ماذا إذا لم يكن الإسلام عقبة أمام الديمقراطية في الشرق الأوسط وإنما سرّ تحقيقها؟

  مايكل هيرش

ربما تكون إساءة قراءة أمريكا للعالم العربي –وبليتنا الحالية في العراق- قد
بدأت بالفعل عام 1950. ففي تلك السنة زار مؤرخ شاب من جامعة لندن، اسمه برنارد
لويس، تركيا لأول مرة. ولويس اليوم حكيم مهيب أبيض الشعر ومعروف على أنه "عميد
الدراسات الشرق أوسطية" في أمريكا (كما أطلق عليه أحد مراجعي نيويورك تايمز ذات
مرة)، كان حينها في إجازة بحث. وكان قد سمح له بالوصول إلى أرشيفات
الإمبراطورية العثمانية –وهو أول غربي يسمح له بذلك- وهو يتذكر أنه قد أحس
حينها "بأنه كان أشبه بطفل أفلت في دكان ألعاب، أو كمتطفل في مغارة علي بابا".
لكن ما رآه لويس يحدث خارج نافذة دراسته لم يكن أقل إثارة، كما كتب لاحقاً.
فهناك في استانبول، في قلب ما كان يوماً ما امبراطورية إسلامية، كان نموذج
ديمقراطية غربية قيد الولادة.

 وكان كمال أتاتورك بطل ذلك التحول العظيم. قبل جيل من زيارة لويس لتركيا، كان
أتاتورك (وهو لقب تبناه لنفسه ويعني أبا الأتراك) قد أحكم سيطرته على السلطنة
العثمانية المحتضرة. ومصمماً على دفع بلده إلى الغرب الحديث دون أية مساعدة
–"من أجل الشعب، رغماً عن الشعب" كان هذا إعلانه الذي لاينسى- فرض أتاتورك
علمانية متزمتة ألغت الخلافة وأغلقت المدارس الدينية ومنعت الطربوش والحجاب
ورموزاً أخرى للثقافة الإسلامية بما في ذلك تطهير التركية من المفردات العربية.
وقد حكم حزبه، حزب الشعب، بطريقة استبدادية منذ 1923. لكنه في أيار 1950، بعد
تمرير قانون انتخابي جديد، خسر الإنتخابات الوطنية على نحو مدوّ في مواجهة
الحزب الديمقراطي حديث العهد. وكان التسليم الدستوري حادثة "غير مسبوقة في
تاريخ البلد والمنطقة" كما كتب لويس في كتابه انبثاق تركيا الحديثة، المنشور
عام 1961، بعد سنة من استيلاء الجيش التركي على السلطة. كما أن أتاتورك هو من
"قام بالخطوات الحاسمة الأولى في قبول الحضارة الغربية" كما أشار لويس في موضع
آخر.

 واليوم يبقى ذلك الانبثاق –رؤية لويس الكمالية (نسبة لكمال أتاتورك) لديمقراطية
عربية علمانية على النمط الغربي ترمي بقيود القرون الوسطى للإسلام وتدخل
الحداثة في النهاية- قلب الرؤية المترددة لجورج بوش في العراق. وبما أن أسبابه
الأخرى للحرب قد سقطت، فإن بوش لم يعد لديه سوى التحول الديمقراطي يشير إليه
كذريعة لتبرير إحدى أكثر المغامرات الخارجية كلفة في التاريخ الأمريكي. وحتى
الآن، بعد تسليمه سيادة مزيفة للعراقيين، وفيما هو يقوم بانسحاب متخبط تحت
النيران، فإنه لا يريد أن يتقبل نسخة رخوة أو مؤسلمة من الديمقراطية. فالهدف
الرسمي لإدارته مايزال يرسم بموجب "عقيدة لويس" كما سمتها مجلة وول ستريت
جورنال: حكومة على النمط الغربي يعاد تشكيلها وفرضها من الأعلى على غرار تركيا
الكمالية، لتكون سنداً للأمن بالنسبة للولايات المتحدة ونموذجاً يحتذى في
المنطقة.

 و بالطبع، لا يبدو العراق متجهاً في هذا الإتجاه. بالعكس تماماً: إنه ينتقل من
مجتمع علماني إلى مجتمع متطرف ومؤسلم، أما ما إذا كان سيتحول فعلاً إلى حكم
يؤدي دورها المطلوب، فهذا أمر يتحدد حالياً بالرصاص أكثر مما يتحدد بالإقتراع.
ويثير هذا كله بعض الأسئلة الهامة. ماذا إذا لم تكن الأخطاء المرتكبة في العراق
مجرد خطوات تكتيكية خاطئة وإنما تنبثق من خطأ أساسي في قراءة العقلية العربية؟
ماذا إذا، بمعنى آخر، كان عميد الدراسات الشرق أوسطية قد فهم المسألة كلها بشكل
خاطئ؟

 يقول عدد متزايد من الباحثين الشرق أوسطيين الذين كانوا في الماضي قد أعدّوا
بهدوء تحت تأثير لويس المبالغ به، أن هذا بالضبط هو ما حدث. بالنسبة لهم، من
غير المفاجئ أن يخرب لويس ومعاونوه في واشنطن الحرب على الإرهاب. في كتاب جديد،
معنون على نحو مؤثر بالدعوة إلى حضارة إسلامو-مسيحية يناقش أحد هؤلاء النقاد،
ريتشارد بولييت الباحث في جامعة كولومبيا، أن لويس قد أخذ "حكايته الرئيسية" عن
العالم الإسلامي بشكل خاطئ منذ الأيام الأولى لظهوره في تركيا، ومايزال يأخذها
بشكل خاطئ حتى الآن.

