2006-08-29
 
تشومسكي: بوش وبلير ارتكبا جرائم حرب

لندن  عمر حنين:

 

 

كعهده دائماً، كان نعوم تشومسكي المفكر الكبير وأبرز علماء اللغويات في العالم صريحا وقاطعا ومفعما في إجاباته عن عشرات الأسئلة لقراء صحيفة “ذي إندبندانت” أمس بما في ذلك رأيه في أزمة لبنان والصراع العربي - “الاسرائيلي” وحق “إسرائيل” في الوجود وكذلك سياسة الرئيس الأمريكي بوش الخارجية وخصوصاً بالنسبة للعراق.جاء السؤال الأول على النحو التالي: ما رأيك في عدم مطالبة الأمم المتحدة بوقف سريع لإطلاق النار في لبنان من خلال التدخل السريع للمنظمة العالمية؟

وكانت اجابة شومسكي: “لقد كان المطلب الأول هو الوقف الفوري لإطلاق النار، ولكن واشنطن عرقلت حدوث ذلك، وربما كان ذلك يرجع إلى السماح بحدوث أكبر قدر من الدمار من خلال الغزو “الاسرائيلي”، الغزو الأمريكي - “الاسرائيلي” وذلك وفقا لما تراه نسبة 90 في المائة من اللبنانيين.

وكان من الضروري أن ترافق هذه المطالبة، الدعوة إلى انسحاب الجيش الغازي ودفع التعويضات وهو أمر لا يمكن تصوره وفقا لتوزيع مصادر القوة، وإن القرار الدولي الذي تمت الموافقة عليه يعتبر قرارا خاطئا على نحو عميق ولكن هذه مسألة مختلفة.

 

 هل يمكن ان يعيش “الاسرائيليون” والفلسطينيون معاً في سلام كدولة واحدة؟

 ربما ولكن ينبغي أن يتم ذلك من خلال مراحل، ومنذ السبعينات تبلور اتفاق دولي في الرأي يشمل في مرحلته الأولى، التوصل إلى تسوية على أساس قيام دولتين وفقا للحدود الدولية المعترف بها مع حدوث تعديلات طفيفة متبادلة، ولكن الولايات المتحدة و”إسرائيل” حالتا دون تحقيق ذلك. وقد أسفر ذلك عن حدوث تحولات بعيدة عما هو مطلوب، وإن التحالف الأمريكي  “الاسرائيلي” يعمل الآن على تقويض الخيارات المتاحة من خلال برنامج للالتقاء عند نقطة واحدة، ويشمل ذلك ضم الأراضي وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية والاعتقال، ويتضمن ذلك البرنامج الاستيلاء على وادي نهر الأردن. وهو أمر يتم وصفه على نحو تهكمي بأنه “انسحاب شجاع” وإذا ما أمكن تغيير هذه السياسات وتم تحقيق الخطوة الأولى فسيصبح من الممكن اتخاذ خطوات أخرى.

 هل ترى أنه ينبغي وجود “إسرائيل” ولماذا  وبأي شكل من الأشكال؟

 عندما كنت زعيما للشبان الصهيونيين في الأربعينات، كنت من بين هؤلاء الذين ينادون بقيام دولة مزدوجة القومية على أراضي فلسطين التي كانت تخضع للانتداب البريطاني، وعندما تم اعلان قيام الدولة اليهودية كنت أشعر أنه ينبغي أن تحصل على الحقوق التي تتمتع بها الدول الأخرى من دون زيادة أو نقصان.

مشروع وحشي

 لماذا توجد أمريكا وهي تستولي على نصف المكسيك بما في ذلك فلوريدا التي تم غزوها من

خلال حرب عنصرية عنيفة على نحو يتناقض مع الدستور؟

 يمكننا أن نوجه السؤال نفسه عن الولايات الأخرى، لقد كان قيام الدولة بمثابة مشروع وحشي وترتبت عليه عواقب وخيمة، ولكن النتائج قائمة وينبغي التغلب على جوانبها الضارة.

 هل تصف الولايات المتحدة كما هي قائمة الآن كدولة عنصرية؟

 لا مطلقا فإن أمريكا تعتبر من جوانب عديدة أكثر الدول التي تتمتع بالحرية في العالم.

