تأليف رشيد الخالدي ... عرض وترجمة: عمر عدس

القفص الحديدي

قصة النضال الفلسطيني في سبيل إنشاء الدولة ... (1)

 

كتاب القفص الحديدي: قصة النضال الفلسطيني في سبيل إنشاء دولة، تأليف رشيد الخالدي، بحث تاريخي في جوهره، ومحاولة لتلمس أسباب فشل الفلسطينيين حتى الآن في إقامة دولتهم المستقلة.


ورغم التحديد المسهب الذي يزخر به الكتاب لأسباب ذلك الفشل الخارجية، مثل القوة الهائلة التي تتمتع بها إسرائيل والاحتلال الإسرائيلي، والدعم غير المحدود الذي تتلقاه من الولايات المتحدة على كل الصعد، إلا أنه لا يعفي القيادات الفلسطينية من مسؤولية هذا الفشل، حيث يرى أن هذه القيادات كثيراً ما اتخذت الخيارات الخاطئة.الدكتور رشيد الخالدي، هو استاذ كرسي إداورد سعيد في جامعة كولومبيا الأمريكية، وهو مؤلف العديد من الكتب التي من أهمها انبعاث الامبراطورية والهوية الفلسطينية، إلى جانب أكثر من ثمانين مقالة وبحثاً حول تاريخ الشرق الأوسط وسياساته، بالإضافة إلى العديد من مقالات الرأي في كبريات الصحف والمجلات الأمريكية، مثل نيويورك تايمز، بوسطن جلوب، لوس انجلوس تايمز، شيكاغو تريبيون وغيرها. وهو أمريكي المولد، فلسطيني من القدس، وينتمي إلى إحدى أعرق عائلاتها. ويعيش الآن في نيويورك.رغم تركيز المؤلف على الأسباب الداخلية للفشل الفلسطيني في أكثر من فصل من فصول الكتاب، إلا أننا في هذا العرض الذي اعتمد كثيراً على الاقتطاف من أقوال المؤلف، نركز على الأسباب الخارجية، وأهمها الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة، التي ورثت دور بريطانيا، صاحبة وعد بلفور، والتي تنحاز بإصرار دائم إلى المصالح الإسرائيلية، وتساعد إسرائيل على حشر الفلسطينيين في زاوية مستحيلة، وداخل قفص حديدي.يطرح الكتاب أسئلة كثيرة ويحاول من خلال فصوله المختلفة أن يجيب عنها. ولعل من أهمها السؤال الذي يقول: هل قيام الدولة هو الحصيلة الحتمية لشعب كان منذ أوائل القرن العشرين يملك هوية محددة بوضوح، ولكنه لم يكن قادراً على تطوير صيغ بنيوية دائمة وقابلة للحياة تخدم هذه الهوية، أو على السيطرة على أراض يمكن ممارسة هذه الهوية عليها؟ أليس من الممكن أن الشعب الفلسطيني سوف يستمر في الوجود إلى أجل غير مسمى في المستقبل، كما كان موجوداً منذ انتهاء الهيمنة العثمانية سنة ،1918 في موطن انتقالي من دون دولة؟


يجيب المؤلف عن هذه الأسئلة بتحليل منهجي واضح، ومؤلم في واقعيته، ليقول إن تحقيق حلم الدولة بات نائياً، بحكم الواقع الجديد على الأرض الذي لم تتوقف إسرائيل عن صنعه منذ تأسيسها، وبدعم عنيد ومثابر من الولايات المتحدة الأمريكية.


حلم الدولة الفلسطينية يتلاشى جراء السياسة الأمريكية


يستعرض المؤلف تاريخ نشأة وتطور الحل القائم على وجود دولتين على أرض فلسطين. فيبين أنه بات واضحاً في منتصف السبعينات أنه ما من دولة ذات بال في العالم، بما فيها أهم الدول العربية، وأهم الدول الداعمة للعرب مثل الاتحاد السوفييتي، يمكن أن تؤيد حلاً لقضية فلسطين لا يقوم على الاعتراف بوجود إسرائيل ضمن حدود 1967. وقد رضخ معظم الفلسطينيين بزعامة فتح لهذا الواقع في نهاية الأمر. وكان ذلك بمثابة خطوة كبرى، رغم أن أحداً لم يقدرها حق قدرها.
وفي سنة ،1974 تخلى المجلس الوطني الفلسطيني بتردد وعلى مراحل، عن اقتراح قيام دولة ديمقراطية فلسطينية واحدة، وأصبح يتبنى الحل القائم على أساس وجود دولتين. وتضمن هذا التخلي الذي حملت لواءه حركة فتح والجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين، وعارضته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجماعات الفلسطينية الأخرى التي شكلت ما سمت جبهة الرفض، الدعوة إلى ايجاد دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة إلى جانب إسرائيل، على مساحة تعادل 22% من مساحة فلسطين التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني، وتتألف الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.


إعلان الاستقلال


وتم طرح هذا النهج الجديد في صيغته الجنينية في المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في القاهرة في يونيو/ حزيران ،1974 على هيئة اقتراح لإقامة سلطة وطنية على أي مساحة من فلسطين يجري تحريرها. وتم تنقيح حل الدولتين في الاجتماعات اللاحقة للمجلس الوطني الفلسطيني. وتم تبنيه رسمياً وبصراحة خلال اجتماع عقده المجلس في الجزائر سنة ،1988 على هيئة (إعلان الاستقلال الفلسطيني). وقد صاغ هذه الوثيقة باللغة العربية الشاعر الفلسطيني البارز محمود درويش، وصاغها بالإنجليزية المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد.


وتضمن الإعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل، على أساس قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 8 الذي صدر سنة ،1947 والذي دعا إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية.


ويقول المؤلف، إن هذا كان أول اعتراف فلسطيني رسمي بشرعية وجود الدولة اليهودية، وأول موافقة صريحة مباشرة من قبل منظمة التحرير الفلسطينية على حل الصراع بقيام دولتين.


وعلى الرغم من أن هذا التطور الرئيسي في الموقف الفلسطيني قد لبى العديد من شروط التسوية التي كانت تضعها إسرائيل والولايات المتحدة منذ مدة طويلة، إلا أنه لم يؤد إلى أي تغير في موقف أي من البلدين من القضايا الأساسية للصراع، كما أنه لم يحفز إلى عقد مفاوضات. والأثر الفوري الوحيد الذي خلفه هذا الانعطاف في الموقف الفلسطيني، هو أن الولايات المتحدة وافقت على فتح الاتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية، حالما تنبذ المنظمة الإرهاب. وفي أعقاب إعلان الاستقلال الفلسطيني سنة ،1988 لم تعترف، لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل، بأن الفلسطينيين يشكلون شعباً، له حق تقرير المصير وحق إقامة دولة.


