عمان ـ القدس العربي : عن دار أندرسكوفن في الدنمارك صدرت ترجمة جديدة لرواية
(براري الحمّي) للشاعر والروائي إبراهيم نصرالله، وهي واحدة من روايات عربية
قليلة تم إختيارها للترجمة في مشروع يهدف إلي تقديم الأدب العربي والتعريف
بأهم منجزاته. وقد قامت بترجمتها إلي الدنماركية ماريان مادلونغ. وسيتم إطلاق
الرواية ضمن حملة كبيرة مع مطلع شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
وكانت براري الحمي قد صدرت بالإنكليزية عن دار إنترلينك في نيويورك ضمن مشروع
بروتا الذي أسسته الدكتورة سلمي الخضراء الجيوسي، كما ترجمت إلي الإيطالية
وصدرت عن دار إيليسو.
ظهرت الطبعة الأولي لبراري الحمي عام 1985 عن دار الشروق ومؤسسة الأبحاث
العربية وأعيد إصدارها فيما بعد عن دار الشروق ثم المؤسسة العربية للدرسات
والنشر في ثلاث طبعات، وقد أثارت جدلا واسعا في الأوساط الثقافية العربية
كواحدة من أبرز روايات ما بعد الحداثة، وأعيدت طباعتها ثلاث مرات وظلت واحدة
من الروايات التي تثير الكثير من الاهتمام وقد تمت دراستها في عديد الرسائل
الجامعية العربية والأوروبية والدراسات النقدية.
يقول الشاعر والروائي الإنكليزي جيرمي ريد: براري الحميّ هي الجوابُ العربي
عن النفس المنشطرة، إن الغاية التي يرمي إليها نصر الله يُتَحَتمُ عليها ألاّ
تجد حلاً حاسما، ولكن ما نحصل عليه من خلال البحث يحمل الحدة الهلاسية لقصيدة
نثرية، أو قصيدة غنائية متأججة لا تعدم السخرية الخاصة بمسرح العبث، التي
تميز اللقاء بين اللاعقلاني ومواقف تستثير مضادّها المطابق من خلال عين
الراوي الداخلية الشديدة الهلوسة. ذلك أن ذهنه قادر علي إنشاء أهرامات تناطح
السماء، أو تفجير نبع جارف من سطح صخري. وقد كانت رحلته خلال النيران،
ويستطيع المرء أن يقول إن كلماته تحرق الورق، إنها تصل دائماً إلي ما هو
الأهم في الفن: وهو العملية التحويليّة التي يفقد فيها العالمان الداخلي
والخارجي تمايزهما، ويندمجان أحدهما في الآخر عن طريق دينامية المجاز. ورواية
براري الحُمّي تدور حول الحدود القصوي، وينبغي أن تُقرأ من أجل رؤياها التي
لا يعلق بها الخوف، ومن أجل اهتمامها بالعقل بمعزل عن سواه، ومن أجل اعتقادها
المطلق بأن الشعر قادر علي أن يغيّر العالم.
ومن الصواب أن تجري أحداث هذه الرواية في الصحراء، فقد قدم لنا نصر الله
شمساً سوداء تطلع علي رمال بيضاء ـ إنها مجرة جديدة في الفضاء الداخلي.
في حين تري الدكتورة سلمي الخضراء الجيوسي أن براري الحمي من أدق التجارب
الجمالية تشرُّباً لروح الحداثة ، فقد استبطن المؤلف الحداثة استبطاناً
كاملاً وكأنه ولِدَ فيها. لقد أنتج الفن القصصي الفلسطيني معالجات فريدة لا
مثيل لها في الأدب العربي ، ومثال ذلك رواية (المتشائل) ورواية (براري
الحمي).
أما الناقد الإيطالي فليبو لا بورتا فيقول: (قراءة هذه الرواية تعني وقوعك في
أسر الغموض العذب، والفراغ الغامض الذي يتواجد في أعماق كل مخلوق إنساني،
متجاوزا البشر عابرا أعماق الكائنات الحية والجمادات في تلك الصحراء.
كما نلمس في روايته معرفة عميقة بأصول وتجليات الثقافة العربية والثقافة
الغربية والتقاليد الأسلوبية في الأدب والشعر والسينما. إنها واحدة من
الروايات الكفيلة بإثارة دهشة القارئ بعيدا عن ذلك الأدب الاستهلاكي الذي
يروّج محمولا علي نظرة ذات طابع استعماري، حيث نري نصراللـه في هذه الرواية
الرائعة يستخدم تقنية سردية بارعة موازية لذلك التمزق في الوعي والازدواجية
التي تعيشها الشخصية الرئيسة الواقعة بين فكي الخلل المطلق وسؤال المصير
ومغزي الحياة، أما الشيء الأكيد فهو أننا لن نعرف بعد قراءتنا لهذه الرواية
هل عدنا أم بقينا هناك في الصحراء.
وتري الدكتور فدوي مالطي دوغــلاس رئيســـة قسم الدراسات الشــرقية ـ جامعة
إنديــانا أنها رواية مختلفة وبظهـــورها انضم إبراهيم نصراللـه إلي كتّاب ما
بعد الحــداثة في العالم العربي، والجديد في سردها هو أن هذا السرد الذي
ابتـــدأ بضمير المتكلم يتوقف ليـــــدور بضمير المخاطب، أي ليصبح (أنتَ)
وهذا (الأنت) هو الذي يجب أن يألفـــــــــه القارئ لأنه يصبح أيضاً (هو) وهو
أسلوب قلَّما استعمل في الآداب العالمية، وقد وضع (ميشال بوتــور) رواية
كامــــلة هي (التعديل) بضمير المخاطب، غير أن سرد بوتور ينتظم من أوله إلي
آخره، أمــــــــا براري الحمي ، فإنها تتشكل من ثلاثة ضمائر، إنها رؤية
أدبية فريدة.
وتتقوي هذه التجربة للرواة بتجزئة أخري في أشكال النص نفسه، ففي براري
الحُمّي كثير من الشعر، وقد يكون ذلك متوقَّعاً من كاتب تمرس في هذا النوع
الأدبي. أما الخروج علي المألوف فهو إدخاله في بعض المواقف بعض السمات
الخارجية للمسرحية مثل (مشهد) و(ستار)، بحيث تؤدي إلي رؤية أدبية فريدة،
فعالمه عجيب غريب، حلمي الصبغة، كابوسي الأجواء في بعض الأحيان، لم يفرزه
تعدد الأصوات وفقدان الهوية وحدهما، وإنما شاركت في خلقه سلسلة من الفنون
الأدبية الأخري.
يذكر أن نصرالله أصدر عددا من الأعمال الرواية من بينها: مجرد 2 فقط، عو،
حارس المدينة الضائعة، شرفة الهذيان، ومشروعه الروائي (الملهاة الفلسطينية)
الذي ضم حتي الآن خمس روايات لكل منها أجواؤها الخاصة بها وبناؤها الفني
واستقلالها عن الروايات الأخري، كما صدر له هذا العام كتاب (السيرة الطائرة/
أقل من عدو أكثر من صديق) وإلي ذلك ثلاث عشرة مجموعة شعرية وقد ترجم بعض
أعماله إلي الإنكليزية، الإسبانية، الإيطالية، الألمانية، الفرنسية. ونال
عددا كبيرا من الجوائز.