 في مخبأ تشيني

 فرضية لويس الأساسية، المعروضة في سلسلة من المقالات والأحاديث والكتب الأكثر
مبيعاً، هي أن الغرب –الذي كان عادة يعرّف بوصفه المسيحية- هو الآن في آخر
مراحل الصراع الذي امتد قروناً من أجل السيطرة والهيبة مع الحضارة الإسلامية.
(اخترع لويس مصطلح "صراع الحضارات" حيث استخدمه عام 1990 في مقالة بعنوان "جذور
الغضب الإسلامي" ويعترف صامويل هانتنغتون بأنه أخذه منه). ظن لويس أنه يجب
النظر إلى أسامة بن لادن في هذه التركيبة الألفية بوصفه النفس الأخير لقضية
خاسرة ساخراً بصفاقة من الخوف من "الصليبييين". نظرة بن لادن لأمريكا "كنمر من
ورق" تعكس قلة احترام القوة الأمريكية في العالم العربي. وإذا ما تراخينا نحن
الأمريكان، الذين يعود نسبنا الحضاري إلى الصليبيين، الآن فإننا بذلك نكون قد
اكتفينا بتشجيع هجمات مستقبلية وحسب. لم يكن بن لادن، في ضوء ذلك، متطرفاً
خارجاً على المألوف بل تعبيراً عن التيار الرئيسي للاحباط الإسلامي النابع من
الطبيعة المعادية للغرب من قبل الإسلام. "ليس لدي أدنى شك في أن 11 أيلول كان
صلية النار الإفتتاحية للمعركة الأخيرة" هذا ما قاله لي لويس في مقابلة معه
الربيع الماضي. ولذا كان الرد الحقيقي الوحيد على 11 أيلول هو عرض حاسم للقوة
الأمريكية في العالم العربي؛ والطريقة الوحيدة بعد ذلك هي الاستيلاء الكمالي
على القلوب والعقول. والمكان الأكثر وضوحاً لشن الهجوم وإنهاء الصراع القديم
كان في قلب العالم العربي، في العراق.

 
كان لهذه الطريقة في التفكير الفضل الملحوظ في الإنجذاب بقوة نحو كلّ من
المتحمسين للقوة العارية في الإدارة، وفي الدرجة الأولى بوش ودونالد رامسفيلد،
الذي جاء إلى وظيفته معتقداً أن سنوات كلينتون الناعمة قد جعلت من أمريكا هدفاً
سهلاً والذي كان تواقاً بعد 11 أيلول إلى توجيه رسالة قوة؛ والمحافظين الجدد من
إدارة بوش الأولى، من أمثال باول وولفويتز، الذين كانوا يبحثون عن مبررات
لإكمال عملهم غير المنتهي مع صدام منذ 1991، ورأوا في 11 أيلول التفنيد الأخير
للرد "الواقعي" على حرب الخليج الأولى. كان ترك صدام في السلطة عام 91 والغدر
بالشيعة واعادة تسليم الكويت لحكامها الفاسدين واقعية تقليدية: كان الاستقرار
هو كل شيء. لكن تبين أن العالم العربي لم يكن مستقراً، كان يغلي. لم يعد بإمكان
العرب أن يكونوا استثناء من حكم الانتقال الديمقراطي لما بعد الحرب الباردة،
ومجرد محطة بترول عالمية. على العرب أن يتغيروا أيضاً، وبشكل جذري، تماماً كما
قال لويس (وأتاتورك أيضاً). لكن على التغير أن يكون رغم أنوفهم –فالثقافة
العربية القبلية لا تفهم إلا القوة وكانت شديدة المقاومة للتغيير، حسب تفكير
لويس- الذي يجب أن يحدث بسرعة. وهذا بدوره تطلب رمي هواجس معاداة الإسلام
للحداثة وراء الظهور.

 
قدم العراق وسافله الدعائي، صدام حسين، فرصة فريدة لتحقيق هذا التحول بضربة
جريئة (تذكر "صدمة ورعب"؟) في سياق استعادة الهجوم على الإرهابيين. لذا لم يكن
من المفاجئ أنه خلال الأشهر الحاسمة من عامي 2002 و2003، وبينما كانت إدارة بوش
تتجنب التفكير العميق وتمنع مستعربي وزارة الخارجية من حضور مجالس قوتها، كان
لويس شخصاً مرغوباً به يقدم لتشيني في أماكن سرية محاضرات على الغداء تجعل
العمود الفقري يتيبس. متخلياً عن حذره الأكاديمي السابق، كان لويس بعد 11 أيلول
بين أول الأصوات البارزة التي ضغطت باتجاه المواجهة مع صدام، حيث قام بذلك في
سلسلة مقالات بعد-افتتاحية في مجلة ذا وول ستريت جورنال بعناوين من مثل "حرب
التصميم" و "حان وقت الإنقلاب". ويتذكر أحد الموظفين الذين حضروا بعض مناقشات
لويس-تشيني: "كانت وجهة نظره: امض في ذلك. لا تتردد". ومفعمين بالأفكار
الطموحة، وعلى غرار لويس كلهم ثقة بأنهم على حق، فكر استراتيجيو إدارة بوش في
النهاية أنه من غير الضروري اثبات وجود صلات عملياتية بين صدام والقاعدة، فصلات
كهذه كانت تشكل أسباباً "بيروقراطية" جيدة لتسويق الحرب بين عامة الناس لكن
الصلات الحقيقية، ولنستخدم كلمات وولفويتز، كانت أعمق: فأمريكا كانت تواجه
حضارة سقيمة، حضارة عليها أن تضربها حتى الاستسلام. كما كانت القاعدة الإسلامية
العريضة المفترضة لبن لادن وتمرد صدام على الغرب جزءاً من ذات التحليل.

