المشكلة في "المهمة" والرحيل هو الحل ... فيصل جلول

 

25-10-2006 alkhaleej.ae

قبل أن يدلي الجنرال ريتشارد دانات بتصريحاته الشهيرة عن سقوط أهداف احتلال العراق وعن ضرورة سحب القوات البريطانية من هذا البلد كان الجنرال جون أبي زيد قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط قد أكد على مضمون أقوال دانات ولكن في لقاء مغلق مع مسؤولين في الكونجرس بحسب صحيفة “لو كانار انشينه” الفرنسية الواسعة الاطلاع والمعروفة بدقة أخبارها إذ قال: “... إن معنويات قواتنا في العراق هابطة. إن أية دولة مجربة ومعروفة لم تتمكن من السيطرة على الشرق الأوسط. سرعان ما نكتشف على أرض الواقع في هذه المنطقة بان الشرق الأوسط هو الذي يسيطر علينا”. وتعلق الصحيفة “.. هذه طريقة للقول إن إرسال جنودنا إلى العراق كان فكرة غبية”.

 

تذهب مشاعر الرأي العام في بريطانيا والولايات المتحدة في الاتجاه الذي يتحدث عنه دانات وأبي زيد. ففي لندن يرتسم شبه إجماع على أن يختفي توني بلير عن المسرح السياسي اليوم قبل الغد بل صار الاستفتاء حول البقاء أو الرحيل عن العراق بلا جدوى، فالرأي العام البريطاني بغالبيته الساحقة ما انفك يرفض الحرب ويطالب بانسحاب الجنود البريطانيين من هذا البلد وما عاد بوسع بلير أن يعتمد حتى على قادة قواته للدفاع عن الحرب ونتائجها ومجرياتها.

في الولايات المتحدة يرتسم تبدل كبير في مواقف الرأي العام الأمريكي من بين مؤشراته أن ثلث الأمريكيين صاروا يطالبون بسحب جنودهم من العراق في استفتاء نشرته قبل يومين مجلة “نيوزويك”، وتشير وسائل الإعلام الأمريكية إلى احتمال قوي بأن تؤدي نتائج الحرب الفاشلة إلى خسارة الجمهوريين مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني النصفية المقبلة. ولعل من الصعب تفسير انحسار أصوات عرابي الحرب دونالد رامسفيلد وديك تشيني وصحبهما بغير الإخفاق العراقي.

أما حديث الرئيس جورج بوش عن جواز مقارنة ما يدور في العراق بالأوضاع التي كانت سائدة في فييتنام في العام 1968 فانه يلخص ولو في زمن متأخر مصير الحملة الأمريكية على بلاد الرافدين، لكن بوش لا يستخلص الدروس الصحيحة من هذه المقارنة ذلك أن الاعتراف بالوجه الفييتنامي للحرب العراقية يستدعي سياسة وقائية وخطوات استباقية لإنقاذ ماء الوجه من صورة تاريخية أخرى لجنود أمريكيين يتسابقون على احتلال مقاعد قليلة في آخر مروحية تقلع على عجل من سطح القنصلية الأمريكية في سايغون.

المدهش أن الرئيس الأمريكي ما زال يصر على إكمال “المهمة” في العراق أو على “الانتصار في الحرب على الإرهاب” ومثله يفعل توني بلير فيما يشبه العجز الشعري الشهير “أنا البليل فما خوفي من الغرق”.

إن العودة بالذاكرة إلى التصفيق العاصف لخطاب رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي في الكونجرس الأمريكي قبل أسابيع معدودة تكشف عن إصرار خرافي على “المهمة” وصل إلى حدود هزلية، ذلك أن “البطل العراقي” الموصوف أمام ممثلي الأمة الأمريكية يتعرض بعد شهرين فقط للتهديد ب “عقوبات” أمريكية ما لم يعمد إلى حل الميليشيات والسيطرة على بغداد بل تهدد أوساط الرئيس بوش باستبداله غير عابئة ب “صفة” الخفة التي يمكن أن تطلق على مهرجان استقباله المجلجل من طرف أقوى واهم برلمان على وجه الأرض.

من سوء حظ بوش أنه ما عاد في العراق كأس نصفها فارغ والنصف الآخر ملآن تتيح لمن يرغب النظر فيها إلى النصف الذي يعجبه بل ربما لم تعد هناك كأس البتة، وبالتالي صار حظ هذه الإدارة الأمريكية في العراق كحظ “جدتها” في فييتنام والسبب بالضبط هو الإصرار على “إكمال المهمة” في البلدين.

