هواء طلق  

     

 صارية بلا علم 

 

 رشاد أبوشاور

 

في اللقاء الثلاثي،اللقاء المرتقب،اللقاء الموعود،كما وصف،الذي جمع ( أبومازن) مع كونداليسا وأولمرت،رفع علمان في مدخل مكان الاجتماع في القدس الغربيّة،هما علم أمريكا وحليفتها الاستراتيجيّة،رفرفا،تعانقا،تواشجا،اندغما،تهامسا،ترنحا من فرط التدلّه والنشوة واحدهما بالآخر،حتى صارا علماً واحداً،لبلد واحد،وجيش واحد، وأهداف واحدة...

 

بين العلمين انتصبت صارية بلا علم،والعلمان يتصافقان حولها للتغطية عليها، يغلقان برفرفتهما العدوانيّة أي فراغ يمكن أن يملأه علم فلسطين، فلا مكان لعلم يعلو على هذه الصاريّة...

 

الأطراف ثلاثة، هذا ما تتناقله الفضائيّات،والإذاعات، ووكالات الأنباء،والمرفوع في المكان علمان: العلم الأمريكي والعلم ال..فأين علم الطرف الثالث،أم إنه ليس شريكاً مقبولاً رغم سنوات مسيرة السلام؟

 

 كان لافتاً للانتباه بقوّة أن علمي أمريكا والدولة التي لاحدود لها، والتي اعترفت بها رغم ذلك م.ت.ف،رفرفا في فضاء اللقاء ،بينما علم فلسطين مغيّب؟!

 

ما هذا ؟ ألم تعترف منظمة التحرير الفلسطينيّة بالدولة التي بلا حدود ،وبالرعاية الأمريكيّة،وفي سلسلة حفلات توقيع ، واتفاقات ،برعايات:أمريكيّة، مصريّة،أوربيّة؟! فأين العلم الفلسطيني يا سادة بعد كل تلك الحفلات ، والقبل، والعناقات؟!

 

يعني رغم الاعتراف، والكادوك لميثاق المنظمة في الإليزيه _ كلمة فرنسية معناها شغل الفلسطينيين ،وتندروا بها واستطرفوها من رئيسهم الذي حفّظت له والتي معناها حذف كّل المواد التي تعتبر متطرّفة في الميثاق الوطني الفلسطيني، مثل أن فلسطين جزء من الوطن العربي، وأنها وطن الفلسطينيين _ وحفلات البوس مع رابين ،وبيرس، ووثيقة جنيف ،وتبعية الاقتصاد و..لا يرتفع علم فلسطين حتى على صارية أمام فندق ضمّ الاجتماع الثلاثي، والذي كان ثنائيّاً فرايس وأولمرت طرف واحد؟

 

هل يا ترى إذا اعترفت حماس بالدولة التي بلاحدود سيرتفع العلم الفلسطيني،و..سترفع الحواجز من الضفّة ، وسيرفع الجدار الجاثم عن أراضي الفلسطينيين في الضفّة ؟ أم ترانا فقط سنواصل الفرجة على علمين يرفرفان بشغف ،بحميميّة، بمتعة، بينما نحن لنا صارية على شكل خازوق ، مهما قدّم ممثلونا من اعترافات، باسم المنظمة،أو باسم حماس، أو حتى باسم الله الرحمن الرحيم ( استغفر الله لي ولكم)!

 

أستعير من الكاتب المصري محفوظ عبد الرحمن عنوان مسرحيته ( حفلة على الخازوق) ، وأثبّت العنوان أمام ( جماعتنا) ومن كّل الأطراف،لعلّهم يرعوون،ويأخذوا عبرة من مسيرة السلام الممتدّة منذ العام 1993 والتي فزنا منها بصارية على شكل خازوق، صارية تبشّر بأي شئ ما عدا انبثاق علم فلسطين بين العلمين الذين يحاصرانه .

 

جوّعوهم:

 

نطّت كونداليسا من القدس ( أورشليم) إلى ألمانيا،مواصلة حربها على الفلسطينيين،حيث زجرت الرباعيّةالتي أردنا الاستعانة بها على تجبّر وسطوة أمريكا،فإذا بها رخوة، مائعة ،دلعة، مغناج،رخيصة ، وهذا حالها عندما يطلب منها موقف له صلة بأمريكا والدولة التي لا حدود لها ولجشعها!.

