التلفيق الصهيوني ـ الأكذوبة الكبرى أرض الميعاد وشعب الرب

 

 

 تــــــأليف: محمود يوسف الكبرا

 

 

  

التلفيق الصهيوني ـ الأكذوبة الكبرى

أرض الـميعــاد وشــعب الــرب



 

 مقدمة

يصر غالبية الساسة والقادة الغربيون على ما يسمونه بحق إسرائيل في الوجود وبدولة معترف بها ضمن حدود آمنة بعد أن عمل قادة الدول العظمى على إيجاد هذه الدولة العنصرية بقوة السلاح الغربي والتآمر الدولي والنفوذ الإمبريالي الاستعماري الكوني، وزرعوا هذه الدولة الغاصبة في قلب المنطقة العربية عام 1948، تحقيقاً لمصالحهم الاقتصادية وطمعاً بالثروات النفطية والسيطرة على الممرات المائية الحيوية والمواقع الاستراتيجية، ولتمزيق الوحدة الجغرافية والسياسية للعالم العربي، وتماشياً مع الفكر الصهيوني الذي سيطر على سلوكهم ونمط تفكيرهم وثقافتهم ومعتقداتهم.

ونتيجة لنضال طويل ومديد أثبت الشعب العربي الفلسطيني وجوده وحقه في وطن أجداده وأرضه ـ مما دفع ببعض الساسة والقادة في الغرب للاعتراف بوجود هذا الشعب المناضل وفي حقه في الحرية على أرض وطنه ـ وتبنى بعضهم وعلى استحياء وتردد مقولة شعبين ودولتين تعيشان جنباً إلى جنب ـ ووفق السياسة والمفهوم الصهيوني والتوراتي ووفق الشروط الإسرائيلية لمقومات الدولة الفلسطينية ولمفهوم السلام الإسرائيلي المحتل، وهذا ما يرفضه الشعب الفلسطيني ويتعارض مع القوانين الدولية والشرائع الإنسانية خاصة شرعية الأمم المتحدة والقرار 194، القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم وممتلكاتهم التي هجروا منها عام 1948، وبقوة الإرهاب الصهيوني، والانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران والتي كانت قائمة قبل العدوان والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة، إقامة السلام العادل في المنطقة، ويعتبر العرب والمسلمون أن أسباب التوتر والعدوان والاحتلال الإسرائيلي، إنما تعود أسبابه ونتائجه المترتبة إلى دعم الغرب المطلق للسياسة الإسرائيلية ومدّها بكل أسباب القوة والبقاء والدعم لها في الهيئة الدولية مما مكنها ويمكنها من استباحة الشعب الفلسطيني خاصة والعربي عامة ومما مكنها أيضاً من احتلال الأراضي العربية واستمرار ممارساتها الوحشية من احتلال وقتل وتدمير للمنازل واقتلاع للمزروعات وسرقة للمياه وبطش بالمدنيين العزل وفرض العقوبات الجماعية وبناء جدار الفصل العنصري وبناء المستوطنات بعد مصادرة الأراضي الفلسطينية وسياسة الإبعاد والمعتقلات الجماعية وسياسة التجويع والإغلاق والحصار وتهويد القدس العربية.

هذا الدعم الغربي المطلق للسياسات العدوانية هو الذي يقف وسيقف حائلاً أمام تحقيق التفاهم وتبادل المصالح المشتركة والحوار والتعاون بين العالم العربي والإسلامي من جهة وبين العالم الغربي من جهة أخرى، هذه الفجوة وحالة التوتر والعداء بين الشرق والغرب وعدم الاستقرار هي التي تقف عائقاً أمام تحقيق السلام ووقف حملات العنف والكراهية المتبادلة والتحريض، والذين يطلقون اليوم شعارات وحملات الاتهام ضد العرب والإسلام وتحت مسمى (محاربة الإرهاب) (نشر الديمقراطية) عليهم أن يتدارسوا أولاً الأسباب الموضوعية التي تؤدي إلى ما يسمونه بالإرهاب والتطرف ـ ويستنتجون بأنفسهم نتائج سياساتهم العنصرية الأصولية ولمصلحة من توظف نتائج هذه الممارسات العدوانية ـ وحتى لا يكون الشرق والغرب معاً كالنعامة التي تدس رأسها في الرمال هرباً من الصياد وتأخيراً منها في مواجهة قدرها، لا بد للأطراف أن تعمل معاً وبموضوعية وشفافية للوصول إلى العدل والسلام المنشود والشامل.

