نُخـب "إسرائيلية" تعيد
التفكير باحتلال 1967 وتطرح سيناريوهات للمستقبل (1 – 4)/
أنطـوان شلحـت
القيادة "الإسرائيلية" الحالية مأزومة وتتميز بانعدام
الرؤية السياسية البعيدة المدى!
04/01/2010
(*) شكلت ذكرى مرور أربعة عشر عامًا على قيام طالب جامعي يهودي من أوساط اليمين
المتطرف باغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، إسحاق رابين، التي صادفت مؤخرًا
(اغتيل المذكور في 4 تشرين الثاني 1995)، مناسبة انشغلت خلالها نخب إسرائيلية بما
كان رابين يتحلى به من "مزايـا قيادية"، في أواسط تسعينيات القرن العشرين الفائت،
وأصبحت مفتقدة لدى الزعماء الإسرائيليين الحاليين، في أواخر العقد الأول من القرن
الحادي والعشرين، ولا سيما ميزة "الرؤية" أو "المفهـوم". وتعني تلك النخب، في
معظمها، بـ "الرؤية" القدرة الاستشرافية البعيدة المدى، على غرار التي وقفت وراء
جملة مواقف سياسية آنيـة أدّت إلى أن "تجنح إسرائيل نحو التسوية السلمية" مع
الفلسطينيين، كما تجسّد ذلك في التوقيع على اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير
الفلسطينية في سنة 1993، في أثناء تولي رابين رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
ولقد ذهب البعض إلى درجة الاعتقاد بأن جنوح رابين نحو التسوية إياها كان يُضمر، في
العمق، حقيقة استيعابه واقع سقوط خيار استمرار "الوضع القائم" (الستاتيكو) في ذلك
الوقت، وانحسار خيار الاحتفاظ بالاحتلال الإسرائيلي منذ حزيران 1967، وخاصة في ضوء
الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والتطورات العالمية التي أعقبت انهيار الاتحاد
السوفييتي، واندلاع حرب الخليج الأولى.
وهذا هو ما عبّر عنه، مثلاً، الكاتب آري شافيط، المعلق السياسي في صحيفة "هآرتس"،
بالقول: إن بصيرة رابين الكبرى كانت كامنة في إدراكه أن الدولة اليهودية-
الديمقراطية لا تملك خيار الاستمرار في الوضع القائم، ولذا فإنها تقف أمام خيارين:
إمّا الخروج من وحل الاحتلال، وإمّا الغرق فيه. ويتعين على الحكومة الإسرائيلية
الحالية أن تستوعب هذه الحقيقة، وقد حان الوقت كي نعرف إلى أين نمضي.
وعلى ما يبدو فإن تطورات الفترة الأخيرة، وخاصة في إثر تقرير "لجنة غولدستون"
الأممي بشأن فظائع الحرب الإسرائيلية على غزة، وسيل الأزمات الدبلوماسية التي وجدت
إسرائيل نفسها في خضمها، بداية مع الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة باراك أوباما،
ومن ثم مع السلطة الوطنية الفلسطينية وما يسمى "محور الدول العربية المعتدلة"،
وانتهاء بالأزمة الحادة مع تركيا، كانت بمثابة ترجيح تعززه الوقائع الملموسة لتكريس
سقوط خيار "استمرار الوضع القائم"، بما يستدعي التخلص من الاحتلال الإسرائيلي في
المناطق الفلسطينية، وربما في غيرها أيضًا.
في هذا الإطار رأى المعلق الصحافي في "يديعوت أحرونوت"، إيتان هابـر، الذي سبق أن
أشغل منصب مدير مكتب رابين، أن الأزمات التي تواجهها إسرائيل في الآونة الأخيرة،
على المستوى الدبلوماسي، راجعة إلى جذر أساسي واحد، هو التغيير الذي طرأ على مواقف
الولايات المتحدة التقليدية إزاء إسرائيل، في ضوء أن الأولى قد ضاقت ذرعـًا
بالتواطؤ مع هذه الأخيرة في كل ما يتعلق بالاحتلال، وعقب تغلغل الاعتقاد لدى
المسؤولين في البيت الأبيض بأنه لا بُدّ من وضع حدّ لهذا الاحتلال، عاجلاً أم آجلاً.
