لنرسخ النصر بدلا من تبديده
24.08.2006
عبد الرحمن مجيد الربيعي
نحن امة ظامئة
لنصر يشد من ازرها يجمع اوصالها المتناثرة، يعيد لها الثقة بنفسها!
لقد اخذتنا سنوات الهزيمة الطويلة، وبات الواحد منا ينهض من نومه وهو كالمضروب علي
رأسه، عيناه لا تريان الطريق، ولا يعرف أين يذهب، وماذا ينتظره. نحن ابناء امة كفت
عن تقديم اي منجز، حتي لو كان ذلك في الكرة او الجري او الغناء، فكل شيء (دخل بعضه)
كما يقول المثل التونسي البليغ.
نعم. نحن (داخلون بعضنا)!
لعل لنا بطولة واحدة لم ينافسنا فيها احد، هي بطولة (ادعاء البطولة) في خطب عصماء
وتعاليق شماء وتحليلات ذات بها، في هوائنا وجرائدنا وندواتنا وحواراتنا.
وبمرور السنوات ادمنا ما نحن عليه، وعشنا اغرب احباط عرفته امة من الأمم ونام في
عسله شعب من الشعوب.
وبدأنا نراقب ما يحصل لنا واندلاع النيران في ثيابنا وكأن الامر لا يعنينا.
فلسطين جري لها ما جري ويجري لها ما يجري ونحن نراقب المشاهد الاكثر ايلاما وكأننا
نتابع مشاهد فيلم واوداجنا منفوخة بدخان الشيشة التي تقرقر امامنا وتأخذنا الي
سماوات الوهم.
والعراق بما حوي من مدن زينت صحائف الماضي بالمجد والسؤدد كبغداد والبصرة والموصل
والانبار وذي قار وبابل يتحول الي محرقة وخرائب. وتتقطع المدن الفارعة العظيمة الي
محلات تفصل بينها حواجز الاسمنت. وكل محلة لها انتماؤها الطائفي الذي تريده (نقيا
صافيا) لا تشاركه فيه طائفة اخري. كأن النموذج الصهيوني حاضر وماثل حيث العمل علي
دولة يهودية لا مكان لغير اليهودي فيها. في فلسطين والعراق دفع العرب افدح الاثمان
واصبحوا مثالا في بيع بعضهم حتي لو كان هذا البيع لألد الاعداء ظنا من البائع ان قد
سلم، ولم يدر ان يومه آت وان لا احد يسلم، وستتحول عواصم البلدان الكبيرة الي محلات
مسوّرة يحكمها الفتوات والشقاوات (الباندية) ويفرضون عليها قوانينهم والكل تحت حذاء
الغازي في المحصلة الاخيرة.
لن يسلم احد منا مهما قدم من خدمات فالمسألة اكبر واوسع.
واذا كانت (اسرائيل) القاعدة المتقدمة التي عهدت لها (زعيمة العالم حاليا بلا منازع)
الولايات المتحدة الامريكية بعملية التفكيك والتقطيع والاذلال وزودتها باسلحة بعضها
لم تدخله حتي في منظومتها التسلحية، فان (اسرائيل) هذه ظهرت وكأنها لا تملك اي وازع
اخلاقي، لا بل انها لا تحمل ذرة من تقاليد المحاربين وفروسيتهم، فمن اين لهم هذا
وهم سماسرة التاريخ الذين قدموا انفسهم وكأنهم الوحيدون الذين اضطهدوا ونالهم ما
نالهم فابتزوا العالم بهذا اكبر ابتزاز رغم ان السؤال البريء وما دخلنا نحن بما جري
لهم في اوروبا؟ ولماذا جري لهم؟ ولماذا ندفع الثمن الباهظ باقامة كيان لهم فوق ارض
عربية حتي يوم يبعثون كما يقال؟
هذا الكيان الذي شكل (البعبع) الاعظم لاخافة العرب خاصة بعد تلك الحروب التي جرت
وبعضها مرتجل والتي مارسوا فيها علينا استعراض قوتهم فدمروا وأذوا واحتلوا واسروا
فكبرت عنجهيتهم واطلقت يدهم وحولوا حتي اراضي السلطة الفلسطينية التي جاءت باتفاق (اوسلو)
الذي سرعان ما نقضوه وحاصروا من جاؤوا بموجبه وقتلوا منهم من قتلوا ولم ينج من السم
حتي زعيم فلسطين التاريخي ابو عمار، فكأنهم بدفنه دفنوا اتفاق اوسلو الذي تحول الي
خريطة طريق ثم (ممر في زنقة) وحتي هذا لم يتم.