أسئلة كثيرة تطرح ـ حول مفهوم ـ إسرائيل القديمة التوراتية ـ وإسرائيل الجديدة المفروضة: هل يدعم الغرب ويتبنى قيام دولة إسرائيل الحديثة وفق مبادئ توراتية وعقيدة دينية تستند إلى مقولة ـ  شعب الله المختار ـ وأرض الميعاد ـ؟ وهل هذه المقولات أبدية أم أنها مثلث حقبة محددة من تاريخ المنطقة ما لبثت أن انقضت واستبدلت إلهياً بدعوة السيد المسيح الأممية ـ عليه السلام؟

إن لم يكن الأمر كذلك ـ فهل كان هذا التبني والدعم قائماً على مصالح اقتصادية واستعمارية وسياسية وبالتالي سيكون منطقياً أن نسأل السؤال الأخر: هل حقق الغرب وسياساته هذه المصالح والمنافع وفي ظل عداء عربي إسلامي شبه شامل؟ وهل صحيح أيضاً أن للغرب غايتين تجتمعان معاً ـ العقيدة والفكر التوراتي ـ للمسيحية المتصهينة ـ ومصالح وتحالف شركات النفط والسلاح وتجارة الحروب معاً؟

هذا ما سوف يتناوله الكتاب بالبحث والتدقيق والمقارنة مستنداً إلى الحقائق التاريخية والعلمية والروحية ـ من التوراة والإنجيل والقرآن ـ وعلى ضوء الأبحاث والمكتشفات الأثرية ونتائجها ومن أبحاث موضوعية أخرى ـ مع التعرض لما يواجهه العرب المسلمون اليوم من حملات كراهية وعنصرية تعتبر  مقدمة لحروب أخرى تعمل على التخطيط لها الإدارة الأمريكية المتصهينة مع بعض حلفائها الأوروبيين وبتوجيه صهيوني عالمي واضح وملحوظ.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الأول

 

 


 

الفصل الأول

إبراهيم الخليل ـ العهد والوعد

 

تقوم الديانات السماوية الثلاث ـ الموسوية ـ والمسيحية ـ والمحمدية على أسس ومبادئ توحيدية، تبناها ودعا إليها النبي إبراهيم الخليل عليه السلام بعد حقبة الطوفان ـ سبقه إليها النبي آدم عليه السلام ثم حفيد حفيده ـ النبي إدريس المسمى بالتوراة ـ اخنوخ ـ كان هذا التوحيد بداية في بابل العراق ـ ثم هاجر النبي إدريس عليه السلام بدعوته التوحيدية إلى وادي النيل.

اعتبر أرباب الديانات التوحيدية ـ إبراهيم الخليل ـ أبا الأنبياء ـ حيث كانت دعوته وعصره قبل نزول التوراة والإنجيل والقرآن ـ وبعدة قرون سابقة ـ من هنا، فإن أي دارس وباحث لتراث الأديان السماوية ورسالات النبيين لابد وأن يبدأ ـ بإسلام وتوحيد النبي إبراهيم ـ أبا الأمم التوحيديةـ.

هاجر إبراهيم الخليل من أرضه وأرض أبيه في أوركلدان جنوب العراق والتي هاجر إليها أجداده من الجزيرة العربية وما سمي (بالهجرات السامية) وبعد عصور ـ ثمود وعاد وإرم ـ العرب البائدة ـ وهاجر إليها؟ بعد اضطهاد وتعذيب على يد قومه وأبيه لخروجه من ديانتهم الوثنية. وكما كان الحال أيضاً مع الأنبياء ـ موسى وعيسى ومحمد ـ عليهم الصلاة والسلام ـ كانت هجرته باتجاه فلسطين، أرض الكنعانيين العرب، وهو آرامي اللغة واللسان، عراقي المولد والنشأة، مسلماً حنيفاً وما كان من المشركين ـ اتخذه الله خليلاً وجعله إماماً للناس ـ وأباً لجميع الموحدين من أمم وشعوب الأرض ـ وبه تباركت أرض فلسطين والحجاز.

كانت العشائر الآرامية التي ينتمي إليها إبراهيم والمنتشرة شمالاً وجنوباً على ضفاف نهري دجلة والفرات تشكل وبحق ـ بادية العرب الأولى ـ هذه القبائل الآرامية هي التي كان يعيش بينها وخرج منها إبراهيم الخليل بذكر وتأكيد التوراة (آرامياً تائهاً كان أبي)([1]).

أوردت التوراة قصة هجرة النبي إبراهيم وابن أخيه لوط عليهم السلام (وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك وعشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك فأجعلك أمة عظيمة وأبارك وأعظم اسمك) . فذهب إبرام كما قال له الرب وذهبت معه لوط وكان إبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران فأخذ ساراي امرأته ولوطاً ابن أخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنياها والنفوس التي امتلكا في حاران وخرجوا إلى أرض كنعان وأتوا إلى أرض كنعان)([2]).

ـ استقر الحال بإبراهيم في أرض فلسطين، كذلك فعل ابن أخيه لوط وقصته الواردة في التوراة ـ من أنه زنى بابنتيه وحملتا منه سفاحاً وبخلاف ما أورده القرآن الكريم من أن لوط كان تقياً مؤمناً رفض اللواطة والشذوذ لأهل سادوم وعمورة ـ البحر الميت ـ وتبرأ منهم.

ـ توضيحاً للحقائق التاريخية التي تعمد كتبة التوراة إغفالها ـ خاصة وأنها كتبت بعد الجلاء وما سمي ـ بالسبي البابلي ـ فإنه لابد من تسليط الضوء على الناحية التاريخية والجغرافية التي تجوهلت عمداً.

(يرجع عصر إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد ـ وهو عصر عربي قائم بحد ذاته بلغته وقوميته وديانته ـ وهو مرتبط بالجزيرة العربية وبلغتها الأم وبقبائلها التي سميت فيما بعد بالعرب البائدة لانقراضها ـ ولا صلة له بعصر موسى الذي يأتي في وقت لاحق بعد عصر إبراهيم الخليل بحوالي تسعمائة عام، كما أنه لا صلة له بعصر اليهود الذي يأتي بعد عصر إبراهيم الخليل بحوالي ألف وخمسمائة عام)([3]).

