وفاة الأديب العربي المصري الكبير نجيب محفوظ عن 95 عاماً

نجيب محفوظ هو نجيب محفوظ بن عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد باشا. فاسمه المفرد مركب من اسمين تقديراً -من والده- للطبيب العالمى الراحل نجيب محفوظ الذى أشرف

 على ولادته. روائي مصري حائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1988م. ولد في 11 ديسمبر 1911م في القاهرة، وحصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة من جامعة القاهرة وتدرج بالوظائف الحكومية حتى عمل مديرا عاما للرقابة على المصنفات الفنية عام 1959م.

[تحرير]

 

نشأته الثقافية

أتم دراسته الإبتدائية والثانوية و عمره 18 سنة وهذا مؤشر على نجابته إذ كان الحصول على شهادة الدراسة الثانوية في هذه السن وفي ذلك الوقت يعتبر علامة بارزة على ذكائه. وقد التحق بالجامعة سنة 1930م ثم حصل على الليسانس في الفلسفة.يعد نجيب محفوظ من الادباء العباقرة في مجال الرواية وقد وهب حياته كلها لهذا العمل، كما انه يتميز بالقدرة الكبيرة على التفاعل مع القضايا المحيطة به، واعادة انتاجها على شكل ادب يربط الناس بما يحصل في المراحل العامة التي عاشتها مصر. يتميز اسلوب محفوظ بالبساطة، والقرب من الناس كلهم، لذلك اصبح بحق الروائي العربي الاكثر شعبية

[تحرير]

 

مجال العمل

رغم إن نجيب قد انخرط في عدة أعمال إلا أن العمل الذي التهم حياته هو الكتابة. فقد كتب في مجلة الرسالة قصصا صغيرة .

[تحرير]

 

أعماله

بدأ نجيب محفوظ بكتابة الرواية التاريخية ثم الرواية الأجتماعية. وتزيد مؤلفاته على 50 مؤلفاً.

ترجمت معظم أعماله إلى جميع اللغات العالمية وحصل على جائزة الدولة التشجيعية في الروايةعام 1959م.

ومن رواياته و مجموعاته القصصية:

  1. بين القصرين (1956م)

  2. قصر الشوق (1957م)

  3. السكرية (1957م)

تعرض محفوظ للهجوم و االمنع من قبل بعض الإسلاميين المتطرفين الذين رأوا في كتاباته مساسا بالشخصيات الدينية، خصوصا بسبب روايته أولاد حارتنا التي منعت من الطبع في مصر، حيث يستخدم محفوظ الرموز الشعبية ليقدم شخصيات الانبياء. وتعرض إلى محاولة اغتيال فاشلة عام 1994.

*المعلومات منقولة من موقع  ويكيبيديا

www.safsaf.org

*

مقال عن نجيب محفوظ منقول عن عدد اليوم الأربعاء 30-08-2006 من القدس العربي

نجيب محفوظ: آخر فتوات الرواية العربية!

عالم فتواته يموت على مذبح حداثة استهلاكية
د. عبد الرحيم مودن

تهدف هذه المقاربة إلي تجاوز الدلالات الاجتماعية والسياسية ـ وهذا ما عبرت عنه وما تزال الكثير من الكتابات التي تناولت أدب نجيب محفوظ ـ نحو الدلالات السردية في قصص وروايات هذا الأخير. أو بعبارة أخرى : ما دلالة وجود أنماط سردية تراثية في النص القصصي عند نجيب محفوظ؟ كيف تشتغل هذه الأنماط السردية بجوار أنماط أخرى تنتمي إلى مرجعية مغايرة؟ ما دلالة العزف على شخصية الفتوة في العديد من هذه النصوص؟ لماذا استبدت القصة القصيرة بـ الفتوة أكثر من الرواية مثلا؟

(1).
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بالأمر السهل لأسباب منهجية من جهة، ولشساعة مساحة الإنتاج عند نجيب محفوظ من جهة ثانية. من هنا سيكون التركيز علي نمط محدد حتي نتمكن من الاقتراب من الضبط المنهجي الذي يسمح بالتعميم من خلال التخصيص

