مصر تحاصر مصر: خط رفح المنيع - علاء الدين حمدي

لكل دولة ذات سيادة حق الدفاع عن حدودها الجغرافية أو المعنوية حيال ما تراه، وحدها، يمثل تهديدا مباشرا لأمنها القومي بثوابته الجغرافية أو الدينية أو الانسانية والتاريخية والسياسية والاقتصادية، وبالطرق التي تراها مناسبة، ومن منظور متفرد يحقق التأمين المستهدف لبقائها، ويوفر الحماية الكاملة لمصالحها، ويحافظ على أمنها وأمن مواطنيها في المقام الأول والأخير.

ومصر، شأنها شأن أي دولة محترمة، هي وحدها صاحبة الحق والقرار في اختيار الاسلوب الأمثل لتحقيق ذلك الهدف، لا جدال في ذلك ولا اعتراض، فالدولة المحترمة في أبسط مفاهيمها، هي تلك التي تمتلك أدوات مواجهة الافتئات على مقدراتها أو أراضيها بمنتهي القوة والحسم، بشرط أن يتناسب ذلك مع طبيعة "المفتئت" وحجمه وأسبابه وصحة تقدير درجة الخطر الذي يمثله، وبما يتفق مع حجمها ودورها في محيطها الاقليمي، وبما يتلائم مع رغبات شعبها وروابطه المختلفة مع الآخر المتهم بالافتئات!، وقبل ذلك وبعده، بالاسلوب الذي يحفظ لها هيبتها ويرسخ دورها التاريخي وعلاقاتها المصيرية مع ذلك الاخر! وهي المعايير الغائبة والمعالجة التي افتقدتها مصر، بكل أسف، بما تبنيه على الحدود مع قطاع غزة تحت مبرر القضاء على التهريب، سواء كان جدارا فولاذيا أو انشاءات هندسية أو أي مصطلح آخر تستخدمه، مصر الرسمية، مداراة للبطحة، وسترا للسوءة، وتخفيفا لوطأة الحدث!

ولا ريب أن "أنفاق التهريب" تمثل وضعا خاطئا غير مقبول على أي مستوى، فوجودها يسمح لضعاف النفوس، من الطرفين، باستغلالها في أمور أخرى تتجاوز ادخال الأدوية أو الأغذية أو الوقود، مثل العملات المزيفة أو المخدرات أو القنابل صغيرة الحجم شديدة الانفجار أو ما شابه، مع تحفظي على ما يشاع عن استخدامها في تهريب أسلحة بمعناها وكمياتها المؤثرة المفهومة! أو ما "أضحكني" مما ذكره ذلك الاعلامي المصري "الضخم" صاحب القناة الفضائية المشهورة عن تهريب سلاح من "حماس" الى "الحوثيين" في اليمن عبرها!

وأيضا رغم يقيني الكامل أن هذه الانفاق لا يمكن أن تغيب أو يخفي ما يمر منها عن عيون الأمن المصري بدرجاته المتعددة وبكل ما يتمتع به من كفاءة مشهودة وقواعد معلوماتية عريضة تجعله يرصد ما هو أقل وأدنى من ذلك! خاصة وأن الحدود مع قطاع غزة تبلغ حوالي 15 كيلو مترا يوجد عليها، في الجانب المصري، بضع عشرات من البيوت التي تضم الأنفاق، والتي يمكن تفتيشها عدة مرات يوميا، أو هدمها بأنفاقها على رؤوس أصحابها اذا أرادت مصر! وأكرر.. اذا أرادت مصر! وهو ما ربما يقودنا الي حديث آخر ان أذن الله تعالى، نستنتج فيه الأسباب الحقيقية والمقابل، والمناورات أو الضغوط "السياسية" التي أظن، حسب تصوري المتواضع، أنها "أرغمت" مصر على انشاء "خط رفح المنيع"!