 

في ألمانيا أصدرت كونداليسا أوامرها للرباعية: واصلوا الحصار على الفلسطينيين حتى يعترفوا بالدولة التي لا حدود لها،ولا دستور..

 

أترون!

 

هذه هي أمريكا، ومن يسترضيها لن يفوز بغير الخوازيق،وسلامها كديمقراطيتها في العراق : اغتصاب...

 

  معركتنا مع أمريكا، وفي ملعبنا نستطيع أن نتعبها،ونجعلها تحسب حسابنا، وشعبنا قادر، ولكن ..من يمتدحون كونداليسا، ويبررون مواقفها، ويقوّلونها كلاماً غير الذي قالته ..يضعفوننا. ومن يتنقّل بالمارسيدس السوداء، بزجاجها الرمادي الغامق، لا يرى علمنا بلا صارية، فهو مسكون بالجلوس على الكرسي المرحرح ، ولتجلس فلسطين وشعبها على خازوق يأخذ شكل الصارية بلا علم!

 

معركتنا مع ( العلمين) الذين يخنقان علمنا هي معركة وعي ، ومصداقية مع النفس ،فمعركة ( العلم) ليست رفعه على صارية بين العلمين الخانقين .معركة علمنا يا كّل من يهمّكم أمره هي مع ( العلمين)...

 

سفيرة لا أعرفها!

 

عاتبني سفراء التقيتهم بعد مقالتي (سفراء لا يمثلوننا) .وسألني بعضهم: ألا يوجد ولو سفير واحد يستحّق التنويه به؟

 

وهنا حككت ذاكرتي ،وارتج علّي ولم أجب، لأنني عجزت عن طرح ولو اسم سفير واحد . فالسفير المحترم الذي يمكن ذكره ، هو في أقل مأخذ عليه،هو   في قضائه ما لايقّل عن 25 سنة في العمل كسفير! عجيب : هل ولدت من أمك سفيراً ، يعني من رحمها الكريم إلى السفارة وأنت في اللفاع ، ومن إحدى السفارات إلى القبر،بحيث لا تمّر على الشعب الذي تمثّله في المخيمات ليتعرّف على سحنتك الكريمة ، ويطمئن على سلامة لغتك العربيّة الأم بعد طول غياب؟!

 

ولكن انتظروا فها أنا قد وجدتها..والفضل يعود لشهد.

 

وجدتها ..فهناك سفيرة ،لا سفير، وأنا لا أعرفها، ومع ذلك فهي منحتني فرصة الثناء على أحد يمثّلنا.

أنا لم أقابل هذه السفيرة في حياتي ، ولم أسمع باسمها من قبل،وحتى بعد أن سمعت باسمها لم أتذكّر أنني التقيتها من قبل .

 

السفيرة التي حظيت بثناء الفلسطينيين من الجالية،هي السيّدة رندة النابلسي ، سفيرتنا في البرتغال ، والبرتغال بلد متداخل الحدود مع إسبانيا،ولنا في البلدين أصدقاء ما زالوا على عهد فلسطين، ويكفي أن اذكّر بالروائي العالمي الكبير الفائز بنوبل ، ساراماغو،ومواقفه المشرّفة التي يفصح عنها دون خشية من تهم توجّه إليه من المنظمات الصهيونيّة والكيان العنصري..من ينسى تصريحاته عندما زار رام الله مع وفد الكتّاب العالميين!

 

بحسب شهادة الشّابة الفلسطينيّة شهد وادي ، فإن السفيرة تعرف أحوال كل أفراد الجالية في البرتغال،فرداً فرداً، وتتّصل بهم وتتابع أحوالهم ، وتتوجّه لهم بالنصح ،وتتبادل معهم الرأي حول السبل الأنجع لخدمة القضيّة ، ولتحسين أحوالهم بأفضل الطرق وأكثرها استقامة.

 

والسيّدة النابلسي المتواضعة ، والدؤوبة يتعلّم ابنها في إحدى الجامعات البرتغاليّة _ يعني ليس في الجامعات الأمريكيّة_مثله مثل غيره من أبناء الفلسطينيين والبرتغاليين .