 (2).
لماذا نص الرجل الثاني ؟(3).
لأنه يقدم شخصية نمطية ظل نجيب محفوظ يحاورها طوال ما يقرب من نصف قرن. وعبر هذا الإنتاج الضخم كانت ـ أي الشخصية ـ تتخذ ملامح عديدة أخلصت فيها للجوهر الثابت، ورفضت العرضي النابت، فكانت قاهرة أحيانا ومقهورة أحيانا أخري، دموية إلي حدود الإجرام، ومثالية إلي حدود الرهافة، مركزية أحيانا وذكري عابرة أحيانا أخري... الخ.. قد تظهر بهذا الشكل أو ذاك ولكنها ظلت ملازمة للكتاب ملازمة الظل لصاحبه. تلك هي شخصية الفتوة .
والتركيز علي شخصية الفتوة في نصوص كثيرة لم يكن مجرد حنين إلي الحارة ـ الفضاء النموذجي للفتوة ـ بعطرها النافذ وسحرها الطاغي الذي يظل محفورا علي أخاديد الزمن، بل إن التركيز علي هذه الشخصية يعود ـ سواء بالتصريح أو التلميح إلي رغبة الكاتب في خلق شخصية عربية تنتسب إلي واقعها المعيش من جهة، وتتحرك ـ من جهة ثانية ـ سرديا في واقعها المكتوب دون مواربة أو خجل.
إن عالم الفتوات المتخيل لا يستند فقط إلي فضائه الشعبي (الحارة، الأسماء الدالة، العلاقات الاجتماعية المختلفة، القيم السائدة... الخ) بل يستند ـ وهذا هو الأهم ـ أيضا إلي رصيد غني من طرائق الحكي في السرد العربي عبر عنه مخزون الذاكرة الجماعية التي خلقت من الأنماط السردية الشائعة في التراث بناء متكاملا انتشر في نص نجيب محفوظ ـ كما سيتضح أثناء التحليل ـ بأساليب مختلفة. هكذا حاورت الطرفة المثل . وبجانب النادرة وجدت الأحجية الملغزة مرورا بحكايات الفوارس والصعاليك ورواسب أدب الفكاهة وما يتخلل ذلك من عناصر المبالغة والتهويل واستحضار العجيب و الغريب ...الخ.
وإذا كان النص المطروح للتحليل قد قدم حوارا سرديا خصبا بين مختلف الأنماط المشار إليها آنفا، فان ذلك لا يمنع من التأكيد علي دلالة استحضار الفتوات ـ فضلا عن مرجعيتهم التراثية ـ (4) بمفهوم يتجاوز ذكريات الطفولة نحو أفق آخر يتجسد في الاحتجاج علي زمن انقضي ، والسخرية من زمن (وهو موقف فكري ثابت عند الكاتب) القانون الوضعي الظالم والسلطة الوهمية من جهة، والحداثة الزائفة، من جهة ثانية، تلك الحداثة التي جعلت من سكان العمارة الواحدة مجرد عوالم فردانية عكست تفتت العشيرة وتمزق روابط الدم الذي تحول إلي ماء! إنها دعوة إلي استحضار الحارة وسط شوارع القاهرة الحديثة بقناطرها المعلقة في الهواء، والمخترقة لباطن الأرض، بصفائح عماراتها الجاهزة المستوردة التي لا تختلف عن شواهد القبور الباردة. استحضار إذن لعالم مات ويموت مذبوحا علي أعتاب حداثة استهلاكية تزخر بكل شيء ما عدا الإنسان. عالم مات ويموت ولكنه يظل حيا في الذاكرة، ذاكرة الجماعة. الفتوة إذن بطل إشكالي (5).
وعلي هذا الأساس لم يكن استحضار الفتوة مجرد رغبة نوستالجية تحن إلي الماضي وذكراه، بل كانت عملية استحضار تتجه، أماما، نحو المستقبل أثناء استحضارها للماضي. ماض اسمه الحاضر. واستحضار فضاء(6) الحارة، في هذا السياق، لا يقف عند حمولاته ودلالاته المرجعية، بل هو استحضار للحلم الدائم بفضاء المثل الأرضي المعارض لكل طوباوية زائفة، ومقومات هذا الفضاء ـ أثناء تعاملنا مع عناصره ـ تنطلق من الكلمة الطيبة إلي الصرخة المدمرة، ومن الزمن الفيزيائي إلي الزمن الميتافيزيقي المجرد، ومن تعاقب الفصول إلي تعاقب الأجيال، ومن الغُرزة و الاصطبل و التكية إلي المقهي والوكالة والقلعة المحصنة، من الوعد والوعيد إلي النبابيت والخناجر، من العشق المقدس إلي الجسد المدنس، من الإيمان إلي الوثنية، من التسامح إلي الثأر، من الغناء إلي العويل، من الماء إلي الدم، أخيرا من الكائن العادي إلي الفتوة، أو من البشري (الواقعي) إلي الأسطوري.

