سعيد العتبة:

ثلاثون عاما في الاعتقال... ثلاثون شمعة تبدد ظلام الليل الطويل الموحش

 بقلم: حسن عبدالله

 

لا يدرك معنى ان يمضي انسان ما ثلاثين عاما في الاعتقال، سوى من جرب وتجرع علقم الاعتقال واكتوى بناره... ولا يدرك معنى ان يسلخ انسان ما من عمره خلف القضبان اكثر مما عاش في الخارج، سوى سعيد العتبة نفسه، الذي ليس هو شيخ المعتقلين فحسب، بل انه صاحب اطول فترة اعتقال في تجربتنا الفلسطينية المعاصرة.

 

ولان السنوات تمر، ولان الناس يكبرون، فقد تذكرت في لحظات تامل انني التقيت المناضل سعيد العتبة  في الاعتقال قبل ربع قرن، حيث كنت حينذاك طالبا جامعيا اعتقلت على نشاطات طلابية، لتكون التجربة الاولى هذه فألا سيئا لتجارب تكررت، لكن مناسبة الحديث عن ذلك الاعتقال، انني امضيت عاما كاملا في نفس الغرفة الاعتقالية التي كان يقبع فيها "ابو الحكم". وهناك تعرفت على سمات ومواصفات ومزايا انسان متواضع، صلب، طموح، يحلم بالتحرر، ويطمح ان يصبح "حكم" حقيقة نابضة بالحياة، اي ان يتزوج ويرزق بطفل يسميه "حكم" بخاصة وان اسم"ابو الحكم" هو اقرب الى اللقب التنظيمي  او ربما تيمنا واستبشارا بقادم طال انتظاره، وسيأتي حتما، ما دمنا نؤمن ان حركة التاريخ لا تتوقف او تتسمر عند مرحلة معينةوان المعطيات والوقائع ستتغير لا محالة، عندها سيجلس "حكم" في حضن والده ليستمع الى قصص لا تنتهي عن الاعتقال والمعتقلين، وعن مناضلين تحدوا القيد وصمدوا في الغياهب المظلمة، وحولوا السجون الى مدارس حقيقية تشع علما وابداعا.

 

ثلاثون عاما اذن يا ابا الحكم كانت اطول من الدهر واقسى من وجع الزمن، لكن في المقابل كانت بمثابة ثلاثين شمعة وهنا تكمن المفارقة، لان كل عام امضيته في الاعتقال اضأت به على من حولك، من ذوي التجارب الحديثة، الذين يحتاجون لمن يمدهم بالقوة والعزيمة والاصرار، ولمن يشد من ازرهم ويدعمهم ويرتقي بهم فكرا وثقافة وصمودا.

 

ثلاثون حولا، وفي كل حول كان يولد "ابو الحكم" من جديد، كانت شجرته وارفة الظلال تثمر وترطب افواه الاخرين، بما تجود من ثمار طيبة المذاق.

 

ثلاثون حولا وكل حول ياتي اثقل من الذي سبقه، اذا ما اخذنا بعين الاعتبار قساوة الاعتقال وتأثير التجربة على الجسم في ظل تدني الشروط المعيشية والعلاجية، بيد انني اراهن ان لا احد من "جيران البرش" قد سمع ابا الحكم يتأوه او يلعن الظلام، وانما ينير شمعاته بصمت الكبار، وبتواضع المناضلين الحقيقيين، وبكبرياء الذين صنعتهم التجربة وجعلت حصونهم منيعة على اليأس والقنوط غير قابلة للاختراق.

 

ثلاثون حولا يا ابا الحكم، وان تسمع صوت "حكم" يناديك... يقول "بابا" فتصحو  من حلم  جميل  على واقع  ماساوي ، بعد ان تسمع السجان يصرخ "عدد...عدد"، لكن ثق ان صوت "حكم" الذي يزورك من باب الحلم سيزورك من باب الحقيقة قريبا، استنادا ليس الى عواطف "معتقل سابق" وانما الى قراءة تحليلية لصحفي وكاتب يتابع التطورات ويربط المعطيات ببعضها بعضا ثم يستخلص.

 

اما عن الاعلام والاضواء فاقول قدرك يا ابا الحكم انك تنتمي الى فصيل لا يحظى بحصص كبيرة بالمقياس العددي او "العشائرية" السياسية السائدة هذه الايام، ما يجعل نصيبك اقل حضورا في وسائل الاعلام او المهرجانات، الا ان الاحترام الشعبي الذي تحظى به هو اكبر من اكبر تنظيم على الساحة الفلسطينية. فالرمزية التي وصلت اليها هي اعظم من جماعة بعينها او من فصيل اومن مجموعة فصائل، لانها ترتبط بكرامة شعب وبكبرياء وطن.

 

فلا يغضبنك  ايها الصامد عدم الحضور المكثف لاسمك في الاعلام والمهرجانات، فقد نلت حضورا اكثر اهمية لا تستطيع الوصول اليه وتصويره تكنولوجيا كاميرات "الديجيتل" الحديثة، كونه يستحكم ويتخندق في القلوب.

www.safsaf.org