ـ تقول التوراة: (وغرس إبراهيم طرقاءة في بئر السبع ودعا هناك باسم الرب الإله السرمدي، وتغرب إبراهيم في أرض الفلسطينيين أياماً كثيرة)([4]).

ـ تدل الآية التوراتية وبشكل واضح على وجود الشعب الفلسطيني في تلك الأرض قبل وجود العبرانيين بمئات السنين، وأن إبراهيم قد حل ضيفاً في أرض غربته مساكناً لأهلها وفرداً من أبناء مجتمعهم ـ ويقول القرآن الكريم: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين)([5]) ـ تشير هذه الآية إلى العهد والوعد الإلهي لإبراهيم بأن يكون إماماً للناس جميعاً ـ ويقصد بالناس جميع الأمم والشعوب ـ ويخاطب الله مخلوقاته البشرية بعبارة (يا أيها الناس) ـ قل أعوذ برب الناس ـ فهي مخاطبة لكل الأمم الموحدة والتي جعل الله إبراهيم إماماً لها ـ وبدليل إسلام إبراهيم وإيمانه قبل نزول الكتب السماوية الثلاث وبمئات السنين وكما يذكر القرآن والتوراة والإنجيل ـ (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما نزلت التوراة والإنجيل: إلا من بعده أفلا تعقلون)([6]).

(ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين).

ـ فالإشارة القرآنية واضحة تاريخياً ـ وتثبت مقولة أن أصل الدين واحد والإسلام لله واحد في الموسوية والنصرانية والمحمدية ـ وإبراهيم كان نقيضاً للشرك بالله وأباً لكل الموحدين من الناس ـ

عصر إبراهيم (2871 ق.م)

عصر موسى (1379 ق.م)

عصر عيسى المسيح (37-1م)

عصر محمد بن عبد الله (579م)

أشار الله تعالى إلى إبراهيم وجواباً على طلبه بقوله (ومن ذريتي) بأن قال (لا ينال عهدي الظالمين) وهو إخبار له بأنه سيكون من ذريته عصاة ومفسدون في الأرض منهم ليسوا أبناء له، أن النبوة والعهد والوعد هو (للتقوى) وهذا ما شدد عليه السيد المسيح في إنجيله وما خاطب به النبي يحيى (يوحنا المعمدان) عليه السلام في الإنجيل متوجهاً للعصاة من اليهود الذين خرجوا على الموسوية وحرفوها بالقول([7]):

ـ إنجيل متى (يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي ـ أقول لكم إن الله قادر أن يصنع من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار)([8]).

ـ يشدد النبي يحيى على صحة ما ذهبنا إليه بالقول، إن علاقة إمامة وذرية إبراهيم وبالمفهوم الشامل لمعنى النص الإلهي هو التقوى وإتباع ملَّة إبراهيم وتوحيده وبقوله إن الله يستطيع أن يقيم من هذه الحجارة أبناء لإبراهيم، فلا شعب مختار، ولا أرض ميعاد، والفأس التي وضعت على أصل شجرة إبراهيم هي بشارة النبي يحيى بالعهد الجديد وهو عيسى المسيح الذي سوف يفصل التقاة عن الضالين من ذرية إبراهيم وإرثه، وصحة هذا القول تكشفه التوراة نفسها بسرد علاقته وضيافته لدى أبيمالك ملك الفلسطينيين، فلم يكن إبراهيم إلا ضيفاً وداعياً مرحَّباً به على أرض فلسطين، وتشير الآيات التوراتية والإنجيلية والقرآنية إلى أممية ودعوته وشموليتها، بل اعتبر القرآن الكريم، أن الأرض كلها أرض إبراهيم، فلم يتحدث القرآن عن شعب أوأمة بعينها في مواجهة إبراهيم، وبعبارة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فهو داعية لله وأباً لكل المؤمنين الموحدين، ليس غازياً، ولا غاصباً، ولا محتلاً، إنما إمام للناس باختلاف أجناسهم ولغاتهم ومواطنهم، ويقول القرآن الكريم: (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً)([9]). فالقرآن يدعو الناس جميعاً إلى اتباع ملة ومذهب إبراهيم الأممي ضمن مفهوم الإسلام الإنساني الشامل لوحدة التوحيد والموحدين، فمن آمن بالله بدعوة موسى فهو مسلم. ومن آمن بالله بدعوة عيسى فهو مسلم ومن آمن بدعوة محمد (ص) فهو مسلم، فالإسلام بمفهومه الإنساني وبكتابه السماوي يشكل الوعاء الإلهي الحاضن والحافظ للتراث الموسوي والمسيحي والمحمدي ضمن بوتقة واحدة من الإيمان الإبراهيمي والأخوة، من هنا ندرك أسباب النزول للآية القرآنية التالية: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)([10]).