 لقد ذكرت في عام 2002 أن معاداة السامية في أمريكا لم تعد مشكلة ولكنها كانت قد ثارت نتيجة لوجود “أشخاص مميزين يريدون التأكد من أنهم يتمتعون بالسيطرة الكاملة وليس بنسبة 98 في المائة فقط من السيطرة. فهل تعتقد أن اليهود يسيطرون بنسبة 98 في المائة حقا على أمريكا؟

 لقد أسأت فهم ما قلت. لقد كان ذلك بمثابة إشارة ساخرة بالنسبة للناس الذين قد لا يكونون راضين عن الحصول على نسبة 98 في المائة من السيطرة على الأمور. وبطبيعة الحال ليس هناك شيء يشبه ذلك على نحو بعيد.

 ما الذي يمكن عمله لعرقلة طموح البنتاغون للهجوم على القيادة الإيرانية وتحديها؟

 لا ليست البنتاغون، فإن المؤسسة العسكرية تعارض بشدة على ما يبدو شن هجوم على إيران ان ما يخطط له “الرئيس من ناحية الأمر الواقع وديك شيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وغيرهم” لا نعرفه. ولكننا نعرف ما الذي يمكننا عمله. فإننا نتمتع بحريات ومزايا لا يمكن مقارنتها بالآخرين.

وبالتالي فإنه بوسعنا أن نتصرف بطرق مختلفة للحيلولة دون وقوع مثل هذا الهجوم. وليس هناك نقص في الإمكانات ولكننا نفتقد إلى الإرادة والعزيمة.

 لقد قلت إنك تلمس وجود تلميحات بمعاداة السامية في عمل روبرت فوريسون الكاتب الفرنسي الذي ينفي حدوث المحرقة. هل تلجأ إلى انتقاد اليهود لإثارة ردود أفعالهم؟

 لقد شرحت مواقفي ومبادئ عشرات المرات منذ الثمانينات ولذلك فإن هذا يعتبر موضوعا مثيراً للضجر. ولقد جرت محاكمة فوريسون بتهمة تزييف التاريخ. ولكن لم تكن هناك اتهامات بإنكار المحرقة أو معاداة السامية. وإن القضية الوحيدة التي تتعلق بارتباطي بهذا الموضوع القبيح هو عما إذا كانت الدولة لها الحق في أن تحدد الحقائق التاريخية وأن تعاقب من يخالف آراءها.

عصابة رجعية

 إلى أي مدى انصاعت الإدارة الامريكية لضغوط المحافظين الجدد؟

 إن المحافظين الجدد يشكلون عناصر هامشية رجعية في مجموعة راسمي السياسات

والخطط.

ولكن هذه الدائرة ضيقة. وقد تم التخلص من بعض العناصر المتطرفة في هذه المجموعة وهي ريتشارد بيرل وبول وولفويتز وفيث

وغيرهم، مع حدوث تغييرات ضئيلة في السياسات.

وقد تبنت ادارة بوش مبادىء المحافظين الجدد عندما توافقت مع أهدافها الاستراتيجية والاجتماعية والاقتصادية، والسؤال الجاد هو كيف استخدمت هذه العصابة التي تسيطر على الأمور نفوذها الضيق على السلطة لاتخاذ سياسات جذرية داخلياً ودولياً، تعارضها أغلبية الأمريكيين؟

ولقد كتبت عدة دراسات في هذا

الموضوع وكذلك كتب غيري من زوايا ومفاهيم مختلفة.

 هل يمكن مقارنة الحد من الحريات الشخصية وإبراز المخاوف بين الشعوب الغربية بالحياة التي كانت سائدة في الأعوام التي سبقت الحرب العالمية الثانية؟، وهل يمكن من قبيل المبالغة ان نتخيل ان الأحداث الراهنة تعتبر مقدمة أو إرهاصات لحدوث نزاع عالمي جديد؟

 إنني متشكك إزاء مثل هذه المقارنات، فإن هناك أخطارا كبيرة من حدوث صراع عالمي ولكن لأسباب مختلفة، ينبغي علينا ان نأخذ

على محمل الجد وجهات نظر المحللين الاستراتيجيين البارزين بأن السياسات الحالية، وخاصة التي تنتهجها ادارة الرئيس بوش بالنسبة للمواقف العسكرية العدوانية تزيد على نحو كبير التهديدات الخاصة بحدوث كارثة مطلقة.

 السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط اعتمدت عبر التاريخ على التدخل، فهل تعتقد ان الحرب في العراق كانت أمرا حتميا حتى لو لم يسرق الرئيس بوش انتخابات عام ألفين؟

 لا على الاطلاق، لقد كان هناك نقد غير مسبوق لخطة الحرب من جانب صفوة منتقاة، مما أرغم بوش وبلير على اللجوء الى أساليب الخداع الكبيرة من أجل إقناع بريطانيا وأمريكا بأهمية الحرب، وبغض النظر عن ذلك فإن أمريكا لم تقم بتدخلات خارجية أكثر من بريطانيا أو فرنسا، بل انها قامت بتدخلات اقل مثلما حدث في العدوان البريطاني  الفرنسي على مصر في عام 1956.

 من المؤكد ان بريطانيا وأمريكا و”اسرائيل” متهمون بارتكاب جرائم حرب؟

 بالنسبة للبنان ليس هناك سوى شكوك قليلة على ذلك، وقد ساقت منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومان رايتش وتش امثلة عديدة على ذلك، ولكن الجرم يمتد لأبعد من ذلك بكثير، فإن غزو بوش وبلير للعراق على سبيل المثال يعتبر نموذجاً واضحاً لما اعتبرته محاكم نورمبرج في ألمانيا بأنه “أقصى جريمة دولية ممكنة”.

ويتضمن ذلك كل الشرور التي وقعت بعد ذلك. وأنه من المناسب ان تتذكر الكلمات البليغة لكبير القضاة في محكمة نورمبرج للنازي روبرت جاكسون عندما قال: “اننا نقدم للمتهمين كأساً مسمومة وإذا شربنا منها فإنه ينبغي علينا ان نتقبل الحكم نفسه، ويبدو ان النتائج واضحة بالكامل.

 هل تعتقد ان “اسرائيل” تقوم بالأعمال القذرة بالنيابة عن الغرب وذلك من خلال القتال ضد حزب الله وإيران وسوريا؟

 بالنسبة للناس في الغرب فإن الغزو الأمريكي  “الاسرائيلي” للبنان قد احدث اضرارا بالغة بما في ذلك امكانية توفر أجيال جديدة من الجهاديين. وانني أشك في ان أمريكا و”اسرائيل” تسعيان الى حدوث تغيير في النظام في سوريا، إلا أن الاسد لم يفعل شيئاً بالنسبة لاستيلاء “اسرائيل” على هضبة الجولان، على نحو يتناقض مع قرارات مجلس الأمن الدولي وهو يحافظ بصفة عامة على الاستقرار. وإن أي زعيم يتولى الحكم خلفاً له سيكون إسلامياً راديكالياً. أما بالنسبة لإيران فإن أمريكا و”اسرائيل” تنتهجان سياسات يمكن أن تلحق أضراراً كبيرة للغرب والعالم، وليس هناك مجال هنا لاستعراض ذلك الأمر.

 هل لا تجد أنه لأمر مثير للدهشة أن بريطانيا لا تزال تتبع نظاما ملكياً؟

 لقد كان هناك جدل في استراليا منذ عدة أعوام عما إذا كان من الضروري أن تنفصل عن النظام الملكي البريطاني. وكانت وجهات النظر الليبرالية - اليسارية تفضل ذلك. ولكن فيلسوفاً من التيار اليساري أدهش الجميع بالكتابة لتأييد الملكية، وكان منطقه يتمثل في أن الطقوس الاحتفالية ومظاهر التقدير يبدو أنها تشير إلى مدى الاحترام للسلطة وهو أمر جيد بصفة عامة، لكن ليس بوسعي أن أعلق على سؤالك. إن هذا الأمر يرجع إلى الشعب البريطاني.

 بعد الأكاذيب العديدة حول الحرب ضد الإرهاب لماذا لم يبدأ أي شخص في أمريكا الإجراءات اللازمة لمحاكمة الرئيس بوش؟

 هناك جهود عديدة ولكن ليس من المرجح أن يسفر ذلك عن أي نتيجة في ظل غياب حزب معارض حقيقي.

 لماذا لا تظهر مطلقاً على شاشة شبكة “سي.إن.إن” أو “فوكس” التلفزيونية في أمريكا. ماذا يخشون؟

 إن الأمر لا يتعلق بي ولكن بأي شخص يخرج عن النظريات السائدة وإن من الأسهل بالنسبة لي أن أظهر على شاشة “سي.إن.إن” و”فوكس” بالمقارنة إلى الشبكات التلفزيونية الرئيسية.

 هل حان الوقت للتخلي عن أفكار الديمقراطية الليبرالية؟

 إنك تذكرني بتعليق لغاندي عندما سئل عن رأيه في الحضارة الغربية فقال: “إنها يمكن أن تكون فكرة طيبة”.

 

* الخليج

www.safsaf.org