أبعد من الكلمات للشاعرة الأمريكية الفلسطينية سهير حمّاد

2006/09/09

 


أبعد من الكلمات للشاعرة الأمريكية الفلسطينية سهير حمّاد

ترجمة غازي مسعود

سهير حمّاد شاعرة أمريكية فلسطينية، نشرت إلى الآن ديوانين شعريين، الأول بعنوان فلسطينية المولد، سوداء المولد ، والثاني بعنوان إلهة الزعتر ، كما نشرت كتاب مذكرات بعنوان قطرات من هذه القصة . حازت جائزة أودري مورد للكتابة التي تمنحها كلية هنتر بمدينة نيويورك، وجائزة مركز موريس للشعر العلاجي، وجوائز أخرى. كثيراً ما تقرأ شعرها في منابر قراءة الشعر والإذاعات بمدينة نيويورك. شاركت في عدة عروض مسرحية شعرية موسيقية في برودوي. وصفتها الشاعرة الأمريكية العربية، نعومي شهاب ناي، بأنها راية شجاعة تخفق فوق رؤوس المحرومين .  

(1)

أين ذهبت لغتي؟
يبحث الشاعر عن كلمات يلفّها حول هذه الأزمنة،
ليجعلها معقولة ليحيلها شعراً كي تصبح مجدية

كلمات الماضي تسكن حواراتنا
الامبراطوية والحروب الصليبية
الخطط والقرون
كل هذه الكلمات التي ألغت فكرنا من قبلُ
تهوي ثقيلة الآن
ولا وزن لها في هاوية الأخبار السيئة هذه

رأيت الصور
مرة أخري كلمات سجن تعذيب
أتوق لكلمات أستطيع أن أكتبها
ليست بذيئة موضوعية تبدو عقلانية لمّا تُقرأ
كي لا يتوقف الناس عن قراءة هذه القصيدة القلقة
كي لا يُحرَج والداي
كي يطالب الأمريكيون بعودة أبنائهم
أتوق لكلمات أستطيع أن أكتبها
كي لا أصبح شيئاً ما قاسياً لا يتسامح
خذلتني اللغة

قيل لي أن لا أصدّق أي شيء أقرأه
ثم كل ما أقرأه
إنني وُهبت وجهي لأحتاط منه
قيل لي أن أخشي الأصباغ فهي مُثيرة
وقيل لي مراراً وتكرارا
إن العراق ليس فلسطين
وكابول ليست نيويورك

الصور
نساء اغتصبن
يُعْرَضْنَ فتيات جامحات
هذي مُسليٍّة هذي مُفَبْرَكَة هذي مُسَجَّلَة
رجال مقيدون
هل حقاً تعبّر كلمات من مثل الإذلال والتعذيب
عن جسامة هذه الأفعال؟
ما الذي يحصل للذين ينجون؟
ما الذي يحصل للمسؤولين عنها؟

هايتي ليست الشيشان
تشياباس ليست شرقي لوس أنجلوس
العراق ليس فلسطين
يقال ذاك لي مراراً وتكراراً

وُهبت منظوراً شاملاً وعدسة وأُمرت
لا تتحركي لا تتطلعي إلى أعلى لا تنظري إلي أسفل
إنني أسقط

(2)

لا صلات هنا
لا نظراء مستنيرين
تاريخان مختلفان وشعبان مختلفان
لا تربطوا
لا تخلطوا المسائل

بلبلوا الشعب فقط

لستة وخمسين عاماً شّرَّعت إسرائيل
هذا النوع من السلوك
أجازت العنف باسم إله
لا يملك حُباِّ لنا جميعاً
إله ينحاز
إله له شعوب مفضلة ومختارة
إله يعقد صفقات كي تتشاجر الأرواح
ذاك النوع من الآلهة الذين لا يستجيبون للصلوات
ويفهمون لغة واحدة فقط
إله لا يزعج عقله البهي
بمثل هذا القُبح
قيل لي هذا هو إله أمريكا
الصور من رفح فلسطين
صور عام 1948 وعام 2004 داخل الإطار نفسه
عيونهم تقول للكاميرا
ماذا ستفعلين لهذا الألم؟
إلي أين سوف تأخذينه؟
أتستطيعين إخراجه مني؟
هذه المسافة بين العدسة والموضوعات
مليئة بتوسلات شاهد
بوعود بدولاب غير مكسور
بدرّاجات أطفال أسفل ركام كان ذات يوم بيوتا
مرحلة أخرى من النفي تُشاد
وأسقطُ
آهِ يا فلسطين
ما الذي فينا يجعلهم يكرهوننا كثيراً؟
هذا الوجه؟ هذي العيون؟ هذا الرفض العنيد للموت؟
كم من المعاناة تستطيع أمة واحدة أن تتحمَّل والعالم ينظر؟
بعض الأفواه فاغرة مشدوهة
أخري صامتة هازئة
بينما تصرخ نسوة بصوت لا يستطيع الأحياء سماعه
كرّة أخرى؟ كرّة أخرى يا فلسطين؟

(3)

ما أتعس أن أختار بين
إنهاء احتلال أو آخر؟
قسموا وقتي وجزّأوا معلوماتي

عليّ أن أبدو أليفة أن أتظاهر باللطف مؤدبة
في الوقت الذي أريد فيه أن أمزق صدري وأفرغه من هذا الخواء
هذا الصداع نخر رأسي وبدَّد أحلامي
أصدقائي قلقون لأنني لا آكل ما يكفي
عبئي ثقيل أفكر كثيراً
لا أجد من ألقي عليه هذه المسؤولية

