيش بتنفيذ أو تأييد سبعة انقلابات. وكان الشباب بالأخص يعتقدون أن الجيش يجسد الروح الوطنية الحقيقية، أو يأملون أن يكون كذلك، مدفوعين بشعور من السخط والاستهجان لما كانوا يرونه في الطبقة السياسية من جشع وفساد، وعدم كفاءة، وما يعتقدونه من أن السياسيين قد باعوا أنفسهم إلى البريطانيين. في سنة ،1932 وافق البريطانيون على إنهاء انتدابهم، وعبر العراق عن وضعه الرسمي الجديد بالانضمام إلى عصبة الأمم. وبعد سنة واحدة فقط، سافر الرجل الذي أحضره البريطانيون إلى العراق لكي يكون ملكاً، إلى الخارج للعلاج الطبي. ولم يكن الملك فيصل (الأول) محبوباً لدى العراقيين، وتوفي في سويسرا. وخلفه ابنه الملك غازي الذي كان يتمتع بشعبية أكبر (لأنه كان أكثر تمسكاً بالمبادئ القومية). وجرب طرقاً جديدة للالتفاف حول البريطانيين والتواصل مع العراقيين، فأقام إذاعة موجهة ينشر منها عبر الأثير نداءاته القومية إلى العراقيين، الذين كان معظمهم ما يزالون جمهوراً أمياً إلى حد بعيد، كما أنه كان ميالاً إلى تشجيع الجيش للتدخل في الشؤون المدنية والسياسية على نحو متزايد.وفي سنة ،1939 قتل الملك فيما قيل إنه حادث مؤسف وقع للسيارة التي كان يقودها، وأعتقد العراقيون بوجه عام أنه اغتيال مدبر نفذه البريطانيون؛ فخرجت المظاهرات إلى الشوارع، واغتيل القنصل البريطاني في الموصل. وتوّج ابنه الطفل ملكاً على العراق (فيصل الثاني) تحت وصاية (الأمير عبد الإله بن علي) الذي لم يكن يحظى بشعبية واسعة، والذي كان معروفاً بميله الشديد للبريطانيين.العداء نحو بريطانيا كان عاماً، وأدت أعمال بريطانيا وتصرفاتها إلى استفحاله وتفاقمه. وكان يقود المعارضة ضد بريطانيا رئيس الوزراء العراقي في ذلك الوقت رشيد عالي الكيلاني. وكان يتكلم نيابة عن بريطانيا سفيرها في بغداد حينذاك (السير كينهان كورنواليس). وعندما تدهورت العلاقات بين الطرفين، قام السفير البريطاني بزيارة إلى وزير الخارجية العراقي نوري (باشا) السعيد، الذي كانت تربطه دائماً علاقات وثيقة مع بريطانيا، والذي كان سيلعب دوراً رئيسياً في جميع الأحداث اللاحقة حتى العام ،1958 السفير البريطاني أخبر الوزير العراقي بالحرف الواحد : “على العراق أن يختار بين الصداقة مع بريطانيا العظمى وبين رئيس الوزراء”. وحاول رشيد عالي أن يلجأ إلى حلول وسط، فوافق على مطلب بريطاني بالسماح بإنزال قوات كانت قد بدأت بالنزول فعلاً في البصرة. ولكن الكراهية ضد البريطانيين كانت عارمة إلى الحد الذي دفع البرلمان، الذي مولته وأنفقت عليه السياسة البريطانية، أن يقرر بالإجماع بخلع الوصي على العرش (الأمير عبدالإله) المؤيد الرئيسي لبريطانيا، واستبداله بقريبه (الشريف شرف).مع نشوب الحرب العالمية الثانية، بدأت الحكومة الأمريكية تتدخل، للمرة الأولى، في الشؤون العراقية. الوزير المفوض الأمريكي (نابنشو) قدم مذكرة “ينصح” فيها الحكومة العراقية أن “تتعاون” مع البريطانيين، قائلاً إن أمريكا ستبذل كل مافي وسعها لمساعدة بريطانيا “دون إعلان الحرب”. العراقيون المنشغلون بالشؤون التي تخصهم، فهموا هذا على أنه إشارة تدل على أن وضعهم شبه الاستعماري سيستمر. والقوميون العراقيون أضافوا اسم أمريكا إلى قائمة أعدائهم. ومع اتساع الهوة بين الطرفين، قطعت بريطانيا ما كانت تقدمة للجيش العراقي من تجهيزات عسكرية ومعونات مالية. هذه الأعمال دفعت مجموعة من الضباط الكبار إلى القيام بانقلاب عسكري ضد النظام الملكي الذي كانت بريطانيا تدعمه، في بادرة تأييد لرئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني.الوصي على العرش الموالي للبريطانيين هرب من البلاد بمساعدة المفوضية الأمريكية، وتبعته بسرعة مجموعة من السياسيين وضباط الجيش السابقين، الذين كانوا دائماً متعاطفين مع بريطانيا. ويبدو أن ذلك قد أخلى الساحة لهؤلاء الذين كانوا يروجون الدعايات ضد بريطانيا منذ وقت طويل. وهؤلاء سرعان ما ركزوا غضبهم على رمز الهيمنة البريطانية، القاعدة التي أقامتها القوة الجوية الملكية على مبعدة خمسين ميلاً (إلى الغرب) من بغداد.العراقيون اعتبروا هذه القاعدة كخنجر مصوب نحو عاصمتهم. وبالغوا في تقدير قدراتهم الذاتية، فقرروا أن يغلقوا تلك القاعدة. وأرسلوا جيشهم الذي كان مازال صغيراً جداً إلى المنطقة المحيطة بالقاعدة، وأصدروا أمراً بمنع تحليق الطائرات هناك. ورفض البريطانيون، وكان البريطانيون ينظرون إلى العسكريين العراقيين نظرة استصغار واحتقار؛ فعقدوا العزم على المحافظة على وضعهم، وهاجموا الجيش العراقي في الثاني من مايو عام 1941.وكان رشيد عالي مازال يأمل في التوصل إلى حل وسط، فبعث إلى بريطانيا برسالة استرضائية. ولكن زعماء الطائفة الشيعية “المجتهدون” أخذوا وضعاً قيادياً غير مألوف وأعلنوا الجهاد ضد بريطانيا. وتابعهم في دعوتهم مفتي القدس الأكبر (الحاج أمين الحسيني)، وهو سني، وكان قد هرب من فلسطين التي كان يسيطر عليها البريطانيون. أخذ رشيد عالي يبحث عن مساعدة أجنبية ضد بريطانيا، ولم تكن أمريكا تريد أن تساعده، وفرنسا كانت مهزومة وتحت السيطرة الألمانية المطلقة. فلم يبق إلاّ الألمان أو الروس. في البداية رفض الألمان أن يمدوا يد العون إلى رشيد عالي. ولكن الاتحاد السوفييتي قام بمبادرة رمزية تنطوي على الدعم الدبلوماسي، مما شدد في تلك الظروف من عزم بريطانيا على الإطاحة برشيد عالي. وفي وقت متأخر عن الأوان الصحيح، رأى الألمان أنهم قد يحصلون على