النـــــــص :
يتناوب النص زمنان: زمن الرّواي وزمن الحكاية.
زمن الراوي لا علاقة له بالحكاية جذبني مقهي النجف في سن المراهقة (7)، ولكنه يمتلك ـ أي الزمن ـ وظائف أساسية منها:
أ ـ مفتتح أو استهلال تمهيدي يهيئ القارئ لتقبل ما سيأتي بأسلوب مشوق يتعمد الإثارة والإشارات السريعة المغلفة بنوع من التلغيز الموحي بالمفاجأة.
ب ـ يعرف بالشخصية المركزية موجود الديناري الأسطورة الباقية (8).
جـ ـ يمارس سلوكا اديولوجيا علي القارئ. إنه آخر الفتوات قبل أن يمارس سلوكه السردي. ومن ثم ـ كما سبقت الإشارة ـ لا علاقة له بالحكاية، ولا يساهم في إحداثها، وكما أن المتحدث داخل هذا المفتتح، ليس عنصرا من عناصرها (الحكاية)، والمقهي المتحدث عنه لم يكن مجالا حيويا لحركة الفتوة، بل هو مجرد مكان ـ وليس فضاء ـ ثابت يقدم لنا الشخصية بعد أن انتهي دورها مكتفية بإشعاعها الساحر العبق بأنفاس الماضي . حكم علي الفتوة بعشر سنوات سجنا ولما أفرج عنه فرضت عليه رقابة دائمة، فابتاع مقهي النجف ومارس حياة مواطن كسائر المواطنين (9). من هنا يصبح الهدف من هذا المقطع، اديولوجيا ، أي الدعوة إلي استرجاع هذا الزمن المفقود، وبمجرد احتسائه للقرفة يعيش أبهج ما في الماضي والحاضر والمستقبل (10).
د ـ يلعب هذا المقطع ـ من ناحية أخري ـ دورا بنائيا هاما بين بداية الحكاية ونهايتها التي يعود فيها الراوي إلي المقهي الذي جلس فيه في البداية، يبدأ النص إذن بالمقهي وينتهي به. والمقهي في البداية والنهاية مؤثث بالشخصية المركزية موجود الديناري ولواحقها، مع إبراز فرق جوهري يتجسد في كون طبيعة المقطع في البداية تعكس تعامل الراوي مع الفتوة ، في حين يعكس المقطع الأخير تعامل الذاكرة الجماعية مع الشخصية ذاتها التي انفتحت علي الفتونة المستمرة في ابن الرجل الثاني أو الساعد الأيمن للرجل الأول، الفتوة موجود الديناري .
أما بالنسبة لزمن الحكاية فهو زمن الأسطورة. وهو زمن مبني للمجهول يحكي أن (11). ووظيفة هذا الزمن وظيفة تبليغية ما دام الكلام الصادر عن هذه الصيغة (البناء للمجهول) يعكس أيضا راويا مجهولا يهدف إلي تقديم الحكاية بنوع من الحياد الوهمي من خلال الوسائل التالية:
عن طريق نسبة الكلام إلي رواة مجهولين دون تحديد الاسم أو اللقب أو الجنس أو الصفة المهنية...الخ.
ومن ثم يصبح الراوي غير مسؤول عن صحة أو كذب ما يروي بل العهدة علي القائل.
غير أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بتعدد الحكايات وكثرتها وتداخلها خاصة أن الصياغة الأولي يحكي أن تختلف عن الصياغة الثانية ما دامتا تشتركان من حيث التركيب وتختلفان من جهة الدلالة (12).
دـ يبدأ النص علي الشكل التالي ـ حكاية موجود الديناري ـ حكاية من بين حكايات كثيرة قابلة للتصديق أو الإنكار. هي إذن زخم من الحكايات المتلاحقة تمكن من فتح المجال للتخيل والحلم : يحكي انه ألقي علي أتباعه... . ولاشك أن هذه البداية هي بداية لحكاية محددة من بين الحكايات العديدة، هي حكاية الرجل الثاني هي حكاية شطا الحجري ، وهو من أتباع موجود الديناري الذي يطمح إلي أن يصبح الرجل الثاني أو اليد اليمني للفتوة تمهيدا لكي يصبح الرجل الأول في المستقبل. يخاطب موجود الديناري أتباعه في لحظة الاختيار بقوله : ما من جماعة مثلنا إلا وفيها رجل ثان، علي ذلك جري عرف من غبر... .
ما هي حكاية الرجل الثاني إذن؟ شاب مقدام من شباب الفتوة موجود الديناري جرأته تدفع به إلي أن يبادر لتلبية رغبة معلمه موجود الديناري في أن يكون له رجل ثان. وبسبب هذه الرغبة من جهة، والجرأة من جهة ثانية يصبح عرضة للحسد من قبل الأتباع السابقين عليه في الفتونة ، كما انه ـ من جهة ثانية ـ يخضع لمجموعة من الاختبارات (13) يختبر بها المعلم موجود الديناري الفتوة الشاب شطا الحجري ، وهو ـ أي المعلم ـ لا يخفي إعجابه بجرأته وشجاعته، يتجسد ذلك في جدول الاختبارات التالية:

