25/01/2010
 

الحركة الثقافية بوجهها الأدبي نشطة في فلسطين وتتعهد بها أقلام حرة، تشير بمسؤولية إلى الهوية، وترى بأسى إلى الخراب الثقافي، وإلى خراب (المثقف) الفلسطيني من داخله. فهناك أقلام، للأسف، نكص أصحابها إلى مرجعيات أيديولوجية مُشوهة وانحدروا إلى مستويات من الانحطاط والضعف الفكري، وأصبحوا مقاولي ثقافة.


لا توجد مرجعية ثقافية جماعية، فالمؤسسة الثقافية عاطلة عن العمل والأمل، وشعار القدس عاصمة الثقافة العربية مشروع لم يكن أكثر جثة مدفنها السخرية الأعلى من حرارة الشعار السياسية. الذين ساروا في جنازة الجثة اعتقدوا أنهم يقومون بواجب السفر إلى عواصم عربية لاحياء فعاليات القدس الثقافية.


حتى قبل أيام قليلة من نهاية عام 2009، كان بعض الزملاء في رام الله من القائمين على تنفيذ فقرات تظاهرة القدس عاصمة الثقافة العربية، يردّ العثرات إلى عدم وجود ميزانية فعلية تلبي الاستحقاقات الثقافية، وفي رأسها طباعة نحو ما يزيد عن 350 عنوانا لشعراء وأدباء فلسطين. هناك خيبة أمل وأسى كثير في نفوس أغلب الأسماء التي تكتب بالدم والاعصاب المشدودة نصوصها، ويتساءلون باستغراب حول وهم الشعار الثقافي الكبير الذي اختـُصر في أفعال فلكلورية وبريستيج شخصي وسياسي أنيط ظلماً بالمعني العميق للثقافة الفلسطينية.


أما في ما يتعلق بنشر أعمال أدبية تاق الشعراء والأدباء في غزة والضفة إلى رؤيتها، فيتساءل الجميع مندهشين: من سرق وتآمر على حقنا وفرصتنا في أن نرى على أعمالنا شعار 'القدس عاصمة الثقافة العربية 2009'؟ أم في هذا الضياع خروج أو إقصاء إضافيّ للكاتب والمثقف الفلسطيني من معادلة الحقّ الوطني من جهته الثقافية؟ لذا كان لا بد من هذا المقال لفتح باب المساءلة، في حضور ما أتيح من معلومات بحكم تعاملي أثناء وجودي في غزة وعملي مع لجنة غزة كمنسق إحدى الفعاليات الكبيرة في مدينة خان يونس أرتأيت تنظيمها بالتعاون مع الجبهة الشعبية باعتبارها الفصيل اليساري الأول في منظمة التحرير الفلسطينية، وصاحب أدبيات كبيرة، حيث طلبت من الرفاق إعلان أنهم وحدهم من يقفون ماليًا ولوجستياً وراء الاحتفال؛ ذلك تجنباً منّي لبطش أو تخريب محتمل من جهة حماس لأي احتفال يُرفع فيه شعار رام الله لتظاهرة ' القدس عاصمة الثقافة العربية'. وقد كانت الفعالية بحق أجمل هدية تصل إلى الرفاق، على سهوة، بدون تعب كبير ولا تحمّل لأدنى مسؤولية مالية.حتى أنهم ومن حرصهم على عدم تحمل أي مسؤولية مالية طالبوني بأن اوقع باسمي عقدَ تأجير قاعة المسرح الكبيرة في مركز الهلال الأحمر بخان يونس. وكادت لجنة غزة الممولة من رام الله أن تورطني مالياً وماطلت لفترة، لولا المطاردة التي عشتها ليلا ونهاراً لأنقذ الموقف، والأصدقاء الشهود في غزة يعرفون تفاصيل لا مساحة لسردها الآن. ثم اكتفيت بهذه التجربة مع من ثبت أنهم يلبسون قناع الثقافة للحصول، قدر المستطاع، على كل فائدة شخصية وفي مقدمتها السمسرة واقتطاع أجزاء خرافية من ميزانيات الانشطة.