بعض الفائدة من إحراج البريطانيين. ومن هنا، دبروا قيام الفرنسيين، الذين كانوا حينذاك تحت حكومة فيشي، بإرسال شحنة من الأسلحة والأعتدة بالقطار من سوريا إلى الجيش العراقي عبر تركيا المحايدة. كما أرسل الألمان سرباً من الطائرات المقاتلة التابعة للقوة الجوية الألمانية (اللوفتوافة) عبر سوريا إلى العراق. وفي رد الفعل على هذه التحركات، قامت الحكومة الأمريكية، التي كانت ما تزال محايدة رسمياً في ذلك الوقت، بمصادرة السفن الفرنسية التجارية في الموانئ الأمريكية، بينما استعد البريطانيون لغزو سوريا ولبنان اللتين كانتا تحت الانتداب الفرنسي. وفي هذا الوقت نفسه، حشد البريطانيون قواتهم في قاعدتهم الجوية استعداداً للهجوم على بغداد. وهزموا الجيش العراقي بقوة تتألف من 1500 آثوري، وجنود من الهنود، وبعض من الجنود الأردنيين التابعين للفيلق العربي، ومجموعة صغيرة من الجنود الإنكليز، في معركة نشبت في الضاحية (الشمالية) الشيعية من بغداد التي تدعى الكاظمية بتاريخ 29 مايو ،1941 وهرب رشيد عالي الكيلاني إلى إيران أولاً، وبعد ذلك إلى “عدو عدوه” ألمانيا، وقبض على قادة الجيش العراقي وأعدموا شنقاً. الوصي على العرش، والمليك الطفل، ونوري السعيد، أعيدوا إلى العراق مدعومين بالفولاذ البريطاني. ولم يساور الشك أحداً من العراقيين في أن “حكومتهم” كانت بريطانية. سنوات الحرب كانت بمثابة فجوة بين مرحلتين، إذ توقفت جميع الأنشطة السياسية تحت الاحتلال البريطاني المسلح. على الرغم من تعرضهم إلى قمع عنيف، بدأ العمال يقومون بإضرابات للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية. وكانت إضرابات صغيرة قليلة قد حدثت أثناء الحرب، ولكن مع انتهاء الحرب، ازدادت وتيرة نشاطات العمال من حيث المستوى والانتشار معاً. وكانت هذه اللحظة بالذات هي لحظة فوران القضية الفلسطينية واندفاعها إلى الخانة الأمامية من اهتمامات الوعي العراقي. وكان المشهد يبدو للعراقيين في ذلك الوقت قوامه أن ما فعله البريطانيون في انتدابهم على فلسطين شبيه بما فعلوه في العراق. والبريطانيون في فلسطين لم يكتفوا بالسيطرة على العرب السكان الأصليين في البلاد، بل أيضاً منحوا أرض هؤلاء السكان الأصليين إلى أوروبيين آخرين لأسباب لا علاقة لها على الإطلاق بآمال السكان الأصليين ورغباتهم. وبالنسبة إلى الجيل العراقي الذي بلغ سن الرشد في نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الدفاع عن الفلسطينيين قد أصبح الاختبار النهائي “للأخوة” العربية.الجزء العراقي من الفشل العربي في الحرب العربية - “الإسرائيلية” سنة 1948-1949 كان يبدو للشبان الناشطين سياسياً في العراق بوصفه ليس هزيمة فقط، بل عاراً قومياً أيضاً. وجنودهم قد سيقوا إلى القتال في تلك الحرب بتدريب قليل، وكثيرون منهم لم تكن لديهم بنادق أو عتاد، وبعضهم لم تكن لديه حتى أحذية أو سترات. وشعر العراقيون بأن حكومتهم قد خانتهم، وأحسوا بالمذلة. والثقافة العراقية، مثل الثقافة العربية بوجه عام، مشبعة بالخشية من العار (والحرص على الشرف). وكانت فلسطين جرحاً غائراً في أعمق أعماق عواطفهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، وساورهم الاعتقاد أن مصدر العار الذي يقض مضاجعهم كان بالتحديد الفئة الحاكمة الموالية للبريطانيين، الذين حكموا البلاد دون انقطاع باستنثاء فترات قليلة منذ الحرب العالمية الأولى. وعلى قمة ذلك النظام، كانت تجلس تلك الشخصية الصارمة للرجل الذي تناوب بين دور رئيس الوزراء ودور الحاكم الألعوبة في يد الآخرين، نوري السعيد.مع حصول العراقيين الشباب على تعليم أفضل واحتكاكهم المتزايد بالمصادر الأوروبية والأمريكية للمعلومات، بدأوا يدركون الأهمية الفائقة للنفط بالنسبة إلى مستقبلهم. وأصبحوا يعتقدون أن حكومتهم فاسدة وحتى خائنة، في السياسة النفطية كما في الشؤون الأخرى، وسمحت لشركة نفط العراق (IPC) أن تأخذ حصة الأسد من الأرباح. ومن هنا، فإن ازدياد حصتهم، لم يجعلهم يشعرون بالامتنان، بل دفعهم إلى انتقاد حكومتهم لأنها قبلت “بحصة ابن آوى” لسنوات عديدة متعاقبة.من الناحية الموضوعية، تحققت إنجازات مهمة في تلك السنوات، ولكنها لم تجد تقبلاً لدى عدد متزايد من الشبان والشابات، الذين كانوا يعودون من الدراسة في الخارج، مسلحين بالمهارات التي يحتاجها تنفيذ الخطط. وفي ضوء التجاوب المتصاعد مع السياسات القومية العربية بالإضافة إلى ما تقدم، فإن تلك الخطوات الإيجابية تناقصت وانخفضت قيمتها. وجابهت الحكومة انتقادهم بفرض الأحكام العرفية. وفي هذه اللحظة بالذات، تأثر الشباب العراقي بالانقلاب المصري في 22 يوليو/تموز 1952. وحتى أفضل ما تحقق في العراق سيبدو سيئاً وتافهاً إذا ما قيس بميزان جمال عبد الناصر. وكل بوصة من التقدم إلى الأمام لم تعد تحسناً، بل اعتبرت فشلاً لأنها لم تكن ياردة. ومن الناحية السياسية، شعر كثيرون أن الحركة لم تتوجه نحو مستقبل رائع، ولكنها مجرد خطوة أخرى على الطريق الذي اختير في سنة 1920 نحو عراق ليس إلاّ مخفراً أمامياً للإمبراطورية البريطانية. في هذه اللحظة سنة ،1955 أصبح العراق واسطة العقد في حلف بغداد الأنكلو - أمريكي. ومطالبة جون فوستر دالاس المصيرية بأن العراقيين ينبغي “أن يحسب لهم حساب” في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي، كانت الخطوة التي هيأت المسرح للانقلاب الذي وقع سنة ،1958 وكان مدخلاً “للعراق الثوري”.