جدول رقم : 1
المقطع والصفحة
الاختبارات

لو لم تفعل لاعتبرت الأمر كأن لم يكن ص 9
فشمر شطا عن ساعديه وراح يدلك الساقين المدمجتين بارتياح وفخار ص 9
ولكن لا فتوة بلا جنون ص 10
ولكن الفتونة الحقة لا تستند إلي القوة والشجاعة وحدهما ص 5
أقول لك يا أعمي استمر ص، 20
اعرف انك مخطوبة للديناري ص، 17
اختبار الجرأة والشجاعة
اختبار الطاعة

اختبار التحدي
اختبار الذكاء

اختبار الاستمرار والصبر
اختبار المغامرة
الحارة الأصل أو الفتونة بالانتماء

وبالرغم من اجتياز شطا الحجري لهذه الاختبارات أو الكمائن بنجاح، فان الحب هو نقطة ضعف وقوة الفتوة ، وهو أمر يعلو ولا يعلي عليه، من هنا سيضطر شطا إلي مغادرة الحارة رفقة معشوقته وهي مخطوبة للديناري ـ وهو اختبار جديد لشطا الحجري ـ، أقول سيضطر إلي مغادرة الحارة طالبا الحماية من فتوة الدرب الأحمر المسمي الشبلي . وفي الحارة الجديدة سيتعرض لاختبارات أخري علي الشكل التالي :

جدول رقم : 2

المقطع والصفحة
الاختبارات


... لا أمان لرجل خان معلمه . ص، 23
... أيعني ذلك أن أكون ألعوبة في يد الغير؟ ص، 27
... تقدم، أنت جبان ص، 36
... لن أطلق أبدا... ص، 38
... جاء اليوم الذي أحلم به ص، 46

