الهدف إيران 

تأليف: سكوت ريتر -عرض وترجمة: عمر عدس


في مرحلة التحضير لغزو العراق، كان سكوت ريتر، إحدى الشخصيات العامة القليلة، التي ملكت الشجاعة لتحدي الأكاذيب التي كانت تروجها إدارة بوش ووسائل الإعلام السائدة، في ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل. وبعد ان حلت الكارثة بالعراق، تبين ان ريتر على حق. ولكن البيت الأبيض وحلفاءه المحافظين الجدد، يحذرون الآن من برنامج أسلحة نووية في إيران.ويشكّل كتاب ريتر، الموسوم بعنوان الهدف إيران، تخميناته بشأن المعلومات الاستخبارية الأمريكية، المتعلقة بالمعضلة الايرانية.يسلّط ريتر، مفتش الأمم المتحدة عن الأسلحة في العراق في تسعينات القرن الماضي، الضوء على سياسة تغيير الانظمة، التي تنتهجها ادارة بوش، واحتمال ان تشكل ايران خطرا على مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية. ويكتب في كتابه إني أعرف معظم اللاعبين في هذه اللعبة، سواء كانوا دبلوماسيين في أوروبا، أو جواسيس في إسرائيل، أو مفتشين في الولايات المتحدة. وقد أمضيت ساعات أناقش قضية ايران وبرنامجها النووي مع هؤلاء الخبراء، وتوصلت الى اننا نشهد التاريخ يعيد نفسه في ما يتعلق بقضية ايران. وأنا مذهول لشدة الشبه بين الكيفية التي شقت بها الولايات المتحدة، وإسرائيل وأوروبا، وروسيا طريقها الجماعي نحو الحرب في العراق) بناء على ذرائع كاذبة (هي ادعاء وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق)، وبين ما يتسرب بخصوص ايران هذه الأيام.وكان سكوت ريتر أحد كبار المفتشين عن الأسلحة في العراق بين سنة 1991 و1998 وقبل ان يعمل لدى الأمم المتحدة، كان ضابطاً في سلاح البحرية الأمريكية، ومستشاراً في شؤون الصواريخ البالستية لدى الجنرال ه. نورمان شوارزكوف أثناء حرب الخليج الأولى.


يقول صحافي التحقيقات الشهير سيمور هيرش، عن سكوت ريتر ان أهم شيء ينبغي أن نعرفه عن سكوت ريتر، الرجل، هو انه كان على حق. فقد ظل يقول لنا ويكرر سنة 2002 وأوائل ،2003 أثناء تحضير الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير للحرب في العراق، انه ليس هنالك أسلحة...كتاب سكوت ريتر: الهدف إيران: الحقيقة بشأن خطط البيت الأبيض لتغيير الأنظمة، صادر عن دار (نيشن بوكس) للنشر، في نيويورك، ويقع في 228 صفحة.

 

              تنسيق كامل بين الولايات المتحدة وإسرائيل ووكالة الطاقة

 

يتسم كتاب سكوت ريتر بالكثير من السرد، والقليل من التحليل، فهو يقص علينا وقائع استقاها من مصادر، ربما كان بإمكاننا الاطلاع عليها مثله. ولعل هذا يفسر خلو الكتاب من اي إشارة مرجعية. ولم تغب هذه النقطة عن بال المؤلف، لذلك تراه يقول في خاتمة الكتاب، انه على الرغم من ان مضمون الكتاب والتحليل الوارد فيه مختلفان عن معظم ما هو متوافر في وسائل الإعلام المفتوحة، إلا ان المصادر المستخدمة في اعداده، متوفرة في جانبها الأعظم للقارئ العادي. ويقول انه بطبيعة الحال، أفاد كثيرا من مصادر ليست متاحة للجميع، مثل المعلومات التي حصل عليها من افراد مطلعين عن كثب على المعلومات والأنشطة المتعلقة بموضوع الكتاب، وهو إيران وبرنامجها النووي. ولكنه لا يذكر لنا أسماء هؤلاء الأفراد، وأين قابلهم ومتى، لأنه حريص على عدم كشف هوياتهم. ولهذا السبب جاء كتابه خالياً من اي إشارة مرجعية.ويقول المؤلف ايضاً ان مصادر أحداث معينة، وكذلك تواريخها والأشخاص المشاركين في صنعها، والأمكنة التي وقعت فيها، تعتبر أمراً بديهياً في عصر (الجوجل) ومحركات البحث الأخرى، حيث تكفي نقرة واحدة على كلمة رئيسية، للتأكد من صحة ما استشهد به من وثائق أو تصريحات أدلى بها أفراد معينون. ولكنه ربما غاب عن بال المؤلف انه ليس كل ما يلمع على صفحات شبكة الانترنت ذهباً، فهنالك الغث والسمين، ولذلك ربما لا يصلح كل ما هنالك للاستشهاد به على صحة أمر ما.