 وكانت رؤية الإدارة لعراق ما بعد الحرب في جوهرها لويسية (نسبة للويس) أيضاً،
وهو ما يعني كمالية. لقد استشهد باول وولفويتز مراراً وتكراراً بتركيا
العلمانية الديمقراطية "كنموذج مفيد للآخرين في العالم الإسلامي" كما عبر عنها
مساعد وزير الدفاع في كانون الأول من عام 2002 عشية رحلة لوضع الأساس لما ظن
أنه دور تركيا الصديق كمنطلق لحرب العراق. أخبر هارود رود، وهو أحد المحافظين
الجدد الرئيسيين في البنتاغون وأحد أصدقاء لويس القدامى، مساعديه قبل سنة "نحن
بحاجة إلى نموذج تركي متسارع" من أجل العراق، حسب مصدر تحدث معه. (أهدى لويس
كتاباً عام 2003، أزمة الإسلام، إلى رود الذي "تعرفت إليه عندما كان يدرس
السجلات العثمانية"، كما قال لي لويس). وظن رجال كهؤلاء أن أحمد الشلبي –هو
أيضاً أحد المحسوبين على لويس- قد يكون أتاتورك عصري رائع- قوي وعلماني وموال
للغرب وصديق لإسرائيل. لم يكن باول بريمر، الحاكم المدني السابق في العراق، هو
نفسه من مؤيدي الشلبي، لكنه كان يؤمن كثيراً بطريقة كمالية من الأعلى للأسفل
لانبعاث العراق. وكان دور الطائفة الإسلامية خلال ذلك يهمش في تخطيط الإدارة.
لقد نظر موظفو الولايات المتحدة إلى آية الله العظمى علي السيستاني، وهو الشخص
الأكثر هيبة في البلد، وكأنه تذكار جاهل من القرون الوسطى. وعلى الرغم من أن
ضباط المخابرات العسكرية كانوا يعرفون بدقة أهمية السيستاني –كونهم جمعوا
معلومات عنه على مدى أكثر من سنة قبل الإجتياح- فإن بريمر ومراقبيه في
البنتاغون قد نحّوا رجل الدين جانباً متحدّين دعوته لانتخابات مبكرة.

 البحث عن الحب في غير محله

كان للويس من حاول التقليل من شأنه في العالم الأكاديمي، رغم أن معظم أعدائه
المتألقين وصلوا إلى حد أصبحوا معه موسومين بالمعنى الحرفي للكلمة كالراحل
ادوارد سعيد، مؤلف الإستشراق، وهو كتاب طويل ضد المعاملة المتعجرفة للإسلام في
الأدب الغربي. وبشكل خاص بعد 11 أيلول، وجد بولييت وآخرون من تيار المستعربين
الرئيسي ممن كانوا قد طالبوا بنظرة معتدلة وأكثر دقة نحو الإسلام، أنفسهم تحت
إزعاج مستمر لإجبارهم على الصمت. وطرح لويسيّون من مثل مارتن كرامر، مؤلف أبراج
عاجية على الرمل: فشل الدراسات الشرق أوسطية في أمريكا- وهو هجوم عنيف بعد 11
أيلول على بولييت وبعض الباحثين البارزين الآخرين كجون وودز من جامعة شيكاغو-
أن أغلب المستعربين الأكاديميين كانوا مدافعين عن التطرف الإسلامي. أما الآن،
تشجعهم ورطة إدارة بوش في العراق، وهي من صنع يديها، فإن المستعربين يشنون
هجوماً مضاداً. إنهم يفترضون أن تحليل لويس كله قد أخطأ الهدف، بدءاً ببنائه
المعوج عن الصراع العظيم بين الإسلام والمسيحية. كما يرى هؤلاء الباحثين أن
لويس قد نام خلال معظم تاريخ العرب الحديث. فوجهة نظره المتشابكة بنصوص القرون
الوسطى تتجاهل كثيراً وتدمج التاريخ العثماني القديم بتاريخ العرب الحديث. "إنه
يسقط من التجربة العثمانية على الشرق الأوسط رغم أن الصلة مع بقية العالم
العربي قد انقطعت بعد حل الإمبراطورية العثمانية" يقول نادر هاشمي الباحث في
جامعة تورنتو والذي يعمل على كتاب آخر معارض للويس. بمعنى آخر، لم تعد
استنانبول والخلافة مركز الأشياء. لقد سارت تركيا في ظل أتاتورك باتجاه، بينما
سار العرب الذين كانوا مستعمرين في اتجاه آخر. وكما يقول هاشمي فإن لويس "يحاول
أن يفسر مشكلة التطور السياسي عبر محاولة إبراز خط يعود إلى التاريخ الإسلامي
المبكر والمتوسط. وهو بهذه العملية يتجاهل كلية تأثير الإستعمارين البريطاني
والفرنسي، والدور القمعي لعدد من قادة مابعد الإستعمار. إنه يتجنب القطيعة " مع
الماضي.

 لم يكن معظم العرب الحاليين، على الأقل حتى حرب العراق، يفكرون بمصطلحات الصراع
الحاد للحضارات التي يفضلها لويس. صحيح أن بن لادن يحب أن يلعن الصليبيين
الغربيين لكنه كان حتى وقت قريب نسبياً يعتبر شخص هامشي من قبل أغلب المؤسسات
العربية. كما كانت الحملات الصليبية بالنسبة لأغلب العرب قبل 11 أيلول تاريخاً
قديماً مثلما هي بالنسبة لنا نحن في الغرب. إن الغضب والإحباط العربي الحديث
عمره في الحقيقة أقل من مائة سنة. وكما يعرف بن لادن جيداً، فإن هذا الغضب ليس
ناجماً عن هزيمة الإسلام في معاهدة كارلويتز عام 1699 –هزيمة مضى عليها زمن
طويل من ذلك النوع يسلط لويس عليها الضوء في كتابه الأكثر مبيعاً: أين الخطأ
(What Went Wrong)- وإنما من التطورات الأخيرة. والتي تشمل اتفاقية سايكس-بيكو
عام 1916 التي اقتسم الإنكليز والفرنسيون بموجبها البلدان الناطقة بالعربية بعد
الحرب العالمية الأولى؛ والخلق اللاحق من قبل الأوربيين للحكومات الإستبدادية
الفاسدة في العربية السعودية وسوريا ومصر والعراق والأردن؛ والفقر المستوطن
والتطور الناقص الذي امتدّ على معظم القرن العشرين؛ وقيام إسرائيل المفروض من
قبل الأمم المتحدة عام 1948؛ وأخيراًًً، الدعم الأمريكي الموحش لتثبيت الأوضاع
القائمة خلال العقود الأخيرة،