اما في لبنان فقد عرف الاسرائيليون ما لم يعرفوه وتلقوا الدرس تلو الدرس وتأكدوا
بأنهم اذا ما جوبهوا بمقاومة حقيقية لن يصمدوا او يثبتوا في الاراضي التي احتلوها
في جنوب هذا البلد العربي العزيز، وظنوا انهم باقون فيها لا سيما وانهم قد شكلوا
فيها كيانا هزيلا عميلا لهم، ووضعوا علي رأسه خائنا منبوذا.
ولذا هربوا من ارض الجنوب عام 2000 او معهم هرب عملاؤهم وعاد اهل الجنوب الي ارضهم
المحررة بهمة مقاومة مسؤولة وفاعلة، تعمل اكثر مما تدعي، وان وعدت وفت بما وعدت به.
اسرائيل تعيش هذه الايام ذل الهزيمة بعد ان ظنت بأن هجومها الاخير علي الجنوب
اللبناني وقواعد المقاومة فيه مجرد نزهة كما وعد رئيس اركان حربها سادته في البيت
الابيض.
لم تفد طائراتهم ولا بوارجهم التي لحق ببعضها الدمار، ولأول مرة عاش سكان مدن
الشمال التي يحتلها الصهاينة وهي مدن عربية تاريخا وحاضرا واسماء مثل عكا وحيفا
ومدن اخري، الخوف الحقيقي وعاشوا علي مدي شهر في الملاجئ او هربوا بعيدا بحثا عن
مكان لا تصله صواريخ المقاومة العربية اللبنانية.
وعرف الجيش الصهيوني وجنرالاته ان عربداتهم الاولي انتهي زمنها، وان علي الارض
اليوم حسابا آخر فتحت صفحاته الاولي.
لقد ارادوا ان يوقعوا بين اللبنانيين عندما حولوا مدن لبنان الي انقاض واقاموا اكثر
من مجزرة في قانا والشياح لخلق الانقسام والفوضي الداخلية ولكنهم لم يحققوا شيئا
مما ارادوا.
واليوم والوطن العربي من مغربه الي مشرقه وهو يهتف لقائد المقاومة حسن نصر الله
وينزله المنزلة اللائقة التي هو جدير بها حيث تزعّم القلوب والضمائر وجاء في اوانه
لينقذنا مما نمت فيه من تخاذل ويجعلنا نصحو من غيبوبتنا الطويلة، في هذا الوقت نسمع
نغمات اخري، تنطلق من هنا وهناك.
والغاية منها التشكيك في ما جري، وغاب عن هؤلاء ان ما يفعلونه لن يكون في صالح
لبنان ولا في صالح العرب جميعهم اذ انه سيمنح اسرائيل ما لم تحصل عليه في الحرب،
ويقدم لها (نصرا) سياسيا او كما يقال (نصرا دبلوماسيا) مجانيا وينقذ زعماءها
وجنرالاتها من وحلهم.
وما نتمناه ان يتوقف هؤلاء وليدعوا سيد المقاومة ومن معه، وكذلك الرئيس لحود الذي
اثبت وطنية عالية ليقوموا بدورهم ومعهم الزعماء الوطنيون اللبنانيون، ميشيل عون
ونبيه بري وفؤاد السنيورة وآخرون فهم الاجدر وهم الاعرف!
هذا ما نتمناه وننتظره وعداه تبديد لدم الشهداء واضاعة للفوز البهي.
* روائي من
العراق يقيم في تونس