ولكن معالم الصورة الرئيسية لقضية برنامج إيران النووي، تتضح منذ الصفحات الأولى للكتاب. فالأطراف الفاعلة في هذه القضية هي ايران بطبيعة الحال، والولايات المتحدة، وذيلها الذي يهزها وهو إسرائيل، وذيل إسرائيل الذي تهزه، وهو بعض أطراف المعارضة الايرانية في المنفى، والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ولعل من أكثر ما يثير الاهتمام في هذا الكتاب، ما يقوله عن العلاقة بين كل هذه الأطراف، وبخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وعناصر المعارضة الايرانية في المنفى من جهة أخرى. وكذلك ما يزعمه المؤلف عن العلاقة والتنسيق الوثيق بين إسرائيل والوكالة الدولية للطاقة الذرية.


ولا يغيب عن المؤلف ان ينبه الى الكثير من المفارقات والتناقضات التي تكتنف تفاصيل هذه الصورة. فالولايات المتحدة تعتبر منظمة مجاهدي خلق، على الصعيد الرسمي، منظمة إرهابية، ولكن واشنطن، في الوقت ذاته تتغاضى عن أنشطة هذه المنظمة، وتستشهد بما تكشفه عن برنامج ايران النووي. كما ان إسرائيل التي لا تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بمعاينة مرافقها النووية في ديمونا، تنسق مع هذه الوكالة، عن كثب، كما يقول المؤلف، في متابعة البرنامج النووي الايراني.
ولذلك، فإن ما سنقوم به في هذا العرض، هو تقديم عينة من هذا السرد، المتروك للقارئ مهمة التحقق من صحته، كما يشير المؤلف.


منظمة مجاهدي خلق في واشنطن


يستهل المؤلف حديثه عن بعض الأحداث التي جرت في واشنطن يوم 14 أغسطس/ آب ،2002 يوم كانت التوترات آخذة بالتصاعد في الأزمة مع العراق.. وحيث اختتمت جلسات الاستماع في الكونجرس لتوها، بإعطاء الضوء الأخضر لإدارة بوش لكي تتخذ موقفا هجومياً إزاء النظام العراقي بخصوص مسألة أسلحة الدمار الشامل العراقية.ينقلنا المؤلف الى مقر وزارة الخارجية الأمريكية، حيث كان نائب الناطق الصحافي فيليب ريكر، يعتلي المنصة لتقديم الإيجاز الصحافي اليومي. كان العراق يشغل بال الجميع، ولذلك بدأ الايجاز الصحافي بأسئلة عن العلاقات بين الولايات المتحدة والمؤتمر الوطني العراقي، وقضية استمرار التمويل، للعمل الذي كانت تقوم به المعارضة العراقية وزعيمها المثير للجدل، أحمد الجلبي، ثم انتقل التركيز من أحمد الجلبي الى صدام حسين وأسلحة الدمار الشامل، حيث سأل أحد الصحافيين عن آخر التقارير الاستخبارية التي تشير الى ان العراق قد بدأ من جديد برنامجاً للأسلحة البيولوجية.