 ومع ذلك، كما يكتب بولييت، على مدى التاريخ كان الإسلام والغرب متداخلين
ثقافياً أكثر مما يظن معظم الناس، هناك نقاش لصالح "حضارة إسلامو-مسيحية" أكثر
بكثير مما لصالح صراع الحضارات. يقول فواز جرجس، وهو أحد الحلفاء الثقافيين
لبولييت في جامعة سارة لورانس. "لدينا هنا حكايتين؛ احداهما برنارد لويس. أما
الحكاية الأخرى فهي بتعابير تاريخية أنه كان هناك الكثير من التحالفات
المتبادلة بين العالم الإسلامي والغرب. لم يكن هناك قط أمة إسلامية أو مجتمع
إسلامي إلا لمدة 23 سنة أيام محمد. لقد كان العالم الإسلامي مقسماً دائماً فيما
عدا داخل أذهان الجهاديين. حتى أن عدداً من القادة المسلمين تحالفوا مع
الصليبيين".

 واليوم لن يأتي التقدم في العالم العربي بعلمنته من فوق (سمّي فصل بولييت الذي
يعالج الشلبي "البحث عن الحب في غير محله") بل بإعادة اكتشاف هذا الإسلام
الأكثر تسامحاً الذي يسبق فعلياً التطرف والذي هو، على عكس أتاتورك، جزء لا
يمكن تغييره من هوية العرب الذاتية التي يجب التعايش معها. ويجادل بولييت أنه
ساد استقرار نسبي في العالم الإسلامي على مدى قرون لا بسبب النجاح العثماني
(كما يصرّ لويس على القول) وإنما لأن الإسلام كان يقوم بدوره التقليدي في لجم
الاستبداد. " لعبت جماعية علماء الدين، نظرياً على الأقل، دوراً بوصفها قوة
موازنة للإستبداد. كانت لديك الفكرة الضمنية بأنه إذا ما تم إخراج الإسلام من
الحياة العامة فإن الإستبداد سيزداد، وإذا ما حدث ذلك فسيتطلع الناس إلى
الإسلام ليقوم بإصلاح الإستبداد". بدأ ذلك بالحدوث أثناء الفترة التي يحيّيها
لويس بوصفها عصر التحديث من القرن التاسع عشر، عندما أقيمت البنى القانونية
والجيوش الغربية. "ما لا يتحدث عنه لويس قط هو الإزالة المصاحبة لذلك للإسلام
من قلب الحياة العامة، التقليل من شرعية الثقافة الإسلامية والقانون الإسلامي،
تهميش علماء الدين الإسلاميين" هذا ما قاله بولييت لي. كما أشار إلى أن ما جاء
بعد ذلك بدلاً من التحديث هو ماتخوف رجال الدين المسلمين منه طويلاً: استبداد
يتطابق بالضبط مع بعض نظريات الحركة السياسية الإسلامية. ما كان على العالم
العربي أن يتنبأ به هو أن " الزيادة في التحديث لم تكن بمقدار الزيادة في
الإستبداد. وبحلول الستينيات كانت تلك النبوءة قد تحققت. أصبح لديك ديكتاتوريات
في معظم العالم الإسلامي". جمال عبدالناصر في مصر، صدام حسين في العراق، وآخرون
جاؤوا بذريعة القومية العربية لكنهم لم يكونوا سوى طغاة.

 

حتى الآن لم تكن هناك بعد قوة شرعية لتعارض هذا الإتجاه. فمكان التعليم
الإسلامي التقليدي –الذي سمح مرة، وحتى شجع، العلم والتقدم- لم يكن هناك شيء.
لقد طوردت السلطات الدينية لتخرج من الحياة العامة ولتعود إلى داخل المساجد.
كانت الخلافة ميتة عندما دمرها أتاتورك في تركيا، لقد أزالها من بقية العالم
الإسلامي أيضاً. ولملء ذلك الفراغ هبت ردة الفعل الأصولية التي قادها هواة
لامعون لكنهم خارجون على المألوف كالمصري سيد قطب، الفيلسوف المؤسس لفرع أيمن
الظواهري من التطرف الإسلامي -تمً شنقه من قبل عبدالناصر- ومن ثم أسامة بن لادن
الذي كبر مصاباً بالنسخة السعودية المتطرفة من الوهابية. حتى مؤسس الوهابية،
مفكر القرن الثامن عشر محمد بن عبد الوهاب، كان خارج التيار الرئيسي، وذي سمعة
سيئة بسبب تخريبه المتعمد للمزارات كما أنه "انتقد بشدة" من قبل رجال الدين على
امتداد العالم الإسلامي في أيامه بسبب "وسطيته وعدم شرعيته العقائدية" كما يكتب
الباحث عبد الوهاب مؤدب في كتاب جديد آخر يحاجج فيه لويس: الإسلام واستياءاته.

 
كما كان النمو السريع للوهابية في القرن العشرين المنصرم هو أيضاً ظاهرة حديثة
صرف، دور البترودولارات السعودية في تعهد المساجد الوهابية ورجال الدين على
امتداد العالم العربي (وأماكن أخرى بما في ذلك أمريكا). في الحقيقة ماتزال
النخب في مصر وبلدان عربية أخرى تميل إلى السخرية من السعوديين بوصفهم بدو
متخلفين كانوا سيظلون على حالتهم تلك لولا النفط. "كما لو أن جيمي سواجرت حصل
على مئات المليارات من الدولارات ثم استولى على الكنيسة" هذا ما قاله لي أحد
المسؤولين العرب. وقد بلغ هذا الإتجاه الحديث أوجه الجهنمي في جبال أفغانستان
في الثمانينيات والتسعينيات، عندما تزوجت الوهابية المتطرفة في شخص بن لادن من
إسلامية قطب المصرية في شخص الظواهري، الذي أصبح نائب بن لادن.

