سعيد،درويش...أدورنو:

 هل من الممكن كتابةُ قصيدةٍ بعد قانا؟

عبد الرحيم الشيخ*

بين تيودور أدورنو وإدوارد سعيد أكثر من قربى:ليس أولها الولع بالموسيقى والثقافة الإنجليزية،وليس آخرها الانتهاء بجامعة كولومبيا.وبين الأول ومحمود درويش أكثر من قربى:ليس أولها الانشغال بالجماليات ونقد تعالي الغيرية،وليس آخرها ترديد الصرخة البكر-على التأبيد:"هل من الممكن كتابةُ قصيدةٍ بعد أوشفيتس؟" وبين الثلاثة،دون هذه الصلات وفوقها،أم القرابات كلها،أو لعله أبوها:"المنفى"،قسرياً كان أم اختياراً،والعودةُ منه،بعد انقضاء ربيع العمر،إلى صفوف المغلوبين الذين حرسوا الذاكرة دونَ أن يكتبوا التاريخ..حين انتهت الحرب.

ولا يكاد يُفَرِّق بين الثلاثة،رغم مشيمية ما بينهم من قربى،إلا يهودية أدورنو وفلسطينية سعيد ودرويش.ولا يكاد يمتاز درويش إلا بكونه الشاهد الأخير على مذبحة قانا،الأخيرة،بعد رحيل أدورنو،واستحالة سعيد إلى قبضة من رماد،إلى الشمال منها،في برمّانا.

فهل لدرويش أن يردد الصرخة ذاتها:"هل من الممكن كتابةُ قصيدةٍ بعد قانا؟"،أم تراه سيؤجل،كعادته،القصيدة والصرخة إلى أن تنتهي الحرب،وتتمكن اللغةُ،كما يؤسس هو دائماً باقتدار،وعلى مهلهما،من "أن تكونَ كاميرا ثانية خفية،متقشفة،هادئة،لتترك الأثر المطلوب" لأنه "أمام العنف،على اللغة أن تفتر لكي يُسْمَعَ همسها،لأن ضجيجها لا يُسْمَع"..إذا كان هذا مصير القصيدة،ورحى الحرب الإسرائيلية البربرية لا تزال دائرة،فماذا عن "الصرخة"،وإن في البطن كانت؟ماذا عن صرخةِ ضحيةِ الضحية التي دفعت أدورنو إلى توقيف "زمن الشعر" وتشغيل بوصلة القلب؟ماذا عن صرخة ضحيةِ الضحية:"هل من الممكن كتابةُ قصيدةٍ بعد قانا؟"

ليس لأحد أن يسأل شاعراً:"أين قصيدتكَ الغائبة؟"،لكن من حق الجميع أن يسأل القصيدة الحاضرة بامتياز في "مديح الظل العالي" وغيرها:"أين شاعركِ الغائب؟".ليس لأحدٍ أن يسأل خطيباً بليغاً:"أين بلاغتكَ الغائبة؟"،لكن من حق الجميع أن يسأل البلاغة الحاضرة بامتياز في "لا تحتاج البلاغة إلى بليغ" وغيرها:"أين خطيبكِ الغائب؟".ليس لأحد أن يطلب من شاعر تحريك "زمنِ شعرِه الخاص"،لكن من حق الجميع التوسل إليه أن يحرِّك "بوصلة قلبِهِ العام."

لم تسمع الآذان الفلسطينية،ولا صيوانها العربي والإنساني،هذه "الصرخة" بعد،اللهم إن كانت قادمةً في "يومياتٍ"،لحزنٍ أقل عاديةً أو أكثر من الذي كان درويش عكف على كتابتها من قبل حول مكان الدمار ذاته لكن في زمان آخر.."يوميات" علمتُ،مؤخراً،أنها ستنشر على هذه الصفحات ذاتها،ولربما بتزامن من هذه المقالة،ربما.لكن دوزنةً أولية لهذه الصرخة،لا علاقة لها بالجمالية المخدوشة ولا بالأخلاقية الكليمة التي دفعت أدورنو لإطلاق صرخته،ظهرت في هيئة بيانٍ لا تخفى فيه بلاغةُ درويش،ولا يتأخر عن قائمة مَنْ صَدَرَ عنهم توقيعُه.وقد صدر هذا البيان في الأول من آب 2006 "باسم العاملين في الحقل الثقافي في فلسطين،"وصدر،بالتزامن معه،ولربما رداً عليه،بيان آخر عن لجنة الطوارئ الثقافية الفلسطينية وبيت الشعر الفلسطيني:"بيان الثقافة الفلسطينية:دفاعاً عن الحق في الحياة والمقاومة من أجلها في لبنان وفلسطين."