 

 

**

 حلقة (2)

 

                     القوات المسلحة الأمريكية في خدمة شركات النفط


أطل علينا القرن الواحد والعشرون وأطل معه جورج دبليو بوش، والذي تم ترشيحه داخل الحزب الجمهوري من جورج شولتز، وتم تدريبه على الشؤون العامة والخارجية أثناء حملته الانتخابية من قبل كوندوليزا رايس وبول وولفويتز. كانت عملية التدريس تتم كل يوم اثنين عبر اتصال هاتفي مشترك وحتى بعد مرحلة التدريب هذه، بقي الرئيس بوش قليل المعرفة بشؤون التاريخ والجغرافيا. فعندما سأله مراسل مجلة غلامور (عدد مايو 2000) إن كان يعرف ما هي (طالبان)، أجاب بوش بأنه سمع بهذا الاسم من قبل. وبعد فترة من التفكير قال: أظن أنها فرقة روك آند رول! فإذا كان بوش الثاني قليل المعرفة بشؤون الدنيا والآخرة، فإن القوى التي أوصلته إلى الحكم لينفذ أجندتها تعرف تماماً ماذا تريد. لقد علق أحد القادة البارزين الأمريكيين أثناء تنصيب كلينتون للرئاسة “تتغير الوجوه في البيت الأبيض، أما القابضون على زمام الأمر فهم هم أنفسهم لا يتغيرون”. عندما كان لا يزال على رأس أكبر شركة لخدمات النفط في العالم “هاليبرتون”، تحدث نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني في اجتماع مغلق نظمه المعهد البريطاني للبترول  لندن في خريف 1999 عن اختلال التوازن بين العرض والطلب للبترول، ومما جاء في حديثه القول “من الواضح لنا جميعاً بأن إنتاج النفط آيل للنضوب، ولهذا يترتب استكشاف المزيد من الاحتياطات النفطية وتطويرها كل عام، بما يعادل حجم الإنتاج في ذلك العام، وذلك لتحقيق التعادل المطلوب، وهي حقيقة لا تمس الشركات النفطية فحسب، بل تمس القطاع الاقتصادي على مستوى العالم بشكل عام. وعلى سبيل المثال، فإن شركة نفطية مثل ايكسون موبيل  مطالبة بتأمين احتياطات نفطية جديدة بحجم 5.1 مليار برميل سنوياً لتعويض حجم إنتاجها السنوي الحالي.. وهذا يعني استكشاف حقل نفطي رئيسي جديد بحجم 500 مليون برميل كل أربعة أشهر. أما على المستوى العالمي، فإن الشركات النفطية مطالبة باستكشاف ما يكفي من النفط واستخراجه لتعويض الاستهلاك السنوي، الذي يتجاوز حالياً 71 مليون برميل يومياً (ذلك في 1999)، بالإضافة إلى تلبية الزيادة على الطلب الآخذ في التعاظم، والتي تضعها بعض التقديرات بحدود 2% سنوياً، تضاف إليها 3% هي نسبة التراجع الطبيعي في الإنتاج من الاحتياطات الحالية، وهذا يعني أننا سنجد أنفسنا عام 2010 بحاجة إلى 50 مليون برميل اضافية يومياً لتلبية الزيادة في الاستهلاك العالمي من النفط “. ويضيف  تشيني قائلاً: “في الوقت الذي توفر فيه بعض المناطق في العالم فرصاً حقيقية، يظل الشرق الأوسط، بما يملكه من ثلثي حجم الاحتياط العالمي من النفط، يشكل منطقة الجائزة الكبرى”.
طبقاً لحسابات  تشيني فإن حجم الزيادة من استهلاك النفط عام 2010 سيتطلب اكتشافات جديدة، تقوم بإنتاج خمسة أضعاف ما تنتجه المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر، وهو أمر لن يتحقق كما تؤكد الدراسات كافة.توقعات ديك تشيني قام بتكرارها هاري لونجويل، مدير ونائب الرئيس التنفيذي لشركة ايكسون موبيل، الذي كتب في مجلة وورلد انييرجي (العدد 3 لعام 2003) يقول: “الفكرة الأساسية هنا هي أن ازدياد الطلب على النفط يقابله نضوب في الإنتاج الحالي. وبلغة الأرقام، تشير التوقعات إلى أنه بحلول عام 2010 سيحتاج العالم إلى رفع الإنتاج بمعدل يزيد على نصف حجم الإنتاج الحالي لتلبية الزيادة المتوقعة في الطلب على النفط، وهي زيادة تفوق قدرة المنتجين الحالية، الأمر الذي يشكل تحدياً كبيراً لهم”. أما جون ثومبسون  رئيس شركة ايكسون موبيل للاستكشاف، فقال أمام اجتماع للهيئة العمومية عام 2003: “بحلول عام 2015 سنكون في وضع يحتم علينا استكشاف كميات من النفط والغاز وتطويرها وإنتاجها، تعادل 80% من حجم الإنتاج الحالي” وهو الرقم نفسه الذي أورده  تشيني من قبل. وجاء تقرير لجنة دراسة الطاقة التي أمر بتشكيلها  تشيني نفسه بعد أن أصبح نائباً للرئيس ونشر عام ،2001 على القدر نفسه من التشاؤم والتحذير، حيث جاء في التقرير “الفرق الأهم بين الحاضر وما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمان هو التآكل السريع وغير العادي الحاصل للطاقات الاحتياطية في بعض قطاعات سلاسل الطاقة، وبخاصة في قطاع النفط”.
الذروة النفطية
وطبقاً للتقارير، فإن حجم إنتاج دول الخليج من النفط لعام 2001 كان يمثل 29% من إجمالي الإنتاج العالمي، في حين أن التوقعات، تشير إلى أن حصة دول الخليج سترتفع إلى 60% من الإنتاج العالمي بحلول عام ،2025 ما يعني بأن الحياة الاقتصادية للولايات المتحدة ستعتمد وبشكل كبير على الشرق الأوسط، وكذلك الأمر بالنسبة لنجاح أجندتها الخاصة بالرأسمالية والعولمة والامبراطورية، ولهذا لم تعد الهيمنة على المنطقة بالوكالة بواسطة الأصدقاء أو العملاء كافية بحد ذاتها، بل حان وقت الاحتلال المباشر، وقد وقع الاختيار على العراق لتوافر ظروف مواتية جعلت من هذا البلد الضحية الأولى والأسهل للمخطط الأمريكي الكبير. ولو أن هناك تغييراً سيطرأ على هذه الاستراتيجية فسيكون في الأسلوب لا في الهدف نفسه، اللهم إلاّ إذا كانت تجربة العراق المريرة قد استدعت إلى مراجعة، لكن المشكلة هي أن الموضوع برمته يتعلق بمصير الامبراطورية الأمريكية ومشروع قرنها الجديد. وعودة إلى التقرير الصادر عن لجنة دراسة الطاقة، التي أمر ديك تشيني بتشكيلها، والصادر في أبريل 2001 (قبل هجمات 11 سبتمبر)، فإن التقرير يتحدث عن خطط أمريكية للتعامل مع مشكلة النقص المتوقع في الإمدادات النفطية. فبعد توضيح حقيقة أن الشعب الأمريكي مستمر في المطالبة بتوفير كميات وافرة من النفط الرخيص، دون الاستعداد لتقديم أي تضحيات، ينتقل التقرير إلى القول بأن أمريكا تبقى أسيرة معضلة الطاقة، الأمر الذي سيدفعها إلى الإقدام على “التدخل العسكري” لتأمين إمداداتها النفطية. وهكذا فإن خيار “التدخل العسكري” ورد قبل 11 سبتمبر. إن السبب في الاندفاع المفاجئ نحو العراق، واستعجال بوش في اتخاذ قرار الحرب، وعلى الرغم من معارضة أكثر دول العالم له، يتعلق بما أطلق عليه الخبراء اسم “الذروة النفطية” ويعود التوقيت وسرعة اتخاذ القرار بالحرب إلى الصدمة القاسية التي تلقتها الخطط السياسية الأمريكية الخاصة بنفط بحر قزوين، حيث انتهت الأحلام الأمريكية بالعثور على احتياطات نفطية هائلة تعوضها عن الاعتماد على نفط الشرق الأوسط ولو مؤقتاً.