ـ توضح الآية القرآنية ديانة وتوحيد إبراهيم، فلا فضل لإنسان على إنسان، ولا أمة على أمة أو شعب على شعب إلا بالتقوى. والتقوى في هذا المقام هي اتباع الوصايا الإلهية التي تحرم القتل والاغتصاب والاحتلال والتنكيل والعنصرية بغير حدود الله، من هنا نحاور ونجادل القائلين (بشعب الرب) و(أرض الميعاد) و(إرث ووعد إبراهيم) والذين يصرون اليوم على حقهم التاريخي في إرث وعهد إبراهيم بمزاعم سياسية صهيونية لا علاقة لها بالماضي الذي جاء المسيح مصوباً ومتمماً له وضمن مفهوم أممي شامل، فإننا نقول ادعائكم بوعد وعهد الله لإبراهيم لبني إسرائيل دون غيرهم من المؤمنين من المسيحيين والمسلمين أبناء هذه الأرض، هو اتهام لله بالعنصرية ونفي له من أنه (رب العالمين) جميعاً، أو ادعاء آخر بأن للناس أكثر من إله، وحاشا لرب العالمين، ومن ادعى ذلك في الماضي ويدعيه في الحاضر أن يقول به أو يكون له شريك، وقد وصفه السيد المسيح وصفاً دقيقاً في إنجيله وفي مخاطبته للذين حرفوا الموسوية من الديانة الأممية إلى اليهودية الصهيونية المغلقة فجعلوا منها عقيدة محلية خاصة بهم: (فقال لهم يسوع لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم، لكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني، وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله، هذا لم يعمله إبراهيم، أنتم تعملون أعمال أبيكم، أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، ذلك كان قتالاً للناس من البدء ولم يثبت بالحق لأنه ليس فيه حق متى تكلم بالكذب، فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب) ([11]).

ـ إذا كان القرآن الكريم قد خاطب فئتين مختلفتين، إحداهما مشركة بالله، والأخرى مؤمنة به وبوحدانيته، وجعل من إبراهيم أباً للفئة الموحدة وبغض النظر عن جنسيتها وعرقيتها وموطنها وبالتالي دخل في العهد والوعد بالأرض المقدسة كل المؤمنين من المواطنين ما بين الفرات والنيل، فلا يمكن أن تكون وراثة الأرض أبدية خاصة لأسباب سياسية لا علاقة لها بالتوحيد، شدد عيسى المسيح عليه السلام في الآيات السابقة على انتهاء العهد والوعد والتفضيل وأعطى شهادة البراءة لإبراهيم عما ينسبون إليه في حروبهم بقوله: (أنتم من أب هو إبليس)، وبقوله: (كان ذلك قتالاً للناس من البدء ولم يثبت بالحق وإن قولكم بأرض الميعاد والشعب المختار بعد عهدي هذا هو الكذب كل الكذب؟).

ويتابع إنجيل السيد المسيح وصف ظلمهم للناس بقوله: (أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله، لا تضلوا، لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله)([12]).

ـ تثبياً لوحدة الدين والموحدين لله بدين إبراهيم الحنيف ومنابع الأديان السماوية ورسالتها الواحدة يقول القرآن الكريم مخاطباً أبناء إبراهيم: (وشرع لكم من الدين ما أوصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما أوصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه)([13]). إنها دعوة قرآنية واضحة، أممية وتاريخية ومن عصر نوح إلى يومنا هذا، بكل ما أنزل الله من مذاهب ورسالات سماوية شكلت وتشكل الأساس الإنساني للقاء والمحبة والتسامح والتوحيد والحوار ونبذ الفرقة وتشكل جواباً حاسماً لأدعياء (صراع الحضارات) والذي جاء خطاب الرسول بولس الإنجيلي لهم بوصف دقيق لأعمالهم، أولئك المفسدون في الأرض الذين يسلبون الآخرين أوطانهم وممتلكاتهم ويقتلونهم ويصلبونهم ويهجرونهم تحت ذريعة، شعب الله المختار، وأرض الميعاد، تماماً كما فعلوها في الماضي مع السيد المسيح، مستخدمين الذراع والحجج الباطلة ذاتها في عالم نبذ الروح وأتبع عبادة المادة وتجارة النفط والسلاح. وعلى افتراض، الأدعاء بالأبوة الجسدية وتغييباً لمبدأ الأبوة الروحية، فإن هذه الأبوة المدَّعاة لا تنتقل من جيل إلى آخر وإلى آلاف السنين. ولا يمكن أن تأتي هذه الأبوة ومن جد لآخر إلا بالمعنى (الأب الروحي)، الإمام والمرشد، كأن نقول: إن فلاناً هو (أبو الاستقلال)، فيصبح أباً روحياً لكل من عاصر حقبة الاستقلال، فلا يصفه من عاصر مرحلة الاستعمار بـ (أبو الاستقلال)! ولد لإبراهيم ولدان كان البكر منهم النبي إسماعيل، الذي ولد من هاجر التي تزوجها إبراهيم (وهو حتماً لم يكن زانياً) كانت زوجته الأولى، سارة، عاقراً، ولم يكن متعارفاً عليه أن تكون البنوة من الأم فقط، وهو موقف دلل عليه النبي يعقوب عليه السلام وموقفه.