مؤتمر مدريد


ومع ذلك، وبعد ثلاث سنين من الاتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية، وفي أعقاب حرب الخليج ،1991 غير جورج بوش الأب، ووزير خارجيته جيمس بيكر مسار الأمور. حيث أجبرا الحكومة الإسرائيلية برئاسة اسحاق شامير، على بدء مفاوضات مع ممثلين عن الفلسطينيين في ظل الاحتلال، كجزء من وفد فلسطيني أردني مشترك أولاً، في مؤتمر مدريد للسلام في اكتوبر/ تشرين الأول ونوفمبر/ تشرين الثاني 1991. وكان الغرض من المؤتمر تقريب امكانية إجراء تسوية عادلة ودائمة وشاملة من خلال المفاوضات المباشرة بقصد التوصل إلى سلام حقيقي، وعقد مصالحة بين الدول العربية وإسرائيل والفلسطينيين.
ولكن، منذ بداية هذه المفاوضات، واجه الحل القائم على أساس وجود دولتين مشكلات خطيرة، ومن شأنها أن تكون قاتلة لفكرة إقامة دولة فلسطينية. وكان أهم هذه المشكلات، استمرار بناء وتوسيع شبكة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، في مواقع استراتيجية تجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية مترابطة وقابلة للحياة. ولم يتوقف بناء وتوسيع المستوطنات أثناء المفاوضات أو أثناء فترات تعثرها. وهكذا كان يجري تغيير الخريطة التي كانت في الظاهر موضوع المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، من جانب أحد طرفي النقاش.


وتجلى الوضع الفلسطيني العبثي، المتمثل في منعهم من التفاوض لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بينما تقوم إسرائيل بتعزيزه، على مدى عشر سنوات من المفاوضات المكثفة. وقد بدأت هذه المفاوضات بالدبلوماسية المكوكية لوزير الخارجية الأمريكية جيمس بيكر في ربيع سنة 1991 بالتحضير لعقد مؤتمر مدريد، واستمرت حتى عقد مؤتر كامب ديفيد في يوليو/ تموز سنة ،2000 من دون إحراز أي تقدم مهم في القضايا الجوهرية التي يختلف عليها الطرفان. وكان هذا المأزق حتمياً بسبب طبيعة الأسس والقواعد التي تم تبنيها في هذه المفاوضات. وكانت هذه الأسس قد فرضت على الفلسطينيين من قبل الولايات المتحدة تحت إصرار حكومة اسحاق شامير. وقد أدت إلى تجميد التعامل مع أي من القضايا الجوهرية بين الطرفين (وهي قضايا الوضع النهائي: الاحتلال، المستوطنات، القدس، اللاجئين، الماء، والحدود الدائمة)، بينما لم يكن هنالك تجميد مصاحب لبناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد ارتفع عدد سكان هذه المستوطنات خلال ذلك العقد من الزمن من نحو 200 ألف شخص إلى ما يزيد على 400 ألف شخص. وبدلاً من التركيز على حل قضايا الوضع النهائي، ظلت المفاوضات الفلسطينية  الإسرائيلية حتى مؤتمر كامب ديفيد سنة 2000 (ومحادثات واشنطن وطابا التي تلته) مقصورة بفعل تلك الأسس على التعامل مع الترتيبات الإدارية الانتقالية. وظل توسيع المستوطنات وظلت سيطرة إسرائيل واحتلالها للأراضي الفلسطينية قائمين.


وكانت إسرائيل التي بدت في عيون العالم ماضية في التفاوض من أجل السلام، مستمرة لا في بناء وتوسيع المستوطنات وحسب، بل وفي بناء وتعزيز البنية التحتية للاحتلال اللازمة للحفاظ على هذه المستوطنات، مثل المياه والكهرباء والطرق وخطوط الهاتف وغير ذلك. وهكذا كانت ثمرة عملية السلام هذه التي استمرت عشر سنين والتي أسفرت عن اتفاقيات أوسلو ما تبعها من الاتفاقيات الفلسطينية  الإسرائيلية التي أنتجت السلطة الفلسطينية، تعزيز نظام الاحتلال الإسرائيلي، وتوسيع مستوطناته غير الشرعية.


ويرد المؤلف سبب ذلك إلى امتناع الولايات المتحدة عن احترام تعهداتها التي قطعتها على نفسها في رسالة الدعوة المشتركة مع الاتحاد السوفييتي إلى مؤتمر سلام مدريد، وبوجه خاص في رسالة التطمين للفلسطينيين في 18 اكتوبر/ تشرين الأول 1991. وقد أكدت تلك الرسالة التي وصفت بأنها رسالة نوايا وتفهمات الولايات المتحدة بشأن عملية التفاوض، على أنه لا ينبغي فعل شيء في هذه المرحلة من شأنه أن يكون مجحفاً أو يرتب أولويات بالنسبة إلى نتائج المفاوضات. وأكدت الرسالة كذلك أننا نشجع جميع الأطراف على تجنب الأعمال الأحادية الجانب التي يمكن أن تفاقم التوترات المحلية أو تجعل المفاوضات أصعب أو تستبق نتائجها النهائية. كما ذكرت الرسالة أن الولايات المتحدة ظلت تعتقد منذ زمن طويل أنه لا يجوز لأي طرف أن يقوم بأعمال من طرف واحد تسعى إلى أن تبت سلفاً في القضايا التي لا يمكن حلها إلا من خلال المفاوضات. وبهذا الخصوص عارضت الولايات المتحدة، وسوف تستمر في معارضة النشاط الاستيطاني في الأراضي التي احتلت سنة ،1967 والذي يظل عقبة في طريق السلام.


ويعقب المؤلف على ذلك بالقول، إذا كانت هذه التصريحات تعني أي شيء، فإنها تعني أنه لا يجوز ل إسرائيل من جانب واتحد أن تقرر مصير الأراضي الأمر الذي كان خاضعاً للمفاوضات، وهو ما كانت إسرائيل متورطة في فعله عملياً باستمرارها في بناء المستوطنات والبنية التحتية اللازمة لتدعيمها. ولم تفعل الولايات المتحدة شيئاً بشأن هذه التطورات، بغض النظر عن رسالة التطمين السالفة الذكر. ولم يكن الفلسطينيون قادرين على العثور على الوسيلة لإظهار مخاطر ما كانت إسرائيل مستمرة في فعله، أو عرقلة حدوثه بطريقة فعالة. ولم يكن ذلك بسبب عدم بذل الجهود، فقد نقل الدكتور حيدر عبدالشافي رئيس الوفد الفلسطيني في مفاوضات مدريد وواشنطن إلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس التوصية الإجماعية لجميع أفراد الوفد، بأن يمنحوا صلاحية مقاطعة المحادثات عندما يتضح أن الولايات المتحدة لن تفعل شيئاً لوقف أعمال إسرائيل التي تقرر نتائج المفاوضات مقدماً، ومن أبرزها توسيع المستوطنات. وقد تم تجاهل هذه التوصية، ونقل المسؤولية الأساسية عن المفاوضات مع إسرائيل من الوفد الفلسطيني العنيد في واشنطن إلى المجموعة الأكثر مرونة والتي تفاوضت على اتفاقيات أوسلو، بنتائجها المدمرة للفلسطينيين في نهاية الأمر، كما يقول مؤلف الكتاب.


الدعم الأمريكي


ويعزو المؤلف سبب انعقاد مؤتمر مدريد والمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي تلته إلى الانتفاضة الأولى، التي حركت المجتمع الفلسطيني وأظهرت للكثير من الإسرائيليين بعد عقدين من الزمن أنه لا يمكن تحمل الاحتلال. وبعد مدريد، افترض معظم الفلسطينيين أن تحقيق قيام دولة من خلال المفاوضات ما هو إلا مسألة وقت. ولكن في حقيقة الأمر، لم يكن ثمة شيء من ذلك، حيث كانت إسرائيل قد سمح لها من قبل الولايات المتحدة، بالتهام أجزاء كبيرة من الكعكة التي كان يفترض أنها تفاوض عليها.


