" الأوسلوياها " الفلسطينية و " الساتراياها " الهندية ..
نضال حمد – اوسلو
07-07-2006
قبل البدء بالحديث عن جماعة "الأوسلوياها" من الفلسطينيين وهي جماعة متنفذة في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح وأخواتها من الفصائل الصغرى والكبرى. يجب التذكير بمبدأ "الساتراياها" التي تعني ( التحرك الوطني القائم على الحقيقة، الشجاعة واللاعنف).وهذا مبدأ الزعيم الهندي المسالم موهانداس كارامشاند غاندي الذي حرر الهند من الاستعمار البريطاني.
مع أن الساتراياها التي أصبحت تعرف الآن بالغاندية (نسبة للزعيم غاندي)، رفضت التخلي عن اي ذرة رمل او تراب في الهند. ووقفت ضد تقسيمها بين الهندوس والمسلمين. كما انها لم تتنازل عن أي حق من حقوق الهنود، ولم تقبل بأقل من طرد الاستعمار وإعلان الاستقلال. فأننا نرى الأمور في فلسطين المحتلة وعند مجموعة الاوسلوياها الفلسطينية غير ما كانت عليه عند الساتراياها الهندية.
غاندي عباس
هذه الجماعة الفلسطينية صار عمرها العلني الآن من عمر انتفاضة الأقصى، وكانت قد آمنت بمعتقدات أوسلوياها السلمية، بعد تخليها عن معظم حقوق الشعب الفلسطيني وأراضيه وكرامته في اتفاقيات اوسلو وما تلاها من مصائب وعجائب. ومعلوم ان المجموعة المقربة بالذات من الذي يعتبر غاندي الأوسلوياها الفلسطينية، السيد محمود عباس ،هي التي فهمت أو تفهم الساتراياها بالمقلوب. فالهنود عملوا بتوقيتهم وليس وفق التوقيت البريطاني او الصهيوني. وبمعايير وطنية وتقليدية تناسب كل الشعب الهندي وليس بمعايير " موديرن" ،حديثة، صناعة بريطانية أو أمريكية او أخرى فاسدة محلياً.
الأوسلوياها تعني التحرك السلمي القائم على فهم مطالب الأعداء ونبذ الحقوق والقفز فوقها بشجاعة.. وهذا هو الدرب الذي سارت عليه جماعة الأوسلوياها الفلسطينية ، بعد تخليها عن معظم حقوق الشعب الفلسطيني وأراضيه وكرامته في اتفاقيات اوسلو وما تلاها من مصائب وعجائب. فهي لم تقاوم كما قاوم غاندي. وهنا يجب ان نذكر القارئ بالقائد الهندي المسالم الذي اختار النهج السلمي لمواجهة الاستعمار البريطاني في الهند. كان غاندي شابا جدياً وبنفس الوقت خجولا. لم يتزوج الهند بل تزوج من هندية مثله. وبالرغم من أن أسرته من طبقة التجار الهنود إلا أنه لم يتاجر ببيع الهند للاستعمار البريطاني أو للتاج الذي جلب لأهل فلسطين الصهاينة وكيان اليهود. وأكثر من ذلك فقد انتقد ورفض غاندي في مقالاته فيما بعد قيام الدول الاستعمارية بإنشاء دولة اليهود على ارض الشعب العربي الفلسطيني. وكان غاندي محاميا بارعا وشجاعا دافع بجدية عن بلده وشعبه وقضيته، حيث انه درس الحقوق وباشر عمله محاميا في جنوب إفريقيا التي كانت من مستعمرات التاج البريطاني، ودافع بكل قوة عن أبناء شعبه من العمال الهنود في المستعمرة الأفريقية.