ـ تتضح الإجابة على ذلك من أخوة النبي يوسف الصديق ـ عندما كادوا له لأنه من أم أخرى ـ ومن أن زوجتي يعقوب من بنات خاله لابان وأنهم يهوديات، فهل نزل الدين اليهودي في زمن يسرائيل ـ يعقوب أم ظهرت اليهودية بعد قرون من عهد موسى؟ يقول القرآن الكريم وعلى لسان إبراهيم: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق إن ربي سميع الدعاء)([14]). ويقول الرب لإبراهيم في التوراة: (فأجعلك أمة عظيمة ـ واجعل نسلك كتراب الأرض ـ حتى إذا استطاع أحداً أن يعد تراب الأرض فنسلك أيضاً يُعَدُّ ـ وقال انظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها، وقال له: هكذا يكون نسلك ـ وأكثرك كثيراً جداً وأثمرك كثيراً جداً ـ وأجعلك أمماً وملوك منك تخرجون)([15]). من الواضح أن الآيات المذكورة حددت مئات الملايين من البشر، يشكلون أكثر من أمة وشعب، وبقوله أجعلك أمماً وملوك، والملوك بطبيعة الحال، يحكمون ممالك كثيرة، لا مملكة واحدة، أردُّ بذلك على الذين يدعون أن (إسرائيل مملكة الرب على الأرض) وجلهم من أتباع، المسيحية المتصهينة، والمحافظين الجدد.

تشرح الآيات وتفصل أمماً وملوك بعدد تراب الأرض ونجوم السماء، هذا ما يدعم وبقوة حقيقة أن كل الأمم التوحيدية وبغض النظر عن ألسنتها ومواطنها، هي الأمم المقصودة بالبركة والميراث، وليس ذلك حكراً على اليهود، فأين النسل الذي بعدد النجوم السماء وتراب الأرض، فيما يسمى بـ(إسرائيل الجديدة) خاصة إذا أحصينا عدد يهود العالم الذي لا يتجاوز عشرات الملايين، أم أنها الصهيونية السياسية التي ترغب بالسيطرة على العالم؟ وإننا سوف نشهد أعمال قتل وصلب وتهويد بالقوة، تحقيقاً للوعد الإلهي المدعى بنسل إبراهيم وبنظرية عنصرية مقيتة، تفسر طبيعة الحملة العدائية التي توجهها الولايات المتحدة الأميركية ضد شعوب العالم تحت ستار ما يسمى (الحرب على الإرهاب) والضربات الاستباقية!

ـ سنرى ومن التوراة نفسها، الترابط والحكمة الإلهية من القول: (وأمم وملوك منك يخرجون)

ـ من التوراة وبحق النبي إسماعيل (وسمع الله صوت الصبي فنادى ملاك الرب هاجر من السماء وقال لها: مالك يا هاجر؟ لا تخافي فإن الله قد سمع صوت الصبي حيث هو، قومي فخذي الصبي وشدي عليه يدك فإني جاعله أمة عظيمة).([16]) وفي مواقع ونسخ أخرى (جاعله أمة عظيمة، واثني عشر ملكاً أو رئيساً منه يخرجون)، ومن التوراة نفسها نأخذ الحكمة والشرح لقول الرب، ملوكاً وأمماً منك يخرجون، ونسلك يرث الأرض المباركة. ومن سفر النبي اشعيا بحق إسماعيل وقيدار ابنه المولود في مكة المكرمة وهو جد العرب العدنانية وصولاً للنبي العدنان محمد بن عبد الله سليل النبي إسماعيل عليهم الصلاة والسلام، (غنوا للرب أغنية جديدة، تسبيحة من أقصى الأرض ـ أيها المنحدرون في البحر، ملؤه الجزائر وسكانها ـ لترفع البرية والمدن صوتها ـ الديار التي سكنها قيدار ـ لترنم سكان سالع ـ من رؤوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا الرب مجداً ويخبروا بتسبيحة في الجزائر ـ الرب كالجبار يخرج ـ كرجل حرب ينهض غيرته ويهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه، اجعل الظلمة أمامهم نورا، والمعوجات مستقيمة، هذه الأمور أفصلها ولا أتركهم، فقد ارتدوا للوراء، يخزي خزياً المتوكلين على المنحوتات القائلين للمسبوكات:  أنتن آلهتنا)([17]).

التسبيحة الأغنية الجديدة، القرآن الكريم المنزل على محمد بن عبد الله (ص)

أقصى الأرض، جزر البحر، جنوب شرق آسيا، أندونيسيا، ماليزيا، تايلند، الفلبين، حيث انتشر الإسلام النبي إسماعيل بن إبراهيم  من هاجر، ومن أحفاده عدنان وقحطان ويعرب إلى محمد (ص).

البرية ـ برية فاران وهي جبال مكة ومحيطها ـ بالعبرية.

سكان سالغ: جبل بالمدينة المنورة مقابل جبل أحد حيث خاض الرسول معاركه الحربية ضد المشركين.

من رؤوس الجبال ليهتفوا، هتاف الحجاج على جبل عرفات لبيك اللهم لبيك ويأتون من أقاصي الأرض.

اجعل الظلمة أمامهم نوراً، قبلية وجاهلية العرب في الجزيرة وشركهم، والنور هو الدين الجديد.