اختبار الوفاء
اختبار الشخصية

اختبار النبل
والدفاع عن العرض
اختبار إعادة الاعتبار
الحارة الفرع أو الفتونة بالولاء
بالمقارنة بين الجدولين يتبين لنا أن اختبارات الجدول الثاني اختبارات لها مصداقية متميزة تتجسد أساسا في اختبار مبادئ الفتونة . فإذا كانت الحارة الأصل (الجدول رقم : 1) هي المجال الطبيعي للفتوة، فان حارة الدرب الأحمر أو الحارة الفرع (الجدول رقم : 2) تمثل انتقالا نحو مجال آخر قد لا يختلف من حيث مكوناته عن الحارة الأصل، ولكنه يختلف من حيث موقع الفتوة في فضائها، هكذا يبدأ العد العكسي بالنسبة للفتوة شطا الحجري ، وتحل الخيانة محل الإخلاص والاحتقار محل التقدير، والخوف محل الاطمئنان، والأعداء مكان الأصدقاء... وبالإضافة إلي هذا وذاك نلمس فرقا جوهريا بين الجدولين في جانب العلاقة بين الفتوة ومبادئها : في الجدول الأول يتلقي الفتوة مبادئ الفتونة عن طريق المعلم بشكل مباشر، أما في الجدول الثاني ـ بعد الإنتقال إلي حارة الدرب الأحمر ـ فالمبادئ، مبادئ الفتونة، يتلقاها شطا الحجري بواسطة مجموعة من الوسائط علي الشكل التالي:
* عن طريق رجل الدين الشيخ ضرغام الذي حمل بدوره رسالة من الشيخ عقلة إمام حارة شطا الحجري .
* عن طريق الناس في تجمعاتهم العامة (الأسواق، الحفلات، جلسات الغرز في الليل... الخ.
* عن طريق الدعاية والدعاية المضادة. (الإشاعة الكاذبة عن معلمه الذي قيل عنه انه يعذب أهل شطا الحجري وزوجته).
* عن طريق رسول المعلم موجود الديناري الذي عمق من حدة المأساة. يقول الرسول مخاطبا شطا الحجري : (قل له أن يستمر) 14.
* عن طريق تهديد مبادئ الفتونة بهدف اختبار شطا الحجري أمام الاغتصاب الوحشي الذي مارسه الشبلي علي زوجة شطا الحجري .
بعودتنا إلي الاختبارات الواردة في الجدولين معا، نلمس ـ فضلا عن السابق ـ وظيفة هذه الكمائن في تبيان مراقي15 الفتونة التي لا تختلف عن باقي مراقي المجاهدة في التجارب المتعددة التي تهدف إلي تطويع الذات وترويضها. هكذا بدأ المعلم موجود الديناري في تعليم شطا الحجري أبجديات الفتونة ، تتلوها اختبارات أخري تزداد صعوبة وشراسة إلي أن تصل إلي التجربة المرة، تجربة الاغتصاب مما فرض عليه الرجوع إلي الحارة. وهنا نصل إلي الاختبار الأخيرـ وهو أعلي مراحل الفتونة ـ الذي يكتشف فيه شطا الحجري أسرار اللعبة وقد ساهم فيها المعلم بشكل مباشر أو غير مباشر. كما أن هذا الاختبار ـ من جهة أخري ـ (اغتصاب الزوجة من جهة وانكشاف حقيقة تعذيب أهله وأهل زوجته من ناحية ثانية) يصبح بدوره اختبارا للفتونة من خلال شعارها الأصيل الذي جاء علي لسان المعلم موجود الديناري : (إني فتوة الحارة وحاميها وليس من مذهبي أن آخذ البرئ بالمذنب) 16.