 

السيّدة نابلسي عندما تحتفل بمناسبة وطنيّة فإنها تقيمها في بيتها،وبنفسها تشتغل توفيراً وحرصاً على كل قرش من مال الشعب الفلسطيني .

 

قبل أيّام تزوّج شاب فلسطيني ،فدعت أفراد الجالية إلى حفل عشاء احتفاءً بالأسرة الفلسطينيّة الجديدة .

لا دعوة في مطعم،فلا إسراف بينما شعبنا المحاصر يجوع .

 

السفيرة المتعلّمة المثقّفة انهمكت في إعداد الطعام الفلسطيني،فهي بنفسها وقفت في المطبخ ،تنظّف ، وتفرم، وتعّد الأطباق الفلسطينيّة لأبناء الجالية الذين يحنّون لطعام أمهاتهم،وهذا ما فاجأ شهد التي انخرطت مع الجميع في تقديم العون للسفيرة في شغل المطبخ في جو عائلي حميم.

 

هذه السفيرة لا تشتغل في( البزنس)،لا صلة لها بالتجارة، بالاستيراد والتصدير،هي سفيرة لفلسطين القضيّة والشعب ،وهي شبعانة من بيت أهلها ومش مفجوعة وجاهة ومال.

 

أنا لا أطالب سفرائنا بارتداء البناطيل الرثّة،أو الجينز العملي، والوقف في المطبخ، أنا كأبناء وبنات شعبنا فقط أريد للسفير أن لا يبقى السفير سفيراً طيلة عمره ، وأن لا يثري من البزنسة ، وأن لا ينقل من بلد إلى بلد ويقضي حياته سفيراً، وأن يصرّح عن ( ثروته) وممتلكاته قبل السفارة وبعدها!.

 

في كل حال : الحّق ليس على السفراء وحدهم،الحّق على من ( سفّّرهم) بتذاكر ون وي تكت ،ونسي استعادتهم،وأسباب سفرهم!.

 

وختاماً :

 

 أذكّركم بأن الفلسطينيين يدفنون شهداءهم ملفوفين بالعلم الفلسطيني،تكريماً لهم،لتسكن نفوسهم بالعلم، وليكون شفاعتهم بين يدي الله .

 

فالعلم الفلسطيني كالقمح ينبثق من التراب،ويعطي سنابل كبرياء وانتماء...

 

علمنا لا يأخذ شرعيته من صارية أمريكيّة صهيونيّة . 

 

* القدس العربي ، الأربعاء28 شباط2007

 

 ****

 

 

  الفلسطيني والبلغاريّات 

 

  رشاد أبوشاور

 

أمّا الفلسطيني فهو الطبيب أشرف الحجوج،وأمّا البلغاريّات فهنّ الممرضات،والتهمة : حقن مئات الأطفال من مدينة بنغازي بفيروس الإيدز!

 

لماذا يحقن الطبيب الفلسطيني المولود في ليبيا ، المتعلّم في ليبيا،والممرضات البلغاريات،الأطفال الليبيين بفيروس الإيدز؟!

 

هل لحقد شخصي على أطفال ليبيا،أم تنفيذاً لمؤامرة ( أجنبيّة) تستهدف مستقبل ليبيا ممثّلاً بأطفالها؟

 

 من هي الجهة التي يمكن أن تقترف هكذا فعل؟ أمريكا أم (إسرائيل)؟

الجماهيريّة الليبيّة وبعد التخلّي عن برنامجها النووي، وشحن الأجهزة والمعدّات إلى أمريكا،لم تعد في حالة اشتباك مع الإدارة الأمريكيّة،بل حظيت ببعض الثناء على سلوكها العقلاني الواقعي الحكيم .

لم توجّه تهمة للكيان الصهيوني بالوقوف وراء الجريمة ، فهل لبلغاريا ، أو للطبيب الفلسطيني أغراض خافية ،ولمصلحة من؟!