أما عن رام الله فكان طلب مني مدير 'بيت الشعر' والحاضر في وزارة الثقافة، في رام الله، الشاعر مراد السوداني، إرسال أعمال أدبية لأسماء من قطاع غزة شرط أن أقوم بتنقيحها وتجهيزها لفرصة النشر. وبعد أن شارفت السنة على الانتهاء أرسلتُ في منتصف شهر تشرين الأول ( اكتوبر) 2009، أستفسر من السوداني عن أسباب عدم ظهور أي مطبوعة لغاية الآن، فكان ردّه التالي:( حتى اللحظة لم يصرف أي مبلغ لطباعة أي كتاب بما فيها ديوان سميح القاسم الجاهز منذ 6 شهور. ولم يصدر كتاب واحد عن القدس عاصمة للثقافة، ورغم ذلك دعمتنا اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم ويمكن أن أطبع مجموعتين من غزة.. كما تعلم، والكلام لمراد السوداني، لا توجد لدي موازنة منذ سنوات، كل ما هنالك أن اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم تبرعت بمبلغ بسيط قمت بتوزيعه كالتالي: كتابان لغزة، كتاب لفلسطين 48، وكتابان للشتات. هذا كل ما في الأمر، بالنسبة للأسماء الباقية كافة سأعمل على نشرها وقد طلبت من وزيرة الثقافة ذلك تحديداً بخصوص أهلنا في غزة.. وأنا في حرج شديد مع العشرات الذين أحتفظ بمخطوطاتهم منذ ما يزيد على سنتين). لكن غسان زقطان المسؤول عن المنشورات في وزارة الثفافة برام الله الذي التقيته في مهرجان لوديف الفرنسي صيف 2009، والذي أخذ تقاعده مبكرا، حسب ما أخبرني، فشكك، بدوره، في مصداقية الوفاء بالتزامات مشروع القدس تجاه كتّاب وشعراء الضفة وغزة !
وعلى محدودية هذه المعلومات، إلا أنها تضع مزيدا من علامات الاستفهام في الأفق، على رغم اليقين أن ثمة من يعملون على تشريد الحقيقة. لذا هناك يعمل اليائسون في نهاية المطاف، من وازع أخلاقي كريم مع العدم، بمقولة ' إكرام الميت دفنه'.. لكن لتبقَ علامات الاستفهام على الضريح بدلاً من الورود.


وفي ختام هذا التأبين، يمكن القول أن المشاريع الفردية تدرك أن الثقافة لا تصنعها مؤسسات رسمية وبعض جهات تلهث وراء تمويل خارجي يشترط استهلاك الثقافة ويدعيها، ويمضغها كعلكة. مؤسسات وجهات تجافي بدورها الشفافية وتتنكر لاستحقاقات وأولويات ثقافية حاسمة وصلبة، وتهدر ميزانياتها على أشياء محكومة بالمصالح الشخصية والتوجهات السياسية والقيم الاستهلاكية! وما قيل ويقال على جماعة رام الله، قيل ويقال مثله وبشكل مضاعف على جماعة غزة التي لا يعنيها من الثقافة بالمعنى العميق شيء، رغم إعلان ثقافة حماس، يوم السبت الموافق 16/1/2010، وفي إطار توسيع الانقسام بين رام الله وغزة، عن انطلاق 'رابطة' الكتاب والأدباء، خلال لقاء نُظم في مقر منتدى أمجاد الثقافي بمدينة غزة، بحضور جمع من الكتاب والأدباء والمثقفين الفلسطينيين، المحسوبين على وعي الحركة الاسلامية، وبمباركة سياسية تمثلت في حضور قيادات الصفّ الأول كمحمود الزهار، وعطا الله أبو السبح، وأعضاء من المجلس التشريعي في غزة كصلاح البردويل، حيث سارع رئيس اتحاد الكتاب والادباء في رام الله الأستاذ المتوكل طه لاصدار بيان استنكاري لقيام جماعة غزة باطلاق هذه الرابطة.


مع وجوب التذكير، هنا، أن رئيس هذه الرابطة هو د.عطا الله أبو السبح، وزير الثقافة السابق في الحكومة الفلسطينية قبل الانقلاب، والذي شارك في اجتماع وزراء الثقافة العرب في مسقط عام 2006، وطلب أن تكون ' القدس عاصمة الثقافة العربية لعام 2009'، ووافق الوزراء العرب على طلبه بعد أن طلب ممثل العراق تأجيل دور بغداد ليكون في العام 2013 نظرا لحراجة الوضع الأمني في العراق!


شاعر من فلسطين
 

القدس العربي 25/01/2010