مخيم المية ومية للاجئين: بين الماضي و الحاضر وطموح المستقبل

* بلال مصرية صيدا

من بين آلاف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيش 58% منهم في مخيمات و 42%  خارجها والتي يبلغ عددها 12 مخيما رسميا خاضعا لمناطق عمليات الأنروا. وفي عام 1950 وصلت أفواج اللاجئين الفلسطينيين إلى منطقة المية ومية شرق مدينة صيدا جنوب لبنان، واستقر قسم منهم في المدرسة الإنجيلية وهي مدرسة قديمة يعود بناؤها لعام 1860 هي نفسها مدرسة الأميركان قبل أن تنتقل إلى التخوم الشرقية لمدينة صيدا،  وقسم آخر في قصر قديم بجانبه إسطبل للخيل في ضيعة المية ومية. كان معروفا عن تلك المنطقة وفرة أحراش الصنوبر و السرو وشجر الزعرور و الزيتون وكروم العنب والتين وحتى بيادر القمح.

الموقع الجغرافي:

يقع مخيم المية ومية على تلة ترتفع قرابة 300متر عن سطح البحر تُشرف على مدينة صيدا جنوب لبنان تُعرف بتلة الروس مساحته 5404 متر مربع وعدد سكانه 4500 نسمة حسب إحصائيات عام 2000 للأنروا. يحده من الشرق ضيعة المية ومية ومن الغرب مدينة صيدا الساحلية ومن الشمال تلة مار الياس ومنطقة الهمشري الفوار ومن الجنوب تلة سيروب ومخيم عين الحلوة.. أما للوصول إلى المخيم فهناك طريقان: الأول عبر ما يُعرف بدوار الأمريكان، والثاني عن طريق الفيلات يلتقيان في منطقة نادي الضباط في طريق واحد يصل إلى المخيم.

معالم تاريخية:

مع صغر مساحة المخيم الجغرافية تبقى المعالم التاريخية ظاهرة للعيان ففيه أربعة قصور قديمة يعود بناؤها لعام1840 و1860 الأول و الثاني في المنطقة نفسها تقريبا يبعدان مسافة 80 مترا عبارة عن مدرسة استخدمته وكالة الأنروا كمدرسة ومركز توزيع إعانات ومطعم، والثاني كان مقرا لقوات التحالف أثناء الحرب العالمية الثانية استخدمته حركة فتح قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 كمركز صيانة لمعداتها العسكرية. أما الثالث والرابع فيقعان في المنطقة الشمالية من المخيم، أحد هذه القصور في حي آل مصرية كان عبارة عن سكن لموظفي شركة أرامكو الأمريكية التي كانت تدير مصفاة التابلاين في منطقة الزهراني، ومن ثم أصبح سكنا للقوة الفرنسية البريطانية المشتركة التي كانت تسيطر على منطقة المية ومية. وعلى بعد 100متر شرقا يقع قصر أبو الشعر كان يستخدم مستشفى ميداني لقوات التحالف وبعد ذلك مستشفى للأمراض الصدرية و مركز ولادة تابع للأنروا.

عوائل المخيم:

لصغر مساحة المخيم فإن عوائله الكريمة تعيش في جو من الألفة و المحبة ومن هذه العوائل: عائلة زيدان، كعوش، الرباني، غالي، مصريه، حسنين، شبلي، ياسين، العابد، سلامة، شبلي، حداد، الخطيب، مناع، عزام، الغزاوي خليل، الصيداوي، عايد، حمادي،منصور، شحتو، ميزاري، السهلي، عيسى، مرعي، عنتر، الطاهر، أبو شقرا، الصديق، عقل، الخالدي،سرحان، خالد، الحاج، صالح، رحمة، عوده، وغيرها من العوائل الكريمة التي قد يكون أسقط اسمها سهوا فنعتذر منها.

المراكز التربوية و الصحية:

يوجد في مخيم المية ومية مبنى لمدرسة واحدة تتسع لحوالي400 طالب، قسّم إلى مدرستين إبتدائية و متوسطة بفوجين صباحي و بعد الظهر والمدرستان هما صفد وعسقلان، وكلاهما تابع لوكالة الأنروا، إلى ذلك يوجد فيه روضتان، براعم الإيمان وروضة الشهيدة هدى زيدان. في المخيم عيادة واحدة فقط تابعة لوكالة الأنروا، فيها قسم خاص للحوامل و الرضع، ومركز متواضع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني يستقبل الحالات الطارئة، وصيدلية واحدة فقط.

القوى السياسية:

عند دخولك مخيم المية ومية تستقبلك الرايات الخضراء و شعارات القسّام مع أقواس النصر وقد زينت بعبارات ُتأكد على حق العودة بالإضافة إلى صور القادة أمثال الشيخ أحمد ياسين و الدكتور عبد العزيز الرنتيسي و أبو عمار وغيرهم من القادة الفلسطينيين وأعلام العاصفة، وهذا يبرهن عن وجود قوتين رئيسيتين في المخيم وهما حركة المقاومة الإسلامية حماس وبعض قوى التحالف وحركة فتح وبعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية. معظم هذه الفصائل قدم الشهداء أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وما تبعه من أحداث شرق صيدا عام 1985.أما الوضع الأمني فهو مريح لتعاون أبناء المخيم على حفظ الأمن.