 

قضية الطبيب الفلسطيني،والممرضات البلغاريّات،استحوذت على اهتمامي منذ سمعت بها قبل حوالي ثماني سنوات،وأعترف أنني للوهلة الأولى لم أصدّق التهمة الموجهة للطبيب والممرضات بتعمّد زرق الأطفال بدم ملوّث بفيروس الإيدز،لا لأن الطبيب أشرف الحجوج فلسطيني،ولكن لأن التهمة ينطبق عليها المثل الشعبي القائل:كيف عرفت أنها كذبة؟ قال:من كبرها ..وهذه التهمة كبيرة،لأن الطبيب والممرضات لا مصلحة لهم في قتل أطفال ليبيين ، فالحجوج ليبي الولادة والنشأة والتعليم، والممرضات البلغاريات تغرّبن عن بلدهن التماساً للمردود المّادي لقاء عملهن في المستشفيات الليبيّة.

 

أمّاالسبب الجوهري لعدم تصديقي هذه الحكاية الملفقّة ، فهو معرفتي بالفوضى التي تتسبب بها ( اللجان الشعبيّة ) في غياب المؤسسات،وتفشّي سياسة الارتجال التي تتيح لكّل جاهل،ومتلاعب فاسد،أن يتخطّى كل الأعراف والقوانين خدمة لمصلحته الأنانيّة ،ووصوليته،وانتهازيته،وهذا يحدث في أي مكان في العالم إذا لم تتوفّر المؤسسات،والرقابة،وسيادة القانون،وحريّة الصحافة،وقدرة الشعب على المعرفة والتدخّل دون خوف لحماية نفسه،وحقوقه،وممتلكاته العّامة .

أوّد أن أسأل الجهات المعنيّة في ( الجماهيريّة) : لماذا يوجد في ( الأردن) البلد الفقير،الذي بلا ثروات،طّب متطوّر،ومستشفيات ربحيّة للقطاع الخاص،تتمتّع بسمعة عالية أساسها الأطبّاء الأكفاء المشهود لهم،والإدارة الجيّدة المعنيّة بتطوير عملها في مواجهة التنافس مع غيرها،مّما يشجّع عرب دول الخليج ، واليمن _ وهي خليجيّة_ ومناطق السلطة الفلسطينيّة،على الاطمئنان للعلاج في الأردن،وبما في ذلك المواطنون الليبيون ..ولا توجد مستشفيات ، ولا مؤسسات طبيّة متطوّرة في ليبيا الثريّة ،رغم مضي أكثر من 37 سنة على ثورة الفاتح ؟!

 

ما تسمّى باللجان الشعبيّة تنتخب من بينها أشخاصاً يديرون المؤسسات،ومنها المستشفيات،وقد يتّم انتخاب ( فرّاش) ،أو أي شخص متواضع التعليم والمعرفة ليكون مديراً مشرفاً مقرّراً ..ولكم أن تتصوّروا كيف ستسير الأمور بعدئذ!

لقد سمعت كثيراً عن استيراد أجهزة طبيّة متطورّة ، ولكنها تنسى أو تتناسى،عمداً،أولامبالاة،في المستودعات إلى أن تصدأ،وقد يتّم التعاقد على غيرها،وهكذا تبدّد الأموال، وتتحوّل المستشفيات إلى أبنية مهجورة ،بدون كفاءات طبيّة وإداريّة،وبدون تجهيزات،ومختبرات، وهذا ما يسهّل إرسال المرضى الليبيين للعلاج في ( مصر) و( الأردن)،فتأملّوا وتساءلوا عن المستفيدين من تعطيل تطوّر المؤسسة الطبيّة ، وتعثّر نهوض القطاع الصحي!.

 

أشرف الحجوج والممرضات البلغاريات هم ضحايا الفساد،ومن تسببوا بإهمالهم في هذه الفاجعة،جعلوا من أشرف والممرضات كبش فداء، للتغطية على إهمالهم وفسادهم .

 

لو كان أشرف الحجوج والممرضات البلغاريّات أمريكيين ،أو إنكليزاً، أكانوا يبقون في السجن كّل هذه السنوات،يتعرّضون للتعذيب،والامتهان لكرامتهم وآدميتهم ؟!