ويضيف المؤلف أنه خلال أكثر من تسع سنوات من التفاوض، منذ التمهيد لمؤتمر مدريد سنة ،1991 حتى مؤتمر كامب ديفيد الذي عقده الرئيس بيل كلينتون أواخر سنة ،2000 كان محظوراً على الفلسطينيين مناقشة أي من المشكلات الحقيقية بينهم وبين إسرائيل، وتفاقمت هذه المشكلات وصارت أسوأ حالاً، حيث تواصل الاحتلال، وكذلك عمليات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية لإقامة مستوطنات جديدة وتوسيع المستوطنات القديمة، وتزايدت أعداد المستوطنين. ونتيجة للسياسات الإسرائيلية والترتيبات الغريبة للحكم الذاتي الفلسطيني التي حددت امتيازات السلطة الفلسطينية، لم يكن هنالك أي جسم متماسك ومتجاور الأجزاء للأراضي الخاضعة لحكم السلطة الفلسطينية، وفي حقيقة الأمر لم يكن ثمة أي أراض خاضعة تماماً للسلطة الفلسطينية وتقع تحت سيطرتها المطلقة، حتى ال 17% من الضفة الغربية التي تسيطر عليها اسمياً. وكان يجري بناء طرق التفافية جديدة لتمكين المستوطنين من السفر والتنقل بين المستوطنات من دون المرور بالمناطق الفلسطينية المأهولة. وينطوي بناء هذه الشبكة من الطرق  المقامة لاستخدام الإسرائيليين حصرياً دون الفلسطينيين  على الاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية وحصرهم على نحو أضيق في كنتونات صغيرة داخل الضفة الغربية، معزولة بعضها عن بعض، ومعرضة لعمليات الإغلاق ما يعني الحبس عملياً داخل كل واحد منها، كلما شاءت إسرائيل أن تفعل ذلك. وكانت عمليات الإغلاق تمنع الفلسطينيين من دخول الأراضي الإسرائيلية والقدس العربية الشرقية المحتلة. وقد أدت القيود المفروضة على قيام الفلسطينيين بالبناء في القدس الشرقية، بالإضافة إلى المستوطنات الإسرائيلية في القطاع الشرقي من المدينة، إلى خنق الآمال في أن تصبح هذه المدينة في يوم من الأيام عاصمة للفلسطينيين. وفي هذه الأثناء لم يتخذ أي إجراء لمعالجة محنة الفلسطينيين الذين يعيشون في المنفى، أو قضية سيطرة إسرائيل على المياه الجوفية في الضفة الغربية. وقد جعلت كل هذه التغيرات على الأراضي  التي كانت تحدث بينما يفترض أن المفاوضات مستمرة  فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات حدود محددة، تبدو أبعد مما كانت عليه.


ويتابع المؤلف هذا التحليل، فيقول إن كل هذه المشكلات المزمنة التي يسوء وضعها شيئاً فشيئاً قوضت شرعية القيادة الفلسطينية المنخرطة في المفاوضات مع إسرائيل، وأذكت نار الاحباط الشعبي الفلسطيني. ومع الزمن خبت شعبية القيادة. ونال ذلك من صورة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بوجه عام، وحتى صورة ياسر عرفات ذاته.


ومع بطء المفاوضات غير المثمرة واستمرارها على مدى عقد من الزمن أدرك العديد من الفلسطينيين أن أجزاء حيوية من ال 22% من مساحة فلسطين أيام الانتداب البريطاني، والتي تتألف من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، التي كانوا يأملون في إقامة دولة مستقلة عليها، يجري امتصاصها وضمها إلى إسرائيل من خلال عملية الاستيطان الزاحف. وهكذا أصبحوا يشعرون بأن أي سلام قائم على الحل الذي يفترض قيام دولتين، بات مستحيلاً تحقيقه. واستمر الوضع في التدهور، فبينما تضاعف عدد المستوطنين في الضفة وغزة بحلول سنة 2000 ليصبح أكثر من 400 ألف مستوطن، أصبح العدد بعد خمس سنوات نحو 450 ألف مستوطن، على الرغم من تفكيك المستوطنات الصغيرة في قطاع غزة.


إسرائيل تحكم قبضتها


يتابع المؤلف تطورات الأحداث أثناء المفاوضات التي استغرقت زهاء عقد من الزمن، وسنوات الانتفاضة الأربع التي تلتها، فيبين أن إسرائيل أصبحت تمارس قدراً من السيطرة أكبر من أي وقت مضى على السكان الفلسطينيين وعلى ال 83% من أراضي الضفة الغربية، التي كانت تحكمها كلياً أو جزئياً بموجب اتفاقات أوسلو. وبينما كانت المستوطنات بادية للعيان، كانت الطريقة التي زاد بها الاحتلال الإسرائيلي هيمنته على الشعب الفلسطيني خلال هذه الفترة أقل وضوحاً، وكان ذلك من خلال شبكة من الإجراءات، التي ترقى إلى مرتبة نظام جديد من السيطرة، يتضمن القيود الخانقة على التحرك، ومئات نقاط التفتيش الدائمة والمؤقتة، والإغلاقات الصارمة المتزايدة المفروضة على منطقة القدس الكبرى ومنع معظم الفلسطينيين من دخولها، وإقامة الطرق الالتفافية المقصور استعمالها على الإسرائيليين، والتي تربط معاً أرخبيل المستوطنات المتسعة دوماً في المناطق المحتلة، وعزل المجتمعات الفلسطينية بعضها عن بعض، وإقامة مناطق مغلقة في وجه الفلسطينيين ومحميات طبيعية محظور على الفلسطينيين تنميتها، والمزيد من عمليات الاستيلاء على الأراضي من أجل توسيع مساحة المستوطنات الإسرائيلية الموجودة وبناء مستوطنات جديدة.


ويرى المؤلف أن من أهم مؤشرات هذه العملية هو الاختزال الصارم لحرية الفلسطينيين في التنقل من مكان إلى آخر، ضمن المناطق المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وإلى إسرائيل أو بين الضفة الغربية وغزة، فحتى نهاية ثمانينات القرن الماضي، كانت الحركة في هذه المناطق مقيدة بصرامة فقط بالنسبة إلى فئات محددة من الفلسطينيين (وبخاصة الذين تتهمهم إسرائيل بالإخلال بالأمن). وكان معظم الآخرين يتحركون بقدر أو غيره من الحرية. وبعد ذلك، وبدءاً من فترة مفاوضات أوسلو، أصبح التحرك الفلسطيني مقيداً بصورة متزايدة، حتى أصبح مقصوراً على من يحصلون على تصريح بشق النفس، وكان هذا التصريح مقصوراً على فئات محددة جداً من الأشخاص (وبخاصة كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية)، أما جميع الفلسطينيين الآخرين فقد خضعوا لقيود صارمة جداً في تحركاتهم. وهكذا انتقل الفلسطينيون تحت الاحتلال من وضع كان معظمهم يستطيعون خلاله التنقل بحرية نسبياً خلال المناطق المحتلة وإسرائيل، إلى وضع باتوا جميعاً يعانون فيه قيوداً صارمة على الحركة.