لست أميل،هنا،إلى تفكيك شفرات البيانين أو رشقهما بوضوح فائض لأشكِّل كلمة واحدة هي "الوطن"،كما دأب درويش على وصف حراكِ مشروعه الشعري،بل سأعمد إلى شيء من المقارنة لأركب كلمة واحدة،هي:"المقاومة" كقنطرة إلى "الوطن"،وأقرأ الموقف منها كما جاء في البيانين.ولكن قبل الذهاب إلى ذلك،لا بد من الإشارة إلى السياق العام الذي أنتج هذين البيانين،وبخاصة البيان الأول الذي حمل توقيعَ درويش،وبصمةَ مفردته.أي،أميل هنا إلى نقدٍ يعتبره درويش نفسُه النقدَ الوحيد "الـمُنْتِج"،إنه "النقدُ الذي يشرحُ للنصِّ تاريخَهُ." هنا،وبإيجاز،سـ"أشرحُ" لنص البيان الصادر "باسم العاملين في الحقل الثقافي في فلسطين" تاريخَهُ من خلال حادثتين انحالتا إلى موقفين من الحق في المقاومة،وضرورة اصطفاف المثقفين إلى جانبها في لبنان وفلسطين عموماً،وفي الجنوب اللبناني الجريح على نحو خاص دون الانتظار إلى أن تنتهي الحرب ويسخن الموج.

تتجلى الحادثة الأولى في الضجيج الإعلامي الغربي والسعار السياسي الصهيوني حول زيارة الباقي إدوارد سعيد للبنان في مطلع تموز من عام تحرير الجنوب اللبناني،عام 2000.إذ،ضمن هذه الزيارة العائلية التي ألقى على هامشها محاضرتين أكاديميتين،رغب سعيد في زيارة الجنوب المحرر بعد اثنين وعشرين عاماً من الاحتلال العسكري الإسرائيلي.وقد بدأ سعيد زيارته إلى الجنوب،في الثالث من تموز 2000،بزيارة إلى معسكر التعذيب الرهيب،سجن الخيام،الذي ردد سعيد بعد رؤيته،فارغاً،صرخات أعلى من صرخات أدورنو حول أوشفيتس سمعها الكثيرون على صفحات "ذا نيشن" و"الأهرام ويكلي" وغيرهما.واستمرت الزيارة إلى حين وصول سعيد إلى بوابة فاطمة الحدودية مع شمال فلسطين حيث مكث مدة لا تزيد على عشر دقائق،وشاركَ ابنَهُ،ومجموعة من الشباب اللبنانيين،في إلقاء حجرٍ صغير على الجانب الجنوبي للسياج المعرَّف على أنه "إسرائيلي." وبغير علم سعيد،قام أحد مراسلي وكالة الأنباء الفرنسية بتصويره،ومن ثم قام بترويج الصورة التي أعقبتها موجة انتقادات وتهديدات شرسة على إدوارد سعيد طالب بعض أدعيائها بمحاكمته بتهمة "المشاركة في إلقاء الحجارة لقتل يهود إسرائيل"،وآخرون بفصله من جامعة كولومبيا التي درَّس فيها ثمانية وثلاثين عاماً،ونجح آخرون في التأليب عليه وإلغاء محاضرته الأخيرة،قبل رحيله،حول "فرويد وغير الأوروبيين" التي كان قد دُعي لإلقائها في مؤسسة فرويد في فينا،وألقاها بعدئذ في متحف فرويد في لندن ونشرتها دار فيرسو في كل من لندن ونيويورك.