الواقع أن بعض الصقور في البنتاغون تحدثوا صراحة عن أن الحرب على العراق هي من أجل النفط وليس نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة. فهذا نائب وزير الدفاع بول وولفوتز  يقول في مقابلة في سنغافورة بتاريخ 31 مايو/أيار 2003 “دعونا ننظر إلى الأمر ببساطة، فالفرق الأهم بين كوريا الشمالية والعراق يكمن في الناحية الاقتصادية، لم يكن أمامنا من خيار آخر في العراق، فتلك البلاد تطفو على بحر من النفط”. علماً بأن الحقول المستغلة في العراق لتاريخه هي فقط 17 حقلاً من أصل 80 حقلاً أثبتت الدراسات عن وجود كميات هائلة من البترول داخلها!لا داعي لنا نحن لنسهب في الإشارة إلى الأكاذيب والذرائع التي استخدمت لاحتلال العراق. ولعلنا نكتفي بما كتبه بعض كبار السياسيين الأمريكيين أنفسهم. فقد قال الرئيس الأمريكي كارتر “لقد كانت حرباً لا مبرر لها على الإطلاق. ولقد تم تبريرها بناءً على ادعاءات كاذبة”. أما مستشار الأمن القومي السابق  زبيجيو برجينسكي فقد كتب في صحيفة استراليان  بتاريخ 14 اكتوبر/تشرين الأول 2005: “قبل حوالي 60 سنة لخص آرنولد توينبي بحثه الكبير (دراسة التاريخ) بأن السبب النهائي لانهيار الإمبراطوريات كان (سياساتهم الانتحارية). وبكل أسف سيدخل جورج بوش التاريخ، بل وبكل أسف على مستقبل الولايات المتحدة، فإن (السياسة الانتحارية) تبدو أكثر فأكثر وصفاً ينطبق تماماً على سياسات الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر”. ويضيف برجينسكي: “كانت الدعوة إلى الحرب على العراق من قبل دائرة ضيقة من أصحاب القرار لأهداف مبهمة لم يتم الإفصاح عنها بعد، لكن حججها كانت دموية وكلفتها كانت أكثر مما كان متوقعاً”. وهكذا تم احتلال دولة عربية ذات سيادة جهاراً ونهاراً بحرب استباقية، وبحجج كاذبة، وسيذكر الآخرون يوماً يرونه بعيداً ونراه قريباً أنهم أُكلوا يوم أُكل الثور الأبيض.
صلاحيات بريمر
ابتداء من 6 مايو ،2003 وحتى 28 يونيو/حزيران ،2004 حكم العراق بول بريمير  بعد فترة قصيرة من حكم جي غارنر الذي عزله وزير الدفاع لتباين أرائه معه. وبول بريمير يتمتع بخبرة 4 عقود من العمل في القطاعين العام والخاص. عمل مع جورج شولتز، ودونالد رامسفيلد في الدولة، وفي القطاع الخاص عمل مع شركة كيسنجر ومشاركوه كعضو مجلس الإدارة المنتدب. قبل الغزو بشهور قامت الولايات المتحدة بتكليف شركة بيرنج بوينت  بإعداد خطة لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي ليصبح نظاماً اقتصادياً حراً. وكانت كلفة إعداد الدراسة 250 مليون دولار. كانت مهمة بريمر هي تنفيذ خطة  بيرنج بوينت بحذافيرها. بعد احتلال العراق كانت الخطة تقتضي تغيير النظام الاقتصادي العراقي من سيطرة الدولة إلى سيطرة السوق. أما سيطرة السوق فهي الاسم المستعار لسيطرة الشركات عِبر القطرية. كان بريمر يتمتع بصلاحيات لا حدود لها، ويستطيع إصدار قوانين جديدة أو إلغاء قوانين قائمة بجرة قلم. وهذا ما فعله بإصداره 100 تعليمة أو أوامر لتغيير الخارطة السياسية والاقتصادية العراقية. أما تلك التعليمات فهي تحمل قوة القانون وتلغي كل ما يتعارض معها. كان الأمر الأول من أوامره المائة التي صدرت أثناء حكمه، يقضي بالاستغناء عن خدمات 000.120 موظف عراقي كبير في وزارات الدولة كافة، ذلك أنه قد لا يمكن إحداث التغيرات الجوهرية المطلوبة بوجودهم. جاء بعد ذلك أمر تسريح سائر قوى وزارة الدفاع والجيش العراقي، والبالغ عددهم أكثر من 000.500 شخص. تتالت الأوامر الواحد بعد الآخر، بحيث تم تفكيك النظام السياسي والاقتصادي برمته. وهذه بعض من الأوامر والقرارات:
الأمر (39): (أ) يسمح بخصخصة 200 شركة عامة مملوكة من الدولة لتصبح قطاعاً خاصاً. (ب) السماح للأجانب بامتلاك 100% من الشركات العراقية. (ج) إلغاء تفضيل العراقيين على غيرهم لعقود الدولة. (د) تحويل أموال الأجانب والأرباح بلا قيود أو ضرائب.
الأمر (57) والأمر (77): تعيين مفتشين عامين ومدققين من قبل الولايات المتحدة على سائر الوزارات ودوائر الدولة، ولعقود مدتها 5 سنوات، وذلك لتنفيذ أوامر الاحتلال بشأن جميع البرامج والعقود والموظفين.
الأمر (17): يعطى المقاولون الأجانب، بمن في ذلك المرتزقة المسمون مقاولو الدفاع، الحصانة ضد القانون العراقي. حتى لو قتل أحد هؤلاء عراقياً، فالمحاكم الأمريكية فقط هي المخولة بمحاكمتهم.
الأمر (40): يسمح للبنوك الأجنبية بشراء حصص كبرى في البنوك العراقية.
الأمر (49): يقضى بتخفيض الضرائب على الشركات من 40% إلى 15%.
الشركات العراقية المنهكة منذ أكثر من عشر سنوات من الحصار الاقتصادي صار عليها أن تتنافس مع الشركات الأمريكية عبر القطرية العملاقة، وبناءً عليه استحوذت تلك الشركات الأجنبية على عقود (إعادة الإعمار). ولقد أحضرت تلك الشركات موظفيها من الخارج، عدا بعض الوظائف الدُنيا فكانت للعراقيين الذين رُفعت عنهم حقوق أفضلية المواطنة للعمل داخل أوطانهم، ما زاد في البطالة لتصبح أكثر قسوة حتى من أحلك أيام الحصار إبان النظام السابق. ولقد تم إدخال العديد من أوامر بريمر ضمن الدستور العراقي الجديد. المادة 25 تتطلب اعتماد “مبادئ الاقتصاد الحديث (أي الرأسمالي) الذي يحقق الاستثمار الكامل للموارد، والذي يشجع تطوير القطاع الخاص”. أما المادة 26 فتشجع الاستثمار (للعراقيين والأجانب على قدم وساق) في سائر المجالات، والمادة 27 تسمح بخصخصة ممتلكات الدولة. ولقد تم حذف الفقرات التي تمنع “استعمال العراق كقاعدة أو ممر للقوات الأجنبية” وحذف “منع إمكانية وجود قواعد عسكرية في العراق”. وكانت هذه الفقرات موجودة في المسودة الأولى للدستور.
السيطرة على النفط