ويتابع المؤلف قائلاً، ان ريكر، المحترف دائماً، تناول السؤال مستخدماً الرد المعياري لوزارة الخارجية، حيث قال اننا واضحون جداً بشأن قلقنا إزاء نظام صدام حسين ومحاولاته الحصول على أسلحة الدمار الشامل، وبرامجه بهذا الصدد، والصواريخ اللازمة لحمل تلك الأسلحة، ودعم ذلك النظام للإرهاب. ولذلك لا أعتقد ان بوسعي ان أضيف شيئاً جديداً اليوم، أو مختلفاً عن موقفنا من حيث نظرتنا الى نظام صدام، والخطر الذي يشكله ذلك النظام لا على شعبه وحسب، بل على شعوب المنطقة، بل على السلام والأمن في جميع أنحاء العالم.


يقول المؤلف، ثم تحوّل الايجاز الصحافي نحو قضية إيران. وهنا أصبح الموضوع طريفاً ومثيراً للاهتمام، حيث قال أحد الصحافيين.


 لقد عقد المجلس الوطني للمقاومة الايرانية مؤتمراً صحافياً صباح هذا اليوم هنا في واشنطن. وهو يصنف باعتباره منظمة إرهابية، لأنه مرتبط مع منظمة مجاهدي خلق.. ولذلك فأنا أتساءل ما هو موقفكم من منظمات إرهابية مدرجة في قائمة المنظمات الإرهابية؟


السيد ريكر: ان هذه منظمة ارهابية، وهي مدرجة على القائمة بهذا الوصف، وهي مشخصة باعتبارها منظمة ارهابية أجنبية بموجب القانون الأمريكي. وبوسعك ان تقرأ عنها في التقرير الخاص بنماذج الارهاب الدولي.


الصحافي: ولكنها تعمل علنا. وقد عقدت مؤتمراً صحافياً هنا في واشنطن.


السيد ريكر: عليك بهذا الخصوص، ان تتحدث الى وزارة العدل التي تطبق ذلك القانون محلياً.


الصحافي: كان الغرض من ذلك المؤتمر الصحافي هو كشف معلومات متوافرة لدى تلك المنظمة، مفادها ان ايران ماضية في بناء موقعين نوويين جديدين لإنتاج الوقود بالمستوى المناسب للأسلحة، وتقول تلك المنظمة ان هذه المعلومات قد أبلغت الى الادارة الأمريكية. فهل اطلعتم على هذه المعلومات؟ وهل تعتقدون ان ايران مستمرة في بناء موقعين نوويين جديدين؟


السيد ريكر: لست في وضع يتيح لي مناقشة معلومات استخبارية مهما كان مصدرها.. ولذلك لا استطيع مساعدتك بهذا الصدد.


ويتابع السيد ريكر قائلاً: ان خلافاتنا مع ايران تنبع من سياسات حكومتها وأفعالها، وبخاصة دعمها لجماعات ارهابية دولية، ومعارضتها لعملية السلام العربية  الاسرائيلية، وسعيها الى امتلاك أسلحة الدمار الشامل والصواريخ البالستية اللازمة لحمل مثل تلك الأسلحة، وسجلها البائس في مجال حقوق الانسان. وهذه هي القضايا التي تشغل بالنا بشأن النظام الايراني منذ بعض الوقت. ولذلك، يظل هذا هو موقفنا.


الصحافي: عوداً الى مسألة المجلس الوطني للمقاومة الايرانية، هل تستطيعون ان تتحققوا متى كان آخر اتصال بين وزارة الخارجية ووزارة العدل بشأن هذه الجماعة؟ لأن مما يصعب تصديقه الا تحرك وزارة الخارجية ساكناً وهي ترى منظمة مصنفة على انها منظمة ارهابية أجنبية، تعقد مؤتمراً صحافياً على مرمى حجر من البيت الأبيض.


السيد ريكر: وزارة العدل هي التي تطبق القانون. نحن نصدر التصنيفات بموجب القانون ووزارة العدل تطبقها. وعليك ان تسأل وزارة العدل.


الصحافي: ان هذه الجماعة موجودة هنا، وهي على القائمة، ولا تزال تمارس عملها.


السيد ريكر: انا على ثقة من ان وزار العدل مطلعة على القائمة، وعلى الجماعات التي تتضمنها، بقدر اطلاعنا على ذلك.


