حكومة الوحدة الوطنية مجددا

 

بقلم د.احمد مجدلاني 

 

عاد النقاش مجددا وبقوة أكثر مما كان عليه خلال الأسبوع الماضي حول إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، والدعوة هذه المرة اتسعت لا لتشمل الكتل البرلمانية وإنما لتضم وفقا لما هو مطروح كافة القوى السياسية التي ترغب بالمشاركة في هذه الحكومة ، طبقا لما سيتم الاتفاق والتوافق عليه مابين الكتلتين الرئيسيتين حركتي حماس وفتح . والسبب الرئيس في تجدد حالة النقاش والذي اتخذ أبعادا اتسمت بالصراحة والوضوح والحدة في تبيان الموقف والنقد اللاذع للحكومة التي لم تغادر موقعها إزاء القضايا المطروحة . هذه الموقف المتجددة إطلقها ما صدر عن اجتماع اللجنة المركزية لحركة فتح في عمان بعد دورة اجتماعات كاملة استمرت ثلاثة أيام ، خرجت فيها بموقف رسمي يعبر عن رؤية الحركة وتحليلها للموقف المأزوم فلسطينيا وليعبر من جهة أخرى أن هذا الحل قد يشكل المخرج وربما الوحيد من الأزمة التي تعصف بالوضع الفلسطيني وتخرجه من العزلة السياسية والحصار الاقتصادي ، كما إن الإعلان من جانب حركة حماس بأنها شكلت لجنة من قيادتها لإدارة حوار مع الكتل البرلمانية والقوى السياسية بهدف التوصل إلى تشكيل الحكومة المنشودة أيضا كان من العوامل التي أطلقت هذه الموجة الجديدة والمحمومة من النقاش حول الموضوع .

وقد بدا من خلال النقاش الدائر وخاصة ممن ابدوا بعض التحفظات ليس على الفكرة من حيث المبدأ وأهميتها وضرورتها في ظل المرحلة التاريخية العصيبة والمفصلية التي تواجه الشعب الفلسطيني وقضيته وأهمية وضروة توحد قواه كافة لمواجهة الاستحقاقات القادمة ، والخلوص لنتيجة منطقية أدركها الجميع بتجربته الحية والمعاشة انه ليس بمقدور أي طرف لوحده أن يحمل أعباء هذه المرحلة ويتجاوز محنتها ويوصل القضية الوطنية إلى بر الأمان بدون تضافر كافة الجهود وبإخلاص لتجاوز هذه الصعاب التي قد تكون الأعقد والأصعب منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة أواسط ستينات القرن الماضي .

والمسالة هنا بمعنى إن التخوفات التي أبداها البعض انطلاقا أيضا من تجربة معاشة وقريبة أن تكون هذه التصريحات تعبر عن مناورات لهذا لطرف أو ذاك للخروج من المأزق الداخلي سواء على المستوى التنظيمي أو الوطني العام وتحميل الطرف الآخر مسؤولية فشل محاولة تشكيل مثل هكذا حكومة .

المسالة كما أشير لا تتصل كما يوجه الاتهام لمن ابدوا تخوفات مشروعة بأنهم من المشككين أو الذين يزرعون الإحباط واليأس في نفوس الشعب الفلسطيني ، بل إنها ملاحظات ينبغي التدقيق فيها من موقع الحرص الوطني لما يمكن إن تولده حالة الفشل بالتوصل إلى برنامج للقوا سم الوطنية المشتركة من ضرب هذه المحاولة وإفشالها وبالتالي تصور حجم اليأس والإحباط الذي سيصاب به المواطن الفلسطيني الذي يعتقد جازما إن النجاح في تشكيل مثل هكذا حكومة سوف تكسر الحصار الاقتصادي وتوفر الرواتب لحوالي ثلث الشعب الفلسطيني الذين تشكل دخولهم ومصدر عيشهم من معيليهم العاملين بالقطاع الحكومي، هذا علاوة عن ارتفاع مستويات الفقر وتدني مستوى المعيشية بصورة متسارعة ومتدهورة لم تشهدها الأراضي الفلسطينية وبهذه الصورة من قبل ، كما إن القطاع الخاص الذي ارتفعت مديونيته للقطاع الحكومي لأكثر من 350 مليون دولار ، وأكثر من هذا الرقم حجم الائتمانات والقروض التي قدمتها البنوك العاملة في الأراضي الفلسطينية للعاملين في القطاع الحكومي يعطي مؤشرات حقيقية عن حجم الأزمة التي نواجه .