وقد نوّه بأن مكانة إسرائيل في أسرة الشعوب كانت مستمدة، أساسًا، ولا تزال من
تحالفها الإستراتيجي مع واشنطن، ولذا لا يمكن التضحية بهذا التحالف أو حتى المسّ به
من أجل التمسك بالاحتلال والإصرار على مواصلة الاستيطان.
ويمكن العثور على اجتهادات فكرية تنحو هذا المنحى لدى نخب أكاديمية محسوبة، كما
شافيط وهابـر، على تيار الوسط، الذي ليس من المبالغة اعتباره التيار الرئيس للمؤسسة
السياسية الإسرائيلية في الوقت الراهن، بعد أن راوحت إسرائيل لفترة طويلة بين
تيارين رئيسيين آخرين، هما "اليسار الصهيوني" واليمين.
وربما ينبغي الإشارة هنا، تدعيمًا للحكم السالف، إلى حدوث "تغيير" في الخطاب
السياسي لرئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية، بنيامين نتنياهو، كان "خطاب جامعة بار
إيلان" الشهير في يوم 14 حزيران 2009 واشيًا به. وانعكس ذلك في منحيين مرتبطين
بمفاصل سياسة اليمين في إسرائيل، كما يعكسها حزب الليكود الحاكم:
• المنحى الأول- الإقرار بأن "السلام الاقتصادي" ليس بديلاً من "سلام سياسي" مع
الشعب الفلسطيني. ومن المعروف أن الخطوط العريضة للبرنامج السياسي- الأمني، الذي
طرحه نتنياهو بشأن مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، وخاض على أساسه الانتخابات
الإسرائيلية العامة في 10 شباط 2009 والتي أسفرت عن فوز اليمين فيها، قد أكدت أن "المفاوضات
الإسرائيلية- الفلسطينية (قبيل الحرب على غزة في أواخر سنة 2008)، والتي استؤنفت
منذ مؤتمر أنابوليس (في تشرين الثاني 2007) وتركزت في تحقيق اتفاق دائم بصورة
مباشرة، تخطئ الهدف المطلوب". وأكد أن الفلسطينيين "غير مستعدين في الوقت الحالي
لتسوية أيديولوجية ذات أبعاد تاريخية من شأنها أن تضع نهاية للصراع. ولا يوجد أي
دليل على أن الفلسطينيين سيستجيبون، الآن، ولو للحد الأدنى من المطالب، التي
سيطرحها أي زعيم إسرائيلي مسؤول. وقد رفض الفلسطينيون بشدة اقتراحا للتسوية قبل
ثمانية أعوام (أي خلال مفاوضات كامب ديفيد في سنة 2000)، ولا يوجد دليل على أن
مواقفهم إزاء قضايا الحل الدائم أصبحت معتدلة أكثر. بل على العكس، فقد أصبحت
مواقفهم متصلبة أكثر في مقابل حكومة إسرائيلية ضعيفة". وبدلا من ذلك اقترح نتنياهو
في ذلك البرنامج أن "تركز إسرائيل جهودها في تحسين (مستوى) حياة الشعب الفلسطيني
اليومية". وقال إنه "ينبغي، بصورة خاصة، مساعدة الفلسطينيين في تطوير اقتصادهم بشكل
سريع. وهذه الخطوة، بحد ذاتها، لن تنهي الصراع، لكنها ستوجد أجواء تزداد من خلالها
بشكل كبير احتمالات نجاح المفاوضات السياسية. وستعمل حكومة برئاسة الليكود بصورة
فورية من أجل تغيير الأوضاع الميدانية" (وهذا هو ما اصطلح على تسميته بـ "السلام
الاقتصادي").
• المنحى الثاني- الموافقة على "مبدأ التقسيم" من خلال قبول "مقاربة الدولتين".
وبغض النظر عن رؤية اليمين في إسرائيل جوهر الدولة الفلسطينية التي ستقوم، فإن
مجرّد هذه الموافقة تعني، أو من المفترض بها أن تعني، أن ذلك اليمين، وعلى وجه
التحديد الذي يمثل حزب الليكود عليه، لا يملك بديلا ممكنا آخر من "حل الدولتين".