لقد واجه إدوارد سعيد الهجمة المسعورة التي شنت عليه،جرَّاء هذه الحادثة،بشجاعة وجذرية قل نظيرهما،وعلى جبهتين:دافع في الأولى،إعلامياً،عن "سلوكه"،وحقه في إلقاء حجر كإشارة رمزية على الحق في المقاومة التي تستمد شرعيتها من إنسانية من يقومون بها في وجه الاحتلال الذي يفرض الموت والمعاناة،ويحرم الآخرين من حريتهم وحقهم في تقرير مصيرهم،إلى جانب حقوقهم الأخرى.ودافع في الجبهة الأخرى،فكرياً،بقلمه الفذ حين فاجأ العالم بتناوله النقدي لمفهوم "حصرية الهوية" كما ناقشها فرويد في شخصية موسى النبي كـ"مصري"،ووظف ذلك النقد للقول على حصرية الهوية الثيو-قومية لإسرائيل المعاصرة وكون ذلك عقبة كأداء في وجه حل القضية الفلسطينية..تماماً كما فاجأ العالم،من قبل حين طُلب منه إلقاء محاضرات ريث الشهيرة في العام 1993،التي استخدم فيها خطاباً نقدياً إنسانياً لإدانة ما حلَّ باليهود من كارثة سببتها حداثة أوروبا،لنقد موقف المثقفين من ضحايا آخرين واقعين تحت الاحتلال ويحتاجون إلى اصطفاف المثقفين الذين لا يعرفون لون من يطلب الحرية ويناضل من أجلها،بل يلتفتون إلى مظلمته وحسب،وبذا يستوي الفلسطيني المضطهد إسرائيلياً باليهودي المضطهد أوروبياً.

وأما الحادثة الأخرى،فتتجلى في موقف محمود درويش من انتصار المقاومة اللبنانية ذاتها،المقاومة التي تتفرد بمواجهة الهجمة الإسرائيلية-الأمريكية في الموسم ذاته اليوم.تمثل ذلك الموقف بخطاب بعنوان "لا تحتاج البلاغةُ إلى بليغ" ألقاه درويش في احتفال بجامعة بيرزيت في التاسع والعشرين من أيار 2000.ولم يعلن درويش في هذا الخطاب تأييده للمقاومة والحق المطلق في ممارستها وحسب،بل تجاوز ذلك إلى اعتبار المقاومة اللبنانية أمثولة لغيرها من المقاومات التي يمارسها أولئك الذين لا زالوا مغلوبين تحت نير الاحتلال،رغم اختلاف السياقات.يقول درويش:"لم يفطن العرب إلى ما فيهم من عطش إلى الفرح كما يفطنون الآن.لقد اتخذ الأمل مكانة العورة التي تغطى بكثافة الحجاب وبسيولة الخطاب.لكن قطرة من أرض الندى كانت كافية لانفتاح الشهية العاطفية،وربما الفكرية،على فرح جماعي وحَّد فينا وعي الهزيمة القابلة لأن تنكسر،ووعي المقاومة القادرة على أن تنتصر.ربما لا يصلح المثال اللبناني لأن يحتذى، بحذافيره،في كل مكان.وربما لن تكون المقارنة بينه وبين ظرف آخر، شديد التعقيد، أكثر من وليمة لتعذيب الذات بلا سبب.بيد أن البديهية التي لا تبتذل بمرور الزمن،تعلمنا أن تحرر الإرادة شرط لتحرير الأرض.وأن في أعماق كل شعب طاقة روحية قادرة على ابتكار بلاغتها الوطنية التي تتلاءم مع الظرف الخاص والمحدد، لذلك نصفق للبنان.نصفق للبنان الجميل،نصفق له بلا تورية أو تأويل.كنا نحبه،ونحبه اليوم أكثر.لا لأن ذكرياتنا تمشي، هناك،على غير هدى في الجنوب الذي اختلط دمنا بعشبه وترابه،ولأن شهداءنا الذين قادنا دمهم إلى هنا،هم أزهارنا السماوية الباقية هناك...بل لأنه انتصر على خرافته:على ضعفه الفولكلوري المراوغ،وانتصر على أسطورة الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يخضع للضغط.ولأنه أحيا في مرآة الاحتلال صورة سايغون المنهارة،التي فتحت تشوهاً في صورة الذات الإسرائيلية عن ذاتها.ونحب اليوم لبنان أكثر،لأنه انتصر أيضاً،ولو إلى حين،على ثقافة الهزيمة المتفشية في مواعظ النخب العربية التي حولت مفهومي الحرية والتضحية إلى مادة يومية للسخرية،والتي تتربص منذ الآن بتداعيات اليوم التالي المأمولة،عساها تعيد إليها إنتاج التبشير بعبثية الاعتراض على قدر إسرائيلي لا يرد!"

