الرعب الإسرائيلي من «أوروبة
الجديدة» - نزار سلّوم
يفترض أن تكون إسرائيل من أكثر الدول اطمئناناً إلى وضعها وحالتها ومستقبلها، نظراً
إلى «المكتسبات الاستثنائية» التي حصلت وتحصل عليها منذ قيامها وإلى الآن، وهي «مكتسبات»
تتصل أساساً بالدعم غير المسبوق، وأحياناً غير المفهوم، الذي تقدمه لها الدول
الكبرى من الولايات المتحدة إلى الدول الأوروبية كبراها وصغراها، وهو دعم أعمى أدى
إلى إنتاج «حالة شاذة» وفوقية على مختلف القوانين والقرارات الدولية الصادرة بحقها
فضلاً عن مختلف النتائج التي يتم التوصل إليها حول ارتكاباتها الإجرامية في حروبها
ضد الفلسطينيين واللبنانيين خصوصاً، وصولاً إلى منحها حقاً فوقياً واستثنائياً
مكّنها من إنتاج السلاح النووي دون أن تتمكن أي جهة دولية من مناقشتها في هذه
المسألة أو فتح ملفها.
رغم ذلك كله وغيره الكثير من المزايا التي لا تحصى، بدت إسرائيل دائماً في حالة رعب
وخوف متزايد على وجودها ومستقبلها ومصيرها. وإذا كان خوفها من البيئة المحيطة بها
ابتداءً بالشعب الفلسطيني معروفاً ومتوقعاً، فإن «خوفها الآخر» هو ذلك «الكامن» في
المكان الذي يفترض أن يكون مصدر اطمئنانها، والذي يواصل تقديم الدعم لها. وهو
تحديدا في أوروبة، وخصوصاً في دولها الكبرى.
ينتج الخوف الإسرائيلي من أوروبة، من ترقبها الدائم لطبيعة التغيرات التي يمكن أن
تطول دولها وتتصل بنظرتها التقليدية إلى إسرائيل التي جعلت هذه الدول تقف إلى
جانبها دائماً محكومة بـ«العقدة الألمانية» التي إذا ما تم «فكّها» فربما سنشهد
انقلاباً استثنائياً في بنية واتجاه الرأي العام الأوروبي برمته.
في هذا الإطار تواصل الجهات الإسرائيلية البحثية والأكاديمية والاستخباراتية رصد
أحوال وتحولات الرأي العام في مختلف الدول الأوروبية، وعلى التوازي مع ذلك تواصل
حملاتها المكثفة شاهرة «بلطة: العداء للسامية»، متغلغلة في عمق النسيج السياسي
الأوروبي وخصوصاً في البرلمانات، متمكنة من الوصول إلى تشريعات خاصة تأمل منها أن
تكون قادرة على حماية «موقعها الاستثنائي» أوروبياً الذي وحده الكفيل بإنتاج
العوامل التي تجعلها مطمئنة إلى مصيرها. رغم ذلك أيضا وأيضاً، تبدو بعض الجهات
الإسرائيلية في حالة هلع من النتائج المنشورة لعمليات استقصاء الرأي، مؤخراً، والتي
تبين أن الأوروبيين يعتبرون أن إسرائيل تستغل «المحرقة» لتحقيق مكتسبات خاصة، كما
تلاحظ الوكالة اليهودية في تقريرها السنوي لهذا العام أن العداوة لإسرائيل تصاعدت
بشكل كبير في أوروبة منذ عدوان غزة في العام الماضي. قد تفسّر هذه التحولات جانباً
من «المبالغة الألمانية الحكومية» الراهنة في التقّرب من إسرائيل وصولاً إلى عقد
مجلس حكومي موحد معها في حالة غير مسبوقة لدولتين كل منها تقع في قارة مختلفة
وبعيدة عن الأخرى، بينما 42 بالمئة من الرأي العام الألماني بدأ يعبّر عن رأيه
صراحة برؤية الاستغلال الإسرائيلي لـ«المحرقة النازية».
من هنا، ربما، جاء مصدر الرعب الإسرائيلي من تركيا، حيث الأزمة معها التي لم تبق في
الادراج الحكومية، بل نحت باتجاه الرأي العام وأدوات التعبير الفنية والثقافية
وغيرها مما له صلة مباشرة بتشكيل الرأي العام «المسلسل التلفزيوني مثالاً»، أن هذه
الأزمة تقع على جسر البوسفور، أي على باب أوروبة، وربما تطرق ذلك الباب.
من المؤكد أن إسرائيل تخاف من «أوروبة الجديدة» التي وإن كانت «مفترضة» إلى الآن،
إلا أن التفكير بها وتفحّص ملامحها والتي تتشكل بنيتها من «أجيال لم تعرف المحرقة»
يفسّر ذلك الهلع منها.
2010-01-30