العراق: "فيَتْنَمة".. و"أفغنة" معاً!

 

صبحي غندور*

 

كابرت الإدارة الأميركية كثيراً قبل أن تعترف أنّ ما يحدث في العراق فيه مؤشّرات لما حدث في الحرب الأميركية بفيتنام، وبدأت إدارة بوش تدرك حجم المأزق الذي وضعت نفسها وأميركا والعام كلّه فيه حينما غزت العراق منذ أكثر من ثلاث سنوات. لذلك، تحاول هذه الإدارة الآن البحث عن مخرج سياسي لأزمتها دون أن تدفع ثمنه السياسي في داخل أميركا أو ربّما اتجاه العالم كلّه.

 

لكن يخطئ كثيراً من يعتقد أنّ الإدارة الأميركية الحالية ستقرّر سحب القوات الأميركية من العراق، أو التخلّي عن العراق كما فعلت أميركا في السابق بفيتنام.

فالسؤال المطروح الآن في الإدارة الأميركية هو: هل يكون وجود القوات الأميركية في عراق موحّد أو في عراق ممزّق اسمياً وعملياً وقانونياً؟ وفي أيّ من الحالتين تكمن المصلحة الأميركية؟

 

إنّ السؤال ليس على مبدأ استمرار الوجود العسكري الأميركي في العراق بل على كيفية إنتشاره ودوره الأمني بهدف تخفيف حجم الخسائر الأميركية وردود الفعل عليها داخل المجتمع الأميركي.

حتى الخيارات التي ستقدّمها لجنة "بيكر/هاملتون" ستكون بمثابة توصيات لنهج سياسي لكن ليس من أجل إنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق. وربّما تأخذ الإدارة الأميركية بالكثير من التوصيات السياسية لهذه اللجنة المدعومة من الكونغرس ومن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، خاصّةً فيما يتعلّق بكيفية إدارة الصراع السياسي في العراق وبالعلاقة مع القوى الإقليمية، لكن لن تصل هذه التوصيات ولا الإدارة طبعاً إلى حدّ الدعوة للانسحاب الفوري من العراق. إذن فالقوات الأميركية باقية في العراق حتى إشعار إدارة أميركية أخرى، وهذا يعني على الأقل مدّة زمنية مساوية لما مضى حتى الآن على الحرب الأميركية في العراق.

فما الممكن حدوثه خلال الفترة الزمنية القادمة، وهل سيحافظ العراق على وحدة أرضه ونسيجه الإجتماعي بعدما تعذّرت المحافظة على استقراره وسيادته وحرّيته؟

الوقائع الحاصلة على الأرض لا تبشّر بالخير حتى الآن، كذلك ما يصدر عن الإدارة الأميركية وعن بعض أعضاء الكونغرس من إشارات عن مهلة زمنية ستعطى للحكومة العراقية من أجل السيطرة على أعمال العنف، وبشكلٍ مضلّل للرأي العام الأميركي عن طبيعة المشكلة القائمة في العراق، كما جرى سابقاً تضليل الرأي العام الأميركي حول أسباب هذه الحرب ومبرّراتها الأميركية.

فالإدارة الأميركية تقول الآن للأميركيين إنّ مشكلة العراق هي في أهله وفي حكومته، وفي الصراعات الداخلية العراقية وعدم تنفيذ المسؤولين العراقيين لواجباتهم ومهماتهم، بينما المشكلة الحقيقية هي في وجود الاحتلال، وبما قامت به إدارة الاحتلال هذه من هدمٍ لمقوّمات الدولة العراقية وليس فقط إسقاط نظام ديكتاتوري كان معظم الشعب العراقي ينشد سقوطه لكن لا من خلال الدبابات والطائرات التي هدّمت العراق وأركانه السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية..

أيّ خداع هذا للرأي العام تمارسه الإدارة الأميركية حول مسؤولية الحكومة العراقية عمّا يحدث في العراق! فهل بمقدور هذه الحكومة أن تطلب من مجلس الأمن وضع العراق تحت إشرافٍ مؤقّت للأمم المتحدة كبديل للاحتلال الأميركي/البريطاني؟ أو أن يطلب مجلس الأمن من كل القوات الأجنبية أن تغادر العراق؟!

هناك بلا شك ضغوط كثيرة من الرأي العام الأميركي لوقف التورّط الأميركي في العراق، لكن هذه الضغوط ما زالت في حدود الاستطلاعات الإعلامية ومنظمات قياس الرأي العام - وسيكون لها (هذه الضغوط) انعكاسات واضحة في الانتخابات القادمة في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني، إلا أنّها لم تصل بعد إلى حد الحركة الشعبية الواسعة التي ظهرت خلال الحرب الأميركية على فيتنام. فقد احتاجت الحركة الشعبية الأميركية الرافضة للحرب في فيتنام لأكثر من خمس سنوات من المسيرات الشعبية العارمة وسقوط العديد من القتلى والجرحى فيها حتى انعكس ذلك على قرار الإدارة آنذاك بوقف الحرب وبالانسحاب من فيتنام.