ديار قيدار ـ مكة المكرمة حيث ولد ابن إسماعيل الذي ولد من هاجر زوجة إبراهيم الخليل ـ وهو قيدار جد العرب العدنانية ومن أحفاده ـ عدنان قحطان ويعرب.

المتوكلون على المنحوتات، مشركي مكة وغيرهم وكانت لهم آلهة ينحتونها بأنفسهم، ومنهم قبيلة قريش ولا أثر للمشركين وعبدة الأصنام والمسبوكات بانتصار الإسلام عليهم بعد أن اتبعوا رسالة التوحيد ودين إبراهيم.

ـ تكتمل مقولة، اجعلك أمة عظيمة، لنسلك أعطي هذه الأرض، وملوكاً منك يخرجون بوعد الإله إلى هاجر بأن يكون ولدها أمة عظيمة ويحمل رسالة أبيه إبراهيم من بعده وصولاً إلى النبي محمد (ص)، وبالمقابل يحمل اسحق ويعقوب هذه الرسالة، فتنقل إلى الّصِديّق يوسف وموسى وصولاً أيضاً إلى السيد المسيح عليه السلام. التوراة: (اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك فأجعلك أمة عظيمة وآبارك وأعظم اسمك وتكون بركة، وأبارك مباركيك، ولاعنك العنه وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض، لنسلك أعطي هذه الأرض)([18]). يلاحظ من الآية موطن إبراهيم (أوركلدان العراق) وتحدد أرض غربته بعد حملة لرسالة التوحيد الأممية بقوله: (تتبارك فيك كل قبائل الأرض)، (لنسلك أعطي هذه الأرض) ونسل إبراهيم، إسماعيل الولد البكر وإسحق ومن خرج من سلالتهم سواء كانوا موسويين أم عيسويين أم محمديين من أبناء المنطقة، وليس حكراً على اليهود.

يدعو القرآن الكريم الناس جميعاً إلى اتباع ملة إبراهيم، وينزع أية خصوصية أو تفضيل لأمة على أخرى ويعتبر إسلام إبراهيم المعيار الصالح الذي اهتدت به الأمم  من خلال الأديان السماوية والنبيين جميعاً، بهذا المفهوم الشامل للديانات التوحيدية: نفهم الإسلام ورسالته الإنسانية والحضارية، مدركين أهمية التفكر بأسباب النزول والوحي وغاية الإله منها، واضعين لهذه الأسباب سياقها التاريخي الصحيح بعيداً عن التحجر والانغلاق على الآخر، داعين لحوار المؤمنين في مواجهة المادية والإلحاد (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)([19]). بوعد الله لإبراهيم يصبح نبياً لأبناء المنطقة فلسطيني العصر والأرض، اتبع مواطنوه ديانته ومذهبه، وتم الوعد، وسكن إسحق ويعقوب أرض فلسطين إلى جانب أخوتهم الفلسطينيين وأصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي، واتبع الكثير من العرب الفلسطينيين ملة يعقوب قبل رسالتي عيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، لم تذكر التوراة أو التاريخ أن أحداً قام بطردهم وتهجيرهم فكان عصرهم فلسطيني ـ كنعاني الثقافة والتراث، ولعل قصة النبي يوسف الّصِديّقِ في التوراة والقرآن توضح بأن خروج النبي يوسف ويعقوب من بعده إنما تم كيداً من أخوته الأسباط الأحد عشر.

ـ والذين هاجروا جميعاً مع أبيهم يعقوب بطلب من يوسف وإلى الفردوس المصري موحدين بديانة إبراهيم كما سنقرأ لاحقاً في الفصول التالية: بني إسرائيل تركوا وهاجروا من (أرض الميعاد) بإرادتهم وحكمة الله وقدره بأن تنشر ديانة التوحيد على أرض مصر.

 ـ على فرضية أن شعب (إسرائيل القديمة) هو وحده من نسل إبراهيم وأنه الأمم التي ستكون من صلبه دون غيره، وديانة موسى التوحيدية ديانة أممية اتبعها الكثيرون في أوروبا الشرقية وملوك بحر الخزر الوثنيين وانتقلت إلى آسيا وأفريقيا وأميركا، وسكان هذه البلدان والقارات هم مواطنون في بلدانهم، فمنهم من تديَّن بالموسوية ومنهم من اعتنق المسيحية ومنهم أيضاً من اعتنق الإسلام، وتربطهم ببلدانهم جنسياتهم ولغاتهم وتقاليدهم فكيف يستثنى الموسويون منهم بدعوى السامية؟ وما الرابط العرقي والجغرافي والتاريخي لليهود الغربيين، ليقال (بنو إسرائيل وأرض الميعاد) وهم ليس لهم أية علاقة بالسامية والإسرائيلية ولم يكن الوعد أبدياً وغير مشروط؟ لقد انتهت أسبابه وشروطه برسالة السيد المسيح الأممية (بالعهد الجديد)، (أقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه، من ثمرة بطنك اجلس على كرسيك، إن حفظ بنوك عهدي وشهاداتي التي أعلمهم إياها، فبنوهم أيضاً إلى الأبد يجلسون على كرسيك)([20]). تم هذا الوعد والعهد برسالة السيد المسيح عليه السلام بالعهد الأممي الجديد والذي انتقد وبحدة خروجهم على الشريعة والناموس وفي تحريفهم للموسوية طمعاً بالرياسة والتسلط والملك وبعنصرية وقبلية حاقدة، فما سلم منهم السيد المسيح تعذيباً وقتلاً وصلباً تآمراً مع المستعمرين الرومان، يقول القرآن الكريم: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين)([21]). (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون)([22]).