كان الأولى بمصر، إن استشعرت تهديدا ما لأمنها القومي من تلك الناحية، سواء من الانفاق أو مما وراء ذلك من أمور وألاعيب السياسة! أن تحميه باجراءات أخري أشد فاعلية على المدي الطويل، وأكثر احتراما وموائمة سياسية تليق بها وبمكانتها، تعتمد على استعادة دورها المفقود ومكانتها "السابقة"، وتحقق الهدف المرجو دون أن تضع "هيبتها" على المحك، ان كان لا زال منها شيء!

اجراءات تبدأ باحتواء "حماس" بدلا من تركها في أحضان ايران كما نتهم ونشتكي، وتدعم المقاومة كحق أيدته كل المواثيق الدولية وتحولها الي خط دفاع رئيسي يحمي بصموده وقوته ذلك الأمن القومي المصري المخشي عليه، وتجعلها ورقة ضغط لصالح القدس الشريف والقضية الفلسطينية في مواجهة اسرائيل العدو الحقيقي الذي لا يفهم الا لغة القوة والذي لا سبيل لمواجهته وارغامه الا بها.

اجراءات تنتهي بهدم الأنفاق مقابل فتح معبر رفح للمساعدات والحالات الانسانية، بعد اتخاذ التدابير الأمنية العادية التي تراها مصر بصورة كاملة ومنضبطة، رغم أنف اسرائيل وأنف سلطة رام الله وأنف حماس أيضا ان اشترطت لنفسها مكاسب سياسية مقابل فتح المعبر!

فمن العار أن تعلن مصر.. الكبيرة.. "فشلها" في حماية شريط بطول 15 كيلو مترا من السهل أن تحرسه دوريتان لحرس الحدود، "فشلا" يستوجب عليها اقامة ذلك الجدار! اللهم الا ان كانت تخشى "الاجتياح" البشري الكثيف بالعجائز والنساء والأطفال من غزة! وهو ما لن يمنعه ألف ألف جدار! اذ لو قرر أهل غزة.. فسيمرون من منتهاه.. عبر الأراضي التي يحتلها العدو، الذي سيسمح لهم وقتها بالمرور إلى مصر تحت حمايته دون اعتراض، ولأسباب انسانية وأمام "كاميرات" الدنيا وعيونها! وبذلك تنتقل المشكلة الي سيناء كوطن بديل كما ترغب أو تخطط وتتمني اسرائيل ومن ورائها، وكما تساعدها عليه مصر الرسمية بخطأ القرار أو خطيئته، لا فرق.

الشاهد أن حماية الأمن القومي المصري هدف لا اعتراض عليه من حيث المبدأ، ولكن ما يحدث في "رفح" لا يصب في تحقيقه، بل على العكس يضعفه! ويفهم منه أن مصر الأم الكبيرة.. بلغت من الضعف والهوان الدرجة التي لم يعد في وسعها حماية مقوماتها الا بمحاصرة نفسها بمحض ارادتها! بعد أن افقدها البعض دورها التاريخي المحوري الذي لم يعد له ترجمة ملموسة على الأرض في العقود الأخيرة! منذ أن تخلت عن دور الأم، ورضخت للضغوط! وقبلت أن تكون وسيطا عرابا بين أبنائها وبين العدو! لا أن تحميهم وتحتويهم تحت جناحها كما تفعل الأمهات الصالحات بكل ما لديها من ادوات كفيلة بتحقيق ذلك! ان لم يكن من أجلهم، فمن أجلها وأجل أمنها وبقائها، واستثمارا لما قدمته لأمتها منذ انتفض أبناؤها لدحر التتار والصليبيين ثم الاسرائيليين!، فالوطن لا يحميه الا حريته، وحرية قراره هي بعض من حريته.


ضمير مستتر:

هو الموت فاختر ما علا لك ذكره

فلم يمت الإنسان ما حيي الذكر

ولا خير في دفع الردي بمذلة

كما ردها يوما بسوءته عـمـرو

(أبو فراس الحمداني)


علاء الدين حمدي


a4hamdy@yahoo.com


07/01/2010