كانت المرحلة الثالثة هي إصدار قانون النفط، والذي يتم السماح بموجبه لشركات البترول الأجنبية بالسيطرة على نفط العراق. لقد أحضرت الإدارة الأمريكية شركات البترول الأمريكية للتشاور معها قبل ستة شهور من غزو العراق. كذلك قامت “مجموعة مستقبل قطاع النفط والطاقة في العراق” التابعة لوزارة الخارجية، بالتوصية بأن يتم فتح الأبواب “لشركات النفط العالمية بأسرع وقت ممكن بعد الغزو”. كان أحد أعضاء هذه المجموعة العاملة في واشنطن إبراهيم بحر العلوم، والذي أصبح وزيراً للنفط العراقي بعد الاحتلال مرتين، أما رئيس الوزراء المؤقت إياد علاوي فقد قدم في سبتمبر 2004 مبادئ لقانون النفط الجديد في العراق، اقترح فيه “إنهاء التخطيط المركزي وهيمنة الدولة على الاقتصاد” وحث “الحكومة العراقية لتتوقف عن إدارة عمليات قطاع النفط”. كما أنه أوصى بالخصخصة حيث وجه الأمور لتكون الصناعة “بشكل كامل مبنية على القطاع الخاص، بحيث يتم التدرج أيضاً بخصخصة عمليات تسويق النفط ومنتجاته، كما تكون سائر التوسعات للمصافي أو المصافي الجديدة مقامة على أساس القطاع الخاص المحلي منه والأجنبي”. كما تمت التوصية بأن يتم تطوير الحقول الجديدة غير المستغلة من قبل شركات النفط الدولية، علماً بأن الحقول المستغلة في العراق هي 17 حقلاً من أصل 80 حقلاً نفطياً كبيراً مثبتاً لمخزون هائل من النفط. وهكذا فإن المادة 109 من الدستور العراقي الجديد تؤكد هذا التوجيه، حين تقول بأن الدولة العراقية ستدير الحقول الحالية فقط؛ ولقد قام عادل عبد المهدي بالإعلان عن قانون النفط الجديد في واشنطن.
خطة الشرق الأوسط الكبير تحمل في ثناياها تأسيس منطقة تجارية شرق أوسطية حرة تسمى مفتا، على غرار نافتا للقارة الأمريكية الشمالية. والخطة تقضي بالسماح لكل دولة على حدة لكي تتمتع بامتيازات “النظام العام للتفضيل، وذلك بدخول لجنة التصدير بميزات خاصة لسوق الولايات المتحدة، باتفاقات ثلاثية بين الولايات المتحدة والدولة المعنية و”إسرائيل”!بعد حرب الخليج الأولى سنة ،1991 استطاع العراقيون والشركات العراقية بإمكانات متواضعة، وضمن حصار قاس، إعادة أنظمة الكهرباء والماء إلى مستوى مقبول خلال ثلاثة شهور. أما الشركات عبر القطرية فلم تستطع بعد ثلاث سنوات وعشرات بلايين الدولارات إرجاع خدمة الكهرباء والماء، ما حدا بأحد العراقيين لأن يقول لإحدى المجلات الأمريكية: لدينا الأنهر وليس لدينا الآن ماء لنشربه، ولدينا البترول وليس عندنا الآن بنزين. هذه هي بركات الديمقراطية والحرية الأمريكية، والتي وصفتها الكاتبة الهندية المبدعة أروندهاتي روي بأنها ديمقراطية سريعة الذوبان : اشتر واحدة وخذ أخرى بالمجان، يتم إيصالها للشعوب كما يتم إيصال البيتزا للبيوت، ولكن على رؤوس صواريخ الكروز. هذا هو النظام العالمي الجديد الذي بات علينا أن نموت به حباً وشغفاً.... أو أن نموت.
أن بوش لم يكن أول رئيس أمريكي يزوّر الحقائق في سبيل تبرير الحروب، أو يستخدم العامل الديني في استنفار التأييد للحرب. وكما كان عليه الحال في استخدام هجمات 11 سبتمبر كمبرر لشن حرب على العراق، لأسباب سرعان ما ثبت زيفها، فإن الحرب الأمريكية الاسبانية الاستعمارية عام 1898 تم خوضها بناءً على ادعاء بأن العدو هو الذي فجر المدمرة الأمريكية ميين  في هافانا  كوبا، ليتبين من التحقيقات لاحقاً (بعد احتلال كوبا بالطبع) بأن الانفجار الذي تعرضت له المدمرة لم يكن من فعل الإسبان بل كان مرده لأسباب داخلية، قيل بأنها قد تكون حادثاً فنياً على الأغلب. وهنا يبرز السبب الرئيسي وراء الحرب الأمريكية الإسبانية عام ،1898 والذي لم يكن انفجار المدمرة، بل انفجار الثورة الصناعية وحاجة أمريكا لأسواق الشرق الأقصى وبخاصة الصين، ولتأمين حركة الملاحة البحرية للسفن الأمريكية إلى تلك المنطقة، بل احتلال الفلبين. وهنا يظهر كيف أن الرئيس مكنللي، كما هو الحال مع بوش، ادعى بأنه تحرك بوازع ديني، حاملاً رسالة سماوية تبرر له احتلال أراضي الآخرين وضمها، وكيف أنه تعرض لإلهام مفاجئ جعله يسارع لضم الفلبين. ومما قاله الرئيس مكنللي أمام مجموعة من زوار البيت الأبيض بهذا الشأن: “أود أن اقول لكم شيئاً حول موضوع الفلبين، فالحقيقة أنني لم أكن أريد الجزر الفلبينية، وعندما هبطت علينا هدية من السماء، لم أكن أدري ما أفعل بها... حاولت الحصول على مشورة الديمقراطيين والجمهوريين ولم أخرج بفائدة تذكر. فكرت في البداية في الاكتفاء بالعاصمة مانيلا ثم لوزون ، وبعد ذلك قلت في نفسي لم لا نسيطر على بقية الجزر! شغلني هذا الموضوع معظم الليالي، ولا يراودني أي شعور بالخجل... إذا قلت لكم أيها السادة بأنني كنت أركع على ركبتي وأصلي لله العظيم طالباً منه الرشد، وفعلت ذلك في أكثر من ليلة، وفي إحدى الليالي جاءني الإلهام... من أين، لا أدري ولكن هذا ما ألهمني به الله”. ولقد نتج عن الاحتلال الأمريكي أن ذبح الجيش الأمريكي أكثر من 000.600 من أفراد المقاومة الفلبينية.
بعد تلك الرؤيا السماوية التي نزلت على مكنللي،  استدعى الرئيس الأمريكي مهندسي الجيش الأمريكي، وطلب منهم تغيير الخرائط بشكل تظهر فيه الفلبين جزءاً من أراضي الولايات المتحدة.. وهكذا أصبحت الفلبين تحت الاحتلال الأمريكي، إلى أن احتلها اليابانيون  في الحرب العالمية الثانية بعد ذلك بخمسين سنة، وبقيت القواعد العسكرية الأمريكية في اليابان وألمانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا.أصبحت البنتاجون الأكثر نفوذاً في تقرير السياسة الأمريكية في الخارج. ومن ناحية عملية أصبحت مهمة القوات المسلحة الأمريكية هي الاستيلاء على المصادر الطبيعية في الدول المغلوب على أمرها من الامبراطورية الأمريكية. وقسمت العالم إلى أباطرة عسكريين صغار من الجنرالات قادة مراكز القيادة العسكرية الأمريكية: تم توسيع القيادة المركزية الوسطى لتشمل دول نفط أواسط آسيا بالاضافة إلى دول نفط الشرق الأوسط العربي. وتم توسيع مهام القيادة الأوروبية  لتشمل غرب إفريقيا، لتأمين حقول نيجيريا، حيث ستقوم الولايات المتحدة ببناء قاعدة ضخمة في جزر ساو تومي حيث هناك عمليات حفر وتطوير لحقول واعدة في المياه بين تلك الجزر ونيجيريا. وتقوم قيادة الجنوب بحراسة خطوط النفط التابعة لشركة النفط في كولومبيا، كما تقوم بمساعدة ميليشيا وطنية لتفويضها بهذه المهمة.