ـ بعد هذا العرض يحق لنا أن نجادل ونحاور أصحاب الرأي الباطل الذين يتكلمون بالكذب على إبراهيم والأنبياء، هل كان وعد الله لإبراهيم معنياً به بنو إسرائيل دون غيرهم؟ وهل يشكل اليهود الغربيون شعباً إسرائيلياً يرث أرضاً لشعب آخر عاش هو وأجداده فيها لآلاف السنين؟ هل نزعتم عن الله صفة (رب العالمين) ليكون رب اليهود وحدهم، ويكونون شعبه المختار وليكون الآخرون عبيداً وخدماً لهم؟ أم هي العنصرية والاستكبار الذي واجهوا به ابن فلسطين السيد المسيح كما يواجهون شعبه اليوم في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، ألا ينفي هذا الادعاء رسالة المسيح الأممية؟

ـ ورد في محاضرة للقس السوري محسن نعيم شرحاً غنياً ومعبراً لمفهوم وعد الأرض حيث يقول: (ونحن نعلم أن نسل داود لم يستمر في الملك بعد السبي البابلي سنة 587 ق.م وإن خدمة نسل هارون الكهنوتية قد توقفت وانتهت وأن الهيكل قد هُدِمَ سنة 70م ولن يعاد بناؤه. وبذلك نفهم أن تعبير(إلى الأبد، أو أبدياً) لا يقصد به إلى ما لا نهاية أو إلى الأبد أي لفترة زمنية طويلة بل لابد أن تنتهي، لقد امتلك اليهود تلك الأرض إلى الأبد أي لفترة زمنية محددة من قبل الله وانتهت هذه الفترة بعد أن طردهم الله من الأرض وشتتهم سنة 70م. فالوعد بامتلاك الأرض قد تحقق وتمَّ تاريخياً وحرفياً، وكل ادعاء اليوم عن عودة اليهود وامتلاك الأرض تمهيداً  لمجيء المسيح، ادعاء سياسي لا علاقة له مطلقاً بالنبوءات، وبذلك لم تعد أرض فلسطين لليهودالآن. بل ملك للفلسطينيين الذين ولدوا ونشأوا فيها. ولذلك نحن نرفض سياسة القمع والتهجير التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين) ويتابع: انتظر اليهود مسيحاً سياسياً، يملك بالقوة يعيد اليهود المشتتين من كل البلاد إلى أورشليم، ويؤسس ملكاً أرضياً يحقق فيه وعد الأرض حرفياً، فيملك من النيل إلى الفرات، إلا أنهم صدموا وخابت توقعاتهم العنصرية، بالمسيح، عندما جاء، إذ أنه ذكر كلمة الأرض مرة واحدة في كل تعاليمه حين قال: (طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض العهد القديم، متى 5:5 فقد أبرز مفهوماً جديداً للأرض وفسر وعد الله لإبراهيم بصورة مختلفة عن توقعاتهم العنصرية)([23]).

ـ اشترط الله تعالى وراثة الأرض بمفهوم (الأرض، الكون، الدنيا) للمؤمنين والصالحين ووضع ضوابط وأسس لها، وتوعد بانتهاء الوعد بل واللعنة لمن اختاره ثم يترك وصاياه، من هنا تكون الوراثة شرطية لكل الأمم، وتقول التوراة في سفر التثنية: (انظر أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة، البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم، واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم لتذهبوا وراء آلهة لم تعرفوها)([24]).

والقول للنبي موسى عليه السلام، وفي محاضرة ألقاها السيد شكري حبيبي بالولايات المتحدة الأميركية يتسائل: (هل تغير الله؟ وإذا كان الله في العهد القديم قد تعامل مع بني إسرائيل شعبه القديم على هذا الأساس، فكيف به يتعامل معهم اليوم ونحن في العهد الجديد، بعد أن رفضوا أن يملك عليهم المسيح ومنذ ألفي سنة؟ وماذا عن وضع اليهود الروحي اليوم؟ ألا يرفض معظمهم اليوم حتى الدين اليهودي نفسه؟ وهل من المعقول أن يقبل الله القدوس العادل ما يمارسونه اليوم من احتلال وبناء مستوطنات على أراضي ليست لهم؟ كيف يستطيع بعض المسيحيين تبرير أعمالهم في الأراضي المحتلة؟ أولا يجب علينا كمؤمنين أولاد الله أن نعرف كلمة الله المقدسة، وأن نقف مع العدل والسلام في فلسطين ونصلي من أجله ونستنكر الاحتلال؟ إن الحركة الصهيونية هي حركة قومية سياسية عنصرية لا علاقة لها بالدين اليهودي، وقد اختارت فلسطين موطناً لها كي تكسب عطف العالم الغربي، مع العلم أن معظم اليهود اليوم ليسوا من نسل إبراهيم حسب الجسد، بل هم من الأوروبيين الذين تهودوا في القرن السابع الميلادي، فهل ترانا نُخدَع بالدعاية الصهيونية وبما يعلمه مع الأسف بعض المعلمين المسيحيين)([25]).