لكن في الوسع أن نضيف أن هذا البرنامج السياسي هو في الوقت ذاته برنامج حزب كاديما،
المعدود منذ خطة الانفصال عن غزة في خريف 2005 على تيار الوسط، طبقًا للمعايير
الإسرائيلية، وهو للعلم حزب منسول في معظمه من اليمين الإسرائيلي، ومن حزب الليكود
على وجه الدقة. بل كان ثمة من أشار إلى أن نتنياهو قد "سرق" خطاب رئيسة كاديما
الحالية ووزيرة الخارجية السابقة، تسيبي ليفني، لا سيما وأنها كانت تؤكد دائمًا على
شرط الاعتراف بـ "يهودية إسرائيل"، وعلى ضرورة أن تكون الدولة الفلسطينية العتيدة
منزوعة السلاح، وتعارض حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهذه كلها هي الأركان نفسها
التي وردت في "برنامج نتنياهو الجديد".
ولعل أبرز الاجتهادات الأكاديمية، خلال الفترة القليلة الماضية، هو الاجتهاد الصادر
عن أحد كبار أساتذة العلوم السياسية في الجامعات الإسرائيلية، وهو البروفسور شلومو
أفينيري، من الجامعة العبرية في القدس، والذي سبق أن أشغل منصب المدير العام لوزارة
الخارجية الإسرائيلية، فضلاً عن حصوله على "جائزة إسرائيل". فقد أكّد، في سياق
مقابلة مطوّلة أدلى بها إلى الملحق الأسبوعي في صحيفة "معاريف"، في أواخر شهر أيلول
2009، أنه لم يعد في العالم الراهن وجود لدولة تفرض سيطرتها على منطقة محتلة منذ
أربعين عامًا، باستثناء إسرائيل. وأضاف أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية
كانت خطأ سياسيًا وأخلاقيًا جسيمًا، يضع عراقيل كثيرة في طريق العملية السلمية. ومع
أن المستوطنات، وفقًا لادعائه، لا تُعدّ السبب الواقف وراء النزاع الإسرائيلي-
الفلسطيني، أو وراء انعدام الحل السلمي لهذا النزاع، إلا أنه "لو لم تكن هذه
المستوطنات قائمة، ولو أن إسرائيل كانت ستتخذ قراراتها المصيرية وفقًا للاعتبارات
الأمنية الصرف، لكانت الأشياء كلها أبسط كثيرًا". أمّا السبب الحقيقي للنزاع فهو
راجع، في ادعائه، من جهة إلى رفض الفلسطينيين قرار التقسيم من سنة 1947، والذي
اعتبره رفضًا غير أخلاقيّ، ومن جهة أخرى إلى قيامهم بفرض حرب على إسرائيل. كما أنه
يؤكد أن إسرائيليين كثيرين، بمن فيهم هو نفسه، ما زالوا غير مقتنعين حتى الآن بأن
الجانب الفلسطيني سلّم بوجود دولة يهودية في جزء من أرض إسرائيل (فلسطين)، والدليل
على ذلك هو أن المطالبة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين ما انفك يشكل العمود الفقري
في الرواية التاريخية الفلسطينية.
من ناحية أخرى دعا هذا الأكاديمي إلى الإقلاع عن التفكير بأن هناك خطـة معينة في
إمكانها أن تجلب حلاً، وذلك في ضوء اتساع رقعة الفجوات بين الجانبين الإسرائيلي
والفلسطيني، منذ فشل مؤتمر كامب ديفيد في سنة 2000، في كل ما يتعلق بقضايا الحدود
والمستوطنات والقدس واللاجئين. ومع ذلك فإنه يعارض الحفاظ على الوضع القائم. أمّا
الوصفة التي يعتقد أنها ملائمة لإحداث التغيير وحلحلة الوضع القائم فهي عمليات
انفصال تدرجيّة عن المناطق المحتلة. وشدّد على أن خطة الانفصال الأحادية الجانب عن
غزة (في سنة 2005) كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، وأن خطة الانطواء (أو خطة التجميع)،
التي عرضها رئيس الحكومة السابق، إيهود أولمرت، وشملت انفصالاً أحاديًا عن معظم
أراضي الضفة الغربية، وتخلى عنها لاحقًا عقب حرب لبنان الثانية (في صيف 2006)، كانت
خطة صحيحة أيضًا.
القيادة " الإسرائيلية " مأزومـة
ولدى الانتقال إلى الحديث عن الأوضاع الإسرائيلية الداخلية قال أفينيري إن الأمر
الغالب الآن هو أن هناك أزمة قيادة في إسرائيل، تنعكس بدورها على عملية اتخاذ
القرارات المصيريـة.
ويمكن اعتبار قوله هذا هو خلاصة تفكير بشأن الوجهة، التي تمضي القيادة الإسرائيلية
فيها.