 
لقد كان النقاد على حق في نظرتهم لظاهرة بن لادن كردة فعل على الحكومات
المستبدة الفاسدة كالحكومتين المصرية والسعودية، وأخيراً على الدعم الأمريكي
لهذين النظامين. لكنهم أخطؤوا في استنتاجهم أنها كانت ظاهرة رئيسية تنبع من
الطبع المعادي للحداثة في الإسلام، أو في أن الحل الفوري يكمن في ديمقراطية على
النمط الغربي. والحقيقة أنها كانت، بدل ذلك، ردة فعل ناتجة عن إسلام مشوه
بالتطورات السياسية الحديثة، والتي انبثق عدد منها من التأثيرات الغربية:
الاجتياح التام من قبل الإستعماريين البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين،
وأخيراً الصراع الأمريكي السوفييتي الذي ساعد على خلق جهاد المجاهدين في
أفغانستان.

 إختبار أكاديمي

واليوم رغم أن كل الحجج التي ساقتها الإدارة لغزو العراق قد انهارت، فإن الصورة
العامة لبرنارد لويس بقيت إلى حد كبير دون مساس. ففي الوقت الذي يجاهد أتباعه
من المحافظين الجدد للحفاظ على سمعتهم ووظائفهم، كان كتابه الأخير، وهو مجموعة
مقالات سماها: من بابل إلى دراغومانز: تفسير الشرق الأوسط، يتلقى في الربيع
والصيف الماضيين مجموعة مراجعات مليئة بالإحترام. ومع ذلك، يبدو أن الأحداث
التي جرت على الأرض قد أثبتت صحة بعض الإنتقادات الأكاديمية للويس قدمها بولييت
وآخرون. وهم، في الحقيقة، يطرحون أن ما يجري في الواقع هو عكس ما تنبأ به لويس.


يبدو أن اجتياح الإدارة للعراق قد قدم لبن لادن هدية تاريخية. لقد برهن على
أقواله التي تصف الأمريكيين بأنهم صليبيو العصر ومغوله، وبالتالي على استمالة
مزيد من الموالين واستثارة مزيد من الغضب والأعمال الإرهابية. (اعترفت الإدارة
بذلك بدقة في الصيف الماضي، عندما أقرت بأن تقريرها "نماذج الإرهاب العالمي"،
كان مخطئاً 180 درجة. فقد قال ذلك التقرير الذي صدر في حزيران الماضي، في
البداية، أن الهجمات الإرهابية حول العالم قد انخفضت عام 2003، مشيراً إلى أن
الحرب على الإرهاب كانت تحرز انتصارات. لكن استجابة لشكاوى من خبراء، قامت
وزارة الخارجية لاحقاً بمراجعة التقرير لتظهر أن الهجمات كانت في أعلى مستوى
لها منذ 1982).

 كما أن العراق الجديد يبدو أيضاً أقل غربية فأقل، وبالتأكيد أقل علمانية مما
كان في ظل صدام. ففي شوارع بغداد التي كانت ذات يوم احدى أكثر العواصم العربية
علمانية، تمضي النساء اليوم محجبات، كما يتعرض بائعو الكحول للضرب. رجال الأمة
الأكثر شعبية هم السيستاني ومنافسه الشيعي المتطرف، مثير الفتن الشاب مقتدى
الصدر، الذي سمح له بالإفلات من الحصار في النجف دون مساس مع ميليشياه، وينظر
إليه اليوم كبطل الطبقات السفلى العراقية. وبناء على مسح جرى بتفويض من سلطة
التحالف المؤقتة في أيار الماضي، تريد أغلبية ملموسة من العراقيين (59%) أن
يكون لطوائفهم الدينية "حصة كبيرة" من التأثير في اختيار أعضاء لجنة الإنتخاب
الجديدة. وهذه النسبة هي أكبر بكثير من نسبة هؤلاء الذين فضلوا زعماء العشائر
(38%)، أو أشخاصاً سياسيين (31%) أو الأمم المتحدة (36%). كما أظهر الإقتراع أن
الأشخاص السياسيين الأكثر شعبية في العراق هم زعماء دينيون منضوين في أحزاب
كإبراهيم الجعفري وعبدالعزيز الحكيم. وإلى درجة مذهلة يبدو الإسلام اليوم وكأنه
يقوم بدقة بالدور الذي يقول بولييت أنه اعتاد أن يقوم به، ككابح ضد الإستبداد،
سواء كانوا يعتبرون أن هذا المستبد هو المستبدون الأمريكيون أو رجلنا في بغداد،
رئيس الوزراء المؤقت اياد علاوي.

 لقد وعد بريمر مرة بمنع التضييق الإسلامي على قانون الأسرة وحقوق النساء، ويؤكد
الدستور الإنتقالي الذي دفع به من خلال مجلس الحكم في آذار أن الإسلام هو أحد
مؤسسات الدولة فقط. لكن السيستاني قد أبعد الدستور كديمقراطية انتقالية،
ومستقبل العراق السياسي الآن هو إلى حد بعيد خارج أيدي الأمريكيين (رغم أن
الجيش الأمريكي قد يستمر في لعب دور استقراري بإخماد أية حركة باتجاه حرب
أهلية). "أعتقد أن أفضل سيناريو للعراق هو أن يقوموا بهذه الإنتخابات
البرلمانية، فيكون لديك نوع من حكومة تمثيلية تهيمن عليها الأحزاب الدينية" هذا
ما يقوله الأكاديمي من جامعة ميتشيغان جوان كول. حتى فؤاد عجمي، وهو أحد حلفاء
لويس الثقافيين منذ زمن طويل ومثله أيضاً كمالي معلن، استنتج في الربيع الماضي
في مقالة بعد-افتتاحية في نيويورك تايمز:"دعونا نواجه الأمر: لن يكون العراق
واجهة عرض أمريكا في العالم العربي الإسلامي... لقد توقعنا مجتمعاً علمانياً
نوعاً ما في العراق ( وأنا نفسي كتبت حينها في ذلك الإتجاه). لكن تبين أن
الإيمان المتطرف –بين السنة والشيعة على السواء- قد ارتفع ليملأ الفراغ الذي
خلفه انهيار الحكم الإستبدادي القديم".