في العراق المحتل لم يعد ثمة “مهمة” تستدعي المتابعة والإنجاز بل يمكن القول من دون تردد إن المشكلة العراقية تكمن بالضبط في ال “المهمة” الأمريكية المزعومة، والحل يكمن في رحيل المحتل الذي صار منذ زمن طويل أسير احتلاله. ولا يقول الجنرال جون أبي زيد شيئا آخر عندما يؤكد أن الشرق الأوسط عصي على السيطرة عبر التاريخ وانه يسيطر على المحتل بدلاً من أن يسيطر المحتل عليه.

إن القراءة الميدانية لاستنتاج القائد الأمريكي تفيد أن المجموعات العراقية المستفيدة من الاحتلال تتولى تنفيذ ال “مهمة” عبر الإطاحة بمصالح عراقية متراكمة على امتداد عقود طويلة في دولة جرى تهديمها بخفة ما بعدها خفة ما أدى إلى اتساع حجم الضرر ليطال الأكثرية الساحقة من العراقيين، وعن هذه الأكثرية تصدر أعمال التمرد والمقاومة وبات تحقيق مصالح هذه الأكثرية مشروطا برحيل المحتل وخلع المتعاونين معه. هكذا سيطر المتعاونون مع الاحتلال على الاحتلال كما يرى أبي زيد محقا وهكذا صار المحتل أسير احتلاله وصار مجبرا على الخروج من العراق خالي الوفاض بل فاقدا لقدرته الردعية التي نرى محدوديتها بأم العين في أكثر من بؤرة مشتعلة في العالم.

عندما يقول بوش إن العراق صار فييتنام الشرق الأوسط فإنه يصادق على طروحات المقاومة العراقية التي وعدت المحتل بمصير فييتنامي، ما يعني أن على إدارة الرئيس الأمريكي أن تنسى “المهمة” وتبحث عن وسيلة للانسحاب من هذا البلد اليوم قبل الغد.

 

 

 

شيراك "اللبناني".. عواطف أقل ونكد أكثر

فيصل جلول

ينظر فريق 14 آذار في لبنان إلى القوات الفرنسية وإلى اليونيفيل عموما بوصفها طرفاً مسانداً في معركته على السلطة والحكم في لبنان. لا يكذب الرئيس الفرنسي جاك شيراك هذه النظرة فهو لا يكف عن الدعوة إلى بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وبالتالي تجريد “الميليشيات” من أسلحتها أي “حزب الله”، ومنظمات المقاومة الفلسطينية، ويطالب سوريا بالامتناع عن التدخل في الشؤون اللبنانية ويدعو إلى تشكيل محكمة دولية للنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وعندما لا يتدخل الرئيس الفرنسي شخصياً في الشؤون اللبنانية فإن وزير داخليته نيكولا ساركوزي يفصح عمّا لا يريد صاحب الإليزيه الإفصاح عنه لأسباب تكتيكية فيقول إن “حزب الله” تنظيم إرهابي في مقابلة نشرتها ال”فيجارو مجازين” غداة حرب لبنان. ومع أن القول لا يتناسب مع لوائح الاتحاد الأوروبي حول الإرهاب فإن أحدا من المسؤولين الفرنسيين لم يعترض عليه. كيف يكون الحزب شيئا آخر بنظر هؤلاء وهو الذي يقاتل “إسرائيل” ويحتفظ بعلاقات جيدة مع سوريا وإيران وحماس وكل خصوم الغرب وتصنفه واشنطن في خانة الإرهاب.. الخ.

الحاصل أن أقوال تيار 14 آذار وأقوال فرنسا وأمريكا حول لبنان لا تختلف عن بعضها بعضاً “بوصة واحدة” على جاري التعبير المصري. هم حلفاء وشركاء ومراهنون على أجندة لبنانية وإقليمية واحدة قبل حرب يوليو/ تموز الأخيرة مع فارق شديد الأهمية بالنسبة لفرنسا، يتمثل في ضيق هامش المناورة الشخصي للرئيس شيراك في التدخل “العاطفي والحماسي” في الشؤون اللبنانية، وذلك ليس ناجماً عن تراجع تقتضيه الاعتبارات والتقاليد الدبلوماسية وإنما عن حسابات متصلة بأمن القوات الفرنسية المتمركزة في جنوب لبنان والتي ما كانت لتتمركز هناك لولا ضمانات حصلت عليها فرنسا من المعنيين بالأمر في الجنوب وفي الشرق الأوسط ولكن الضامن لا يمكن (مبدئيا) أن يضمن شيئاً من دون مقابل.