وتقوم قيادة الباسيفيك بتوظيف مجموعة من الطرادات العسكرية البحرية لمراقبة خطوط إمدادات النفط في الممر المائي بين ماليزيا وسومطرا. كما أقامت الولايات المتحدة قواعد عسكرية على طول أنابيب النفط الممتدة من أواسط آسيا إلى تركيا حتى قبل البداية في إنشاء الخط، والذي تم استكماله حديثاً.
أصبحت نظرية انهيار الامبراطورية الأمريكية، وبطريقة فجائية كما انهار الاتحاد السوفييتي، مقبولة من العديد من الأكاديميين والسياسيين الغربيين أيضاً، فهذا اريك جيه هوبسبون يحاضر في جامعة هارفارد بتاريخ 19-10-2005 متنبئاً بالسقوط الذريع للإمبراطورية الأمريكية، وكما ورد في صحيفة جامعة هارفارد 20-10-2005 حيث تنبأ بأن الامبراطورية الأمريكية ستسبب الفوضى والوحشية بدلاً من السلام والاستقرار، ومما قاله هوبسبون “يكاد يكون من المؤكد سقوط الامبراطورية الأمريكية، فهل تتعلم من دروس التاريخ أم أنها ستحاول الاحتفاظ بمركزها العالمي الذي يزداد تآكلاً، معتمدة على قوتها السياسية الفاشلة وقوتها العسكرية التي لا تكفي لتنفيذ أغراض الحكومة الأمريكية الحالية؟”. هوبسبون أيضاً هو مؤرخ متميز، تخرج من جامعة كامبردج سنة 1939 ودرّس في جامعات لندن، ستانفورد ، كورنيل، وكتابه “عصر التطرف” تمت ترجمته إلى 36 لغة.سيكون انهيار الامبراطورية الأمريكية مفاجئاً؛ لقد خلقت العولمة ما يسمى   تبادل الاعتماد على الآخر، فأصبح الاقتصاد الأمريكي رهينة تحويلات خارجية من الصين واليابان، يمكن أن يؤدي توقفها لسبب أو لآخر إلى انهيار النظام الأمريكي والرأسمالي العالمي. كذلك لو كان بمقدور دول النفط تحرير العملة الرسمية لشراء النفط بعيداً عن الدولار لانهار الاقتصاد الأمريكي ومعه الامبراطورية الأمريكية، فذلك سلاح دمار شامل، حيث أن إجبار العالم على شراء الدولار لشراء البترول يعطي مطابع الدولار الأمريكي إمكانية شراء 85 مليون برميل يومياً بسعر 70 دولارا، البرميل أي ما يساوي 000.000.950.5 دولار كل يوم وبدون غطاء، أي بكلفة 5 سنتات لكل مائة دولار تتم طباعتها، لكن هذا يحتاج إلى اجماع عربي، في وقت أصبحت الفرقة بيننا قد وصلت إلى ما بين المرء وظله.سيكون انهيار الامبراطورية الأمريكية مفاجئاً وسريعاً على غرار انهيار امبراطوريات شركاتها العملاقة، كما انهارت شركة  انرون أو شركة “ال تي سي ام” شركتا السيارات العملاقة جنرال موتورز وفورد هما على شفا الانهيار، ولقد تم تصنيف سنداتهما مؤخراً بأدنى الدرجات Junk  في حين أن أرباحهما تأتي من فروعهما المالية التي تعمل بالإقراض وأعمال المال الأخرى. ما بين سنتي 2000 و 2001 انهار سوق المال.القابضون على السلطة من وراء ستار في الولايات المتحدة من أصحاب التجمع النفطي الصناعي العسكري، قدّموا لواشنطن والعالم سنة 2000 طاقماً رائحته البترول. فالرئيس جورج دبليو بوش يأتي من إحدى أكبر الولايات التي تنتج البترول في الولايات المتحدة  (تكساس) وهو ووالده من أصحاب شركات البترول، ونائب الرئيس ديك تشيني كان لتوه الرئيس التنفيذي لأكبر شركة لخدمات البترول (هاليبرتون)، ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس جاءت لتوها من عضوية مجلس إدارة شركة شيفرون تكسسو العملاقة، ولقد دُشنت ناقلة نفط كبرى باسمها. النفط الذي يحرك طائراتB52 ، F16، والغواصات الحاملة لصواريخ كروز بدأ بالنضوب داخل الولايات المتحدة.
كان العراق، لولا أعمال المقاومة التي لم يحسب لها الأمريكيون أي حساب في خططهم، هي الحلقة الأولى من مسلسل التغيرات لدول أخرى بالقوة العسكرية حيناً، وبالجزرة حيناً آخر. وكانت الخطط تستهدف أصدقاء واشنطن تماماً كما تستهدف أعداءها.إذا كانت قراءة التاريخ هي أداة لاستقراء الحاضر والمستقبل، فماذا يكون استقراؤنا لأعظم وأعتى قوة في التاريخ بأساطيلها وأسراب طيرانها، وترساناتها النووية، وهيمنتها الاقتصادية والسياسية، وجبروت وكالاتها الاستخبارية الخمس عشرة، كونها لم تستطع أن تهزم مقاومة مكونة من السنة، وهم حوالي 20% من سكان بلد صغير كالعراق لا يساوي في مجموع سكانه 9% من عدد سكان الولايات المتحدة، ولا يساوي اقتصاده 3% من حجم الاقتصاد الأمريكي؟ أجاب عن هذا السؤال الكاتب الأمريكي المعروف جيمس رايزن في كتابه الأخير حالة حرب كان آخر جملة فيه: “تموت الأحلام بصعوبة، وأما أحلام إدارة بوش (الابن) فلقد ماتت في أماكن مثل الفلوجة والرمادي وتل عفر”. جواب اوجهه إلى النخبة من “المضبوعين” أو “المنبطحين” ممن يسمون بالنخبة في العالم العربي. ودعنا نذكرهم ناصحين لو نفعت الذكرى بما جاء في الصفحة الرابعة من كتابنا “امبراطورية الشر الجديدة”: “بينما كان حلفاء الامبراطورية البريطانية العرب يقاتلون الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى، كانت حكومة صاحب الجلالة تخطط سراً لنظام ما بعد الحرب، نظام دويلات سايكس بيكو. وأعطيت فلسطين ممن لا يملك لمن لا يستحق. وكان حلفاء الامبراطورية العرب أول الضحايا: فكلام الإمبراطوريات في الليل يمحوه النهار. لقد علمنا التاريخ قديمه وحديثه بان حلفاء الامبراطورية الجديدة اليوم لن يكونوا أكثر حظاً من حلفاء الأمس، فاليوم ينتظر حلفاء الامبراطورية الجديدة العرب “خريطة طريق” للشرق الأوسط الجديد يرسمها الصهاينة والصهاينة المسيحيون، الذين استولوا على حكم الامبراطورية الجديدة. وإلى أين ستأخذنا وتأخذهم هذه الخارطة؟ كانت آنئذ اسمها اتفاقية سايكس بيكو واليوم فإنها اتفاقية شارون بوش.
شعارات الحكم في عهد صدام حسين كانت الحرية، الوحدة، والاشتراكية. وخلال عشرات سنين حكمه لم ينعم العراق لا بالحرية ولا بالوحدة ولا بالاشتراكية. وشعارات النظام الإمبريالي الأمريكي وغزواته الاستباقية كانت الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وبعد أكثر من ثلاث سنوات في العراق، وقرن كامل من التدخل الأمريكي في الشؤون العالمية، لم ينعم العراق، ولا العالم من قبله لا بالحرية ولا بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان والتي تم انتهاكها الآن حتى في عقر الدار الأمريكية.

