لن يعد الرأي العام في النرويج أبدا كما كان قبل المقاطعة الثقافية لإسرائيل!

 

راحيلا ميزراحي*

 

"لن يعد الرأي العام في النرويج تجاة إسرائيل أبدا كما كان قبل المقاطعة الثقافية". هذا ما قاله المنتج النرويجي إريك هيليستاد، الذي زار فلسطين في الأسبوع من شهر كانون الثاني المنصرم. فهذه الزيارة ليست الأولى التي يقوم بها هيليستاد إلى فلسطين. فقد زارها قبل 25 سنة لتسجيل أسطوانة تراتيل عيد الملاد في كنيسة المهد في بيت لحم. وكان هيليستاد قد وقع قبل ستة أشهر على بيان المقاطعة الثقافية لإسرائيل.

 

يعتبر إريك هيليستاد شخصية معروفة في وسائل الإعلام النرويجية كمنتج موسيقي ومدير شركة الأسطوانات كي. كي. في (KKV) منذ 25 عام. قد كانت خطوة الدعاء إلى المقاطعة مفاجأة للجمهور النرويجي الذي يعرف هيليستاد شخصية من دعاة الحوار بين الثقافات والأديان.

 

خلال حرب تموز 2006، حملة العدوان الإسرائيلي في لبنان، قام هيليستاد بحملة إعلامية في الوقت الذي كان يُهاجم من كل حدب وصوب، وتُكال له الاتهامات بأنه معاد للسامية وحتى نازي. وقد تساءل أعداءه وخصومة قائلين: كيف يمكن لمنتج، غير مهم  مثله، مقاطعة أدباء كبار، "دعاة السلام" مثل عموس عوز ودفيد جروسمان وأ. ب. يهوشوع. وأن حملته تضعف "معسكر لسلام" (يقصدون "السلام الآن" الإسرائيلية). ذلك بعد ما دعا الثلاثة في جميع وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى الهجوم على لبنان، وفي الحين كانت وزيرة التربية والتعليم، يولي تمير، من زعماء "السلام الآن" تشترك في الحكومة في معركة لتدمير لبنان وغزة.

 

"لم يعلم أحد شيئا عن التطهير العرقي للفلسطينيين"

 

نشأ إريك هيليستاد في عائلة مسيحية متدينة، فوالده رجل دين. فهو شخص مؤمن. في طفولته كان والديه يحادثان إريك بأن الشعوب لم تحب اليهود وحاولوا تدميرهم في الهولوكوست ولهذا السبب أقام اليهود دولة لهم، لكن العرب لم يريدوا هذه الدولة لذا يحاربونها ويكرهونها. كالعديد من الشباب الأوروبيين "تطوع" أخوه في السبعينات فترة ما في أحد الكيبوتسات. فأول زيارة لإريك في فلسطين كانت لزيارة أخيه. في عام 1985 زار إريك فلسطين للمرة الثانية وكان في مهمة تسجيل أسطوانة تراتيل عيد الملاد في بيت لحم.

 

نزل إريك في فندق يقع في غرب القدس، ولأن ميدان عمله كان بيت لحم فقد اضطر للعمل مع سكان بيت لحم. وهكذا تعرف لأول مرة على فلسطينيين. على الرغم من معرفة الفلسطينيين الذين عملوا معه، أن إريك يدعم الدولة العبرية،لم يحاول أحد إقناعه بشيء آخر أو حتى محادثاته في الموضوع. سريعا فهم إريك بالضبط من هو المضطهد هنا، ومنذ هذه الزيارة انتقل ليبيت كلما زار فلسطين في الجانب الشرقي للقدس. تغيرت القصة التي سمعها في طفولته من والديه عن الدولة العبرية، وتغير أيضا رأي والدته بعدما زارت فلسطين، هي الأخرى.

 

يقول إريك بأنه كما كل من نشأ في العالم الغربي، لم يعلم شيئا عن التطهير العرقي للفلسطين وذلك حتى التسعينات. عندما سألته ماذا يعرفون اليوم في أوروبا عن التطهير العرقي للفلسطين قال لم يتغير الأمر. ولا شيئا!

 

مثل الكثيرين في أوروبا والعالم تشجع إريك من اتفاقيات أوسلو. لذا حاول تنظيم نشاط موسيقي مشترك مع موسيقيين إسرائيليين وفلسطينيين. في حفلة شركة كي. كي. في. التي احتفلت مؤخرا بيوبيلها الفضي لتأسيسها، قص الجميع قصصًا من تاريخ الشركة، وكان إحدى المدونات في هذه المناسبة، حديث إريك من ذكرياته من هذه التجربة عندما جاءت، عازفة القيثارة التوراتية في الفرقة الفيلهارمونية الإسرائيلية، امرأة ذاوية، برفقة حارس جلف يضع مسدسا بارزا على خصره، إريك المذهول من هذا، طلب بأدب جمّ من الحارس أن يغطي على الأقل المسدس، لأن هذا لا يجلب أحد الأمن والأمان، بل الشعور بالصداقة والسلام!

 

بالنسبة لهيليستاد قد كان توقيع المقاطعة الثقافية لإسرائيل خطوة واعية ومحسوبة جيدا. وقع هيليستاد المقاطعة من منطلق فهم وعلم عميقين وطويلين من معرفته للتاريخ والواقع المعيش في البلاد. جاءت غالبية ردود الفعل تهاجم إريك هيليستاد بعنف وقسوة. ولكن الكاتب النرويجي المشهور جوستين غاردير كاتب الكتاب الرائج "عالم صوفي" (الذي ترجمته للعربية الأديبة حياة عطية الحويك)، وقف لجانب إريك وهاجم بشدة إسرائيل.. ولهذا السبب حظِي غاردير بالدخول إلى قائمة المعادين للسامية في أوروبا مؤخرا.