ثمة في لبنان من يعتقد انه “لا مقابل ولا من يحزنون” وأن شيراك “اللبناني” لم يفقد حماسه ولا اندفاعه الشخصي بعد الحرب والدليل هو منع الرئيس لحود من حضور القمة الفرنكوفونية في رومانيا أخيراً، والدليل صحيح مع فارق أن الرجل تنصل من المسؤولية “العاطفية” عن القرار وحصره بالرئيس الروماني مضيف القمة مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه القضية كانت موروثة من فترة ما قبل “الضمانات”، وما قبل الحرب، ما يعني أن الحكم على “عواطف” شيراك اللبنانية ستتم من الآن فصاعداً من خلال المناسبات التالية:

* أولاً: زيارته لبيروت أواخر العام الجاري وما إذا كان سيمتنع عن لقاء رئيس الجمهورية إميل لحود أم لا؟ خصوصاً بعد تصريح الجنرال ميشال عون بأن شيراك غير مرحب به إذا ما أصر على تجاهل الرئيس اللبناني. وقد أطلقت تصريحات أخرى بهذا الشأن.

* ثانياً: تقرير المحقق الدولي براميريتس حول جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الفترة نفسها وما إذا كان سيحافظ على حياده في الصيغة المقبلة وموقف فرنسا من هذه القضية التي دخلت في صلب الصراع على الحكم في لبنان بل صارت أحد أبرز عناوينه.

* ثالثاً: استصدار قرار دولي جديد حول لبنان بناء على البند السابع لميثاق الأمم المتحدة وبالتالي تحويل القوات الدولية إلى طرف مقاتل في الصراع على السلطة اللبنانية.

* رابعاً: تورط اليونيفيل في أعمال تجسس مكشوفة على حزب الله أو في التصدي لمقاتلي الحزب أو في التسامح الفاضح إزاء الخروقات “الإسرائيلية” للسيادة اللبنانية.

* خامساً: معاقبة إيران بسبب ملفها النووي.

في مجمل هذه القضايا وربما في غيرها سيكون من الصعب على الرئيس الفرنسي إطلاق مواقف “حماسية وعاطفية” درج فريق 14 آذار على توظيفها في حملاته التعبوية والتحريضية وبالتالي سيكون مجبراً على التعاطي مع الشؤون اللبنانية بحماس شخصي أقل وربما بطريقة محايدة خصوصاً إذا ما ازدادت مصاعب بوش في العراق وأفغانستان وهي إلى ازدياد، وإذا ما أصيب المحافظون الجدد بهزيمة نكراء في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وهم سيصابون.

فضلاً عن ذلك يبدو أن إيقاع حملة الانتخابات الرئاسية في فرنسا لن يمنح شيراك وقتا طويلا للمفاضلة بين حسنات وسيئات التدخل “العاطفي” في الشؤون اللبنانية، فالرئاسيات على الأبواب وهو حتى الآن ليس مرشحاً، في حين ان المرشحين يمينا ويسارا يأخذون على رئيسهم “عواطفه” اللبنانية ويرون أنها غير مفيدة لبلادهم سيما بعد تمركز جنودهم في جنوب لبنان.

الراجح أن مؤشرات عديدة تدفع باتجاه طي صفحة “العواطف” الفرنسية تجاه لبنان أما الصفحة الجديدة فستضم مواقف أكثر عقلانية وحيادا سواء ترشح شيراك وفاز بولاية جديدة أو استقر غيره في قصر الاليزيه، ذلك أن انخراط باريس في الصراع على الحكم في بيروت أصبح متداخلاً مع الصراع اللبناني  “الإسرائيلي” على أرض لبنان وفي هذا الصراع تنحسر هوامش الحب والغرام.

لقد أصاب الرئيس جاك شيراك أخيراً عندما علق على مصير قواته في جنوب لبنان بالقول: “انه يسير بشكل حسن وبصورة طبيعية لكن حادثاً واحداً قد يغير كل شيء” وأظنه كان صادقاً عندما تردد خلال النصف الثاني من أغسطس/ آب الماضي في أن تتولى بلاده قيادة اليونيفيل المعدلة. في ذلك الحين كان عليه أن يختار بين “عواطفه العذرية” اللبنانية التي لا تكلف شيئاً يذكر وتعود على فرنسا بمنافع كثيرة وبين “عقد قران” جدي على القضية اللبنانية وبالتالي تحمل متع العقد ومنغصاته فكان أن اختار الزواج علما أن فرنسا لم تعد كاثوليكية وبالتالي ما عادت عقود زواجها أبدية، إذ يكفي “حادث واحد” للإطاحة بالعقد وتفرق العشاق هذا إذا ما أراد الطرفان المتعاقدان احترام شروط التعاقد والامتناع عن الخيانة الزوجية.

 

alkhaleej

 

www.safsaf.org