الصحافي: ولكن هؤلاء الناس دخلوا الولايات المتحدة، ولعلهم حصلوا على تأشيرات الدخول من خلال وزارة الخارجية.. أقصد أليس هنالك نوع من الحظر القانوني؟


السيد ريكر: لا أعرف هؤلاء الناس، وهل كانوا هنا في الولايات المتحدة، أو ما هي جنسياتهم. وقد سمعت عن مؤتمر صحافي يعقد اليوم، من قبل مثل هذه الجماعة، ولكني لا أملك اي معلومات أخرى عنها. وكمسألة محلية من حيث تطبيق القانون، فإن من اختصاص وزارة العدل ان تنظر في ذلك.


الصحافي: يبدو الأمر شديد الشبه بما هي عليه الحال مع حركة المقاومة العراقية التي كان زعماؤها هنا في الاسبوع الماضي. واذا كانت ايران ماضية في تطوير اسلحة دمار شامل، نووية أو بيولوجية، بمساعدة من روسيا، وهو ما تقوله هذه الجماعة، وتحشد له التأييد هنا في الولايات المتحدة.. فهل ستقدم وزارة الخارجية على عمل ما؟ وهل انتم على اتصال مع هذه الجماعة لمحاولة عمل شيء ما هنالك، مثل الذي تحاولون فعله في العراق؟


السيد ريكر: لقد أوضحت بجلاء مايثير قلقنا إزاء ايران، وما هي سياستنا نحوها. ولكن اهتماماتنا تتضمن كذلك مساعي الحكومة الايرانية للحصول على اسلحة الدمار الشامل وأنظمة الصواريخ. ويظل ذلك محط اهتمامنا ونراقبه عن كثب.


الصحافي: هل نستطيع القول ان المكتب التمثيلي لهذه الجماعة الارهابية الاجنبية الموجود في العاصمة واشنطن دي سي مستثنى من الحظر؟ هذا ما تدعيه هذه الجماعة.


السيد ريكر: عليك ان تسأل وزارة العدل، لأنها هي التي تطبق القانون، اي قانون مكافحة الارهاب، وعقوبة الإعدام لسنة 1996.

 


الصحافي: ولكن هل تطبقون بعض الاستثناءات؟ فأنتم الذين تحددون المنظمات الارهابية الاجنبية.


السيد ريكر: هذا صحيح.


الصحافي: هل تستثنون جماعات تحت مظلة مجاهدي خلق. ليس الأمر متعلقاً بتطبيق القانون، بل بالتوصيف، فإذا لم تكن مصنفة باعتبارها منظمة إرهابية أجنبية.
السيد ريكر: هذه المنظمة التي تسأل عنها، وهي المجلس الوطني للمقاومة الايرانية نعتبرها منظمة إرهابية أجنبية، ونعتبرها منضوية تحت مظلة منظمة مجاهدي خلق.


وبعد كل هذه التفاصيل، يقول مؤلف الكتاب، ان ما حدث، وحسب رواية وزارة الخارجية الأمريكية ذاتها، ان ناطقاً باسم منظمة ارهابية محددة، قد عقد مؤتمرا صحافيا علنيا، بمعرفة تامة من قبل الحكومة الأمريكية، في واشنطن دي سي.وقد حدث ذلك، في الوقت الذي كانت ادانة الحكومة الأمريكية لصدام حسين تتضمن كلاماً عن اتهام المذكور بدعمه المستمر للإرهاب.ويتابع المولف قائلاً، ان ما يجعل الامر أشد غرابة، هو ان الجماعة الارهابية المذكورة، وهي المجلس الوطني للمقاومة في ايران، كانت تقدم عرضاً عن وضع برنامج ايران النووي، تبين انه اصح وأدق من أي شيء وفره المؤتمر الوطني العراقي وزعيمه احمد الجلبي للولايات المتحدة.ويضيف المؤلف انه بحكم عمله، وقد تعامل كثيرا مع احمد الجلبي عبر السنوات، وتركز تعامله معه حول ما يسمى المعلومات الحساسة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية.. وقد تبين له ان المعلومات الحساسة التي كان احمد الجلبي يبيعها للولايات المتحدة (والأمم المتحدة) ليست اقل من سمّ الأفاعي. وقد أسهمت الى حد كبير، الأكاذيب والتحريفات التي روّجها احمد الجلبي في ما يتعلق بما يسمى خطر أسلحة الدمار الشامل المنبعث من العراق، في ان تجد أمريكا نفسها متورطة في حرب عدوان غير شرعي في العراق، يتجسد حالياً في احتلال مدمر لبلد كان مستقلاً ذا سيادة ذات يوم.ويضيف المؤلف قائلاً، ان مفارقة قيام منظمة ارهابية معروفة (هي المجلس الوطني للمقاومة الايرانية) بتقديم معلومات استخبارية دقيقة عن احتمال وجود نشاط في ايران لانتاج اسلحة دمار شامل، قد غابت عن معظم من لم يكونوا في حجرة المؤتمرات الصحافية في وزارة الخارجية في ذلك اليوم. ويستطرد المؤلف قائلاً، ولكني لا أرى مفارقة في ذلك، فقد رأيت الماضي القريب يعيد نفسه، مع كون أهداف السياسة الأمريكية مختبئة مرة أخرى خلف نقاب من الخداع، وحيث يأخذ تغيير النظام شكل نزع الأسلحة. وقد تم تغيير بعض شخوص الرواية، حيث استبدل ديكتاتور من بلاد الرافدين برجال دين إسلاميين ايرانيين، ولكن خشبة المسرح، والمسرحية هما ذاتهما.


