اسرائيل 'العبرية' والفخ الصهيوني
د.
فايز رشيد
05/01/2010
التعابير والدقة في استعمالها مسألة أساسية في الصراع القائم بيننا وبين دولة
الكيان الصهيوني، وكدليل على حرص الإسرائيليين على التمسك بالتعابير، فإن نتنياهو
ومنذ خطابه الأول في جامعة بارايلان، بعيد تسلمه لمنصبه، ومن أجل استئناف المفاوضات
مع الفلسطينيين، وحتى اللحظة، حين كان في ضيافة الشقيقة الكبرى، معلناً من عاصمتها
(عاصمة الرئيس المرحوم عبد الناصر) يتمسك بشرط وهو: اعتراف الفلسطينيين بــ(يهودية)
دولة إسرائيل. وقد كان لكاتب هذه السطور ومنذ ست سنوات، أن حذّر من استعمال كلمة
الدولة (العبرية) في وصف إسرائيل، لا لاعتبارات مزاجية، وإنما لحقائق تاريخية. جاء
ذلك في سلسلة مقالات منها على سبيل المثال لا الحصر: خطأ مقولة الدولة (العبرية)،
الاعتراف بــ(عبرية)إسرائيل هو مقدمة للاعتراف بـ(يهوديتها)، وضمنّت هذا الموضوع في
كتابي بعنوان (ثقافة المقاومة).
ولكن للأسف ما زال البعض من صحافيينا وكتّابنا يستعملون تعبير الدولة (العبرية) في
وصف إسرائيل تجنباً لاستعمال الكلمة الأخيرة، واستعمال هذا التعبير الخاطئ يأتي عن
حسن نيةٍ بالتأكيد، كذلك فإن البعض من الصحف العربية تنقل أقوال الصحف الإسرائيلية
تحت عنوان: الصحف (العبرية).
لا ينطلق هذا المقال لمحاولة فرض رأي صاحبه على الآخرين، بل من وجهة نظر تؤمن
بالديموقراطية المطلقة، ودعوت يومها وبعد أن سردت حقائقي التي بحثت عنها في بطون
الكتب (ومع أنني طبيب، وقد يتصور البعض أن الأطباء لا يتقنون فن البحث- فليعذروني
إن كنت خاطئاً)، يومها، من له وجهة نظر معارضة أن يخطّ ذلك على صفحات هذه الجريدة،
لكني لم أقرأ رأياً مخالفاً، ولم يتصل بي أحد ليفنّد لي رأيي، هذا لا يعني شيئاً،
فلربما مقالتي الدورية في الصحيفة لا يقرأها من يستعملون هذا التعبير المقيت
والخاطئ والذي يعني:
الاعتراف بالرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني: أرضاً وشعباً وحضارة، ويعني أيضاً،
أن فلسطين ملتصقة منذ فجر التاريخ باليهود، وأن العرب والفلسطينيين طارئون عليها،
ويعني أيضاً زيف التاريخ العربي- الإسلامي لفلسطين، ويعني شئنا أم أبينا، حقاً
تاريخياً لليهود في فلسطين، وأنها فعلاً هي (أرض الميعاد) بالنسبة لهم، يحق
لاسرائيل في التعامل مع فلسطينيي منطقة 48 باعتبارهم مواطنين من درجة سادسة، وأن من
حق إسرائيل ممارسة التمييز ضدهم، ومن حقها طردهم، ففلسطين هي دولة (عبرية) أو (يهودية)
لا فرق في ذلك، فالتعبيران يصبان في نفس المجرى، ويعني ويعني ويعني..... أشياء أخرى
كثيرة لا يتسع المجال لذكرها جميعاً.
وفقاً لباحثين ومؤرخين غربيين وعرباً، منهم على سبيل المثال لا الحصر ج.د. درايغر
أستاذ اللغة العبرية في جامعة اكسفورد وفي مقاله له في دائرة المعارف البريطانية،
والمنقب (الأثري) وخبير اللغات القديمة كلوفاني بيتيناتو، والدكتور محمد نحل أستاذ
التاريخ في جامعة الأزهر وغيرهم، وبخاصة بعد اكتشاف لغة (إبلا) في مغائر مملكة (إبلا)
السامية، جنوبي حلب، فإن كلمة عبرية، هي كلمة عامة تطلق على طائفة كبيرة من القبائل
الرحِّل في صحراء الشام، وجاءت بهذا المعنى في الكتابة المسمارية والفرعونية، ولم
يكن لليهود وجود في ذلك الحين، ولما وُجد اليهود وانتسبوا إلى إسرائيل كانوا هم
يقولون عن العبرية إنها لغة كنعان.
كما يشير كثيرون من الباحثين وخبراء اللغات القديمة إلى حداثة اللغة العبرية، وإلى
أنها خليط من لغات، منها القديمة والحديثة أيضاً، كما يؤكدون، على أن الحاخامات
وجدوا أن أحسن طريقة يمكن اتباعها لربط تاريخهم بأقدم العصور، هي استعمال مصطلح (عبري)
للدلالة على اليهود بوجه عام، وبذلك يكون تاريخ فلسطين تاريخاً واحداً متصلاً
ومرتبطاً منذ أقدم العصور بــ(الشعب) اليهودي.
وقد تمسك الباحثون والمؤرخون اليهود وما زالوا بالنظرية القائلة: إن العبرية بمعنى
اليهودية، والتي أطلقوا عليها اسم (العبرانية التوراتية) هي أقدم لغة سامية معروفة،
متجاهلين وجود الكنعانية القديمة، محاولين الربط القسري بين العبرية والتاريخ
اليهودي واليهود.
ويورد الراحلان غسان كنفاني وجودت السعد في دراستيهما عن الأدب الصهيوني، الحرص
الأدبي الإسرائيلي، على استعمال مصطلح (العبرية) للدلالة على وجود (الثقافة
اليهودية الواحدة).
تتطرق كتب كثيرة إلى المسألة اليهودية، من كتاب كارل ماركس عن هذه المسألة، مروراً
بالمفهوم المادي للمسألة اليهودية، إمبراطورية الخزر وميرانها، وغيرها، وصولاً إلى
شلوموساند في كتابه (كيف تم اختراع الشعب اليهودي) وغيرهم وغيرهم كثيرون، ينفون
وجود أية روابط بين اليهود القدامى واليهود الحاليين.
ولذلك فإن وصف إسرائيل بــ(العبرية) هو وقوع في الفخ الإسرائيلي- الصهيوني، ألم يئن
الأوان للكف عن استعمال تعبير الدولة (العبرية) والصحف (العبرية)؟.
أنيس صايغ ، أيها الفلسطيني الكبير .. - د. عبد القادر حسين ياسين
هدية "اسرائيل" الى اطفال العراق - هيفاء زنكنة
الجدار الفولاذي المصري ما بين شيوخ الأزهر وساسة مصر..! - د صلاح عودة الله