لماذا أفلست اسرائيل الفلسطينيين؟

 سمير التنير *

بدأت الأزمة الاقتصادية في اراضي الضفة الغربية وغزة التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية منذ أمد بعيد وعلى التحديد منذ عام .2000 اذ انخفض الناتج المحلي الاجمالي بنحو 32 بالمئة فيعام .2002 فاقتصر على 2.8 مليار دولار بالمقارنة مع 4.1 مليار دولار في عام ,2000 الأمر الذي انعكس سلبا على نصيب الفرد من الناتج المحلي الذي انخفض من 1409 دولارات في عام 2000 الى 879 دولارا في عام .2002 وقد أدت سياسات الاحتلال الاسرائيلي الى الاختلال في سوق العمل، اذ ارتفع معدل البطالة الى نحو 31 بالمئة في عام 2002 بالمقارنة بـ 14 بالمئة في عام .2000 وذلك بسبب منع العمال الفلسطينيين من الوصول الى أماكن عملهم في القرى والمدن الفلسطينية، مما جعلهم يلتحقون بصفوف العاطلين عن العمل.


كما تفاقم عجز الموازنة الفلسطينية بدرجة كبيرة بعد احداث 11 ايلول عام ,2001 اذ بلغ نحو 700 مليون دولار في نهاية عام 2002 بالمقارنة مع 58 مليون دولار عام .2000 وقد ارتفعت معدلات التضخم ارتفاعا كبيرا في عام 2004 وبلغت 27 بالمئة بالمقارنة مع 2.8 بالمئة في عام .2000 وتراجع حجم القطاع المصرفي الى نحو 960 دولار في عام 2002 مقارنة بثلاثة مليارات دولار في عام .1999 وأدت هذه العوامل مجتمعة الى زيادة معدلات الفقر الى نحو 51 بالمئة بالمقارنة 20 بالمئة في نهاية .1999 ولذلك اصبح الاقتصاد الفلسطيني، منذ ذلك الحين يعتمد اعتمادا شبه كلي على المنح الخارجية، وبلغ حجمها 950 مليون دولار بين عام 2001 و2003 بالمقارنة بمبلغ 450 مليون دولار في عام .2000
استقر الاقتصاد الفلسطيني نسبيا في عام ,2003 على الرغم من استمرار سياسة الاغلاق الاسرائيلية نتيجة لتراجع ايام حظر التجول واقدام اسرائيل في نهاية عام 2002 على تحويل الضرائب المحتجزة خلال الفترة ما بين اعوام 2001 و.2002 وبلغ حجم تلك الضرائب 294 مليون دولار. وأدى ذلك الى ارتفاع حجم الناتج المحلي بنحو 6 بالمئة والى ارتفاع نصيب الفرد بنحو واحد بالمئة كما انخفضت معدلات البطالة بالمقارنة من 31 بالمئة في عام ,2002 الى 26 بالمئة عام .2003 ولكن مستويات الاستثمار الخاص بقيت منخفضة واقتصرت على مبلغ 600 مليون دولار، اي ثلث معدلات العام .1999
وتجدر الإشارة الى ان العون العربي الرسمي شكل المصدر الرئيسي للتمويل الخارجي (5,63) بالمئة للاراضي الفلسطينية خلال السنوات 2000 ـ,2004 على الرغم من استنزاف غالبيته في دعم الميزانية للسلطة الفلسطينية الوطنية. الا انه لعب دورا اساسيا في استمرار ومنع انهيار المؤسسات الوطنية المتعلقة بالصحة والتعليم ومؤسسات الرعاية الاجتماعية.


كانت اعادة بناء الاقتصاد الفلسطيني في الضفة وغزة في عام 2004 امرا مستحيلا بلا امن نسبي قد لا يتوافر الا بقرار سياسي يجمع كلا من فتح وحماس، والا بلا استثمارات جديدة، ذلك ان اسرائيل دمرت في القطاع نحوا من 16 بالمئة من المصانع التي كانت تعمل فيه. ام المصانع الباقية فقد كانت تعمل بأقل من 40 بالمئة من طاقتها الانتاجية. وكانت معظم تلك المصانع تعمل في قطاع التعدين والميكانيك والصناعات التكميلية. وقد استهدفتها اسرائيل بحجة تصنيع اسلحة ومعدات حربية. لم تنفرج ازمة البطالة في عام ,2004 اذ ان اسرائيل نقلت 800 مصنعا اقيمت قرب معبر ايرتز لاستجلاب اليد العاملة الرخيصة. اما المصانع الباقية في مدينة غزة والتي يقارب عددها من 600مصنع فلسطيني، فقد واجهت مشكلة الارتفاع في تكلفة المواد الاولية. ويعمل معظمها في قطاع المفروشات والتجهيز المنزلي. وقد واجهت السلطة الفلسطينية في تلك الاثناء مشكلة الحد من استيراد السلع الاسرائيلية التي يوجد ما يماثلها من الانتاج الفلسطيني. ومعظم تلك السلع هي من انتاج مستوطنات في الضفة الغربية مدعومة من الحكومة الاسرائيلية. وهي خارج الاتفاقات بين السلطة واسرائيل.