وفي الخطاب نفسه أدان درويش الاحتلال،وسخر من قدريَّة الهزيمة والنصر التي حكمت معادلة المواجهة،كما سفَّه أحلام السلام والديمقراطية المحقونة في الوريد غصباً،ووازى في الإنسانية بين رجوع المجنون إلى صوابه وإن روَّج له العالم بأنه العاقل الليبرالي الأوحد،وبين بقاء العاقل على قناعاته حتى ولو روَّج له العالم أنه المجنون الأصولي الأوحد،فقال:"..لكن الجنود الإسرائيليين فرحون هم أيضاً،نعم.قد يفرح المرء بالهزيمة إذا كانت هي الطريق الوحيد إلى السلامة،وإلى اللحاق بما تبقى له من حياة.أما القادة الذين سمّوا احتلال جنوب لبنان انتصاراً للأمن الإسرائيلي، فإنهم سمّوا الانسحاب انتصاراً أيضاً،لا لشيء إلا لمعالجة النرجس الجريح.وهكذا، حمّلوا صنيعتهم "جيش لبنان الجنوبي" المسؤولية عن الانهيار،فانخدشت كرامة "حلفاء الشيطان" وقالوا للشيطان:أنت الذي خان،فهل كان "فاوست" ركيكا إلى هذا الحد؟تتكرر الأخطاء التاريخية لأن أحدا لا يتعلم إلا من تجربته.فهل يتعلم أكاديميو الاحتلال الإسرائيلي،ذوو الخبرة الطويلة في هذا المضمار،شيئا من تجربتهم التي دامت حوالي ربع قرن في جنوب لبنان؟في مقدمة هذا الشيء البسيط:إن الزمن،زمن الاحتلال،لا يُضيّع حق أحد في العودة إلى بلاده،ولا يُصنّع حقا مضادا يدعي أنه "الأقدم والأحدث" معا،مهما نجحت الوقائع الجديدة في تعديل الجغرافيا والديموغرافيا،ومن هذا الشيء البسيط:أن الاحتلال هو الأب الشرعي للمقاومة.ليس هنالك نصر نهائي ولا هزيمة نهائية، فهذان المفهومان يتقنان لعبة التناوب والاحترام المتبادل، لكي يكمل السيد التاريخ حركته اللانهائية،المهم هو:ماذا يفعل المنتصر بالنصر،وماذا يصنع المهزوم بالهزيمة.ولعل بعض الهزائم صالح لبلوغ البشر مرحلة النضج المعنوي والأخلاقي.ولعل بعض الانتصارات أخطر على البعض من الهزيمة، لأنه يعفيه من ضرورة الإصغاء إلى صوت الزمن. لقد انتصرت إسرائيل على العرب أكثر من طاقتها على تحمل تبعات نصرها،إذ صار دماغها العسكري أكبر من جسدها، فأصبحت أسيرة لفائض قوة جشعة،دون أن تحسب أي حساب لقدرة المقاومة الشعبية على تحييد هذه القوة.هذا ما فعلته الانتفاضة الفلسطينية أمس،وهذا ما فعلته المقاومة اللبنانية اليوم.لقد أرغمت الأولى إسرائيل على الاعتراف المتأخر بوجود الشعب الفلسطيني وعلى الانسحاب،أو إعادة الانتشار،عن جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة،وأرغمت الثانية إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان لأنها لم تعد قادرة على تحمل ثمن الاحتلال،لا لأنها انتبهت فجأة إلى قرارات مجلس الأمن.وهكذا،فإن الدولة التي لم تكف عن القول إن العرب لا يفهمون غير لغة القوة، هي الدولة نفسها التي يقول انسحابها إنها هي نفسها لم تفهم غير لغة القوة."