ونتيجة لهذه الإجراءات ونظام السيطرة الجديد الذي وضعته إسرائيل بالتدريج موضع التنفيذ على مدى عقد ونصف من الزمن، أصبح سكان المناطق المحتلة، البالغ عددهم 3،6 مليون نسمة، والذين كانوا في السابق يستطيعون الحركة بحرية نسبية إلى إسرائيل والقدس، وبين الضفة الغربية وقطاع غزة، أصبحوا بحلول سنة 2006 يعيشون وضعاً مختلفاً جذرياً.


فقد أصبح الناس في الضفة الغربية محصورين داخل رقع ممزقة من الكانتونات المعزولة ضمن ال 17% من الأراضي التي تديرها السلطة الفلسطينية بموجب شروط أوسلو، وترتيبات الحكم الذاتي التي نجمت عنها. وهم لا يكادون يستطيعون التحرك من واحد من هذه الكانتونات إلى آخر. وهذه القيود التي تفرض أحياناً بذريعة الأمن، لم يجر تخفيفها بأي شكل جوهري حتى عندما كان الوضع الأمني يتحسن، حتى غدت غطاء خانقاً من القيود الدائمة. ولم يبق إلا بناء الجدران والحواجز المكهربة لحصر الفلسطينيين في الضفة الغربية، مثلما كان قد حدث من قبل حول قطاع غزة، لكي تصبح هذه الكانتونات مثل معسكرات اعتقال في الهواء الطلق. وما ان بدأت الانتفاضة حتى بدأ تطبيق ذلك، على هيئة ما يسمى السياج الأمني، الذي يبلغ ارتفاعه في جزئه الذي يمر عبر المدن والبلدات والمناطق المزدحمة بالسكان ثلاثين قدماً، وهو جدار من الاسمنت المسلح، وله أبراج مراقبة، كما أنه في سائر المناطق نظام عريض من الحواجز والأسيجة والطرق الأمنية. فبعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة سنة ،2005 لم يستطع سكان تلك المنطقة، السفر إلى إسرائيل التي كان معظمهم يعملون فيها من قبل، بينما أصبحوا منذ عقود قادرين على التحرك ضمن القطاع المحدود، والسفر إلى مصر. كما احتفظت إسرائيل بسيطرة صارمة على جميع الواردات والصادرات إلى قطاع غزة، حيث توقفها في بعض الأحيان بصورة تامة على مدى أسابيع طويلة، كما حدث في ربيع سنة 2006.


وقد أدى فرض الاحتلال العسكري الإسرائيلي لنظام السيطرة هذا إلى خنق الفلسطينيين بتقييد حركتهم ومجال معيشتهم داخل الأراضي المحتلة. وكان لهذه الإجراءات مجتمعة أثر اجتماعي هائل، كما أنها قوضت بشدة الاقتصاد الهش للفلسطينيين. وكان هذا الأثر أشد ما يكون من الناحية النفسية لأن هذه العملية بدأت وأخذت بالتأثير خلال الفترة التي دارت فيها المفاوضات. وقد ترافق انحطاط وضع المدنيين الفلسطينيين العاديين مع ركود الدخل الفردي حتى في السنوات التي سبقت الانتفاضة الثانية. وكان لغياب التحسن في مستوى معيشة الفلسطينيين العاديين تأثير سلبي قوي في الدعم الشعبي لعملية السلام التي رآها العديد منهم موهنة لعزيمتهم ومقيدة لهم. وقد ساءت الأمور أكثر بعد اندلاع الانتفاضة، إذ انخفض متوسط اجمالي الناتج المحلي للفرد من 1386 دولاراً سنة 2000 إلى 1146 دولاراً سنة 2004. وظل يتراجع منذئذ.


دور السلطة


ويضيف المؤلف أن ما فاقم كل ذلك هو تقاعس قيادة السلطة الفلسطينية عن فعل معظم ما كان بوسعها أن تفعله بنفسها، حتى في مثل تلك الظروف المقيدة القاسية. ومن ضمن ذلك إنشاء نظام حكم خال من الفساد قائم على حكم القانون، وإقامة توازن بين الفرعين التنفيذي والتشريعي، واجتذاب الاستثمارات الضخمة، وخلق الوظائف وفرص العمل. أما المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، الذي كان بوسعه أن يقوم بدور رائد بوصفه فرعاً مستقلاً للحكومة، وأن يتولى المبادرة إلى وضع أجندة للسلطة الفلسطينية، فقد خضع بدلاً من ذلك لهيمنة رئيس السلطة الفلسطينية، ياسر عرفات الذي كان يزداد تحكماً.


ويستطرد المؤلف قائلاً إن عرفات لم يكن يطيق أي معارضة من المجلس التشريعي، وظل يرفض لسنوات التوقيع على القانون الأساسي (الذي كان يهدف إلى أن يكون دستوراً مؤقتاً) والذي كان قد أقره المجلس، وكان عرفات يضطهد المشرعين، كما أنه أحدث سابقة خلل خطير بين سلطات الفرعين التشريعي والتنفيذي. وقد خلق غياب حكم القانون الشامل، بيئة فقيرة للاستثمارات الخاصة. وكان بعض الأثرياء الفلسطينيين في الخارج يستثمرون في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن العديد منهم ندموا على قرارهم فعل ذلك حيث أخفق الاقتصاد في النمو على نحو كاف في تسعينات القرن الماضي، ثم تقلص بعد سنة 2000. كما أن الفساد الحكومي المتغلغل أدى إلى تثبيط همة المستثمرين.


وينتقد المؤلف أداء السلطة الفلسطينية، فبدلاً من أن تكون شبه دولة ناشئة تقوم بتنظيم وترتيب طاقات الشعب الفلسطيني للتعامل مع التحديات الكبرى التي خلقتها فترة أوسلو، كانت السلطة الفلسطينية في جوهرها نسخة من منظمة التحرير الفلسطينية في مرحلة ما بعد بيروت، أي نظاماً غير فعال، ومثقلاً بالمحسوبية. وكان هذا النظام يعود بالنفع على زعماء منظمة التحرير الفلسطينية وكوادرها، الذين كانوا يديرون شبه الدولة في لبنان، ثم جلسوا في بطالة قسرية في مناف مختلفة مدة تزيد عن عقد من الزمن بعد اخراج منظمة التحرير من بيروت سنة 1982. وكان قد تم اختيار هؤلاء الأفراد لشغل معظم المناصب العليا في السلطة الفلسطينية بناء على ولائهم وماضيهم الثوري لا على أساس الكفاءة والاستحقاق. وكان كبار الشخصيات منهم يتمتعون بامتيازات وإكراميات تتراوح بين تعليم أبنائهم في الخارج، وبين حصولهم على وضعية (شخصية مهمة جداً) تمنحها لهم إسرائيل بفطنة وذكاء، وتوفر لهم حرية حركة نسبية، وتعزلهم عن كتلة عامة الناس.