حلقة 1

من الاجتياح المغولي إلى العهد العثماني حتى الانتداب البريطاني والاحتلال الأمريكي
لكي نفهم العراق

تأليف: ويليام أر. بولك - المقدمة: د. م. عبد الحي يحيى زلوم - ترجمة: د. حازم مشتاق

 
الكاتب وليام آر بولك ليس كاتباً عادياً، حيث درس في جامعة اكسفورد وهارفارد وحصل على الدكتوراه، وعمل أستاذاً في هارفارد بين 1955 و1961 حين اختاره الرئيس كندي عضواً في مجلس تخطيط السياسة الأمريكية لوزارة الخارجية، حيث كان مسؤولاً عن تخطيط السياسة الأمريكية لآسيا وافريقيا، وكان عضواً في “لجنة إدارة ازمة الصواريخ الروسية في كوبا”. تعلم العربية والتركية في اكسفورد، ودَرَس في جامعة بغداد والجامعة الأمريكية في القاهرة. ساعد في تنظيم “الدائرة المستديرة” التي وضعت مبادئ إنشاء الاتحاد الأوروبي. استدعاه البيت الأبيض سنة 1967 ليعمل مستشاراً لرئيس مجلس الأمن القومي آنذاك مع ماك جورج بندي أثناء حرب الأيام الستة، ثم عمل أستاذاً للتاريخ بجامعة شيكاغو، وأسس هناك “مركز الدراسات الشرق أوسطية”. وكما سيتضح للقارئ فإنه يعرف أدق التفاصيل عن العراق، موضوع كتابنا هذا، وله حوالي عشرة كتب أخرى.وجدت من المفيد أن أضع هذا الكتاب بين يدي القارئ العربي لما يحتويه على معلومات مهمة من عالم تاريخ مارس السياسة وعرف بواطن أمورها على أعلى مستوياتها. اتصلت مباشرة مع وليام بولك وأعلمته بأني قرأت كتابه هذا، وعرّفته أنني مستشار لشؤون البترول أساساً، وأكتب أحياناً حيث كتبت كتباً بالعربية والإنجليزية والألمانية، وأنني أيضاً من خريجي جامعات الولايات المتحدة في الهندسة والإدارة والإدارة العُليا، بما في ذلك كلية الدراسات العليا للإدارة من جامعة هارفارد، وأني أجد من المفيد ترجمة كتابه هذا إلى العربية. أجابني: لقد سرني اقتراحك وأوافق على ترجمتك لكتابي، وأرجو إعلامي اين أستطيع شراء كتبك. فأرسلت إليه آخر كتابين أصدرتهما وهما “امبراطورية الشر الجديدة” و”حروب البترول الصليبية” ثم أرسل لي تفويضاً بنشر الكتاب بالعربية، آملاً أن يكون علماً يُنتفع به. ولقد عَهدت للأستاذ الدكتور حازم مشتاق طالب بترجمة الكتاب إلى العربية. والدكتور حازم تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت، ونال شهادة الدكتوراه من جامعة اكسفورد سنة 1960. كما عمل أستاذاً في الجامعة الأردنية وجامعة بغداد، وأستاذاً زائراً بجامعة كاليفورنيا، وعايش وشارك في أحداث “العراق الثوري”، حيث عمل مستشاراً اعلامياً بسفارة العراق في لندن، ورئيساً لتحرير جريدة الثورة في بغداد. 

 

                             غزو العراق.. رائحة النفط والسلاح

 