 
أعيدُ،وإن طال الاقتباس،إنه "لا تحتاج البلاغةُ" في هذا الخطاب "إلى بليغ" ليفهم،بل ويلزم نفسه بالاقتناع بأن موقف المثقف النبيل لا يمكن إخفاؤه.لكن من البلاغة،أيضاً،حراسة هذا النبل من خطر التحوّْل إلى ما كان يحذِّرُ منه حين تستعيد "ثقافة المقاومة،بمعناها الواسع،بعض أسلحتها الفكرية التي صادرتها برغماتية مبتذلة لا تميز بين التسوية والسلام،ولا توازن بين الدفاع عن الحقوق وبين إدراك الممكن." إن لشبهة التحوُّل هذه قرائنها في البيان الذي وقَّعه درويش،وصدر "باسم العاملين في الحقل الثقافي في فلسطين."

ولعل أهم ثلاث قرائن للتحول،هي:أولاً،تحوُّل مرجعية ما كان يدعوه درويش سابقاً بـ"السلام الممكن"،إن لم يكن "السلام العادل" متاحاً،من كنف الشرعية الدولية التي تعالج "خطيئة النكبة" من التشرد الفلسطيني والحيلولة دون إقامة دولته وحداثته الخاصة بـ"خلاصٍ دولة" تتوجها العودة وتؤسس سيادتها أعلام فلسطينية على القدس...تحوُّل تلك المرجعية إلى مرجعية أخرى حددتها الصياغة السياسية الركيكة للبيان بأنها تنهي الاحتلال استناداً إلى"حلول متداولة أقر بها المجتمع الدولي يمثل الضمانة الوحيدة لتحقيق السلام،والأمن،والاستقرار،في هذا الجزء من العالم".ثانياً،خلو البيان من أية إشارة إلى صميم القضية التي انطلق منها الفعل المبادر والشرعي للمقاومة اللبنانية لحسم قضية الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين بعد تعنت الاحتلال الإسرائيلي وإصراره على الإبقاء على معسكرات التجميع وسجونه في كافة الجغرافيات الفلسطينية.وثالثاً،الإيماءة التي لا تخلو من التصريح بـ"التحذير" من انتصار المقاومة،رغم الانحياز البلاغي نحوه،وذلك بالتنبيه إلى أنه "بقدر ما يؤكد جنون القوة في هذا الجزء من العالم الطبيعة المحافظة للعقل الكولونيالي،الذي يعيد إنتاج سياسات،وتجارب وحملات استعمارية فاشلة في كل مكان آخر، يؤكد، أيضا،ما تنطوي عليه أوهام هندسة الحدود،والهويات على الطريقة الكولونيالية من مخاطر تهدد بتحويل الصراع في المنطقة إلى حرب بين أصوليات متناحرة يتردد صداها في أربعة أركان الأرض."

قبالة هذا التلعثم في تشخيص أسباب الحرب الدائرة وتوصيف أطرافها والموقف منهم،رغم وجود موقف واضح أو يكاد من إدانة الاحتلال،جاء البيان الصادر عن لجنة الطوارئ الثقافية الفلسطيني وبيت الشعر الفلسطيني أكثر وضوحاً،وأقل ضبابية رغم خطابيته العالية في تحديد موقف حاسم من الحق في المقاومة،والانحياز إلى المغلوبين دون التحفظ على لونية المقاومة أو معتقدها،فقد جاء في البيان:"إن فعل المقاومة،التي تسطّر اليوم انحيازها لحق الحياة،وإصرارها على حياة الحق،عبر خوضها معركة الوجود في لبنان وفلسطين،هو حقٌ منحت الإنسانيةُ المغلوبين حرية ممارسته حتى ينالوا الحرية.فالمقاومة،وإن لم تحدّها الشرعية الدولية،لمن هم تحت الاحتلال أو من هم في مرماه الصميم،بمكان وميقات وكيفية،إلا إنها ليست خياراً من متعدد،بل هي تعدد الخيارات في المكان والميقات والكيفية.والمقاومة ليست خياراً من متعدد،بل هي القنطرة الوحيدة للدفاع عن الوجود وأصالته.والمقاومة ليست خياراً من متعدد،لأنها ضرورة للدفاع عن الحق في تعدد الهويات واختلافها،قوةً وفعلاً."