 

لقد وصلتني رسالة من المحامية دارين الحجوج  ،شقيقة أشرف،المقيمة في هولندا،والمولودة في ليبيا،والرسالة مفعمة بالأسى،والمعلومات المخيفة عن أساليب وصنوف التعذيب التي مورست على أشرف تحديداً كونه الطبيب،وأنا لا أستبعد أبداً أن يكون ما سردته دارين في رسالتها قد مورس مع أشرف،ففي بلاد العرب ،دون استثناء،اعتدنا على تصديق كّل ما نسمعه عن تعذيب من يقع في أيدي الجلاوزة بحجّة (حماية النظام)!.

تكتب دارين أنهم ساوموا أشرف بأن يعترف بأنه تسبب والممرضات بإصابة أطفال بنغازي بالإيدز، حتى تتم تهدأة خواطر ذوي الأطفال والرأي العام في مدينة بنغازي،مع وعد بالإفراج عنه بعدئذ!. 

 

 الممرضات البلغاريات يدعمهنّ عدد من المحامين الذين وكّلتهم المجموعة الأوربيّة ، بينما محامو أشرف وهم ليبيّون انسحب منهم ثلاثة لعدم حصولهم على (أجورهم)، ولم يواصل الدفاع عن أشرف سوى المحامي السيّد التهامي التومي،وهو ليبي، وأسرة أشرف وقد نضبت ممتلكاتها عجزت عن دفع أتعاب المحامين،والمحامي السيّد التهامي لم يحصل سوى على 3000 دولار منذ بدأ المشاركة في الدفاع عن أشرف عام 1999،ومع ذلك فهو تحمّل الكثير من منطلق التعاطف مع هذا الطبيب الفلسطيني التعس الحّظ،والذي وقع في براثن ( جهات) لا تعرف الرحمة .

بلغاريا لم تعد بلداً تابعاً للاتحاد السوفييتي ، بلغاريا حاليّاً جزء من أوروبة،وهي مستقوية بأوروبة تملك القدرة على خلق متاعب لليبيا هي في غنى عنها.لقد بدأ تشكيل لجان شعبيّة للدفاع عن الممرضات البلغاريات،وثمّة توجّه لرفع دعاوى قضائيّة دوليّة ضد ليبيا بتهمة تعذيب الممرضات، والحبل على الجرّار ...

 

هذه القضيّة لمصلحة ليبيا أن تنتهي، وربطها بقضيّة السجين الليبي ( المقراحي) المتّهم بتفجير طائرة لوكربي،أحسب أنه غير مجد...

مشكلة ليبيا _ وهي مشكلة عربيّة مزمنة_ وضع الشخص غير المناسب في الموقع غير المناسب له، لينجم عن هذه المعادلة وضع غير مناسب:فوضى وفساد،وسيادة النفاق والتزلّف والمراوغة والرشوة.

 

للبلغاريّات بلد يتابع قضيتهن،ورأي عام يتشكّل خلفهن ويتصاعد يوماً بعد يوم،وأهل سمح لهم أخيراً بزيارتهن،وليس لأشرف الحجوج الفلسطيني غير الله،فلا توجد جهة فلسطينيّة توكّل له المحامين،وتتابع قضيته،وتطمئن على معاملته كبشر،وتدعمه معنويّا وماديّاً وإعلاميّاً لتبقى قضيّته حيّة إلى أن يفرج عنهً .

 

الطبيب الفلسطيني،والممرضات البلغاريّات،هم ضحايا،رهائن مستضعفون،ولا يكفي أن يفرج عنهم، ولكن لا بدّ من الاعتذار لهم رسميّاً، والتعويض عليهم ماديّاً يما يكفيهم لدفع تكاليف العلاجات البدنيّة والنفسيّة،التي سيحتاجونها لسنوات،حتّى يتمكنوا من استعادة التوازن النفسي، والرغبة في الحياة،بعد سنوات معاناتهم الجحيميّة في سجون لا رقابة عليها،ولا قوانين تحكمها.

 

لم أشأ نقل فقرات من رسالة دارين الحجوج عن التعذيب،لأن ما ورد في الرسالة مروّع،فقط أشير بدون تفاصيل إلى ما روته عمّا تفعله الكلاب المدرّبة ،على فعل ما لا يخطر على بال بشرمع الطبيب الفلسطيني الشاب! .