 صيد تركيا

الأمل الوحيد اليوم، كما يجادل معارضو لويس، هو في نموذج من الإسلام أفضل وأكثر
رحمة يشق طريقه على أيدي رجال دين محترمين كالسيستاني، يتغلب على النغمات
الشاذة لجماعة أسامة بن لادن وأبي مصعب الزرقاوي. أياً يكن ما سيظهر في العراق
والعالم العربي فإنه سيكون، ولزمن طويل قادم، إسلامي. وسيبقى، ولزمن طويل،
معادياً للأمريكان، بداية بالإحتمال الأرجح وهو أن أي حكومة عراقية جديدة ستطرد
القوات الأمريكية حالما تتمكن من ذلك. (الإقتراع ذاته الذي أجرته سلطة التحالف
الإنتقالية أظهر أن 92% من العراقيين ينظرون إلى الأمريكيين على أنهم محتلون لا
على أنهم محررون، وأن 86% يريدون الآن خروج الجنود الأمركيين، إما "فوراُ" أو
بعد انتخابات 2005). قد يكون على أمريكا ببساطة أن تتحمل مرحلة إسلامية متوسطة
غير سارة –وقد يكون على العرب أن يجربوا اخفاقها مثلما فعل الإيرانيون- قبل أن
تدرك الحداثة أخيراً العراق والعالم العربي. "إقامة الحواجز في وجه الإسلام
بوصفه معيق للديمقراطية والتقدم الحديث لايمكن أن تبعده بعيداً لأن الإستبداد
هو أحد حقائق الحياة بالنسبة لمعظم المسلمين" هكذا يكتب بولييت. "ايجاد طرائق
لمزاوجة الدور الوقائي [التقليدي للإسلام] مع المؤسسات الديمقراطية والإقتصادية
الحديثة، هذا هو التحدي الذي لم يقم به أحد بعد".

 يبدو أن لا أحد يدرك ذلك حتى نقاد بوش الديمقرطيون. قدم سينز. جوزيف بيدن
(ديمقراطي من ولاية ديلاوير) وهيلاري كلينتون (ديمقراطية- نيويورك) تشريعاً
لإقامة مدارس علمانية بديلة للمدارس الدينية، لكنهم لم يدركوا أن ذلك لن يحلق
في العالم العربي: كل ما يمكن للمرء أن يطمح به هو مدارس دينية معتدلة، لأن
الإسلام مايزال ينظر إليه على نحو واسع بوصفه قوة مشرّعة. "ماذا يحدث إذا كان
الطريق إلى ما يمكن تسميته على نطاق واسع بالديمقراطية يقوم عبر الثورة
الإسلامية؟" يقول وودز من جامعة شيكاغو. غاية الأمل، كما يقول بعض هؤلاء
الأكاديميين، هي أن تصبح البقية الإسلامية الباقية في الأحزاب الدينية العربية،
في غضون جيل أو نحوه، نوع من المسكّن، يذكّر بما حل بالأحزاب المسيحية
الديمقرطية في أوروبا.

 قد يكون هذا هو ما يحدث ببطء في تركيا، حيث الأغلبية المهيمنة على البرلمان هي
لحزب العدالة والتنمية الإسلامي. لقد أبدى زعيم الحزب، رئيس الوزراء رجب طيب
أردوغان –الذي منع مرة من الخدمة العامة بعد إلقائه قصيدة تقول "المساجد
ثكناتنا، القبب خوذاتنا، المآذن حرابنا والمؤمنون جنودنا" درجة مؤثرة من
البراغماتية في الحكم. لكن ومرة أخرى، تركيا حالة فريدة، وقد أصبحت كذلك من قبل
كمال وانقلابه العلماني المفروض بقوة الجيش في العشرينيات. إذا كان أردوغان
مايزال يريد بشكل سري إعادة أسلمة تركيا، فإنه لا يستطيع تجاوز الحد الذي ينتزع
فيه جيش الأمة القوي السلطة عند أول اشارة على التدين. كما أن أردوغان أيضاً
تحت ضغط فريد من أجل العلمنة لأن تركيا تطالب بالإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي،
والذي ليس مجرد بطاقة يستطيع العلمانيون العرب المعتدلون أن يرفعوها لكي
يتغلبوا على مواطنيهم هم.

 سيتطلب حل التوتر بين الإسلام والسياسة عملية طويلة طويلة من التغيير. وكما
يكتب بولييت، فإن المسيحية قد صارعت لمئات من السنين لتتوصل إلى تفاهم مع دور
الدين في المجتمع المدني. حتى في أمريكا فإن الفصل بين الكنيسة والدولة "لم يكن
في الأصل ركناً في دستور الولايات المتحدة" كما لايزال الأمريكيون يتصارعون
فيما بينهم حول هذه القضية حتى اليوم.