وفي واقع الأمر فإن التفكير، في هذا الأمر على وجه التحديد، أخذ مدًّا واسعًا منذ
سنة 2000، وهي السنة التي تفجرت فيها المفاوضات حول ما بات يعرف بـ "الحل الدائم"
للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، والتي دارت في إطار قمة كامب ديفيد، التي جمعت بين
رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، إيهود باراك، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر
عرفات، ورعـاها الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون. وكان من حصيلة ذلك أن عادت
الأوضاع إلى المربع الأول، ولعل الأصح القول إن تلك المفاوضات لم تغادر هذا المربع
أصلاً. وفي إثر ذلك شهدنا عودة إسرائيلية عامدة إلى سياسة النظر التقليدية للشعب
الفلسطيني والشعوب العربية جمعاء عبر فوهة المدفع، والتي كانت قد أخلت مكانها،
بصورة مؤقتة، لسياسة تسوية ومصالحة تقف في صلبها، على ما يبدو، غاية الاحتواء
والتهرّب من دفع المستحقات اللازمة لا أكثر. وكما لم يعد خافيًا على أحد، فإن هذه
العودة انطوت على تصعيد للسياسة الداخلية، المتعلقة بعلاقة الدولة الإسرائيلية
والأكثرية اليهودية مع الفلسطينيين في الداخل. كما أن صعود أريئيل شارون، مع ما كان
يحمله على كتفيه من إرث سياسي وعسكري عدواني إزاء الشعب العربي الفلسطيني عامة
والفلسطينيين في إسرائيل خاصة، إلى سدّة رئاسة الحكومة الإسرائيلية في سنة 2001،
يُعدّ من تداعيات أحداث سنة 2000، التي شهدت أيضًا اندلاع الانتفاضة الفلسطينية
الثانية، وما عرف باسم "هبّة أكتوبر" بين صفوف الفلسطينيين في إسرائيل.
وقد تعمّق هذا التفكير، أكثر فأكثر، بعد انتهاء حرب لبنان الثانية وما أسفرت عنه من
نتائج "كئيبة"، وهو ما سنتناوله في الحلقة المقبلة.
| نُخـب إسرائيلية تعيد التفكير باحتلال 1967 وتطرح سيناريوهات للمستقبل (2 – 4)/ أنطـوان شلحـت |
متى تنتهي عملية احتلال فلسطين؟ |
| 06/01/2010 |
(*) إن التفكير بأزمة القيادة في إسرائيل، الذي بدأنا بتناوله في الحلقة السابقة، قد تعمّق، أكثر فأكثر، في إثر انتهاء حرب لبنان الثانية (في صيف 2006) وما أسفرت عنه من نتائج "كئيبة" أدّت، من ضمن أشياء أخرى، إلى قيام "لجنة فينوغراد"، التي تقصّت وقائع تلك الحرب، بتوجيه نقد حادّ إلى القيادة الإسرائيلية، وأساسًا جراء اعتمادها، شبه المطلق، على قوة الردع الإسرائيلية، وعدم تجريب بدائل أخرى، بما في ذلك العمليات السياسية. وللعلم فإن جوهر النقد كان بسبب الاعتماد على قوة الردع وعدم إعداد الجيش الإسرائيلي كما يجب لخوض حروب، بافتراض أنها لن تقع، لكن ذلك لم يمنع اللجنة من نقد القيادة الإسرائيلية جراء انعدام الرؤية السياسية البعيدة المدى لديها. وقد ورد في أحد الاستنتاجات المهمة لـ "تقرير لجنة فينوغراد" أن حرب لبنان الثانية "أعادت إلى مركز الجدل والتفكير أسئلة قاسية فضّل المجتمع الإسرائيلي، في أجزاء كبيرة منه، أن يتهرّب منها. فالجيش الإسرائيلي لم يكن جاهزًا للحرب لأنه، من ضمن أمور أخرى، تبلور لدى قسم من المسؤولين في المؤسستين السياسية والعسكرية التفكير بأن عصر الحروب قد انتهى، وأنه يوجد لدى إسرائيل والجيش الإسرائيلي ما يكفي من الردع في سبيل الحؤول دون أن تشنّ عليها حرب حقيقية. وبحسب هذا التحليل لم يكن هناك ضرورة للاستعداد للحرب، لكن لم يكن هناك ضرورة