إن الشعار الأخير لا يمنع من القصاص ما دام قانون الفتونة قد اختل، وأصبح الفتوات لا يختلفون عن البلطجية وقطاع الطرق وشذاذ الآفاق والمرتزقة، ولعل الواقعة الكبري التي هجمت فيها الحارة، حارة الدرب الأحمر ، علي حارة الشبلي، لم تكن معركة روتينية من تقاليد الحواري والأزقة، بل انها معركة ضرورية لإنقاذ ما تبقي من قيم الفتونة . كما أن طعنة شطا الحجري القاتلة التي اخترقت صدر الشبلي تتجاوز حالة الانتقام العادية نحو إعادة الاعتبار للفتونة وهيبتها مما فسح المجال من جديد أمام الذاكرة الجماعية التي حفزت بهذا الحدث وانطلقت في الحكي المتسامق عن طريق أنماط الحكي المتوارثة، وكان النص مساهمة جماعية لهذه الذاكرة. ووظيفة الراوي في آخر النص لا تختلف عن وظائفه المشار إليها في البداية. والفرق الجوهري بين وظائف البداية ووظائف النهاية يعود إلي طبيعة المعلومات الجديدة التي استقاها الراوي من الناس بعد انجلاء المعركة.
كيف ساهمت الحارة في إنتاج سردها؟ لا شك أن مرجعية الحكي، تراثيا، تعد الصيغة الأساسية المسيطرة علي معظم مقاطع النص. غير أن هذه المرجعية التراثية التي تبدأ بالمفتتح يحكي أن ، لا تمنع من وجود هذه المرجعية تلميحا أحيانا وتصريحا أحيانا أخري. وبالإضافة إلي هذا وذاك تبدو شخصية موجود الديناري شخصية تراثية استنبتت 17 في واقع جديد لم يمنع من إنصافها بملامح لا تخلو من طرافة خاصة عند استنجادها بالأمثال والحكم، والاستعارات البعيدة والقريبة.
لا تقنع الحارة بالمثل الجيد، والبلاغة اليومية، ولا تقنع أيضا بإعادة تكرار الصيغ الاستهلالية الشهيرة في الحكي، بل تمتن سردها بتسريب بنية أخري تمثلت في بنية الأحجية. فالمهمة التي كلف بها شطا الحجري مهمة غامضة، وهي بالتالي لغز اقرب إلي الأحدوثة التي تستند إلي السؤال والجواب بين المعلم وتابعه، وعن طريق السؤال والجواب تزداد الكمائن عددا، وتتداخل عناصرها إلي أن تصير متاهة لا يتم الكشف عن لغزها إلا عن طريق الإمساك بجوهر الفتونة التي تخالف الاعتداء علي الغير ما دام الوصول إليها لا يتم إلا عن طريق المجاهدة والاستمرار عبر مراقي التجربة والمعاناة وعجم عود الفتوة في الملمات. وهذا ما يفسر طابع التهويل ـ وهو ملمح تراثي أيضا ـ الذي لف المعارك، وسلوك الشخصيات، وغرابة الأحداث. ولا شك أن الراوي، في حفاظه علي هذه الصورة التهويلية، يتجاوز جانب الأمانة أو التوثيق، نحو بعد آخر يتجاوز بدوره الماضي المحكي أي حكايا الماضي ، ليحكي في أفق المستقبل . فالفتوة لم يعد من نصيب الماضي، بل أصبح مطمحا أو حلما من أحلام الحارة التي لم يعد لها ما تملكه إلا الحكاية . ولعل الشعور الذي ينتاب القارئ ـ وقد انتاب الراوي قبل ذلك ـ عند نهاية الحكاية يكمن في إحساسه بأنها الحكاية الأخيرة للفتوة في زمن انقضاء الفتونة.