 في محادثتنا الربيع الماضي، كان لويس مايزال يجادل في أن العراق سيسير في
الطريق الذي وضعه له. لقد كان الناطق بصوت الخط الذي أصبح الخط المفضل
لوولفويتز، وهو أن المحافظين الجدد هم الأبطال الأكثر صراحة للتقدم العربي، وأن
مستعربي وزارة الخارجية الذي تم تحديدهم بفكرة "الإستثنائية العربية" يقدمون
عنصرية مقنعة وحسب. هذا هو، بالطبع، خط حزب المحافظين الجدد المباشر، إذا أنكرت
أن الديمقرطية العلمانية هي قدر كل الناس فأنت مذنب بالتنفج الثقافي. لكن
ازدراء لويس للإسلام بما فيه من توسل تقديسي لأتاتورك، أفلح على نحو ما في
التسلل إلى محادثتنا. هنالك خيط رابط يتخلل تفكير لويس، رغم أنه يؤكد العكس، هو
العقيدة الكمالية بأن الإسلام معاد للحداثة جوهرياً. ففي كتابه الصادر عام
1996؛ الشرق الأوسط: موجز تاريخ آخر 2000 سنة، على سبيل المثال، يشدد لويس على
إيمان القرآن "بنهائية وكمال الوحي الإسلامي". رغم أن السلطات الإسلامية قد
أوجدت قوانين وتشريعات خارج النص الدقيق للقرآن لمعالجة احتياجات اللحظة
الراهنة، "رغم أن تشريع قانون جديد كان عملية شائعة ومنتشرة على نطاق واسع،
فإنها كانت دائماً متخفية، وسرية على الأغلب، وهكذا لم يكن هناك مكان لمجالس أو
جمعيات تشريعية كتلك التي شكلت نقطة الإنطلاق للديمقراطية الأوروبية"، يكتب
لويس. بمعنى آخر، يشكل الإسلام عقبة. "العالم الإسلامي اليوم عند بداية القرن
الخامس عشر" هذا ما قاله لويس لي. "والعالم الغربي عند بداية القرن الواحد
والعشرين" ثم أضاف بسرعة "هذا لا يعني أن الغرب متطور أكثر، وإنما يعني أنه قطع
شوطاً أكبر". ومتابعاً خط الزمن ذاك، يقترح لويس أن العالم الإسلامي هو اليوم
"على تخوم الإصلاح" –الطلاق الضروري بين الدين والسياسة الذي يعتقد لويس أنه في
طور الولادة منذ زمن طويل. لقد أصبحت وجهة النظر هذه حكمة قديمة في واشنطن،
يتردد صداها لا بين المحافظين الجدد وحسب وإنما بين منظري التحديث أيضاً الذين
سيطروا لزمن طويل على الجامعات الأمريكية. لكن، خلف وجهة النظر هذه، كما يقول
باحثون من مثل بولييت، يقبع رفض أساسي للهوية التاريخية العربية. ويكمن السبب
في ذلك، كما يعتقد بولييت، في التأثير الكبير الذي مازالت تمارسه دراسات لويس
التاريخية عن العثمانيين على تفكيره- ومن خلال زيارته عام 1950 لتركيا. ويلاحظ
بولييت أنه حتى عهد قريب، 2002، وفي مقدمته للطبعة الثالثة من كتابه: انبثاق
تركيا الحديثة، فإن لويس "تحدث عن الإحساس الذي لايصدق بالبهجة الذي منحته لشخص
من جيله- شخص تكون في الحرب العظمى ضد الفاشية وانبثاق الحرب الباردة- رؤية وجه
الشرق الأوسط الحديث ينبثق في تركيا". ويناقش بولييت في أن تركيا كنموذج "كانت
مشهداً مشرقاً بالنسبة له بعد خمسين سنة تماماً كما كانت في ذلك الحين".

 لكن مرة أخرى، لم تعد التجربة التركية بعد انحلال الإمبراطورية العثمانية على
علاقة خاصة مع ما كان يجري في العالم العربي. وأتاتورك، في الحقيقة، ليس فقط لم
يكن عربياً، وإنما كانت مقاربته أيضاً للحداثة متأثرة بعمق بفاشية ذلك العصر
(كان موسوليني نموذجاً مثيراً للإعجاب في العشرينيات). لم يطور لويس أي احساس
تجاه ما كان العرب الحديثون يفكرون به، خاصة بعد أن بدأ يتبنى وجهات نظر مؤيدة
لإسرائيل بقوة في السبعينيات. يقول بولييت "إنه شخص لا يحب الناس الذين يزعم أن
لديه خبرة عنهم، ولا يحترمهم ويعتبرهم جيدين وذوي قيمة فقط بمقدار ما يسيرون في
الطريق الغربي".

 بدا المحافظون الجدد التحويليون من إدارة بوش، رغم أنهم تلقوا معلوماتهم بطريقة
أقل أكاديمية من لويس بكثير، وكأنهم يتبنون موقفه الرافض تجاه المطالب الخاصة
للثقافة العربية والإسلامية. وهم الآن يدفعون ثمن ذلك. المساراللولبي للإحتلال
الأمريكي والذي يتدهور نحو إراقة الدم وعدم الكفاءة، لم يكن مجرد بضعة فرق
عسكرية وانهيارات أخرى في التخطيط، رغم أنهما كانا بوضوح جزءاً من المسألة. في
الحقيقة، لم تفهم آلة التحويل الأمريكية العظيمة قط فعلياً الكثير عن الثقافة
العربية، كما أنها لم تزعج نفسها في محاولة ذلك. وبالتأكيد لم تفهم سلطات
الإحتلال، باتباعها طريقة أبوية فوقية، دور الإسلام، وهذا أحد الأسباب التي
توضح لماذا تأخر بريمر وشركاه في ادراك قوة ظاهرة السيستاني. كما فشل الإحتلال
بسبب عدم قدرته على فهم التعقيدات العشائرية والإستفادة منها، وعلى فهم "كيف
يتم جمع النفايات ومعرفة من تزوج من" كما يقول وودز. قبل الحرب، كان موظفو
البنتاغون، في بحثهم عن مسوغات لطريقتهم منخفضة التكاليف في بناء أمة، يحبون
الحديث عن مدى تطور العراقيين وتعليمهم مقارنة بالأفغان، وكيف أنهم سيبعثون
بلدهم بسرعة. لكن من الواضح أن هؤلاء الموظفين لم يعنوا ما قالوه ولم يتصرفوا
على أساسه. وفي النهاية لم يستطيعوا حمل أنفسهم على الثقة بالعراقيين، لقد قام
الجنود، حسب الأوامر، باحتجاز آلاف الحجاج بلا تمييز متعاملين مع كل واحد منهم
على أنه تابع محتمل لصدام أو إرهابي (وقد شهدت ذلك بنفسي عندما التحقت، في مهمة
لصالح نيوزويك، بالقوات الأمريكية في غارات على المثلث السني في كانون الثاني
الماضي).