لم يكن الوضع في الضفة الغربية بأحسن منه في قطاع غزة. فمدينة نابلس التي كانت تسمى عاصمة الاقتصاد الفلسطيني، فهي تعرضت لتدمير شبه منهجي من قوات الاحتلال. وكانت من قبل قد شهدت استثمارات بمبالغ عالية نسبيا من رجال اعمال فلسطينيين مغتربين ومحليين. وقد تركزت تلك الاعمال في بعض الصناعات الهندسية، وفي قطاع البناء والتشييد. وتبقى حال مدينة نابلس الآن كحال مدن كثيرة في الضفة، اذ تعيش في ضائقة اقتصادية تنعكس على مدن مجاورة لها.


وتسبب تقطع أوصال الضفة الغربية وغزة بعضها عن بعض في تفتيت البنية الاقتصادية الواهنة اصلا. اما قطاع الاستهلاك الممول 50 بالمئة منه، من المعونات الخارجية، فقد كان ايضا مشرذما، بعد اقامة جدار الفصل العنصري، ونتيجة الحواجز الثابتة والمتنقلة التي تقيمها قوات الاحتلال الاسرائيلي بين المدن والقرى، مما أدى الى ارتفاع كلفة النقل. هذا عدا عن الرشاوى ؟؟؟؟ المفروضة على السلع، مما يؤدي الى زيادة الاسعار، وشيوع عمليات التهريب، والى اقامة اقتصاد موازي، كما كانت الحال أيام الحرب الاهلية في لبنان. كما انتشرت في الضفة والقطاع مناطق فساد يسيطر عليها بعض النافذين، مما أدى الى استحالة اعادة تدوير مبالغ الاستهلاك، او الى اعادة تدوير رساميل الاستثمار.


بعد ان تشكلت حكومة حماس في اوائل عام ,2006 وجدت نفسها وجها لوجه امام معضلة الافلاس الحالي. وقد عجل ذلك في اثارة الاسئلة السياسية الصعبة، امام الحركة وحكومتها الاولى، ووجدت نفسها مخيرة بين احد اختيارين: اما ان تغير مواقفها او تخرج من سدة الحكم. ولا يزال الوضع هكذا حتى الآن.


وسط تلك الظروف وجدت حكومة حماس نفسها خالية من اي سلاح لمواجهة تلك المعركة سوى وعود من بعض الدول العربية بالدعم المالي. وأعادت تلك التجربة الى الاذهان قصة التزامات قمة بيروت في عام ,2002 والتي آلت الى التزام دولتين فقط من بين جميع الدول التي تعهدت بدعم موازنة السلطة الفلسطينية، وهما السعودية والجزائر.


لم تحل الازمة المالية للسلطة الفلسطينية حتى الآن. وانقسمت السلطة السياسية بين محمود عباس رئيس السلطة واسماعيل هنية رئيس الوزراء. ولم تستطع مساعدات بعض الدول الاسلامية، ان تغير في الأمر شيئا. على الرغم من استطاعة بعض الدول العربية النفطية سد موازنة عجز الحكومة الفلسطينية بكل سهولة، جراء ارتفاع اسعار برميل النفط الى مستويات غير مسبوقة.


وتبدو الضغوط المالية التي تتعرض لها حكومة حماس هي الاصعب من بين الضغوط المتنوعة التي تتعرض لها لتغيير مواقفها السياسية خصوصا الموقف من اسرائيل. وترمي الضغوط المالية المستمرة على حكومة حماس الى افشالها في ادارة السلطة وتاليا الى اخراجها من الحكم في آخر المطاف.


(٭) باحث اقتصادي

as-safir.lb

www.safsaf.org