 

لو شئت التشهير بالجماهيريّة لنشرت شهادات بعض الفلسطينيين الذين رمتهم اللجان الشعبيّة بعد اتفاق أوسلو على الحدود الليبيّة المصريّة ، ليواجهوا البرد، والجوع، والأمراض، والوحوش ، والأفاعي والعقارب،ولينتهي الأمر ببعضهم بأمراض نفسيّة،وبخّاصة من كانوا أطفالاً آنذاك،ومنهم من يتعالج نفسيّاً وعصبيّاً حتى يومنا هذا،ومنهم الشّاب( محمّد) الذي يعمل في مكتبة متواضعة في المنطقة التي أقيم فيها،براتب بالكاد يسّد نفقات علاجه!

 

ترى : ألا تضعنا قضيّة أشرف الحجوج أمام واجب وطني،يفترض أن يدفعنا لتشكيل لجنة،أو أكثر،يكون مقرّها بلد أوروبي،للدفاع عن الفلسطيني فرداً أو جماعة،في حال التعرّض للظلم ،بحيث لا يستفرد به،ويعتدى عليه،وتسلب حقوقه،ويبتّز ..على اعتبار أنه بلا ظهر،فلا ( السلطة)ولا التنظيمات الفلسطينيّة تدافع عنه،لأنها محكومة بحساباتها الفئويّة الضيّقة.

الطبيب والممرضات قدّموا استئنافاً قبل أيّام للحكم الصادر سابقاً والذي أدانهم...

 

هذه القضيّة يمكن أن تحّل عن طريق مؤسسة القذّافي الخيريّة بتخريجة إنسانيّة،بما يحفظ ماء الوجه للسلطات الليبيّة،خّاصةً وهي لا تكلّف شيئاً إذا ما قورنت بخسائر الجماهيريّة التي ابتزّت بها وبلغت مئات ملايين الدولارات لتسوية قضيّة ( لوكربي) !...

 

_______________________________* القدس العربي ، الأربعاء 20 شباط 2007

 

 
 