العراق الآن هو أكثر أهمّية ممّا كانت عليه فيتنام. فالعراق هو مركز ثقل الأجندة الأميركية كلّها تجاه العالم كلّه، لما في العراق من ثروة نفطية وما هو عليه من موقع استراتيجي، ولما تعنيه أيضاً الهيمنة العسكرية على منابع النفط في الخليج بالنسبة للاقتصاد العالمي وللدول الكبرى الطامحة في المنافسة مع أميركا.

أيضاً، الحرب في فيتنام كانت واضحةً في معالمها وبالأطراف المتصارعة فيها: فعلى أرض فيتنام كان هناك "شمال" يقوده ثوّار "الفيتكونغ"، وكان هناك "جنوب" عليه حكومة مدعومة من "الغرب" الرأسمالي. وقد فشلت عظمة القوة العسكرية الأميركية في القضاء على "الفيتكونغ" رغم الدمار الهائل الذي حصل ورغم مئات الألوف من الضحايا الفيتناميين. وانتهت حرب فيتنام بالهزيمة السياسية، وليس العسكرية، لأميركا، وتوحّدت أرض فيتنام تحت سلطة الفيتكونغ بمجرّد الانسحاب الأميركي منها. تماماً، كما كانت الهزيمة الاستراتيجية لإسرائيل حينما قرّرت انسحابها من لبنان عام 2000 بفعل المقاومة وصمودها وانهيار مشروع إسرائيل التقسيمي في الشريط الحدودي اللبناني.

فهل هذا هو واقع الحال في العراق؟ للأسف، فإنّ النموذج الموازي لأوضاع العراق الآن هو الحالة الأفغانية خلال فترة الصراع مع النظام الشيوعي في كابول حيث نجح "المجاهدون الأفغان" في هزيمة القوات السوفييتية في أفغانستان وفي دفعها للانسحاب من الدولة الأفغانية التي انهارت كلّياً بعد ذلك وشهدت حرباً أهلية دامية لسنوات عديدة (بطابع مذهبي وقبلي وأثني) وانتهت بسيطرة "حركة طالبان" على الحكم!!

إنّ العراق الآن هو ساحة صراعات محلية وخارجية. وهو ضحيّة لنتائج الاحتلال الأميركي/البريطاني ولتدخّل بعض القوى الإقليمية المجاورة ولأعمال جماعات التطرّف الديني وعملاء أجهزة المخابرات الإسرائيلية.

العراق يدفع الآن ثمن مزيج من خطايا حكمٍ ظالم لأكثر من ثلاثين سنة واحتلالٍ غاشم لأكثر من ثلاث سنوات.

وهو الآن حالة "أفغانية" للعراقيين، وحالة "فيتنامية" للأميركيين، وسيكون الرابح الوحيد من تداعيات الأوضاع في العراق هو القوى الإقليمية غير العربية، وفي مقدمّتها إسرائيل. فالدولة العبرية تزداد تألقاً في المنطقة كلْما قامت صراعات أهلية عربية خاصّةً بسمات طائفية ومذهبية، وهي أيضاً تزداد أهمّية بالنسبة للغرب عموماً، ولأميركا خصوصاً، كلّما ازداد الشرخ العربي/الغربي والإسلامي/المسيحي. فلا يعتقدَنَّ أحدٌ أنَّ أميركا ستتخلّى عن المنطقة أو عن هدف الهيمنة على أرضها ونفطها، وحينما يتعذّر على "الأصيل الأميركي" القيام بذلك فالوكيل الإسرائيلي جاهز للقيام بالدور المنشود، خاصّةً حينما تكون بلدان المنطقة غارقة في وحول الصراعات الأهلية، وتكون العلاقة مع إسرائيل ضرورة سياسية وأمنية لبعض الأطراف العربية!!

و عن هأو

 

إنَّ معيار النصر أو الهزيمة، كما هو في كلّ الحروب العسكرية، يتوقّف على مدى تحقيق الأهداف السياسية لهذه الحروب.

فهل سيكون "الهدف التقسيمي الإسرائيلي" في أجندة المحافظين الجدد بالإدارة الأميركية من حربهم على العراق، هو وحده المنتصر؟

الجواب ليس بالإنتظار أو المراهنة على "متغيّرات أميركية"، إنّه عند العراقيين والعرب والمسلمين..!

*(مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن)

 E-mail: alhewar@alhewar.com

www.safsaf.org