ويتابع المؤلف وصف هؤلاء الزعماء فيقول رغم أن العديد منهم كانوا ممقوتين من قبل السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، إلا أنهم هيمنوا على السلطة الفلسطينية التي تقاعست عن تقديم العديد من الخدمات، أو القيادة التي يحتاج إليها السكان بشدة. ورغم تحقيق تقدم في مجالات التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، إلا أن هذه التحسينات قد تم انجازها على أيدي مسؤولين مقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة أصلاً، لا على أيدي العائدين من تونس وغيرها. وإلى جانب المصاعب المصاحبة لفرض نظام السيطرة الإسرائيلي الجديد وتوسيع المستوطنات الإسرائيلية، كان فقدان ايمان الفلسطينيين المتزايد بنهج المفاوضات الذي تسير عليه منظمة التحرير، والاشمئزاز من عدم كفاءة، وفساد السلطة الفلسطينية، من بين الأسباب الجذرية لاندلاع الانتفاضة الثانية في أواخر سبتمبر/ أيلول سنة 2000. كما أسمها بقوة في هزيمة فتح في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني سنة 2006.


ويصف المؤلف الانتفاضة الثانية، فيقول إنها استهلت فترة من العنف الفلسطيني المتزايد على مدى أكثر من أربع سنوات، وعلى مستوى غير مسبوق منذ غزو إسرائيل للبنان سنة ،1982 واتسمت بمشاهدة مروعة عن التفجيرات الاستشهادية، والقصف الجوي، واستخدام الدبابات والمدفعية في المناطق المدينية المكتظة بالمباني والسكان. وخلال هذه الفترة قتل أكثر من خمسة آلاف شخص وجرح نحو خمسة وثلاثين ألف شخص من الطرفين، (80% من القتلى وأكثر من هذه النسبة من الفلسطينيين، كما أن معظم القتلى والجرحى من الطرفين مدنيون). وتم زج ألوف الفلسطينيين في السجون والمعتقلات، كما أعيد احتلال المدن والبلدات والقرى الفلسطينية التي كانت إسرائيل قد أخلتها في أعقاب اتفاقات أوسلو. وفي هذه الأثناء، وكلما طالت الانتفاضة، أمعنت إسرائيل في فرض نظام سيطرتها الجديد، الذي بدأ يتشكل في حقبة أوسلو. وتوج ذلك بضم مساحة أخرى قدرها 10% من مساحة الضفة الغربية تحت غطاء بناء حاجز أمني. وتم بناء هذا الجدار بكليته داخل الضفة الغربية، حيث يتغلغل فيها عميقاً في بعض المناطق، ما مكن إسرائيل من الاستيلاء على ألوف الهكتارات الإضافية من الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى مصادر المياه الفلسطينية المهمة، والحيلولة بين المزارعين الفلسطينيين وبين مصادر رزقهم، ما كان مصدراً للمزيد من السخط والغضب للفلسطينيين في المستقبل.

 

* الحلقة الثانية والأخيرة

                            هل تكون الدولة الواحدة هي البديل؟

 