أوجاع رسمي أبوعلي - رشاد أبوشاور
 

14/02/2007
 

رسمي أبوعلي: إعلامي، قاص، شاعر، ناقد سينمائي.. فلسطيني، ولد في بلدة (المالحة) قضاء القدس عام 1937، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة.
عام 1965، بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، غادر عمله في الإذاعة الأردنية والتحق بإذاعة صوت فلسطين الفتية،ووضع خبراته لتطويرها.
أقام في بيروت حتي العام 82، وغادرها مع (مواطني) الفاكهاني،واختار أن يتوجه إلي العاصمة الأردنية عمان ليقيم فيها منهياً حالة التشرد،وليكون علي مقربة من فلسطين.
رسمي أبوعلي أثار اهتماماً واسعاً لدي النقاد،والقراء، عندما صدرت مجموعته القصصية (قط مقصوص الشاربين اسمه ريس)، ولعلي كنت أحد أوائل الذين رحبوا بها مبكراً، وكتبوا عن هذه المجموعة القصصية المتميزة في صحيفة اللواء البيروتية، وأذكر أن الروائي الأردني غالب هلسا قال لي: مقالتك أعجبتني جداً، وحرمتني من الكتابة عن مجموعة رسمي، لأنها لم تبق لي ما أقوله. (لا أخفي أنني سررت بثناء غالب علي تلك المقالة ،فلم يكن سهلاً أن يحظي أي كاتب بثناء غالب رحمه الله).
رسمي أبوعلي ـ وهو اسم علم، ولذا لا أكتب كنيته مضافاً إليه ـ مقل أدبياً ولكنه علامة بارزة في الأدب الفلسطيني، قصصياً وشعرياً، وكواحد من ألمع الحكائين شفوياً، ومثيري الدهشة لدي مستمعيهم بخلطه الواقعي بالخيالي بالفنتازي بالجنون بحكمة العقل (وكله تحت السيطرة).
هو مغامر فنياً، ولكن مغامرته محسوبة، فهو يحترم كتابته،وقارئه،واسمه ، ولذا كانت معاركه مع الشاعرعلي فودة ـ استشهد في معركة بيروت عام82 ـ شريكه في تأسيس صحيفة الرصيف ترج ركود وتجهم (الفاكهاني)، وهو ما كان يمتع كثيرين، ويشمتهم في عبث الرصيفيين بوقار (الفاكهاني)، وما كان يمنح رسمي حضوراً، ويجعله (مرجعاً ) لهامشيي الفاكهاني الغاضبين من كل شيء، ومن لا شيء.
كشاعر يكتب رسمي قصيدة النثر، وله قصائد مثيرة للدهشة، غرائبية، ومستفزة، ورشيقة، شديدة الشفافية والحنان الإنساني، وهذا طبيعي فرسمي ليس ذا بعد واحد.
تقاعد رسمي، وكان علي (ملاك) وزارة ثقافة السلطة، وهو ككثيرين بلا راتب منذ أشهر بسبب الحصار اللئيم.
تحمل تكاليف الحياة بمردود متواضع يحصل عليه من كتاباته في الصحافة الأردنية، ولأن حاله من حال غيره، فأنا لم أسمعه يشكو سوي من الأوضاع المزرية التي انحط إليها الحال الفلسطيني.
صبيحة الأحد 4 شباط (فبراير) 2007 ـ لي قصد بتثبيت التاريخ، لعلننا نتذكر أيام الجدب الفلسطينية ـ اتصل بي رسمي فجاءني صوته متعجلاً أن أبادر إلي الاتصال به في حال انقطع الاتصال، لأن هاتفه الخليوي بلا رصيد تقريباً، وهذا ما حصل.
بادرت للاتصال به، فإذا بصوته يختنق بالشكوي، ورسمي ليس شكاءً، فهو معتد بكرامته،ومع صراحته، وميله للدعابة والسخرية، فإنه يترك مسافة مع الآخرين، مع الحفاظ علي الود والحميمية في العلاقة.
صوته رمادي كطقس هذا اليوم المتشائم، مبلل بالحزن والغضب، هو صوت رسمي:
ـ أنا لم أحصل علي راتبي أسوة بمن وصلهم راتب شهر من مستحقاتهم. استفسرت فأجبت بأن رواتب (المتقاعدين) لن تصرف لسبب عجيب، وهو أن أموال التقاعد والتوفير المتراكمة علي مدي عقود من السنين.. بددت!
رسمي أبوعلي الذي دخل في السبعين من عمره ، الإعلامي، القاص ـ له رواية صغيرة جميلة بعنوان: الطريق إلي بيت لحم ـ الشاعر، الناقد السينمائي، الإنسان الذي وظف ثقافته وخبراته الإعلامية للارتقاء بالأداء الإعلامي لمنظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن تستولي عليها (الفصائل) والمنظمات، ويستوزر فيها بعضهم، ويستسفر بعضهم ـ يصير سفيراً يثري من سفارته ـ بات يشكو موجوعاً، فالأسرة التي بناها وحرص علي كرامتها تختنق بضغوط متطلبات الحياة ، بالحاجة للخبز، والملابس، وكتب المدرسة والجامعة، وفواتير الماء والكهرباء والهاتف و...