أطلق غاندي حملته الشهيرة في الدفاع عن حقوق العمال عبر النضال السلمي الذي عرف كما سبق وذكرنا ب " الساتياراها " أي التحرك الوطني القائم على الحقيقة ، الشجاعة واللاعنف.. ونظم مع عمال المناجم الهنود حملات عصيان مدني أدت في النهاية إلى إصلاح أوضاع وحقوق العمال. وبعد عودته إلى الهند أصبح غاندي زعيما للحركة الوطنية الهندية. وخلال المواجهات مع الاستعمار ومن أجل الاكتفاء الذاتي وعدم التسول والاستجداء وتقديم التنازلات للأعداء وغير الأعداء ، أعلن غاندي نيته تطبيق برنامج "النسج والحياكة اليدويان". من أجل دعم الحرية الاقتصادية والاكتفاء الذاتي ولتأكيد كرامة العمل اليدوي واليد العاملة. وسجن غاندي سبع سنوات تقريبا وكان يفخر بذلك.
كما كان غاندي زعيما كبيرا وقف خلفه شعب أعزل إلا من الإرادة والحق. ولم يقم غاندي بتربية المستزلمين والمتعصبين والعابرين كما فعل البعض في فلسطين. ولم يجلب الفاسدين والقابلين للفساد ووضعهم في مقاعد ومراكز هامة وحساسة كما فعل أيضاً البعض في فلسطين. ولكي لا يصبح مرتبطا بالآخرين ومتسولا ومستجديا للأموال والمساعدات أطلق مبادرته النسج والحياكة اليدويان. أما في فلسطين فقد قبلت القيادة التي تهيمن على المؤسسات والمراكز والقرار في البلد أن تكون مرتهنة ومرتبطة ماليا وماديا للآخرين، وبالذات للدول الغربية وللولايات المتحدة الأمريكية. حيث ان هؤلاء وبالذات أمريكا يعتبرون طرفاً في الصراع وليسوا محايدين ولا وسطاء غير منحازين.
لقد جعلت القيادة المتنفذة في فلسطين والتي كانت نهايتها في الأوسلوياها من المناضل الفلسطيني في صفوف م ت ف والسلطة وفتح وأخواتها مناضلا حتى آخر الشهر. فعندما أوقفت المساعدات المالية الأوروبية والأمريكية عن السلطة الفلسطينية بعد فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية الديمقراطية، بالرغم من أنها انتخابات اوسلوية تصب في النهاية في خدمة مشروع تأكيد الأمر الواقع. كان الأفضل لحماس ان لا تخوضها وأن تتركها بما فيها لمن جلبها. رغم ذلك فقد أعلنت كل دول العالم وقف المساعدات عن الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية ما لم تعترف الحكومة الجديدة بحق إسرائيل في الوجود ونبذ الإرهاب والاعتراف بالاتفاقيات الموقعة بين الجانبين. كل هذه الشروط البغيضة وضعت مع أن الصهاينة أنفسهم لا يعترفون بها ولا يلتزمون بأي منها، ويمارسون ارهاباً يوميا ضد الشعب الفلسطيني الصامد الصابر على أرضه.
يتضح من قطع المساعدات انها رسالة واضحة تظهر ان الذين جلبوا للشعب الفلسطيني سلامهم الاوسلوي ليسوا أكثر من متسولين يقدمون من حقوق الشعب الفلسطيني ثمنا للمساعدات الدولية التي يذهب معظمها إلى التجار والفاسدين والمستزلمين. بينما يقف المقاومون المحاربون من قبل الاوسلوياها على خطوط التماس يدافعون عن الشعب الفلسطيني وعن الأرض الفلسطينية بوجه الهجمة الصهيونية الجديدة،التي تريد الحرية لجندي أسير لم يمض على أسره سوى أيام قليلة. بينما هناك عشرة آلاف أسير وأسيرة من الفلسطينيين منهم المئات قضوا عشرات السنين في المعتقلات والزنازين،ولم تحررهم الأوسلوياها من الأسر. وبهذا يتأكد يوما بعد يوم أن الأوسلوياها في فلسطين لن تنجح كما نجحت الساتراياها في الهند. فشتان ما بين غاندي الذي عاش ومات لأجل شعبه وبين الأوسلويين في فلسطين الذين ليسوا على استعداد للعيش او الموت من أجل قضية وحقوق شعب فلسطين.