إن لم أقل شيئاً فأنا متواطئة
إن قلت شيئاً يتم عزلي لأنني متطرفة
لأنني مُنظِّرة تشارك في مؤامرة
كما لو كانت الحرب أبداً صدفة
كما لو أن الإبادة ببساطة تقع
ما يجري يتم من أجل النفط والأرض والمياه
ما يجري خداع وقبض هواء
أصبح الفقراء مرة أخري ذخائر في مدافع الأغنياء
ما يجري يتعلق بالنور والظلمة
لا يوجد أسود وأبيض في الإنسانية
قيل لي
فنزويلا ليست كوبا
رواندا ليست كردستان
لست المرأة التي تركع
أمام الجنود وكاميراتهم وأسلحتهم
لست الطفلة التي أطلقت قوات الدفاع الإسرائيلية الرصاص على رأسها
لست المرأة الجائعة المصابة بالإيدز
وتصلّي كي تعيش أكثر من أطفالها
حتى لا يصبحوا يتامى ومرضى ويضطروا أن يدفنوها
لست الطفلة التي شاهدت
عائلتها تُجزر
حتى الموت في لبنان في السودان في نيكاراغوا
لست الأب الذي يهجر أطفاله
كي لا يسمع بطونهم الخاوية تنادي بابا أين الخبز؟
أنا المرأة التي جهّزت ضرائبها هذه المأساة
السلطة الأمريكية لا تنطق باسم العرب والقادة العرب لا ينطقون باسم
المرأة التي كانت هتافاتها ليس باسمي
بصقة ردت إليّ لأنها شعارات يرفعها المُضَلَّلون في أفضل الأحوال
أنا الفتاة من بروكلين.. التي قيل لها أن تهتم بما يعنيها فقط
أنا الشاعرة التي تبحث عن كلمات جديدة
وعن عالم جديد ليس المريخ

(4)

نستخدم تعبيرات عتيقة لا يمكنها التوسع لتلمس هذه الحقيقة
لم نتعلم من الماضي ما يكفينا عدم تكراره

قيل لي إن الأمور كانت دائماً هكذا
حرب ونهب
الاغتصاب أقدم من الدعارة
والدعارة أقدم أنواع السياسة
وقد سار العالم علي هذا المنوال ولا يزال
القوَّادون ومن يقوِّدون عليهم

ترك الجنس البشري دائماً
من سقطوا خلفه

إذاً كان عليَّ أن أنجو
فلا بدَّ أن أتعلم من الحاضر
من المستقبل الموعود

نتعلم العيش مع الجنون
فالمرء لا يستطيع أن يكون معافى في عالم مريض
أبحرْ في المرض فقط عالج الجراح فقط
صَلِّ لأنك لست مُعْدِياً
حاول أن لا تؤذي أحداً

يقول الكبار إن الانشقاق تتم مراقبته دائماً
إن الأفكار الراديكالية سُجِّلت دائماً
لكن
حتى من عاشوا على الهامش يعترفون
وهم يلهثون لم تكن الحال بهذا السوء أبداً

لا يعاني الجميع هذا صحيح
معظم الناس عطاش
قلة تسبح في بِرك تُزَوِّرُ صلة بالبحار
معظم الناس جياع
أُلقي بعيداً بوجبات لا أحبها
تستطيع من أريكتك أن تشتري طعاماً سريعاً وتأكله
ولا تفكر بشيء إلا في الدَّين الذي حمّلته إيّاك بطاقة الائتمان
وما ستشتريه في الساعة التالية
تسوَّقْ وتوقفْ عن طرح الأسئلة
لقد حسدتُ هذا الخَدَر
حتى وإن كنت أعرف أنه الانتحار الأقل نبلاً
حتى وإن كنت أعرف أن اللامبالاة جريمة من نوع آخر

* تشياباس، مواقع أثرية لشعوب المايا والآزتك والأولم.
** بروكلين، أحد مناطق مدينة نيويورك الخمس.


(5)

أحياناً يكون كل ما تستطيع فعله أن تشهق وتزفر
الحياة نسخة مزيَّفة عن إمكانياتها
أحياناً كل ما تستطيع فعله ان تبحث عن الحياة حيث أنت
في المدينة عن ومضة صفراء في ملعب كرة السلة
عن الهندسة الإلهية الموجودة في حجاب فتاة

لأسبوع ُأنظّف وأُقطِّع
ما يكفي من البقدونس لصنع تبّولة تطعم مئات
أصلِّي وأنا أعمل في الخضار
أن يطعم ما أفعله من يحتاجون وجبة

لا يزال فينا حبٌ
والدليل أننا نشاهده يموت
لا يزال فينا أملٌ
الأمل موجود في عيني شقيقتي
لا يزال فينا ما يكفي من المقاومة
لخلق عالم لا يوجد فيه
شعبك أو شعبي
بل شعبنا
شعبنا الذي يَقْتُلُ شعبنا الذي يُقْتَلُ

بشكل ما أعرف أن الحب سوف يخلصنا
والدليل موجود في القِصص التي لا تذاع
في القصائد التي لا تُنشر
الحقيقة موجودة بين الأكاذيب
هَمَسَت القِصصُ في غسق اليوم

بشكل ما أعرف أن الحب سوف يخلصنا
رغم أنني لا أجد في جسدي إحساساً أو رغبة لأمارسه
لا يزال مَعين للسلم راسخاً في هذه الفوضى

أعرف أن الحب سوف يخلصنا
رغم أن الكلمات تخفق في ذكر كيف

يا للدهشة ما زلت أُصلي
لربٍّ أتصوره أكبر من أية ُأمَّة من أي دين

وما زلت أحاول قنص لغة أجمعها في قصيدة
أصلي كي تقوتَ من هم مثلي
بحاجة إلى برهان على أنهم ليسوا وحدهم
 

القدس العربي 09.09.2006

www.safsaf.org