نحو إسرائيل دولة منزوعة السلاح!

 

مأمون عتيلي

 

لم تكد الحرب السادسة التي تخوضها إسرائيل ضد جيرانها العرب في لبنان تضع أوزارها حتى أعلن رئيس استخبارات الجيش الإسرائيلي عاموس يدلين أن المواجهة القادمة مع حزب الله ستكون مسألة وقت فقط.

وفي بداية الحرب كتب أحد الكتاب الإسرائيليين في يديعوت أحرنوت أن هذه الحرب ما هي إلا معركة في حرب إسرائيل الوحيدة التي اشتعلت عام 1948 ولا زالت مستمرة حتى الآن، تهدأ ومن ثم تنطلق عند إحدى الجبهات الكثيرة المحيطة بإسرائيل.

وعقب وقف العمليات العسكرية في لبنان بدأت كما يقولون حرب إسرائيل الداخلية أو حرب تصفية الحسابات مع من أوصلوا إسرائيل إلى هذا الوضع وغمسوها في مستنقع لم يتم قياس عمقه خلال عدة سنوات، وبدأ الجمهور الإسرائيلي قبل صاحب القرار يلقي بأسئلة ليس لها نهاية وأحيانا يمكن أن تصف بالأسئلة الفلسفية التي لا يمكن أن تتقلى عليها إجابة شافية ومقنعة، ليبقى هذا الجمهور كمن وضع في دوامة لا يعرف أين ستلقيه.

حروب إسرائيل أو معاركها في ذات الحرب كما يصفون سواء ضد الدول العربية المحيطة أو ضد من تحتل أراضيهم من الفلسطينيين، لا تكاد تبرد لتسخن من جديد، وطوال هذه السنوات كان دافع الضرائب الإسرائيلي مطالب بدفع أكثر من ربع مدخوله السنوي ليبقي دولته في حالة التأهب القصوى لمواجهة العدو المفترض المتربص على الأبواب، ومطالب كذلك بان يكون مستعدا ليذود عن منزله وعن مواطنيه ضد من تصور أو صور له أنهم أناس ينتظرون اللحظة لينقضوا عليه وعلى موطنه.

وعلى مدار سنوات عمر إسرائيل الثمانية والخمسين في هذا المحيط العربي وحتى الإسلامي الموصوف بالرافض لفكرة وجود إسرائيل والمملوء بالكراهية والحقد لهذه الدولة وقاطنيها، أنفقت إسرائيل مليارات الدولارات لتجعل نفسها عصية على الغزاة والحالمين بإبادتها من هذه الشعوب.

فقامت هذه الدولة التي توصف برابع أقوى الدول عسكريا على مستوى العالم مستخدمة هذه المليارات بصنع المئات من القنابل الذرية وبتطوير معدات قتالية ليس لها مثيل في عالم تكنولوجيا السلاح، واستعانت بدول صديقة أخرى لهذا الغرض، إلى أن تحولت إلى مجتمع عسكري بالكامل موهمة نفسها أنها في مصاف دول الرفاه عند جارتنا القريبة أوروبا.

وعلى الرغم من قناعة قادة إسرائيل العسكريين والسياسيين كذلك وأصدقائهم بأن لا حلول عسكرية يمكن أن توصلهم لتسوية نزاعاتهم، إلا أنهم لا زالوا كالنعام، على الرغم من سياسة أخذ العبر من تجاربهم التي يعلنوها عند بروز أي أزمات أو أخطاء يرتكبونها، فكل مرة يسلكون ذات الطريق التي توصلهم لذات النهاية، فيعيد التاريخ نفسه من جديد وتطرح نفس الأسئلة فيجاب بعضها ولا يجدوا إجابات لأسئلة أخرى سئلت لهم أو لساسة آخرين منذ عمر دولتهم.