في ضوء التغييرات التي حدثت على الأرض في المناطق الفلسطينية المحتلة، والواقع الجديد، بل المتجدد دائماً، الذي خلقته اسرائيل وما تزال تخلقه، يعود المؤلف الى مناقشة حل للقضية الفلسطينية، قائم على وجود دولة واحدة.ويقول: ان مسألة بنية أو بُنى الدولة الملائمة لفلسطين واسرائيل، قد تأثرت بصورة جوهرية بالأفعال التي أتاها على مدى سنين عدة الزعماء الفلسطينيون، والحكومات الاسرائيلية المتعاقبة. كما تأثرت كذلك بالتحولات المهمة في السياسة الأمريكية في عهد ادارة الرئيس جورج دبليو بوش منذ تسلمها السلطة في يناير/كانون الثاني سنة 2001. فحتى مؤتمر مدريد سنة ،1991 وعلى مدى سنين عدة بعده، وحتى فشل محادثات كامب ديفيد/طابا سنة 2000  ،2001 كان الرأي السائد أن صياغة حل ما قائم على أساس وجود دولتين، للصراع على فلسطين واسرائيل، ما هي إلا مسألة وقت. وبدا  للكثيرين ان مثل  ذلك الحل لا يكاد يعتمد على ما هو اكثر من جولة صعبة من المساومة الفلسطينية  الاسرائيلية على الحدود، وعلى مدى محدودية سيادة الدولة الفلسطينية المفترضة التي ستقوم إلى جانب اسرائيل، مع حل قضايا مثل قضية القدس وقضية اللاجئين في نهاية الأمر، بفرض الطرف القوي ارادته على الطرف الأضعف، وبمساعدة من حليفه المستبد، القوة العظمى، الولايات المتحدة.ويتابع المؤلف قائلاً، ولكن الادراك كان يتنامى في أوساط بعض المراقبين، بأن هذه النتيجة تبدو بصورة متزايدة غير محتملة الحدوث. وكان هذا الإدراك يتشكل بصرف النظر عن حسنات ومساوئ الحل القائم على اساس وجود دولتين، وعلى الرغم من رغبة أغلبية الفلسطينيين والاسرائيليين في ما يريده كل طرف لدولته، أو ما يقبل به كدولة للطرف الآخر.وترى فئة من المحللين ان السياسات التي ظلت تمارسها بمثابرة واصرار على مدى أربعة عقود المؤسسة العسكرية  الأمنية الاسرائيلية وسلسلة من الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، قد غيّرت كل شيء. ويرى هؤلاء ان تعزيز قبضة اسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين، جعل امكانية اقامة ما يمكن ان تسمى بحق دولة فلسطينية موضع نظر، كما انه أثار التساؤلات حول ما اذا كان حل الدولتين ما يزال ممكنا. هذه هي الحال، يقول المؤلف، اذا كان معنى الدولة الفلسطينية دولة مستقلة وذات سيادة، ومتصلة الأجزاء وقابلة للحياة، على مساحة ال 22% من ارض فلسطين كما كانت ايام الانتداب، والتي تشكل الأراضي الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل في يونيو/حزيوان 1967.
يضيف مؤلف الكتاب ان هذا الادراك ادى إلى تجديد التفكير في الحل القائم على وجود دولة واحدة، باعتباره المردود المثالي أو المردرد الأكثر احتمالاً. ويقول المؤلف ان هنالك خلافات مهمة بين من طرحوا هذه الفكرة. ويجادل البعض بالقول انه سواء اذا كان مثل هذا الحل مرغوبا أو غير مرغوب لدى الشعبين المعنيين حيث نفضل أغلبية الفلسطينيين وأغلبية الاسرائيليين ان تعيش في دولة قومية منفصلة، فإن ذلك هو النتيجة الحتمية للاتجاهات الحالية في المستقبل القريب.ويرى الذين يؤمنون بهذا الرأي الذي يمكن تسميته حل الدولة الواحدة بحكم الواقع، انه سوف يتحقق عندما يجعل الضم العنيد الزاحف المفروض بحكم الواقع على الضفة الغربية والقدس الشرقية، عند نقطة معينة في نهاية الأمر، قيام دولة فلسطينية متجاورة الأجزاء مستحيلاً من الناحية المادية. وتجري هذه العملية الآن على خلفية استمرار النمو السكاني الفلسطيني، مترافقاً مع ادراك معظم الاسرائيليين ان اجراء المزيد من التطهير العرقي على العرب مستحيل. ويرى المؤمنون بهذا الرأي ان هذه العملية في نهاية المطاف سوف تُنتج في فلسطين دولة مستقلة وحيدة تهيمن عليها اسرائيل، ويكون عدد السكان اليهود والعرب فيها متساوياً، أو تكون ذات أغلبية عربية، وذلك هو الاحتمال الارجح. وفي هذا السيناريو، يشعر البعض، بأنه سوف يثبت مع الزمن ان من المستحيل الإبقاء على الشعبين منفصلين عن بعضهما في هذه المساحة الصغيرة، أو الإبقاء على هيمنة اليهود على هذه الدولة، مثلما بات مستحيلاً في نهاية الأمر الحفاظ على هيمنة البيض في جنوب افريقيا.والذين يتنبأون بحل الدولة الواحدة، لا يناصرون هذا الحل ويدافعون عنه، بل يعتبرونه حتميا اذا استمرت الاتجاهات الحالية. ولا يفكر المؤمنون بهذا الرأي كثيراً في مستقبل البنية الدستورية أو غير ذلك من الترتيبات السياسية بين الشعبين. والافتراض الضمني هو ان هذه الترتيبات ستكون غير متساوية الى درجة بعيدة. وبالمثل ليس ثمة تفكير كثير في شأن كيفية التغلب في مثل تلك الدولة الوحيدة، على الرغبة البارزة لدى كلا الشعبين في ان تكون له دولة مستقلة، أو على عدم الثقة العميق والمتأصل من قبل كل من الشعبين في الآخر.ويرى المؤلف ان هذا الحل لا يأخذ بالحسبان طموحات كلا الشعبين، وبخاصة طموحات الفلسطينيين، ولذلك فلن يكون الوضع مستقراً، ولن يعدو ان يكون محطة في الطريق الى نتيجة أخرى.
ويتابع المؤلف الحديث عن حل الدولة الواحدة، فيقول ان هنالك خطاً آخر للتفكير في هذا الحل، وهو يمثل عودة الى الفكرة الفلسطينية القديمة، الداعية إلى ايجاد دولة وحدوية في فلسطين لكل من اليهود والعرب. ويرى البعض هذا الحل  ضمن مفهوم منظمة التحرير الفلسطينية لدولة ديمقراطية علمانية في جميع فلسطين بحقوق متساوية لجميع سكانها، اسرائيليين وفلسطينيين، مهما تكن عقيدتهم، ولكنها من دون حقوق قومية منفصلة لالاسرائيليين ويرى آخرون، ومن ابرزهم زعماء حماس، هذه المحصلة على هيئة دولة اسلامية يكون غير المسلمين فيها أقليات تحظى بالتسامح. وتدافع كلتا المجموعتين عن مثل هذه المحصلة باعتبارها المحصلة المثالية، ويبذل العديد من الفلسطينيين فيها جهداً قليلاً لجعلها جذابة في نظر الاسرائيليين، كما ان الأعمال العنيفة، ومن بينها الهجمات الاستشهادية على المدنيين الاسرائيليين، من قبل مجموعات مثل حماس التي تؤيد حل الدولة الواحدة، تجعل هذا الخيار أبغض لدى الاسرائيليين. والآخرون، الذين يمكن ان تتداخل آراؤهم مع هذه الآراء، والذين يحصرون همهم في تأييد التطبيق غير المحدود لحقوق الفلسطينيين في العودة الى ديارهم في اسرائيل، كثيراً ما يفعلون ذلك دون ان يذكروا بصراحة انه لو عاد معظم اللاجئين الفلسطينيين الى ما هو اسرائيل الآن، فسوف يحوّل ذلك اسرائيل بالضرورة من دولة ذات أغلبية يهودية الى دولة ذات أغلبية عربية. ويمكن الاحتجاج بأن مثل هذه المحصلة سيكون قصد معظمهم منها ان تفعل ذلك بالتحديد. ولكن اصحاب هذا النهج الثوري، لا يوضحون كيف سيجعلون اسرائيل توافق عليه.ويتابع المؤلف قائلاً: ان هنالك مجموعة اخرى تؤيد حل الدولة الواحدة، وهي تفعل ذلك على أساس نهج ثنائي القومية. ويُسْند ذلك الى الاعتراف بأن هنالك مجتمعين قوميين في فلسطين  اسرائيل. ويترافق ذلك مع القبول بالحقيقة، التي يعترف بها كثير من الآخرين، والتي تقول ان تعزيز نظام الاحتلال الاسرائيلي على مدى اكثر من سبع وثلاثين سنة (تشكل اكثر من ثلثي عمر تلك الدولة البالغ 58 سنة)، بالاضافة الى الضم الزاحف وتفشي المستوطنات، والقيود الاقتصادية، يجعل من المستحيل انشاء دولة فلسطينية مترابطة الأجزاء، قابلة للحياة، ومستقلة. وبناء على ادراك ذلك، يأتي تأييد انشاء اطار يأخذ بالحسبان هذين الواقعين القوميين ضمن اطار دولة واحدة.