أيضًا للبحث بحماسة عن مسارات تفضي إلى اتفاقات ثابتة وبعيدة المدى مع جيراننا". وعادة ما يتم التلميح، في غمرة ما ذُكر سابقًا، إلى أن جانبًا كبيرًا من انعدام الرؤية السياسية البعيدة المدى عائد إلى نوعية القيادة الإسرائيلية الحالية ومستواها. فمثلاً، عندما سُئل البروفسور أفينيري، في المقابلة نفسها مع صحيفة "معاريف"، عن مقدار رضاه من مستوى القيادة الحالية في إسرائيل، قال إنه غير راض بتاتًا من هذا المستوى. وقد تبيّن من كلامه أن أشد ما يزعجه في هذا الصدد هو أمران: الأول- أن طريقة اختيار لوائح المرشحين للكنيست لدى الأحزاب الإسرائيلية الكبرى، والتي تعتمد على الانتخابات التمهيدية العامة (برايميريز) في صفوف أعضاء الحزب، تؤدي إلى تدهور المؤسسة السياسية إلى الحضيض، حيث أنها تفتح المجال أمام هيمنة الشعبوية الرخيصة، وأمام معاقبة الأشخاص، الذين يقولون الحقيقة كما هي من دون رتـوش للجمهور العريض؛ الثاني- الحضور الفائض عن الحاجة للقادة العسكريين السابقين في النشاط السياسي المدني، والذي يخلّ بتوازن المؤسسة السياسية. وقبل أن يدلي أفينيري باجتهاده هذا، كان البروفسور أفيعيزر رافيتسكي، وهو أحد أبرز المفكرين الإسرائيليين في السنوات الأخيرة، وباحث زميل كبير في "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، وباحث في قسم الفكر الإسرائيلي في الجامعة العبرية- القدس وسبق أن أشغل منصب رئيسه، كما أشغل منصب رئيس معهد الدراسات اليهودية في الجامعة نفسها، وحاصل على "جائزة إسرائيل"، قد تطرّق إلى أزمة القيادة الإسرائيلية، وذلك في مقابلة صحافية أدلى بها إلى النشرة الإلكترونية الصادرة عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، بعد انتهاء حرب لبنان الثانية، وقبل أن يتعرّض إلى حادث سير في شهر تشرين الأول 2006، أصيب نتيجته بجراح وصفت بأنها بالغة أدت إلى دخوله في غيبوبة لمدة شهرين. وبحسب رأي رافيتسكي فإن هذه الأزمة عائدة، في أحد جوانبها، إلى ما يسميه بـ "روح العصر الراهن"، عصر ما بعد الحداثة، والانكشاف الإعلامي الواسع، فضلاً عن اختيار لوائح المرشحين للكنيست، بواسطة طريقة الانتخابات التمهيدية العامة في القواعد الحزبية. لكن يوجد عامل متراكم آخر خلق بالتدريج عدم الثقة بالزعماء، وهو ظاهرة التصريحات التي يطلقها كل رئيس حكومة في اتجاه معين، قبل انتخابه، ثم تجده "ينحرف يسارًا" بعد ذلك. فمناحيم بيغن دعا إلى الاستيطان والبقاء في صحراء سيناء، وبعد انتخابه أعادها كلها إلى مصر؛ وإسحاق رابين لم يخطر بباله أبداً الذهاب إلى أوسلو؛ كذلك فعل أريئيل شارون الذي لا داعي للتذكير بالتصريحات التي أدلى بها طوال حياته؛ حتى إسحاق شامير لم يعط أي إشارة إلى أنه سيذهب إلى (مؤتمر) مدريد؛ وهل كان أحد يتصوّر أن يوافق بنيامين نتنياهو (خلال ولايته الأولى في رئاسة الحكومة بين السنوات 1996- 1999) على اتفاقيات "واي ريفر" أو أن يعيد أجزاء من مدينة الخليل إلى الفلسطينيين؟