وداعا محمد الخوالدة – بقلم : نضال حمد*   

عرفته نهاية صيف 1984 في مدينة وودج أو لودز في جمهورية بولندا الشعبية آنذاك .. كنا للتو وصلنا من بلادنا العربية السعيدة الى بلاد فريدريك شوبان ، ماريا سكودوفسكا كوريه ، اوسكار لانغي ، تشيسواف ميلوش ، فيسوافا شيمبورسكا ، فايدا ، بولانسكي ، هولاند ، البابا يوحنا بولس الثاني ، الجنرال ياروزلسكي ، ليخ فاليسا ، بونيك وسمولارك وجيكانوفسكي وتاراشيفيتش ، نجوم كرة القدم .. بلاد عريقة وغنية باسماء لامعة في الثقافة العالمية وفي الرياضة والفن والسينما والدين والسياسة والعلم والمسرح.

في معهد اللغة الواقع على شارع كوبشينسكييغو في مدينة لودز القريبة من العاصمة وارسو والتي تعتبر ثاني أكبر مدن البلاد ،بدأت تتطور العلاقة بيني وبين محمد الخوالدة وصديقنا المشترك  بدر حامد وآخرين بالعشرات أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر ، العزيز عبد القادر مطر ، رجل الأعمال الناجح هذه الأيام ، والذي مازال ينتمي لنفس مدرستنا الحنظلية.. زياد عيس الأردني الحبيب ، رفيق الليالي المضيئة ووقفات العز ..  حكمت ابراهيم الصابر الصامد في فرصوفيا ، علي نصرالله رفيق الجراح والكفاح ، عبد السفير الباقي في وارسو .. وعامر ابو العباس الذي فقد اثره البولندي .. وكان معنا ايضا من الذين توجهوا الى فروتسلاف ، الصيدلي ابراهيم الظاهر من مخيم برج البراجنة ، فقد ساقه في حرب لبنان ، طه مشارقة ، سهيل صباح ، والصديق الجميل د. سمير ايوب - ابو ركان ، الذي ابلغني ليلة امس بنبأ رحيل الصديق والرفيق والأخ المهندس الناجح والبارع محمد الخوالدة... وكذلك كان معنا آخرين كثر فليعذروني على عدم ذكر اسماءهم ، فقد اصبحنا ننسى من كثر الهموم والسموم في زماننا العربي المظلم.

عقب انتهاء معهد اللغة وبعدما تمكنا من اللغة البولندية قليلا ، توجه كل منا الى المدينة التي اختارها ليدرس فيها بقية سنوات الاقامة في بولندا. وكنا يومها أكثر من 100 طالب فلسطيني في معهد اللغة، فأخترنا محمد وانا وبدر وسمير وزياد وسهيل وآخرين مدينة فروتسلاف الجميلة ، المليئة بالجسور كما البندقية في ايطاليا او امستردام الهولندية. والتي كانت تغص بالشباب والطلبة، القادمين من كل بولندا ومن كل العالم للتحصيل العلمي في جامعاتها وكلياتها. ولم أندم شخصياً على الاختيار المذكور ، فهناك عشت أجمل سنوات عمري والتي اعتز بها ، وكانت بالطبع برفقة محمد والآخرين.

في فروتسلاف سرعان ما تأقلمنا مع الأجواء المعيشية والجامعية والفلسطينية هناك ، فتعرفنا على الأصدقاء سفيان كيالي ، جمال احمد ،د. كميل الجشي ، د. كامل.. ، د. مروان الصيفي ، محمد درويش ،د. عدنان العايدي ، المهندس فايز عبد الفتاح ، د. أيمن دغمان ، د. وليد الشرقاوي و  د. حسام الكيال .. الراحلة فريال فاعور..  كذلك عشنا في فروتسلاف  مع ابن البلد فوزي يونس ، ومع حسن نواهضة ، سمير شقيق ابو العباس ، وحسني عيسى وجهاد صالح والمحامي عزت عبيد الله والمهندسان جواد ومنير شناعة من مخيمنا عين الحلوة ، نضال دراج ، احمد ابوعامر ود. محمد ذويب. وآخرين بالعشرات أن نسيت احدهم فليسامحني.