1 ـ وهذا يحتاج إلي تحليل آخر.
2 ـ سيتم التركيز في هذا التحليل علي ظاهرة الفتوة سواء في جانب الشخصية أو في الجانب السردي. وتجدر الإشارة إلي أن ظاهرة تكرار الفتوة في نصوص نجيب محفوظ تعود ـ برأيي ـ إلي رغبة جوهرية في خلق شخصية قصصية عربية، وأهمية نجيب محفوظ ـ في اعتقادي ـ تعود إلي قدرته علي تحويل النص السردي القصصي إلي سلوك معيش وكأن الرواية أو القصة القصيرة لا تختلف عن الأجناس الأخري المعروفة بعراقتها (الشعر علي سبيل المثال). وتكفي الإشارة إلي هذه العناوين للتدليل علي نسبة الفتوة في نصوص الكاتب:
+ نحن رجال من مجموعة همس الجنون . د. ت
+ حكايات حارتنا يذكر الفتوة في الصفحات التالية :
ـ في قوة بغل وجرأة فتوة ص، 21، دار القلم، بيروت، 1978،
... تصغر إلي جانبها أي جنازة سابقة من جنازات الفتوات والأعيان ورجال الدين . ص، 31.
لو امتد زمن الفتوات إلي زمانه لفرض نفسه فتوة وهو يزعج القسم كما يزعج الحارة ص، 40.
... ولا يبقي في الميدان إلا الحرافيش . ص، 60. والحرافيش من مرادفات الفتوة.
3 ـ الشيطان يعظ، دار مصر للطباعة، د. ت. ص، 4.
+ الطريق : (... أتدري ان الشحاذ الذي تسمع مديحه النبوي... كان في شبابه فتوة داعرا). ص، 172، ص، 196 ـ 197...
+ أولاد حارتنا وهي رواية الفتوة بامتياز. وبعيدا عن الكثير من التأويلات الشائعة، بعيدا عن ذلك تمثل الرواية، بالنسبة لي، صراع الفتوة الحقيقي مع القيم. كيف ينزل الفتوة القيم من السماء إلي الأرض، كما انزل قديما سقراط الفلسفة من السماء إلي الأرض. ان قيم الفتوة الحقيقية هي قيم الأنبياء والحكماء والتعاليم والمثل الإنسانية.
+ دنيا الله : قصة قاتل . ص، 97، 98، 101، 105، 110، 111.
حنظل والعسكري : ص، 227.
+ خمارة القط الأسود : ص، 209، 210، 212.
+ الكرنك : ص، 47.
+ قلب الليل : ص، 25.
+ الحرافيش : وهي رواية الفتونة النموذجية خاصة أن عنوانها يتجاوز مرجعيته التراثية إلي الموقف الأديولوجي من الكتابة والواقع. ومعلوم عن نجيب محفوظ، حبه الشديد لهذا الاسم مما دفع به إلي تشكيل رفقة من اعز أصدقائه (يوسف إدريس...) أطلقوا علي أنفسهم الحرافيش يجتمعون كل أسبوع لتبادل الرأي. واذكر في هذا المجال أن الكاتب الكبير إميل حبيبي قد حلل بأسلوبه الساخر كلمة الحرافيش التي حولها الغرب إلي دلالات اديولوجية ترادف : الحشاشون.
+ وهناك نصوص أخري تتأرجح بين القصة القصيرة والرواية.
4 ـ قد لا نخالف الصواب إذا اعتبرنا الفتوات الواردين في أدب نجيب محفوظ يرتبطون بأوشج الصلات مع التراث الحكائي للشطار والعيارين. والأمر لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه إلي دلالات أخري تتعلق بالتكوين السيكولوجي للشخصية وطريقة تفكيرها وفعلها في واقعها فضلا عن الحرف أو المهن التي تحتاج ـ ومعظم الفتوات امتلكوا عربات بأحصنة ـ إلي مجهود عضلي كبير، انعكس بدوره علي طاقة التحمل والمجاهدة التي عرف بها الفتوة. وما دام الشيء بالشيء يذكر فإننا نورد لائحة بأسماء الشطار والعيارين الذين رادفوا الفتوات ، دون إغفال الموقع الاديولوجي المتحكم في التسمية كما هو وارد في كتب الأخبار والطبقات ونصوص التاريخ والمرويات الشفوية. من أهم هذه الأسماء نذكر الأسماء التالية : الشطار ـ العيار ـ الزعار ـ الصعاليك ـ الرساتيق ـ الدعار ـ النطافين ـ باعة الطريق ـ العراة ـ أهل السجون ـ الرعاع ـ الطرارين ـ اهل السوق ـ الغوغاء ـ الفساق ـ الفتيان ـ الأحداث ـ الحرافيش ـ اللصوص ـ السفلة ـ العاطلين ـ السواطين ـ قطاع الطرق ـ الحراب ـ أهل الأرباض ـ اهل الفتوة ـ الفتيان ـ أصحاب الحرف السافلة ـ الأشرار ـ الحثالة ـ العوام ـ المتلصصة ـ أراذل السوقة ـ النهابة ـ الحرامية ـ المناسر ـ العياق ـ الفديوية ـ ...الخ.