؛ وهل كان متوقعاً أن يصل إيهود باراك إلى مرحلة يبدي استعداده فيها لتقسيم القدس؟. وهو يعتقد أن الزعماء المذكورين تصرفوا بشكل سليم، في معظم تلك الحالات، لكن أيًا منهم لم يملك الجرأة للإعلان عن ذلك مسبقًا، أو للإقرار بالحقائق الواقعية قبل انتخابه لرئاسة الحكومة. كما أنه توقف عند أسباب أزمة السياسة الإسرائيلية بشكل عام. ورأى أنه مهما تكن هذه الأسباب، فإن سببين منها يجب أن يكونا أساس الاهتمام: الأول- منذ تسعة وثلاثين عاماً (والمقصود منذ سنة 1967) ومعظم الإسرائيليين منهمكون في موضوع واحد، هو مسألة الحدود. وكل شيء يدور حول هذه المسألة، فهي محور أي جدل سياسي أو عسكري، ثيولوجي أو أيديولوجي. كذلك فإن مفاهيم اليمين واليسار، والمسائل المرتبطة بالهوية الإسرائيلية وبماهية الصهيونية، تتحدّد كلها بناءً على هذه المسألة. وهذا الوضع غير صحي وغير طبيعي، فهو يولد صراعًا قاسيًا وانقسامًا داخليًا وشعورًا من الاغتراب ومن عدم الوفاق الأساسي اللازم. الثاني- سادت في إسرائيل، كما هو معروف، ثلاث نظريات رئيسية مختلفة، فيما يتعلق بحل النزاع مع الفلسطينيين، هي: نظرية "أرض إسرائيل الكبرى"؛ نظرية "التسويات السلمية"؛ نظرية "الانسحاب الأحادي الجانب". وهناك من يعتقد أن جميع هذه النظريات قد مُنيت بالفشل، غير أنه يرى أن كلاً منها نجح في جانب، وفشل في جانب آخر. وبحسب رأيه لا يمكن القول إن نظرية "أرض إسرائيل الكبرى" فشلت تماماً، في الوقت الذي يعيش فيه مئات آلاف المستوطنين اليهود في "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية المحتلة)؛ ولا يمكن القول إن نظرية التسويات السلمية فشلت تمامًا بينما توجد اتفاقيات سلام مستقرة مع مصر والأردن؛ كما لا يمكن القول إن نظرية التجميع (الانطواء) فشلت في الوقت الذي لم تُجرَّب أو تُختبر بعد. وأضاف: في السابق كان لكل واحد منا تقريبًا موقف راسخ وشامل، فيما يتعلق بالحل المرغوب فيه، أما اليوم فقد بات الكثيرون منا يعون النواقص والثغرات في موقفهم، والجزئية الموجودة التي ينطوي عليها كل حل. غير أننا الآن لا نعرف بوضوح إلى أين نحن ذاهبون. وعلى النسق ذاته يقول البروفسور إفرايم عنبار، أستاذ العلوم السياسية ورئيس "مركز بيغن- السادات للدراسات الإستراتيجية" في جامعة "بار إيلان"، إن "تاريخ شعب إسرائيل قد أثبت أن لزعامة الدولة دورا في منتهى الأهمية. ويجدر بنا أن نتذكر بأن الدولة اليهودية تعرضت للهلاك والخراب مرتين في الماضي ("الهيكل الأول" و"الهيكل الثاني") وذلك بالأساس بسبب زعامة سيئة، لم تقرأ الواقع الدولي بشكل سليم. ويبدو لي أن الذي يتابع الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل يمكنه أن يلاحظ بدرجة كبيرة من اليقين أن لدينا أزمة زعامة. بناء على ذلك، فإن آليات تجنيد القيادات السياسية القائمة في الوقت الحالي يجب أن تخضع إلى تطوير مهم، كي يتم ضمان نشوء قيادة إسرائيلية يكون في وسعها أن تواجه التحديات الصعبة الماثلة أمامها". بطبيعة الحال، في وسعنا أن نورد أمثلة كثيرة أخرى تدعم التقويمات والأحكام السالفة، في معظمها، بقدر ما إنها تتقاطع مع منطلقها الرئيس، وهو تلمّس الطريق أو الوجهة التي تتيح إمكان تحرير السياسة الإسرائيلية الرسمية من أزماتها المستعصية. وليس من الصعب الخروج باستنتاج عام مفاده أن تفكير هذه النخب جميعًا يتميّز بقاسم مشترك واضح جدًا، هو إدراج غاية الحفاظ على شرعية الدولة اليهودية فوق أي اعتبار سياسي وأخلاقي آخر، ولذا فإن أصحابه يخلطون عمدًا بين السبب والنتيجة، وبكلمات أخرى ينظرون إلى الاحتلال باعتباره سببًا يؤدي إلى تفريخ الأزمات، لا باعتباره نتيجة للسياسة التي سبقته، واستمرت بعده أيضًا. وفي هذه النقطة المهمة بالذات، فإن المقاربات السالفة تفارق، من حيث الجوهر، اجتهادات إسرائيلية أخرى تغلب على مقارباتها السمة النقدية، ولا تلهيها النتائج عن الإشارة إلى السبب. |