ولكن المؤلف يرى ان اساليب الحل هذه، تخلو حتى الآن من التدبر العميق والفصل في نتائج حل الدولتين مهما يكن شكل ذلك الحل. ويضاف إلى ذلك انها تواجه جداراً عنيداً من الرفض لا في اسرائيل وحدها، بل في الولايات المتحدة ايضا، حيث ان اي اقتراح يبدو مشككاً في ان استمرار وجود اسرائيل، تماما على النحو الذي توجد به في الوقت الحاضر، هو الوضع الأصوب والأمثل، يرقى إلى درجة معاداة السامية.
ويستدرك المؤلف قائلاً، ولكن هنالك مشكلات أخرى. فمن الجدير بالملاحظة على سبيل المثال، انه إلى جانب رغبة معظم الاسرائيليين في الاحتفاظ بوضع دولتهم كما هو عليه، وبالاضافة الى قوة اسرائيل التي لا يختلف عليها اثنان والتي تستطيع بواسطتها ان تحسم النتائج في المنطقة، فإن دولة اسرائيل بالشكل الذي تتألف منه في الوقت الحاضر، لها جذور قوية في الشرعية الدولية. ويعتمد ذلك على خلقها كنتيجة مباشرة لقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 181 سنة ،1947 الذي دعا بوجه خاص الى انشاء دولة يهودية الى جانب دولة عربية ونظام دولي خاص لمدينة القدس. وقد وصفها ذلك القرار، الذي يعتبر الاساس الدولي لشرعية اسرائيل ووضعها، بأنها دولة يهودية.ويقول مؤلف الكتاب، ان هذه الصيغة قد وافقت عليها ضمنا منظمة التحرير الفلسطينية سنة ،1988 عندما اصدرت اعلان استقلال الدولة الفلسطينية على أساس القرار رقم ،181 واعترفت باسرائيل تلقائيا، وصحيح ان هذا القرار قد عين الحدود التي وسعتها اسرائيل كثيرا منذ بداية وجودها على حساب الدولة العربية الفلسطينية التي ولدت ميتة، ويضيف المؤلف، ان من المفترض انه لا يوجد ما يمنع احداث تغيير في هذه الدولة الاسرائيلية شريطة ان يحدث التغيير برغبة وطواعية من قبل سكانها، ولكن الاسرائيليين أبدوا حتى الآن من الرغبة في اختفاء الفلسطينيين عن ابصارهم وعن اذهانهم، اكثر من تقبل واقع ما اسفرت عنه أعمال حكوماتهم المنتخبة في ما يتعلق بالمستوطنات وبالاحتلال.ويضيف المؤلف ان رسوخ دعائم الطبيعة الحالية لاسرائيل كدولة يهودية، على الصعيد الدولي، يحول دون احداث هذا التغيير الطوعي، ويشكل عقبة اخرى في سبيل تحقيق بعض أشكال حل الدولتين.ويواصل المؤلف استكشاف آفاق نجاح الحلول المحتملة لقيام دولة فلسطينية، ويقول بناء على ما سبق، ان هنالك عقبات كبرى تعترض سبيل اعتبار النتائج المنطقية لاستمرار الاتجاهات الحالية، في مصلحة حل الدولة الواحدة، ومع ذلك فإن هذه الاتجاهات ظلت تستمد الدعم القوي من سياسات ادارة بوش التي تقوض امكانية تحقيق حل الدولتين، وكذلك من أعمال الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة التي تصب في هذا الاتجاه. ومن المفارقات، كما يقول المؤلف، ان هذه السياسات ظلت مترافقة مع تصريحات من الرئيس بوش تدعم خلق دولة فلسطينية. ولكن مجموعة المفاهيم المتعلقة بحل الدولة أو الدولتين، قد حطمت برمتها، ومعها أي احتمال لقيام دولة فلسطينية أبدا، بسبب أعمال الادارة الامريكية الحالية. ومن ابرز هذه الأعمال مصادقة الرئيس بوش على الموقف الاسرائيلي في النواحي الحاسمة من الصراع بين الشعبين، ضمن رسالة بعث بها الى رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون يوم 14 ابريل/نيسان ،2004 ويعترف فيها بديمومة المستوطنات الاسرائيلية الكبرى في المناطق المحتلة، ويؤكد عدم القابلية للرجوع عن الحقائق الجديدة على الارض، بما فيها المراكز السكانية الاسرائيلية الكبرى الموجودة حالياً. كما صادقت الرسالة كذلك على ادعاء اسرائيل بانه لا يمكن عودة اللاجئين الفلسطينيين الى الاراضي الاسرائيلية. وادارة بوش، باتخاذها هذه المواقف، قوضت عدداً من المبادئ التي ظلت تستند اليها السياسة الامريكية في الشرق الاوسط على مدى أربعة عقود.وأحد هذه المبادئ ان القضايا الجوهرية بين العرب والاسرائيليين يمكن فقط التفاوض عليها مباشرة وعلى نحو ثنائي فيما بين الطرفين. وقد قبلت ادارة بوش حجة اسرائيل القائلة انه لا يوجد أحد يمكن التحدث اليه في الجانب الفلسطيني، وفشلت في اطلاق المفاوضات بين الطرفين، ومن ثم تفاوضت مع اسرائيل مباشرة في ابريل/نيسان 2004 بشأن قضيتي المستوطنات واللاجئين الحاسمتين في غياب ممثلي الشعب الذي تعنيه هذه المسائل اكثر من غيره، وهو الشعب الفلسطيني. وبفعل ذلك، ناقضت الموقف الذي كان يحبذ اجراء المفاوضات المباشرة الثنائية بين الطرفين، وهو الموقف الذي كانت الولايات المتحدة قد تبنته في الأساس تحت اصرار اسرائيل. وقبل ذلك، وفي ظل الرؤساء الامريكيين من هاري ترومان الى جيمي كارتر، ظلت الولايات المتحدة راغبة في التفاوض على انفراد مع كل من الطرفين، أو جماعيا مع العديد من الاطراف، وهكذا كانت المفاوضات السرية مع دول عربية مختلفة في خمسينات القرن الماضي، وخطة روجرز سنة ،1968 ومؤتمر جنيف سنة ،1973 ودبلوماسية كيسنجر المكوكية، والبلاغ الامريكي  السوفييتي المشترك سنة ،1977 وسائل اتاحت للولايات المتحدة ان تتفاوض بصورة منفصلة مع الاطراف المختلفة، سواء كانت اقليمية أو دولية. كما اتاح ذلك للدول العربية الرافضة ان تتجنب التفاوض المباشر مع اسرائيل من سنة 1949 حتى سبعينات القرن الماضي.وثمة خطوة أهم من حيث التأثير في احتمالات وجود أي دولة فلسطينية في المستقبل  ومن حيث موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم  وهي نبذ الرئيس بوش لمبدأ عدم القبول باكتساب الاراضي عن طريق الحرب. وكانت هذه العبارة، التي تشكل أحد المبادئ الجوهرية التي ينطوي عليها قرار مجلس الأمن رقم سنة ،242 حجر الأساس في صنع السلام في الشرق الأوسط منذ ستينات القرن الماضي، كما كانت سياسة ثابتة لسبع ادارات امريكية متعاقبة، وهذا المبدأ متضمن في فاتحة ميثاق الأمم المتحدة وفي أول بندين فيه، وكان أساس الحملة لطرد قوات الاحتلال العراقية من الكويت سنة ،1991 واساس الجهود الأخرى للحفاظ على القانون الدولي والنظام العالمي والحيلولة دون سيطرة حكم الغاب، وبتخلي الرئيس بوش عن هذا المبدأ الحاسم بلا مبالاة، والتنصل من الموقف الامريكي الذي يعتبر المستوطنات الاسرائيلية عقبة في طريق السلام (وهو الموقف الذي تم التعبير عنه قبل سنوات قليلة فقط في ظل ادارة والده في رسالة التطمين)، وبوصفه اكبر المستوطنات الاسرائيلية غير الشرعية بأنها واقع جديد على الأرض، فإنه قد اقام سابقة في غاية الخطورة.