 تبقى هنا مسألة أعمق: هل قادت أفكار لويس الخاطئة إدارة بوش إلى القيام بخطأ
استراتيجي فظيع؟ رغم هول 11 أيلول، هل قاموا بتحويل تهديد بن لادن إلى شيء أكبر
مما هو في الحقيقة؟ إذا كان "عرض القوة" في العراق قد أدير بشكل خاطئ، كما تقول
انتقادات لويس، فإن على الأمريكيين أن يمعنوا التفكير في الفكرة الفظيعة التي
جعلتهم يبددون مئات المليارات من الدولارات وآلاف الأرواح البشرية والأطراف على
حرب في غير محلها. إذا كانت وجهة نظر برنارد لويس عن المشكلة العربية خاطئة،
تكون أمريكا قد فقدت الفرصة في تطويق التهديد- القاعدة- الموجود في الواقع في
الهوامش المريضة من العالم الإسلامي، وتدميره.

 
لايزال من المبكر إلقاء أفكار لويس الكمالية على مزبلة التاريخ. و يعترف حتى
منافسوه الأكاديميون بأن الكثير من بحثه الأكاديمي المبكر مؤثر؛ ويطرح البعض
ككول من ميتشيغان أن لويس قد أضاع طريقه في السنوات الأخيرة فقط عندما جرّ نفسه
إلى السياسات الراهنة، خاصة القضية الإسرائيلية-الفلسطينية، وبدأ يطعّم التوجه
العقلي العربي الحديث بأفكاره القرو-وسطية. وسواء كان السبب النهائي حديثاً أم
لا، فإن العالم العربي يبقى مجتمعاً يعاني من خلل وظيفي، مجتمع يتطلب إصلاحاً
جذرياً. "تقرير التنمية العربية" الصادر في ربيع 2002 من قبل برنامج الأمم
المتحدة للتنمية، والذي طرح على نحو قاس فشل المجتمعات العربية. وواصفاً هذه
المجتمعات بأنها "غنية لكنها غير متطورة" قدم التقرير تفاصيل عن العجز في
الديمقراطية وحقوق النساء وهي أهداف محببة للمحافظين الجدد الأمريكيين. كما
أشار التقرير إلى أن العالم العربي يعاني من معدل للربط عبر الإنترنت أقل حتى
من المناطق الأفريقية المجاورة للصحراء، وأن التعليم متخلف ومعزول حتى أن
العالم العربي برمته يترجم فقط خمس الكتب التي تترجمها اليونان. يوافق بعض
الأكاديميين على أن رؤية لويس، والمحافظين الجدد- النهائية قد تثبت أنها صحيحة
على المدى البعيد جداً. لكن ربما لا تستطيع على المدى البعيد أن تؤسلم
الديمقراطية، وهكذا سظل الإسلام واقفاً ببساطة عقبة في الطريق.

 
إيران هي أفضل إختبار في العالم الحقيقي لهذه الفرضية حتى الآن. فبعد ربع قرن
من ثورة الخميني تبدو ايران وكأنها عالقة في حالة وسط غير محددة. قد تكون قوى
الإصلاح الديمقراطي العلماني الصاعدة من الأسفل وسيطرة الفقهاء من الأعلى
للأسفل، مجمدة ببساطة لأنه لا توجد أرضية مشتركة مهما تكن بين رؤيتيهما
المتنافستين. ذلك هو أحد الأسباب التي أعطت المقاربة الكمالية جدارتها، وجادل
فؤاد عجمي عندما مثل مؤخراً أمام مجلس العلاقات الخارجية "أعتقد أن أتاتورك فهم
أنك إذا ما سرت في طريق الإسلام تكون قد وقعت في الفخ. وفي الحقيقة أعتقد أن
رحلة الخروج من الإسلام التي قام بها أتاتورك كانت باهرة. وبسبب المدى الذي نسي
العالم الإسلامي الآن به هذا... فإنهم سيدفعون الثمن غالياً".

 
لكن لا يوجد أتاتورك في العراق ( رغم أن الشلبي بالطبع، وربما علاوي، يرغبان في
لعب ذلك الدور). أما الآن فإن السيستاني يبقى الشخص الأكثر هيبة في البلد، صاحب
النفوذ الحقيقي الوحيد. وتبقى الشكوك في إدارة بوش هي ما إذا كان هدف السيستاني
بعيد المدى هو إخراج الأمريكان وادخال القرآن- بمعنى آخر، إقامة دولة تقوم على
ولاية الفقيه مثل إيران. لكن هؤلاء الذين يعرفون السيستاني جيدأ يقولون أنه
أذكى من ذلك بكثير. ولد في إيران –انتقل إلى العراق في أوائل الخمسينيات، في
الوقت ذاته الذي رأى فيه لويس النور- لقد اختبر السيستاني عن قرب اخفاقات دولة
ولاية الفقيه الشيعية الجارة. كما أنه عانى مع الشيعة الآخرين من النهاية
الحادة للقومية العربية السنية، بعد أن اضطهدوا على يد صدام على مدى عقود، ولن
يقبلوا قط بالعودة إلى ذلك. وهكذا فالسيستاني يعرف أن الحل الأفضل في النهاية
قد يكون نوعاً هجيناً ما، ديمقراطية دينية معتدلة، يهيمن عليها الشيعة، يكون هو
سمسارها ومباركها، ومحملة بفيدرالية دقيقة تعطي الأكراد والسنة وآخرين ما
يستحقونه. لكنه أيضاً نظام- شبيه إلى حد ما بولاية الفقهاء الإيرانيين- يستخدم
شخصيته الإسلامية المميزة، وملازم لمعاداة الأمركة والغربنة كرابط أيديولوجي.
بالنسبة للأمريكيين الذين مضوا بأمل إلى الحرب في العراق، فإن هذا الخيار هو
إلى حد بعيد كل ما تبقى أمامهم – وهو شيء قد يضطر حتى برنارد لويس يوماً ما
للإعتراف به.

 
مايكل هيرش هو محرر رفيع المستوى في نيوزويك- مقرها واشنطن- ومؤلف كتاب في
الحرب مع أنفسنا: لماذا تبدد أمريكا فرصتها لبناء عالم أفضل (منشورات جامعة
أوكسفورد).

 
www.safsaf.org