في نقد أداء القيادة الإسرائيلية عمومًا |
عند هذا الحدّ لا بُدّ من التذكير بأن تشخيص انعدام الرؤية السياسية البعيدة المدى لدى القيادة الإسرائيلية كان محورًا مركزيًا في الرؤى، التي ميّزت النخب الأكاديمية الإسرائيلية النقدية، في أعقاب تطورات سنة 2000. وكان في طليعة الذين طرحوا هذا التشخيص البروفسور زئيف شطيرنهيل، المؤرخ الإسرائيلي اليساري والحاصل أيضًا على "جائزة إسرائيل"، والذي تعرّض في 25 أيلول 2008 إلى محاولة اغتيال على خلفية الأفكار السياسية التي يتبناها. فقد رأى، في سياق مقال له ظهر إلى جانب مقالات لآخرين غيره في كتاب بعنوان "الوضع الآن" صدر سنة 2003، أن جذور ذلك تعود إلى أداء القيادة الإسرائيلية على وجه العموم. ووفقًا لما كتبه فإن القيادة الصهيونية التي تولت عملية إقامة دولة إسرائيل في سنة 1948 لم تفلح في أن تتفوّق على نفسها، فتبادر إلى تأسيس مجتمع سياسي ذي أجندة ليبرالية عامة، وبذا فقد ظلت القيم القومية اليهودية في مرتبة متقدمة، من ناحية الأفضلية، على القيم العالمية، وخصوصًا قيم حقوق الإنسان. وبسبب انقياد تلك القيادة وراء القيم القومية اليهودية أصبحت فاقدة القدرة على اعتبار سنة 1949 (التي وُقعت خلالها اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية المجاورة) بمثابة نهاية ما يسميه "مرحلة الاحتلال"، أو مرحلة التوسّع الإقليمي. بناء على ذلك، كما يؤكد شطيرنهيل، فإن "الحروب التي خاضتها إسرائيل حتى الآن لم تكن ناجمـة عن الرفض العربي المستمر للاعتراف بشرعية الحركة القومية اليهودية فحسب، وإنما أيضًا عن عدم توفر القدرة والرغبة في إسرائيل في تحديد الوجهة التي يتعين المضي فيها قدمًا". ولذا، فإن "الانتصار الإسرائيلي في حرب 1967 اعتبر استمرارًا للانتصار في حرب الاستقلال" (حرب 1948). بعد هذا ينتقل شطيرنهيل كي يعيد إلى الأذهان أنه طبقًا للمفهوم الصهيوني التقليدي، فإن حدود الدولة الإسرائيلية هي نتاج الظروف المتغيرة، التي تخضع بدورها إلى ميزان القوى والقوة العسكرية. علاوة على ذلك فإنه في سنة 1948 لم يتم حسم سؤال أساسي كان لا بُدّ من حسمه، مرة واحدة وأخيرة، وهو: هل يعني إقامة الدولة في جزء من "أرض إسرائيل" (فلسطين) وضع حدّ نهائي لعملية احتلال البلد؟. كذلك لم يتم الهجس بجواب عن سؤال آخر كان مطروحًا بحدّة في ذلك الوقت، وفحواه: هل ستستند إسرائيل إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي من أجل السعي إلى السلام، على أساس الإنجازات (العسكرية) التي تمّ تحقيقها، أم أنها ستبقى راغبة، كلما سنحت الفرصة للتوصل إلى سلام، في مواصلة عملية الاحتلال، أو التوسع الإقليمي؟. بالعطف على ما يقوله شطيرنهيل، نلاحظ أن طابع المجتمع الذي ينبغي التطلع إلى بنائه في إسرائيل هو أيضًا مثار جدل يستقطب اهتمام النخب الأكاديمية الإسرائيلية النقدية. وبغية توضيح بعض جوانب هذا الجدل، الآخذة في التبلور أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة، سنتوقف في الحلقتين المقبلتين عند ما يقوله آخرون سواه بين صفوف النخب الأكاديمية الإسرائيلية النقدية في هذا الشأن. |
عرب48