نود أن ننوه بأن هذه المقدمة تُعبر فقط عن رأي كاتبها، د. م. عبد الحي يحيى زلوم، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الدكتور وليام آر بولك. كما أن ما جاء في الكتاب يعبر عن رأي د. وليام بولك فقط ولا يعبر بالضرورة عن رأي د. م. عبد الحي يحيى زلوم.يبدو أن الإدارة الأمريكية برئاسة جورج دبليو بوش تعني دائماً ما تقول؛ فالرئيس بوش يقول إنه يسعى إلى نشر الحرية في جميع أنحاء المعمورة، فهو حتماً لا يعني نشر الحرية للشعوب والأفراد، وإنما الحرية للشركات عابرة القارات في الوصول إلى أي سوق أو مصدر طبيعي تبتغيه دونما عوائق. فالذي جعل من معاقل سجون الاتحاد السوفييتي السابقة سيئة الذكر، ومن القواعد العسكرية الأمريكية كما في غواتانامو مراكز اعتقال لوكالة المخابرات المركزية دونما أي اتهام أو محاكمة، لا يمكن أن يكون في باله نشر الحريات الشخصية أو الفكرية. وهو عندما يقول إن الأمور في العراق تتقدم بشكل جيد، على الرغم من مقتل أكثر من 2500 جندي أمريكي وجرح حوالي 000.20 آخرين حتى تاريخ كتابة هذه السطور، وتدمير البنية التحتية والاقتصاد والأمن السياسي في العراق، فهو على ما يبدو صادق أيضاً. فالتقدم المهم بالنسبة له هو زيادة أرباح التجمع الصناعي العسكري الأمريكي، الذي رشحه للرئاسة، والذي يقدم البرامج للحكومات، وينتدب أعضاءً من تجمعه للقيام بتنفيذها داخل الإدارات الأمريكية وخارجها. زادت إيرادات شركة هاليبرتون بعد سنة من الغزو الأمريكي للعراق (أي ما بين الربع الأول لسنة ،2003 والربع الأول لسنة 2004) ب 80% حسب ما ورد في جريدة الفاينانشال تايمز. أما شركة بكتل والتي عهد إليها الكثير من مشاريع إعادة إعمار العراق؛ فزادت إيراداتها في الفترة نفسها ب 158%. أما شركة شيفرون تكسكسو للبترول والتي عهد إليها بيع إنتاج العراق من البترول، فزادت أرباحها ب 90% خلال النصف الأول لسنة 2004 مقارنة مع الفترة نفسها لسنة ،2003 أما أكبر شركات السلاح في الولايات المتحدة فلقد تضاعفت أسعار أسهمها ثلاث مرات ما بين سنة 2000 وسنة ،2004 ولكن ما شأن هذه الشركات واحتلال العراق؟ شكل روبرت جاكسون، وهو ما زال على رأس عمله في شركة تصنيع الأسلحة لوكهيدمارتن في سنة ،2002 ما يُسمى ب”لجنة تحرير العراق”، والتي كانت تدعو إلى تغيير النظام في العراق. وكان جاكسون هو الذي كتب برنامج عمل الحزب الجمهوري في سنة ،2000 أما رئيس هذه اللجنة لتحرير العراق فكان جورج شولتز الرئيس التنفيذي لشركة بكتل ووزير الخارجية الأسبق للولايات المتحدة. أما شركة هاليبرتون فلقد قدمت رئيس مجلس إدارتها ديك تشيني ليكون نائباً لرئيس الولايات المتحدة، وهو الداعية الذي كان لا يمل ولا يكل لاحتلال العراق. كانت عقود هاليبرتون وبكتل في العراق قد تم الاتفاق عليها مع الإدارة الأمريكية بدون مناقصات وقبل الغزو الأمريكي للعراق بشهور. أما شركة شيفرون، فالآنسة الفاضلة كونداليزا رايس أتت من مجلس إدارتها، فعهد إليها بيع نفط العراق!. ولقد دشنت شركة شيفرون ناقلة للنفط عملاقة حملت اسم كونداليزا رايس. بعد خروجها من الخدمة في مجلس الأمن القومي الأمريكي في إدارة بوش الأب، وفي فترة التسعينات من القرن العشرين، عهدت شركة شيفرون إلى كونداليزا رايس بالمفاوضات مع دول نفط أواسط آسيا عموماً، وكازاخستان خصوصاً بوصفها خبيرة بأمور دول منظومة الاتحاد السوفييتي السابق. ناهيك عن أن الرئيس جورج دبليو بوش كان حاكم إحدى أكبر الولايات الأمريكية المنتجة للنفط، وهو، أباً عن جد ابن النفط، يمتلك إحدى شركاته. وهكذا جاء القابضون على السلطة من وراء ستار في الولايات المتحدة بفريق متكامل رائحته النفط لافتراس العراق ونفطه، ولإعادة رسم خريطة النفط العالمية.المتأمرك زلماي خليل زاد، الأفغاني المولد والمندوب السامي الأمريكي في العراق ساعة كتابة هذه المقدمة، وكذلك حميد قرضاي عملا مستشارين مدفوعي الأجر لشركة يونيكال، والتي اشترتها شركة شيفرون لاحقاً، وذلك من أجل تمرير صفقة بناء خط لنقل الغاز الطبيعي طوله 890 ميلاً عبر أفغانستان. كذلك فلقد عمل زلماي خليل زاد مستشاراً ل”إسرائيل” مع زمرة أخرى من المحافظين الجدد.كانت الإدارات الأمريكية إبان الحرب الباردة وحتى العقد الأخير من القرن العشرين، تكتفي بتنفيذ أجنداتها عبر حكام محليين ومن وراء ستار، مستخدمة منظوماتها السرية، والعصا والجزرة حيناً وليّ الأذرع أحياناً أخرى، وتبديل هؤلاء الوكلاء الحكام كلما حادوا عن طريق واشنطن وأجندتها لهم. لكن قوى النخبة الأمريكية، المتمثلة في التجمع العسكري الصناعي وحكماء سوق المال “وول ستريت”، الذين يخططون ويضعون الأجندات ويمولون وينصبون الإدارات في الولايات المتحدة، هذه القوى رأت أن قرناً جديداً قد جاء، أسموه بالقرن الأمريكي الجديد، وأصبحت استعمالات القوة العسكرية، والحروب الاستباقية، واحتلال الدول ومصادرها الطبيعية مباشرة دون وسطاء الوكلاء أو العملاء، سياسة رسمية تم إعلانها جهاراً ونهاراً في “مبدأ بوش” أو ما أُسمي أيضاً “استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة”، والذي جعل مبادئ القوة والحروب الاستباقية ومع “ليس معنا فهو ضدنا”، سياسة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية، كما أعلن في سبتمبر/ايلول 2002.من المثير فعلا أن تكون أولى حروب النفط في القرن العشرين قد دارت على أرض العراق، فمن أجل حمايه شركة النفط الانجليزية الفارسية ومصفاة عبادان، أرسلت الامبراطورية البريطانية، في بدايه الحرب العالمية الأولى، بالجيش الهندي إلى المنطقة للاستيلاء على البصرة والعراق في الحملة التي عرفت ب (حملة بلاد ما بين النهرين)، التي دامت أربع سنوات. وطبقا لما أورده المؤلف انطوني كييف براون في كتابه: “النفط... الله... والذهب”، فإن قوات الاستعمار البريطاني فقدت 252 ألف جندي بين قتيل وأسير ومصاب في واحدة من أسوأ الصراعات، الأمر الذي يعكس مدى الأهمية التي كانت توليها بريطانيا للخليج وثروته النفطية”.كما أن المثير فعلا، أن تكون آخر الحملات النفطية التي تشنها الامبراطورية الأمريكية الجديدة في أوائل القرن الحادي والعشرين موجهة ضد العراق وعلى أرضه.وكانت السلطات الأمريكية قد أعدت خططا مفصلة للاستيلاء على النفط العربي في أوائل السبعينات، سواء من خلال الشركات النفطية أو بالتدخل العسكري المباشر، بل إن الحديث عن هذا الامر يعود إلى قبل ذلك بكثير، ففي الحرب العالمية الثانية، كتبت قيادة الأسطول الأمريكي مذكرة مرفوعة للرئيس روزفلت، تتضمن اقتراحا بالاستيلاء على حقول نفط أرامكو في السعودية، باعتبار أن الحصول على احتياطات نفطية خارج الأراضي الأمريكية أصبح من المصالح الحيوية للولايات المتحدة. وقبل ذلك في الحرب العالمية الأولى، حصلت البحرية البريطانية على الجزء الأكبر من ملكية الشركة الانجليزية الفارسية للنفط، والتي أعيدت تسميتها لتصبح بريتش بتروليوم، وقامت بتعيين ضباط في البحرية ضمن مجلس إدارة الشركة. وفي 30 يونيو/حزيران ،1943 صادق الرئيس الأمريكي على إقامة مؤسسة الاحتياطات البترولية، التي ستتملك كامل امتيازات “ارامكو” في السعودية، وتم تعيين وزير الداخلية هارولد آيكس على رأس الشركة، ووزراء الحرب والأسطول والخارجية أعضاء في مجلس إدارة الشركة، حيث تم عقد أول اجتماع بتاريخ 9 اغسطس/آب 1943 بحضور نائب وزير الحرب جون مكلوي. وبتاريخ 8 أبريل/نيسان 2003 أي قبل بضعة أيام من الغزو الأمريكي واحتلال العراق، نشرت الواشنطن بوست مقالا مثيرا للكاتب جون مكسالين   تحت عنوان “خطة كيسنجر” جاء فية القول “لو سألت النائب جون كونيارز” عن قراءته في هذه الأوقات المقلقة، فسيخرج لك نسخة من مجلة “مذر جونز”.الواقع أن ما أثار اهتمام النائب الديمقراطي عن ولاية ميشيغان في المجلة، مقالة حديثة عن التحركات الأمريكية الخاصة بإقامة وجود أمريكي دائم في الشرق الاوسط، لدرجة أن النائب حرص على اصطحاب المجلة معه إلى قاعة المجلس. فالنائب كونيارز يعتقد بأن النفط هذا، الذي يحرك القوة العسكرية ويدعم الميزانيات القومية، ويثير السياسات الدولية، لم يعد مجرد سلعة تباع وتشترى ضمن حدود موازين العرض والطلب في السوق التقليدية للطاقة، بل تحول إلى عامل حسم في قضايا الأمن القومي والقوة العالمية”.ومن أبرز ما جاء في مقالة للكاتب روبرت دريفوس في المجلة القول: “إن المفتاح الرئيسي للأمن القومي في التصور السياسي وراء السياسة الأمريكية الحالية تجاه العراق، يكمن في الهيمنة العالمية والسيطرة على جميع المنافسين المحتملين. وفي سبيل تحقيق ذلك، فإنه لا يكفي أن تكون الولايات المتحدة قادرة على نشر قوتها العسكرية في كل مكان وفي أي زمان فحسب، بل إن عليها السيطرة على المصادر الرئيسية، ومنها النفط ونفط الخليج بوجه خاص”.وينقل المقال عن السفير الأمريكي في السعودية في عهد الرئيس بوش الأب، شاز فريمان القول “إن الإدارة الجديدة تعتقد بأن السيطرة على المصادر هو وحده الذي يضمن القدرة على الوصول إليها”.وفي ظل تراجع الإنتاج النفطي في ألاسكا والمحيطات، فإن الإدارة الأمريكية “ترى في نفط العراق مصدراً متاحاً ورخيصاً، حيث لا يكلف إنتاج برميل واحد أكثر من 1،5 دولار، الأمر الذي يجعل النفط العراقي الأرخص إنتاجا على المستوى العالمي”، إنها خطة كيسنجر القديمة كما يرى السفير الأمريكي السابق لدى الس