في فروتسلاف بدأت العلاقة تمتن وتشتد بيني وبين محمد وبدر وآخرين كانوا اقرب لي فكرياً وحيايتاً. ولعبت الخلافات السياسية دوراً بارزاً في اصطفاف محمد وبدر ، فهما لم يكونا ينتميان لأي حزب او فصيل سياسي الى جانبنا نحن قوى اليسار الفلسطينية. ثم  تحالفنا مع سفيان ورفاقه ، واصبحنا نشكل قوة لا يستهان بها في فروتسلاف الحمراء .. هكذا اطلق عليها بعض الذين كانوا يهيمنون على الوضع الفلسطيني في بولندا.

درس محمد ومعه بدر وآخرين في قسم " انفورماتيكا" بكلية الهندسة " بوليتيخنيكا فروتسوافسكا" وكانت غير بعيدة عن " دفوجيستو لاتكا" سكن الطلبة الذي اقمت فيه ، لذا كنا نلتقي يومياً إما في سكني أو في مقهى " بيتسيريا"  قريب منه. وإن لم يكن هناك فكنا نلتقي في مقاهي وسط المدينة مثل مقهى انديكس ، كولامبور أو مقهى كوبا.

سكن محمد و بدر معاً طوال فترة الدراسة. وفي تلك الفترة اقمنا علاقات قوية مع قوى سياسية وثورية بولندية وعالمية وعربية كانت في المدينة. وبدأنا ننشط ونقيم الاحتفالات الفلسطينية بشكل منتظم. ونوزع بيانات سياسية ارشادية للطلبة الفلسطينيين والعرب. بداية كنا نكتبها بخط اليد لتعذر وجود ماكينة طباعة أو آلة كاتبة. في احدى الحفلات قام محمد وأخذ يغني مع فرقة طلبة من ألمانيا الشرقية كانت تشارك في احتفال اليوم الوطني لجبهة التحرير الفلسيطينية الذي اقيم في فروتسلاف.. لم نسأله عن اللغة التي سمعناها ولم نفهمها اكانت ألمانية ام ماذا؟

 بعد مرور سنتان أو أكثر أسسنا في فروتسلاف فيدرالية الطلبة العرب وكان لها مجلة تصدر شهرياًً.. وفي الذكرى الاولى لاندلاع الانتفاضة وبعد اغتيال الشهيد القائد ابو جهاد الوزير في تونس على يد الموساد الصهيوني سنة 1988 ، قامت جريدة "سبرافي إ لودجي" المحلية باجراء مقابلة حوارية معي ومع محمد الخوالدة. لازلت احتفظ بنسخة منها.

 من محمد تعلمت طهي عدة اصناف من الأكلات الفلسطينية والعربية ، من المقلوبة الى صينية الدجاج في الفرن .. واذكر في يوم عرسي أن محمد وآخرين منهم بدر وحسني وحسن وجهاد توكلوا أمر الطبيخ الفلسطيني. وفي حفل العرس الذي اقمته في سكن الطلبة " دفوجيستكو لاتكا" ، قام محمد بالرقص وتقديم الطعام وترتيب الموائد والغناء والزغردة استحضاراً للموروث الثقافي الفلسطيني ولأعراس بلدنا. كان سعيداً كطفل ومرحاً لا يترك فرصة للسعادة والبسط تفوته.

 التقيت به للمرة الأخيرة في مدينة كراكوف البولندية قبل أكثر من عام ونصف ، على هامش مؤتمر تشكيل الجالية الفلسطينية هناك.. تحدثنا وسهرنا في مقهى الشيشة ، فاعدنا القليل من ذكريات الماضي. وتواعدنا على اللقاء من جديد ، لكن اللقاء لم ولن يحدث ابداً ، إذ أنه رحل تاركاً خلفه زوجته واطفاله ومحبة الأصدقاء.

 وداعا يا محمد ، كنت خير الرفاق ، وأكثرنا معرفة بلغة البلاد الجديدة ، تتذكرك فلسطين بنشاطاتنا في الجامعة وفي مدن بولندا المختلفة .. ونتذكر أن فساد بعضنا الفلسطيني لم يستطع النيل منك ، فبقيت صامداً ووفياً للمبادئ التي تربينا عليها .. أعزي نفسي وآلك واطفالك وزوجتك وكل احبتنا برحيلك المفجع. وأقول لك : مثلك من الصعب على الناس نسيانه..

 

* نضال حمد – مدير موقع الصفصاف

www.safsaf.org

 21/10/2010