وتجدر الملاحظة، في الأسماء الواردة أعلاه، إلي التداخل البارز بين الاسم والصفة من جهة، وبين الحرفة والممارسة العملية للإغارة من جهة ثانية، ثم أخيرا الاختلاف الملموس بين تسمية وأخري بين المؤرخين (الطبري، ابن الأثير، الجبرتي...) حسب مواقفهم من حركات التمرد التي عرفها التاريخ العربي في العديد من مراحله. وبالإضافة إلي هذا أو ذاك فالتسمية ـ علي مستوي الاشتقاق ـ تحتاج إلي بحث مستقل يجمع بين الجوانب اللسانية والجوانب الدلالية. انظر : د. محمد رجب النجار. حكايات الشطار والعيارين في التراث العربي. عالم المعرفة، ع، 45. 1981.
5 ـ نلمس إشكالية الفتوة الحقيقي من خلال رغبته في تحقيق قيم التكافل الاجتماعي والتوحد العشيري والتماسك الدموي في مجتمع يرفض أو يسخر في أفضل الأحوال ـ من هذه القيم. والدنيا فيما يظهر لم تعد في حاجة إلي العضلات القوية ولكن هل ضاع حقا وانتهي . دنيا الله. ص، 97.
كما ان إشكالية الفتوة تكمن أيضا في موته أو نهايته بمجرد مغادرته لمجاله الطبيعي. فالملاحظ علي نهاية الفتوات عند نجيب محفوظ موتهم بمجرد خروجهم إلي المدينة الحديثة، أي يتركون الحارة لسبب أو لآخر فينتهي بهم الأمر إلي السجن (يندر إن لم يكن مستحيلا تمام الاستحالة عدم دخول الفتوة إلي السجن. انه محطة ضرورية تؤكد شعارهم المعروف : السجن للرجال. انظر علي سبيل المثال : همس الجنون. ص،166) أو الانحراف عن مبادئ الفتونة فيتحول الفتوة نتيجة لذلك إلي مجرد عربجي أي سائق عربة فقط، أو إلي برمجي أي ممارس لكل المهن الحقيرة اللااخلاقية أحيانا بدافع الحصول علي المال بأي طريق، أو إلي بلطجي أي مجرد مجرم أو قاطع طريق... الخ.
6 ـ لا يوجد الفتوة إلا في الحارة، وحتي إن وجد في المدينة الحداثية فهو لا يدخل في إطار الفتوات بل قد يكون مجرد ظل باهت لهؤلاء، ينظر إليه كنشاز في بنية المدينة الحداثية المادية والأخلاقية.
7 ـ الشيطان يعظ، ص،4.
8 ـ الشيطان يعظ، ص، 4.
9 ـ الشيطان يعظ، ص، 46.
10 ـ الشيطان يعظ، ص، 4.
11 ـ الشيطان يعظ، ص، 4.
12 ـ الاختلاف لا يقف عند حدود السياق السردي وموقعه المقطعي في النص، بل يمتد الاختلاف إلي الجانب الطباعي.
فالصياغة الأولي مرسومة علي الشكل التالي : يحكي أن... ، أما الصياغة الثانية فإنها تمثل مفتتحا سرديا لا ينفصل عن المتن الحكائي : يحكي انه ألقي علي أتباعه... الخ ، فالصياغة الأولي تقديم للمسكوت عنه، والمنطوق هو مجرد تذكير بالمسكوت عنه الذي يتمثل في العديد من الحكايات المحكية ـ ولا مجال لذكرها الآن ـ عن موجود الديناري . أما الصياغة الثانية فهي حكاية واحدة من الحكايات، أي حكاية الرجل الثاني ، وهذا ما سيتضح أثناء التحليل.
13 ـ انظر :
ـ نبيلة ابراهيم : البدايات الأولي للتأليف القصصي، الأقلام العراقية، ع، 8، س، 12، 1977، ص، 45.
ومعلوم أن قانون الاختبارات قانون الحكاية الإنسانية.
14 ـ الشيطان يعظ، ص، 20.
15 ـ لعله من الطريف هنا المقارنة بين مراقي الصوفية ومراقي الفتونة لسبب جوهري يعود إلي طبيعة المجاهدة ـ كمنهج ـ المشتركة بين الطريقتين. والثابت تاريخيا أن للفتوة سراويلها كما أن للصوفية لباسها، ولها طقوسها في التدرب والأكل والشرب كما أن للصوفية طقوسها في تلقي الورد و خلع الإرادة ولباس المريد وممارسة تجربة الكشف... الخ. بين هذه وتلك يكون الهدف هو خلق الكائن الصلب المنافح عن الطريقة.
16 ـ الشيطان يعظ، ص، 46.
17 ـ وهو مصطلح اورده قاوتي عند استنباته لمسرحية بوغابة .

www.safsaf.org