فهناك من يسأل في دولة إسرائيل مثلا لماذا يحب العرب والمسلمون أن يكرهوا اليهود؟ ويقنع نفسه أنه غير قادر على إيجاد إجابة لهذا السؤال الذي يعتبر جوهريا بالنسبة له في هذا الصراع المرير، دون أن يكلف نفسه عناء سؤال هؤلاء أو بعضهم ممن يمكن أن يجدهم على أبواب دولته أو حتى يعملون داخلها.

وببساطة يمكن أن نجيبه على هذا السؤال الساذج والمقيت، بأن دولتكم دائمة التحضر والاستعداد للأعداء المفترضين، تسيء الظن ولا تفترض حسن النية بجيرانها وتتهمهم بالكذب والتآمر والتحايل، وتتربص لتتغدى بهم قبل أن يتعشوا بها، وهذا ما فعل بالفلسطينيين الذين وبعد ثلاثة عشر عاما من توقيعكم لاتفاقية السلام المفترض بينكم وبينهم، منها ستة سنوات من الحرب، قمتم خلالها باستخدام كافة الأساليب المتوفرة لديكم لتصدوهم عن الوصول إلى منازلكم كما تدعون، فبنيتم الجدار العازل وأعدتم حياة الفلسطينيين إلى ما قبل عشرين عاما أو أكثر لتمنعوهم من إلحاق الأذى بدولتكم، ولكنكم تعودون من جديد لتدعوا بأن أفعى الإرهاب لا زالت تطل برأسها من جحر يعيش به مليارات البشر ممن يكرهونكم ويساندون الشعب الفلسطيني، ثم تسألون كيف لنا أن ننزع كراهيتنا من قلوبهم.

ولا زال قادة إسرائيل حتى اليوم يكررون أخطاء أسلافهم مغمضين أعينهم عن أنهم يعيشون في محيط شاسع وواسع وفي منطقة جغرافية تكاد تكون غريبة عنهم، يحاولون أن يجدوا علاجا أو إكسيرا سحريا يحفظ بقاء دولتهم فيها، مع علمهم أن أحدى المعارك التي يخوضونها بين فترة وأخرى يمكن أن تكون بالنسبة لهم كالسهم الذي أصاب كعب أخيل.

وبالمناسبة فإن حروب إسرائيل تذكرني بالمناكفات الزوجية التي يمكن أن تظهر بين زوجين وتختفي لتظهر من جديد بذات السيناريو وبذات النهاية، وفي ختام كل من هذه المناكفات يسأل السؤال حول جدوى هذه المناكفات ومدى الفائدة منها.

وفي الختام أرغب أن أنصح قادة وسياسيي إسرائيل أن يستخلصوا العبر بحق مما جرى مع أسلافهم ومن الحروب والصراعات المستمرة التي خاضوها ولا زالوا، أو التي خاضها أصدقائهم، وأن يقنعوا بان ما جرى منها وما سيجري مستقبلا لن يمكنهم من تثبيت دولتهم كما يحلمون، وأن يسعوا لحل جوهر الصراع الذي يشيحون بنظرهم عنه دائما ويعتبرونه ملك إيمانهم وقراراتهم يمسكونه ويطلقونه كما يريدون، وهو الصراع المتمحور حول القضية الفلسطينية، حيث أن المطلوب منهم أن يتركوا الفلسطينيين يعيشون على أراضيهم كاملة متمتعين بكافة الحقوق التي أقرتها لهم القرارات الدولية واتفاقيات السلام التي وقعت، كباقي بني البشر، وأن يعيدوا ما احتلوه من الأراضي العربية الأخرى.

 وبذلك لن تضطر إسرائيل يوما لخوض حرب جديدة من أجل شربة ماء يمكن أن تمتد لها يد إسرائيلي في هضبة الجولان، بل يمكن أن يقوم جاره العائد لأرضه بأن يمنحه إياها، وثم يمكن لإسرائيل أن تعلن خطة لتتحول إلى دولة منزوعة السلاح في هذا المحيط في غضون سنوات قليلة. 

      

 

                                                                                 مأمون عتيلي

 باحث في الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن رام الله/ فلسطين

 

www.safsaf.org