 

تهاليل من محور الشر

 

في عام 2005 أصدر إريك هيليستاد وشركة كي. كي. في أسطوانة بإسم "تهاليل من محور الشر" وهي رد لكلام بوش الذي رسم هذه المحور بدءا من فلسطين وسورية والعراق وإيران وأفغانستان وحتى كورية الشمالية وكوبا. تحتوي هذه الأسطوانة تهاليلا من هذه الدول بصوت مطربات من المحور ومن العالم الغربي مثل نينا هاغن وريكي لي جونس. في الأسطوانة ثلاث تهاليل فلسطينية. تغني المطربة الشعبية من الجليل جواهر شوفاني أغنية "نامي" تقص من خلال تنويم الطفل عن الأقرباء الذين يعيشون في المنفى. وفي هذه الأسطوانة تعرف هيليستاد على المطربة الفلسطينية ريم بنا التي تغني التهليلة الحزينة والجميلة "يا ليل ما أطولك". في عمل مشترك الذي أعقب هذه التهليلة صدرت لريم بنا عام 2006 في كي. كي. في الأسطوانة "مرايا الروح" التي مرفوعة إلى كل الأسرى السياسيين الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية، إكراما لنضالهم من أجل الحرية والاستقلال. وتقوم بنّا بكونسيرتات "مرايا الروح" في كل أنحاء العالم.

 

جاء هيليستاد في هذه الزيارة ليعمل مع ريم بنا على أسطوانة جديدة بعنوان "أغاني حب من فلسطين" الذي قد يصدر هذا العام.

 

سلّمي هو  جواز سفري وشجاعتي هي التأشيرة

 

خلال عام 2006 عمل هيليستاد على مشروع إضافي. بعد نشر الكاريكاتير التي أساءت للإسلام والنبي محمد في الصحافة الدنمركية والنرويجية، الأمر الذي أدى لحرق السفارات في لبنان سورية باكيستان وبلدان عربية أخرى، وبعد صعود الحزب اليمين النرويجي الذي يدعو إلى طرد الأجانب من أوروبا، تجند هيليستاد لتسجيل أسطوانة تحتوي على تراتيل نرويجية مسيحية قديمة وأناشيد دينية إسلامية مع المطرب النرويجي سوندري براتلاند والمطرب الباكيستاني يافيد باشير. الأسطوانة سجلت في مساجد وكنائس في النرويج وباكيستان والمسجد الأموي في دمشق، محاولة منه الإسهام بالحوار بين الأديان. لم يقع هيليستاد في الفخ الشائع الذي يقع فيه أغلب الأحيان موسيقيون غربيون الذين يعملون مع موسيقيين شرقيين، في ما يسمى "موسيقة إثنية" تعبيرا لاضطهاد ثقافي: محو الأربعاع النغمية والمقامات على يد المنظومة الهارمونية الغربية. بل، وكما هو في حوار صادق، يغني كل من المطربين جملة موسيقية كاملة أو حتى أغنية، تارة الباكيستاني باشير وتارة أخرى النرويجي براتلاند ويستمع إلى الآخر، تارة الباكيستاني باشير وتارة أخرى النوريجي براتلاند.

 

يقوم الآن هيليستاد بمشروع آخر حول الجدار الفاصل، وهذا هو سبب ثاني لزيارته في فلسطين. سجل هيليستاد نفس الأغنية في جانبيْ الجدار، والرسالة هي أن ليس هناك سبب لهذا الجدار الفاصل بين شعب واحد. ولم يكتفي هيليستاد في جدار فلسطين.  يقوم بنفس العمل في جانبيْ جدران في أماكن أخرى في العالم؛ مثلا شمال وجنوب كوريا، الولايات المتحدة والمكسيك، هناك جدار بين المغرب وإسبانيا. ينتظر العديد من الناس من كل أنحاء إفريقية، يعيشون في غابات المغرب بجانب الحدود يحملون سلالم لفرصة عبور الحدود منذ سنوات طويلة. قال أحدهم لإريك "سلّمي هو جواز سفري وشجاعتي هي التأشيرة". حاليا هذا الشخص مريض وربما لا يصل أبدا إلى أرض أحلامه. قبل عدة شهور أطلقت الشرطة نار على ناس الذين حاولوا عبور الحدود وقتلت العديد منهم. وظيفة هذه الجدران حسب رأي هيليستاد هي حفظ أموال العالم في أيد أقلية الشعوب الغربية البيضاء، ومنع تقسيم ثروة الأرض مع الشعوب الفقيرة غير الغربية وغير البيضاء. الصراع بين الأديان هو لا أكثر من تفسير فاشل واستغلال الدين لأهداف رأسمالية.

 

رجع هيليستاد يوم الثلاثاء بعد أسبوع عمل شاق في فلسطين إلى النرويج، وبعد ساعتين من التحقيق في مطار بن غوريون تمكن من اعتلاء الطائرة والعودة إلى وطنه.. الضجة الإعلامية حول توقيعه على المقاطعة قد انخفضت حدتها، ولكن يقول إريك إن للمقاطعة، وخاصة المقاطعة الثقافية، وظيفة مهمة في إبراز شأن القضية الفلسطينية في الوعي العام العالمي.

 

* راحيلا ميزراحي هي طالبة ماجستير في الأدب العربي في جامعة تل أبيب. وتعتبر المقاطعة الثقافية إسهام مباشر لنضال اليهود الشرقيين (اليهود العرب) ضد الثقافة الإسرائيلية، التي تقوم ليس فقط بتدمير فلسطين وثقافتها، بل اضطهاد اليهود العرب وتدمير ثقافتهم.

 

www.safsaf.org