من بدد أموال التقاعد والمتقاعدين؟ من هي اليد التي امتدت لهذا المال الذي مستحقوه أفنوا حياتهم في خدمة وطنهم فكراً، وفعلاً ميدانياً، وخرجوا بجراح بدنية، ونفسية و.. في الختام: بدون رغيف الخبز بكرامة؟!
الحكومة الحالية تقول: لا علاقة لنا بالأمر، فنحن لم نتصرف بهذه الأموال،والسلطويون السابقون يتحملون المسؤولية، ومن جهتنا سنعيد النظر في نظام التقاعد!
بعض كتابنا، مبدعينا.. يعيشون حياة ضنك، وثمة لصوص يكنزون الملايين، وبعض مثقفينا باعوا أنفسهم للمنظمات غير الحكومية، ورسمي أبو علي وأمثاله من المبدعين الشرفاء كرام النفوس يغمغمون بالشكوي بحرج، فهم يخجلون في زمن تحكم فيه عديمو الحياء بمصائرنا: مادياً، وسياسياً، ووطنياً، وأفشوا الفساد والخراب في كل جوانب حياتنا، ولطخوا سمعتنا بالعار.
عندما يشكو رسمي أبو علي وأمثاله فهذا يعني أن هناك خللاًً مخيفاً في حياتنا الفلسطينية، ولذا اكتب عنه وعن زملائه، لأنه مترفع لا يكتب عن أوجاعه ومعاناة أسرته، فهو مشغول بالحصار المضروب علي شعبه، بالكارثة التي تحيق بقضيته، أكتب وحالي ليس أفضل كثيراً سوي أنني أحصل علي راتب بين فترة وأخري!
رسمي أبوعلي، وكما أعرف عن قرب، واجهته مصائب عاتية، ولكنه كبر عليها، وخرج من وطئها مرفوع الرأس...
رسمي أبوعلي الذي رأيته علي شرفة شقته في بيروت يسقي الأزهار غير مبال بالطائرات المغيرة علي أحياء بيروت، والذي كتب بشجاعة وبدون ادعاء ،يستحق التكريم من شعبه، ولكن ما العمل ومنظمة التحرير التي أسهم في بناء إعلامها دمرت، واللصوص نهبوا ممتلكاتها، وأتلفوا منجزاتها؟!
لا بد من فضح من نهبوا أموال المتقاعدين، وكشفهم، فهم أنفسهم من سرقوا كل شيء، وهم أنفسهم من يلحقون بسمعة شعبنا (كل) هذا الأذي..
قبل سنوات دعوت لتشكيل لجنة ثقافية، مهمتها العمل علي إنشاء صندوق مالي بدعم الأثرياء الفلسطينيين يعني بالثقافة الوطنية ، ويقدم المساعدات للمحتاجين من مبدعينا، ولكن الدعوة ضاعت، والكتاب تحديداً هم من أهمل الاستجابة لها، لكسلهم وفرديتهم وبعدهم عن العمل الجماعي الذي يمنحهم (قوة) حضور، وهيبة ، ودوراً تخلوا عنه لأسباب مهما كانت تبقي غير مبررة.
هذه مناسبة للتواصل،والتكاتف، فكتابنا يموتون غرباء، لا ينعيهم أحد،ولا يسأل عن أسرهم أحد، ولا يعني بنشر نتاجهم عصارة عقولهم وتجاربهم أحد،يعانون وحيدين في البلاد البعيدة والقريبة،أو داخل الوطن في ظروف قاهرة مقيتة.
ما كتبته ليس عن رسمي أبوعلي وحده، فرسمي لا يقبل أن تحل مشكلته وحده، فحياته ككل المبدعين الفلسطينيين الشرفاء الأوفياء يجسدها هذا البيت لشاعرعربي نبيل:
فلا نزلت علي ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
كان بمقدور رسمي، وأمثاله من الموهوبين اللامعين، أن يثروا بالشطارة، والفهلوة، والنفاق، وتغييب الضمير،وخفة اليد، من مناصب تيسر للمتسيدين عليها الإثراء غير المشروع.. من دم الشهداء، ودموع اليتامي، وجراح أبطال المعارك، ولكن هذا ما كان ليحصل مع من لا يفكر بغير البلاد، بغير سحائب تعم كل فلسطين وشعبها الأبي...
 

القدس العربي -

 

 

 

 

   تحيّة لفارس زرزور

              كلمة : رشاد أبوشاور

أيتها السيّدات أيها السادة :

كلمتي هذه ليست شهادة ، ولكنها تحيّة .

لقد قدمت من عمّان لقول كلمة ، هي وإن بدت متواضعة ، وهي كذلك ، فإن صدقها يشفع لها ، ولذا فإنني ألتمس منكم المعذرة على فقرها ، وتواضعها ، بل وتقشّفها .

كلمتي ليست شهادة لأنني لست من جيل فارس زرزور ، الذي ولد في عام 30 _ قرأت في بعض المراجع أنه ولد في العام 29 _ والمجايل لعدد من المبدعين السوريين الكبار الذين ولدوا في سنة ولادته ، قبله أو بعده بقليل ، وشكّلوا جميعاً جيلاً واحداً كبيراً .

عندما ملأ حسن جبل بحضوره الحياة الأدبيّة كنت وأبناء جيلي نتابع بانبهار إبداعات أعلام الأدب العربي  : قصّة قصيرة ، روايةً ، وشعراً ، في سورية ، وع