وقد فعل الرئيس بوش اكثر من ذلك برسالة سنة 2004 هذه. وبحديثه عن الكتل الاستيطانية (دون تحديد حجمها، أو الى ايها يشير) باعتباره واقعا عزز بقوة عملية توسيع المستوطنات الاسرائيلية الجارية دوما، وبفعله ذلك، قلل احتمالات قيام دولة فلسطينية متماسكة مستقلة بجانب اسرائيل. وفي النتيجة، وعلى نحو متناقض، اعطى الرئيس جورج دبليو بوش زخما هائلا لفكرة الحل القائم على أساس وجود دولة واحدة، رغم انه كان أول رئيس امريكي يدعو صراحة الى قيام دولة فلسطينية مستقلة الى جانب اسرائيل.ويعتبر المؤلف ذلك تغييرا كبيرا في حقيقة الأمر. ويقول انه يجب علينا ان نرتاب في تصريحات الرئيس بوش واعضاء ادارته بشأن التزام الولايات المتحدة بقيام دولة فلسطينية. وهو في احسن الاحوال تفكير رغابئي، وفي اسوئها شيء أشد شؤما بكثير اذا فهمناه في ضوء ما يسميه المنظرون الاسرائيليون للتوسع المستمر في الضفة الغربية تجاوز النقل. وسوف ينطوي ذلك على خيط من الكانتونات الفلسطينية المنفصلة التي ستكون مقيدة باحاطتها بهذه الكتل الاستيطانية ذاتها، التي اعتبرها جورج دبليو بوش حقائق واقعية لا يمكن الرجوع عنها. وسوف يتم تحقيق التجاور بروابط بين الكانتونات الفلسطينية المعزولة والمنفصل بعضها عن بعض، بوساطة انفاق وجسور، وربما عن طريق قطار سريع. وسيكون الأثر الخالص لهذه السياسة تمكين اسرائيل من ان تستوطن وتضم افضل اجزاء الضفة الغربية، بينما تترك الفضلات التي تتبقى للفلسطينيين لكي يسموها دولة اذا شاءوا وشاء الآخرون.
ويقول المؤلف: صحيح ان الرئيس بوش، في 26 مايو/أيار ،2005 اثناء زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى واشنطن، قال ان أي تغييرات في خط هدنة سنة ،1949 أو ما يسمى الخط الأخضر، يجب ان تكون نتيجة للتفاوض، وهي تتطلب موافقة الفلسطينيين. وهذا يتناقض مع لغة رسالته قبل سنة الى شارون، ولكن هذه الرسالة ايضا دعت الى اتفاق بين الطرفين على التغييرات في خطوط الهدنة لسنة 1949، حتى وهو يصف الكتل الاستيطانية بأنها واقع جديد على الأرض، وما كان الرئيس يردد قوله عمليا في رسالة ابريل/نيسان 2004 بالتعبير عن دعمه لاحتفاظ اسرائيل ب كتلها الاستيطانية الهائلة، ورفضها عودة أي لاجئين الى اراضيها، كان احد ثوابت المفاوضات العربية الاسرائيلية: أي ان الطرفين كانا حرين في التفاوض، ولكن المرجح جدا خلال تلك المفاوضات ان تنحاز الولايات المتحدة الى جانب اسرائيل في القضايا المختلفة، بصرف النظر عن التزاماتها السابقة. ويقول المؤلف ان بوسع المرء ان يفترض ان الحكومة الاسرائيلية الحالية سوف تستغل الفرصة التي توفرها هذه الظروف الى اقصى درجة. ويستشهد على ذلك بقول شارون نفسه. فقبل ان يصاب بالسكتة الدماغية في يناير/كانون الثاني ،2006 ذكر ان خطته للانسحاب من جانب واحد، التي صادق عليها الرئيس بوش، سوف تعني انه لن يكون هنالك دولة فلسطينية في المستقبل المنظور. وكان اقرب مستشاري شارون، دوف وايسجلاس، اشد حسما حيث قال، ان فكرة العملية السياسية برمتها مع الفلسطينيين، ومعها الدولة الفلسطينية، قد وضعتا في الفورمالدهايد المادة الحافظة بفعل خطة شارون، بعد ان وافقت عليها الولايات المتحدة. وكما قال شارون قبيل توجهه الى واشنطن في ابريل/نيسان 2004 لتلقي هذه التطمينات من الرئيس بوش، فإن خطته تعني ضم اسرائيل لا مستوطنة واحدة أو اثنتين، بل العديد من الكتل الاستيطانية الكبيرة، بما فيها بوجه خاص تلك التي تخنق القدس الشرقية وتعزلها عن اراضي الضفة الغربية، ومستوطنة ارييل، التي تشق الجزء الشمالي من الضفة الغربية الى جزأين. والتوسيع الذي لا يتوقف لهذه الكتل الاستيطانية، واحتواؤها ضمن نطاق نظام الجدران الضخمة، والاسيجة، والحواجز، التي تمضي اسرائيل في اقامتها على عجل وبتكلفة باهظة، والتي اضفى عليها الرئيس بوش الصفة الشرعية، كل ذلك سوف يحول الضفة الغربية في نهاية المطاف وبصورة دائمة الى كانتونات صغيرة عديدة. ويضيف المؤلف قائلا، انه حتى لو دعا الزعماء الامريكيون والاسرائيليون هذه الرقع المتناثرة من معسكرات الاعتقال القائمة في الهواء الطلق دولة، فسوف تكون امكانية قيام دولة فلسطينية حقيقية قد تلاشت مع رسالة الرئيس بوش الى شارون في ابريل/نيسان 2004.ويتحدث المؤلف في نهاية الأمر عن مستقبل الفلسطينيين، ومستقبل دولة اسرائيل، ومسألة احتمال وجود دولة فلسطينية، فيقول ان ذلك سوف يتحدد الى حد ما بفعل هذا الواقع، والكيفية التي سوف يتطور بها في المستقبل القريب.ولكن المؤلف يرى ايضا ان هذه المحاولة لفرض تسوية امريكية  اسرائيلية مصطنعة سوف يكون لها رد فعل، لأن أي اتفاق لا يتضمن رضا الشعب الفلسطيني المعبر عنه بحرية، لن يصمد اكثر مما يصمد اتفاق يجري في غياب ممثلي الشعب الاسرائيلي، وعلى المدى البعيد، فإن المستوطنات والجدران التي تبنى وتقام لحصر الفلسطينيين لن تفعل سوى ايقاع المزيد من الاذلال بالشعب الفلسطيني، الأمر الذي سيؤدي الى المزيد من المقاومة، وربما يحفز على وحود صيغ سياسية مختلفة وقيادات سياسية مختلفة. وقد يكون فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي في يناير/كانون الثاني ،2006 واحتمال قبولها بحل الدولتين مجرد بداية مثل هذه الصيغ الجديدة. ورد الفعل السلبي الطاغي، في جميع أنحاء العالم، على العمليات التي تجري على الأرض في فلسطين  اسرائيل سوف يكون له أثر في نهاية الأمر. وعاجلا أم آجلا، سوف يدرك الاسرائيليون انفسهم، ان السبيل الى معالجة عداء الخاضعين للاستعمار لا يأتي بقمعه، بل بتفكيك بنى الاستعمار والقهر، واللذين ولداه أصلاه.ويتحدث المؤلف عن موقف الولايات المتحدة من الصراع، واثر ذلك في صورتها في المنطقة. ويقول ان دعمها الفعال للاستيطان والاستعمار والسلب والاحتلال يجعلها تبدو في نظر العالم جميعه قوة عظمى مستبدة تتواطأ مع حليفتها في المنطقة لفرض ارادتها على الضعفاء والعاجزين، فإذا اضفنا ذلك الى مغامرتها المأساوية والمضللة في العراق، نجد ان ادارة بوش قد بلغت بمنزلة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط حضيضا لم تبلغه أي ادارة قبلها في التاريخ الامريكي.ويختم المؤلف متسائلا: ما الذي يتبقى لدينا في نهاية الأمر من مسألة الدولة الفلسطينية؟ ويقول ان من المؤكد ان تلقى طموحات الفلسطينيين الى العيش كشعب ذي سيادة في أرضه، المزيد من الانكار، لمدة ما على الاقل وربما بصورة دائمة، وقد تكون مقدرتهم على ممارسة السيادة في سياق دولة فلسطينية مستقلة قد قضي عليها بصورة دائمة بفعل نجاح برنامج شارون، الذي لقي الدعم المادي بتواطؤ ادارة بوش خلال ست سنوات حاسمة. وهكذا اذا كان للفلسطينيين ان يمارسوا حقوقهم الوطنية غير القابلة للانكار، فإنه يجب عليهم ان يملكوا زمام المبادرة ويبتدعوا صيغا جديدة ومفاهيم للمستقبل، مناسبة للوضع الذي يجدون فيه انفسهم، ولاخضاعهم المتزايد وانكار حقوقهم، ولكونهم، عمليا، اسارى الدولة القومية الاسرائيلية القوية. ومن المأمول ان تكون هذه الصيغ اكثر قدرة على التخيل، واكثر شمولية، واشد فاعلية من الصيغ التي مورست من قبل، وانها ستنتج قيادة أنجح.

*الخليج - الإماراتية

 

www.safsaf.org