ـ تحققت النبؤة والعهد (من الفرات إلى النيل) واعتنق سكان المنطقة جميع الديانات التوحيدية والمؤمنة بإسلام إبراهيم الخليل والجامع للموسوية والمسيحية والمحمدية، ولم يبقَ للمشركين وعبدة الأوثان أثرٌ إلا إذا كانت الصهيونية تخطط لتهويد المنطقة بالقوة بين الفرات والنيل، وطرد سكانها منها بقوة السلاح كما فعلوا في فلسطين. يفسر الشيخ عبد الله الهرري في كتابه الصراط المستقيم: (فكل الأنبياء مسلمون، فمن كان متبعاً لموسى فهو مسلم موسوي، ومن كان متبعاً لعيسى فهو مسلم عيسوي أو يصح أن يقال لمن اتبع محمداً مسلم محمدي، والإسلام هو الدين الذي رضيه الله لعباده وأمرنا باتباعه ولا يسمي الله مسلماً كما تلفظ به بعض الجهال، فقديماً كان البشر جميعهم على دين واحد هو الإسلام، وإنما حدث الشرك والكفر بالله تعالى بعد النبي إدريس عليه السلام، ويفسر الشيخ عبد الله الهرري الآية القرآنية: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد)([26]) فالمراد به معابد اليهود والنصارى لما كانوا على الإسلام لأنها كمساجد أمة محمد، حيث أن الكل بني لتوحيد الله وتمجيده لا لعبادة غير الله فقد سمى الله المسجد الأقصى مسجداً وهو ليس بناء أمة محمد)([27]).

ـ في خلاصة هذا الفصل، اليهودية الموسوية كما المسيحية والإسلام دين سماوي لم يختص به شعب دون غيره من الشعوب، وتدين بهذا الدين الكثير من الأوروبيين وغيرهم ولم يكن للمتدينين علاقة بالأرض ولا بالميعاد أو الشعب المختار، وهم مواطنون لهم أوطانهم ولغاتهم ومعتقداتهم ولا علاقة لهم بالسامية أو الإسرائيلية، فأي منطق يجعلهم إسرائيليين أو ساميين أو فلسطينيين، أم هي الصهيونية السياسية العنصرية المتحالفة مع المصالح الاستعمارية لرأسمالية الغرب المتوحشة؟!.


 

 


 

([1]) العهد القديم ـ تثنية 5:26

* بعد حقبة الجفاف والغضب الإلهي على قوم عاد في منطقة الأحقاف شرق جنوب جزيرة العرب وما يسمى اليوم ـ الربع الخالي ـ  هاجر من فيها من قوم النبي هود شمالاً باتجاه نهري دجلة والفرات وبليخ والخابور ـ فكان إبراهيم الخليل من ذريتهم ـ وهذه حقيقة أغفلها تعمداً كتبة التوراة ـ فجاء القرآن الكريم مؤكداً على قوم هود وصالح تاريخياً وجغرافياً (ثمود وعاد الأولى والثانية).

([2]) العهد القديم ـ تكوين ـ 12: 1-5

([3]) "العرب واليهود في التاريخ ": د. أحمد سوسة ـ ص79 ـ 80

* بيت الرب ـ المقصود به هيكل سليمان ـ أو هيكل الوعد الأول في القدس

([4]) العهد القديم ـ تكوين ـ 110: 34

([5]) القرآن الكريم ـ آل عمران 124

([6]) القرآن الكريم ـ آل عمران 65

([7]) القرآن الكريم ـ آل عمران 67

([8]) العهد الجديد متى 7: 3 ـ 10

([9]) القرآن الكريم النساء ـ 125

([10]) القرآن الكريم الحجرات ـ 13

([11]) العهد الجديد يوحنا 8: 39 ـ 44

([12]) العهد الجديد ـ بولس روميه 9: 6 ـ 11

([13]) القرآن الكريم ـ الشورى ـ 13

([14]) القرآن الكريم ـ إبراهيم 39

([15]) العهد القديم ـ تكوين12: 2 ـ 13 ـ 16 ـ 17: 6 ـ 7

([16]) العهد القديم، تكوين، 21: 17 ـ 19

([17]) العهد القديم، أشعيا 42: 10 ـ 18

([18]) العهد القديم، تكوين ـ 12: 1 ـ 3 ـ 7

([19]) العهد القديم، البقرة ـ 136

([20]) العهد القديم، صمائويل الثاني مزمور، 89 ـ 3 ـ 4 ـ 132: 11 ـ 12

([21]) القرآن الكريم، الجمعة: 5

([22]) القرآن الكريم، النساء: 66

([23]) محاضرة القس محسن نعيم، في مدينة الزبداني السورية.

([24]) العهد القديم، تثنية 11: 26 ـ 28

([25]) السيد شكري حبيبي، محاضرة ألقاها بالولايات المتحدة في الكنيسة، الإنجيلية ببسادتيا: 10/5/2005

([26]) القرآن الكريم، الحج: 40

([27]) كتاب السراط المستقيم، الشيخ عبد الله الهرري. ص7.

 

www.safsaf.org