فنجان القهوة

 خالد عبدالله

:السبت ,30/01/2010
 

كثير منا من يبدأ صباحه بفنجان قهوة، وليست كل فناجين القهوة واحدة. كل له مزاجه الذي لا يرضى إلا بمذاق، فإن غاب مذاقه ضاقت به الدنيا، ودثرته الحيرة. وقد كان لنا فنجان قهوة نأنس بدفئه، ويشدنا بسحره، نطلبه فلا تتخلف نكهته حتى استحال في أذهاننا تصور فقدانه.


 

 كان فنجان “أبو خلدون” غديراً ينساب إلى أفكارنا فيملأها حياة كل صباح، بضحكة رطبة تمسح جفاف القلب، أو بأعجوبة تحير العقل وتشي بالتدبير الذي يجعل النفس أكثر خشوعا، أو بطرفة تذكر بالواقع الحافل بالتناقضات. لم تكن تلك مجرد أفكار، أو أضمومة طرائف، أو باقات حكايات.


 

 كانت أكبر من ذلك. كانت رسائل من العبر، وكانت مفاتيح لإدراك أسرار الحياة. وكانت أكبر من ذلك لأن مادتها كانت تحاك بالأسلوب الآخاذ، وعباراتها تنسج على منوال مبهر لا يملك العقل إلا الدوران في ثناياه. كان فنجان قهوة “أبو خلدون” أصدافاً مليئة بالطرائف والمعلومات التي تنبض بالحكم لأنه كان غطاساً ماهراً يجيد التمييز بين ما يلهي ولا ينفع وبين ما يجمع إلى المتعة شحذاً للفكر وتدريباً على التأمل والتفكر.


 

ما كان يميز قهوة “أبو خلدون” أنها كانت تقودنا إلى ما هو أبعد من المعلومة ذاتها، وإلى أعمق مما قد يلمسه القارئ على سطح الخبر. كان يستفز العقل إلى التفكير ليس بالضرورة إلى الموافقة على ما يكتب، بل أحياناً إلى ساحات الاختلاف. كان الرأي الذي يخطه مبنياً على وقائع، قد يقرأ المعاني الصحاح منها، وقد يشتط إلى ما يثير الرد المخالف أو حتى المسفه الذي كان يهز نفسه أكثر لأنه كان يرى في ذلك نجاحاً فيما قصد من حيث إثارة السجال بين العقول حتى تتمرس على التفكير، وحتى تقترب أكثر من دقيق المعاني التي تضمها المعلومات بين ثناياها.


 

كان “أبو خلدون” منقباً ماهراً يجيد التقاط الكريم من الدلالات، فما اختلف عن كثير من أمثاله في الصبر على البحث في بطون المطبوعات، لكنه تميز عن الكثير في الكشف عن عناصر الارتباط بين المعلومات، وفي غربلتها من خلال رؤية متناسقة ومنسجمة مع نفسها في تفسير ما يسمع ويقرأ. نعم، كان متحيزاً في الرأي ولم يخف ذلك بلباس الموضوعية، لكن رأيه لم يكن خبط عشواء فقد كان يسوق له الحجج الطوال من مظانها التي يثق بها الناس.


 

 كان يحب التمييز بين الرأي الذي يستنتج وبين المعلومات التي تسند، الأول عنده يخرج من ذاته، والثانية متاحة لمن يريد التثبت. فالرأي لديه ليس فيه حياد، لأنه خلاصة قراءة الإنسان للأحداث والوقائع والتصريحات والاستطلاعات. الفرق يكمن في ارتجال الرأي المبني على الظن والهوى، والرأي المنبعث من التدبر والتأمل في الحقائق والمعلومات.


 

ومن كان صاحب قضية مثله فلا ينفعه الظن والهوى لأن ذلك يقود إلى الانخداع والخداع. ذلكم هو الغدير الذي انقطع عن تغذية عقولنا بعدما توقف صاحب الفنجان عن تقديم فنجانه