مقاومة ناطقة باسم إسرائيل


ينتقل المؤلف بعد ذلك الى وصف المؤتمر الصحافي الذي عُقد في فندق ويلارد في ذلك اليوم، والذي أظهر فيه الناطق الإعلامي باسم المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية علي رضا جعفر زادة، بعض المعلومات الجديدة عن برنامج إيران النووي. ويصف المؤلف جعفر زادة بأنه من مواليد مدينة مشهد في ايران، سافر الى الولايات المتحدة للدراسة قبل قيام الثورة الإسلامية سنة ،1979 حيث التحق بمنظمة مجاهدي خلق على الفور. وفي سنة 1988 سافر الى العراق حيث تلقى تدريبا عسكريا في احد معسكرات هذه المنظمة.


ويتحدث المؤلف عن تنامي علاقات إيران مع روسيا، ويقول ان احدى اكثر التعاملات بين البلدين اثارة للقلق، نقل تقنيات ذات علاقة بالصواريخ، والمفاعلات النووية التي اعتقد المجلس الوطني المذكور أنها جزء من برنامج أسلحة نووية ايراني.ويضيف المؤلف ان هنالك آخرين، شاركوا ذلك المجلس، والناطق باسمه جعفر زادة القلق إزاء هذا الأمر، ألا وهم اعضاء ما يسمى اللجنة من أجل الديمقراطية في ايران التي تشكلت في مدينة واشنطن في اعقاب احداث 11 سبتمبر/ايلول 2001. وكان في صلب هذا التجمع عقائديون معروفون جيدا من المحافظين الجدد مثل مايكل ليدن (احد كبار الزملاء في معهد المشروع الامريكي وموريس أميتاي المدير التنفيذي السابق للجنة الشؤون الامريكية - الاسرائيلية العامة أو منظمة إيباك). وكان الهدف المبطن للجنة الديمقراطية الايرانية تلك هو تحقيق تغيير النظام في طهران. وعلى الرغم من انها جماعة ضغط مسجلة في الولايات المتحدة، إلا أنها مفرطة في موالاتها ل اسرائيل، وكان العديد من اعضائها مرتبطين بصورة مباشرة أو غير مباشرة بجماعات ضغط قوية موالية ل اسرائيل مثل منظمة إيباك أو المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي. ويضيف المؤلف ان لجنة الديمقراطية في ايران، مثل منظمة ايباك، والمعهد السالف الذكر، كانت تعتبر منظمة مجاهدي خلق وجبهتها السياسية، وهي المجلس الوطني للمقاومة الايرانية، القوة الوحيدة الموجودة، الكبيرة نسبياً والحسنة التنظيم والمناوئة للنظام في ايران.وكان معروفاً عن أعضاء لجنة الديمقراطية الايرانية عملهم الدؤوب لحشد التأييد لتغيير الأنظمة، وبعد نجاح فكرة التركيز على موضوع أسلحة الدمار الشامل لحشد التأييد لتغيير النظام في العراق، بدا في اوائل سنة 2002 أن هذا النموذج ناجح ، ويمكن البناء عليه إذا أريد لتغيير النظام في طهران أن يتحقق.