هذه الآمال المعلقة على إمكانية كسر العزلة السياسية والحصار الاقتصادي وبشكل أوتوماتيكي بعد تشكيل الحكومة الجديدة هو الذي يضفي مخاوف مشروعة وجدية على النجاح بتشكيل الحكومة وتجاوز عقبة البرنامج السياسي الذي رغم الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني فإننا ما زلنا نسمع نفس الخطاب السياسي القديم وكان شيئا لم يحدث منذ توقيع الاتفاق بالأحرف الاولى والى الآن .

إن التفاؤل الكبير الذي يروج الآن رغم أهميته لرفع الروح المعنوية للشعب الفلسطيني وتطمينه بان الآفاق مازالت مفتوحة أمامنا رغم الصعاب التي نواجهها ، إن هكذا سياسة رغم أهميتها الكبيرة ينبغي أن لا تتحول للغة خطاب تبشيري بدون توفير المقومات الضرورية لإنجاحها لان النتائج الكارثية على عدم تحققها ستكون أسوء بكثير مما لو صارحنا شعبنا حقيقة المواقف والتوجهات أيا كانت هذه المواقف .

ومن هنا فإن ما يعزز هذا التوجه ويعطيه المصداقية فعلا وقولا ، ليس الانتظار إلى بدأ المشاورات التي ربطت بتواجد الرئيس محمود عباس في غزة وإنما بإعطاء إشارات جدية أخرى لا تقل أهمية عن إعلان النوايا ، بل فيما يتصل بالإجراءات الممكنة اتجاه التهدئة وسحب الذرائع من يد الاحتلال ، وكيفية حل قضية الجندي الأسير وعلى أية قاعدة سوف تتم هذه العملية في ضوء فشل أكثر من محاولة سابقة بعد الاتفاق عليها ، وكذلك الحال اتجاه اشتقاق برنامج للحكومة من وثيقة الوفاق الوطني ينسجم ويتوافق مع الشرعية العربية والدولية ويسحب الذرائع ليس من الاحتلال فحسب وإنما من الدول الكبرى التي تفرض الحصار علينا .

إن هكذا خطوات أو مؤشرات تعطي الاطمئنان لكل مواطن أن هناك فعلا جدية باتجاه تشكيل حكومة ائتلاف وطني عريضة تضم كافة ألوان الطيف السياسي الفلسطيني وان هكذا حكومة مسلحة بالدعم الشعبي الداخلي وببرنامج سياسي واقعي ملموس يسلح أصدقائنا وأشقائنا بقوة لفك حالة العزلة والحصار التي نعيشها، ويعطي الأمل بقرب حل مشاكله المباشرة ،وتعيد القضية الوطنية الفلسطينية على الأجندة الدولية كقضية شعب يناضل من اجل الحرية والاستقلال وبناء دولته المستقلة وليس كمجموعة من الإرهابيين أو شعب في أحسن الأحوال يتم التعاطي معه من زاوية إنسانية وإغاثية .

هذه المسؤولية الكبيرة الملقاة علة عاتق القوى السياسية لا تحتمل المناورة أو التكتيك أو كسب الوقت أو وضع الاشتراطات أو المحددات أو الأسس مسبقا وقبل بدء الحوار والمشاورات بل إن أية أسس أو معايير تكون محل اتفاق وطني عام ومحددات على الجميع وليس من طرف اتجاه طرف آخر أو أطراف أخرى .

من هنا يمكن أن تتسم الدعوة المتجددة لتشكيل حكومة ائتلاف وطني عريضة المصداقية والجدية وتعطي الاطمئنان لكل مواطن فلسطيني بان باب الفرج قد بات قريبا وقريبا جدا .

رام الله

30.8.2006

www.safsaf.org