وقد ورد في البيان ما يمكن قراءته على أنه اعتراض على ما شخَّصتُهُ هنا بـ "التحوُّل" في الموقف من شرعية المقاومة،ولونيتها،والتعاطي مع مقولات الثقافة السياسية الرسمية السائدة عربيا،فأكد البيان أنه:"ليس لأحد أن يلقي تبعية وحشية الجلاد على المقاومة،وليس لمجرم حرب أن يُشرِكَ ذوي ضحيته في إثم قتلها.وليس لأحد أن يلوم الضحية لأنها أخطأت مغادرة الهدف الذي أصابته القذيفة.ليس لأحد أن ينسى ليغفر.ليس لأحد أن يغفر لينسى.ليس لمن لم يكن شهيداً إلا الشهادة،وليس لمن لم يكن جانياً إلا ملاحقة الجناة.وليس لأحد،أن يدين المقاومة،أو أن يحذّر من انتصارها وهو يرجوه،أو يبتذل ذاته،مهما بلغ رأسماله الرمزي وعلا كعب وثنه،بالخشية من محاذير الانتصار "حين تستبدلُ أصوليةٌ صِنوَها!" ليس لأحد أن يُعْمِلَ ذائقة النخبة المحرَجة في مكان المقاومة وميقاتها وكيفيتها،إذ ليست المقاومة سلعة ثقافية بتمويل مشترك،بل هي الثقافة العصية على التسليع لأنها انحياز الجميل للأجمل:إنها انحياز السماء لأيدي الشهداء التي ترفض الامتثال.. إنها انحياز عيون المؤمنين لدرب بيت الله الذي هدموه..إنها انحياز اللاجئ لمكانه الأول..إنها انحياز المقهورين في السجون لنور الصباح..إنها انحياز الجوعى لصوت أمعائهم..إنها انحياز الشجرة لأمها الأرض التي فارقتها، وأمنا..إنها انحياز المعنى لقلب قائله وبوصلة الوصول."

هنا،أعود إلى القول بأنه ليس لأحد أن يطارد نوايا أحد مهما بلغت قربى القلوب،ولكنني لا أجد مفراً من القول إنه إذا كان لا بد من ترديد مقولة سيا-شعرية،نحو:"هل من الممكن كتابةُ قصيدة بعد قانا"،فإنه لا ينبغي أن يتم تأويلها إلى نكوص قائلها عن "حراسة كلامه من الخلخلة"،وذلك عبر التأكيد على إنسانية من يدافعون عن حقهم بالحياة عبر حقهم في المقاومة.والتأكيد على بربرية القتلة الذين يدمغون أصحاب الأرض والبيوت في الجنوب اللبناني بوصمة الإرهاب وهم يرهبونهم في صدر بيتهم،ومحراب جامعهم،وصحن كنيستهم...إن لم يكن ثمة من طاقة لدرئ التأثر بأدورنو أنه ليس بالإمكان كتابة قصيدة بعد قانا أو أوشفيتس،فلا ينبغي لتلك الطاقة أن تحضر لرفض إغوائية ألبير كامو في أن "انتصار الثورات قنطرة إلى تعزيز استبداد من قاموا بها في دولتهم القادمة".وإن صحَّ أن الفضيلة هي توسُّطٌ بين رذيلتين،فإن "رذيلة" الانحياز إلى "أصولية" تدافع عن الحق في الحياة التي وهبها الله لها ولغيرها،كلٌ على "أرضه"،أقل خطورة من رذيلة الانحياز إلى "أصولية" تنفي الآخر،وتحتكر الله،بعد أن احتكرت أرضه! .

 ناقد وأكاديمي / جامعة بيرزيت / فلسطين

ينشر هذا النص بالتعاون مع مجلة أدبيات

www.safsaf.org