مراكز و أندية وروابط:

في المخيم مركز ثقافي و دعوي واحد هو مركز "الأقصى لتحفيظ القرآن الكريم " يضم ناديا رياضيا فيه فريق كرة قدم، كرة طاولة، العاب الحديد، وكاراتيه. كما يوجد في المخيم جمعية كشفية كشافة الإسراء بجميع فروعها (كشافة، جوالة، وفرقة موسيقية) ويتبع المركز والكشافة للمؤسسة الفلسطينية للشباب و الرياضة. ونادي القسطل المحبة وله مجمع رياضي و فريق كرة قدم. وهناك عدة روابط عائلية نذكر منها رابطة آل كعوش، ورابطة آل مصريه ورابطة آل صفورية.
 
مشاريع تأهيلية:

منذ ثلاثة أعوام شهد مخيم المية ومية أضخم مشروع لتأهيل البنى التحتية لم يسبق له مثيل منذ وصول اللاجئين الفلسطينيين اليه (مياه الشرب و الصرف الصحي و تصريف مياه الأمطار)، حيث تم تعبيد الطرقات وبني سور أمان يحمي السيارات من السقوط في الوادي كما ساهم مشروع بناء خزان في تخفيف أزمة المياه خصوصا في فصل الصيف. وطرأ تحسن ملحوظ على شبكة الكهرباء بعد أعمال الصيانه وتغير خطوط الشبكة فمعظم تمويل هذه المشاريع من الإتحاد الأوروبي. هذا لا يعني عدم وجود مبادرات من أهل المخيم و القوى الأساسية فيه كإنارة الطرقات وغرس الأشجار لتحسين المظهر العام للمخيم.

الأوضاع الاجتماعية:

يعيش سكان المخيم أوضاعا صعبة لا تقل عن تلك التي تعيشها باقي المخيمات في لبنان. فقطاع الصحة مع تقليص الأنروا مساعداتها في أسوأ أحواله، والخدمات التي تُقدم للمواطنين لا تتوافر فيها الحدود الدنيا للمعاير الإنسانية، وحتى تلك المستشفيات التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني تعاني من نقص في الموارد المالية والتجهيزات الصحية، أضف إلى ذلك منع دخول مواد البناء إلا بترخيص، دفع الكثير من الشباب إلى مغادرة المخيم إلى المحيط وأحيانا إلى بلاد الاغتراب. ومع الأزمة المعيشية فقد سطر سكان مخيم المية ومية مثالا رائعا في التعايش مع الشعب اللبناني الشقيق بعد إستقباله لإخوانه النازحين أثناء حرب تموز 2006 وتقاسمه معهم لقمة العيش. ومع حالة الجمود التي يشهدها قطاع البناء جعلت ما نسبته55% من الشباب عاطلا عن العمل مما يهدد بأزمة اجتماعية حقيقة لا تُحمد عقباها، كل تلك الأوضاع الصعبة يبقى النسيج العائلي متينا، فسكان المخيم تربطهم أواصر المصاهرة والجيرة، فتراهم يشاركون بعضهم في الأفراح والأتراح ويحيون المناسبات الدينية والوطنية راسمين في مخيلتهم حلم الوطن والعودة إلى ربوعه الدافئة.
 
ضرورات مُلحة:

مع تقدم الزمن و تزايد أعداد اللاجئين يشكو أهل المخيم من عدة أمور منها:
1- عدم وجود مركز طبي يضم عيادات متخصصة مختبر قسم أشعة
2-عدم وجود مدرسة ثانوية أسوة بباقي المخيمات وهذا يدفع الطلاب إلى مخيم عين الحلوة وهذا يترتب عليه أعباء مالية وقلقا من الوضع الأمني.
3- الحاجة الملحة لمحول كهرباء ثالث لحل مشكلة الضغط على شبكة الطاقة وهي أزمة حقيقة وخاصة في فصل الصيف.
5- أهمية وجود مكتبة علمية عامة تلبي احتياجات الطلاب والعامة.
6- مع وجود أندية رياضية إلا أن المخيم يفتقد إلى ملعب رياضي ولو بشروط متواضعة.

طموح وآمال:

ويبقى طموح سكان المخيم بتحسين أوضاعهم عبر السماح لهم بحرية التنقل بعيدا عن طوابير السيارات والتي تمتد لأمتار طويلة لتسجيل أسماء الداخلين و الخارجين من المخيم. ويرغبون بإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه الاجتماعية والسياسية حتى يصمدوا في وجه المؤامرات التي تحاك ضدهم.ويأملون يوما ما بالعودة إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها في فلسطين.

* أستاذ في التعليم المهني المتقدم

http://www.prc.org.uk/data/aspx/d9/3619.aspx

www.safsaf.org