ويضيف المؤلف ان لجنة الديمقراطية في ايران، كانت تقيم علاقات وثيقة مع الحكومة الاسرائيلية. وقد نجح أحد مؤسسيها، الأمريكي - الايراني الأصل روب سبحاني في إقامة اتصالات وثيقة بين رضا بهلوي نجل الشاه السابق محمد رضا بهلوي، وبين حكومة الليكود الاسرائيلية برئاسة ارييل شارون، على نية أن يكون رضا بهلوي، البديل لزعماء النظام الايراني الحالي في حكم البلاد.


ويذكر المؤلف ان بعثة اسرائيلية رفيعة المستوى تضمنت ارييل شارون ووزير دفاعه بنيامين بن اليعازر، زارت واشنطن في فبراير /شباط ،2002 وحاولت إقناع الإدارة الامريكية بأن الخطر يكمن في مثلث حزب الله - ايران - الفلسطينيين، حيث تقود ايران هذا المثلث وتشكل حلفاً للإرهاب، كما قال بن اليعازر لديك تشيني يوم 8 فبراير. ويقول المؤلف ان بن اليعازر قال لتشيني ان اسرائيل قلقة بوجه خاص من برنامج الأسلحة النووية الايراني، وان اسرائيل تعتقد بأن ايران يمكن أن تمتلك اسلحة نووية سنة 2005.


وفي اليوم التالي، 9 فبراير أعاد شارون ذكر هذه المخاوف خلال لقائه مع الرئيس بوش. وكان الهدف من الاجتماع، كما يقول المؤلف، هو إقناع بوش بأن إيران تشكل خطرا استراتيجيا على اسرائيل يتجاوز خطر العراق.ولكن إدارة بوش لم تكن لتحول تركيزها عن إزالة صدام حسين.


ويضيف المؤلف ان الاسرائيليين، لما خاب فألهم مع الولايات المتحدة (...)، راحوا يبحثون عن واسطة أخرى يلفتون بها الأنظار الى الخطر الذي يعتقدون أن إيران تشكله، ويحملون امريكا من ثم على النظر الى ذلك الخطر بجدية أكبر. وتفتقت قريحة سبحاني ولجنة الديمقراطية في ايران عن حل مثالي، وهو بالتحديد أن تستخدم الحكومة الاسرائيلية رضا بهلوي بوقاً تقول للعالم من خلاله ان الايرانيين ماضون في طريق إنتاج الأسلحة النووية، وفي المقابل يحصل بهلوي على المصداقية والثقة والدعم في سباق الساعين الى حكم ايران بعد الاطاحة بالنظام الحالي. ولكن رضا بهلوي، كما يقول المؤلف، لم يتجاوب مع ذلك، وهو غير راغب فيما يبدو في المجازفة، بوضعيته داخل ايران بإقامة علاقة وثيقة جدا مع الاستخبارات الاسرائيلية.


وهكذا تحول ليدن ولجنة الديمقراطية في ايران نحو منظمة مجاهدي خلق، او بتحديد أكثر، نحو جبهتها السياسية في واشنطن، وهي المجلس الوطني للمقاومة الايرانية، باعتبارها افضل خيار متاح لنشر المعلومات الاستخبارية الاسرائيلية. وذكر ان لجنة الديمقراطية في ايران جندت ممثل المجلس الوطني للمقاومة الايرانية، علي رضا جعفر زادة، ليكون البوق الذي تذاع من خلاله المعلومات الاستخبارية الاسرائيلية على الملأ. ويقول المؤلف ان ذلك لم يكن خطوة واسعة، كما قد يظن البعض، لأن الاستخبارات الاسرائيلية كانت تقيم علاقة مع منظمة مجاهدي خلق تعود الى اواسط تسعينات القرن الماضي.بعد ذلك، يذكر المؤلف، ما صرح به جعفر زادة في مؤتمره الصحافي، حيث استهله بالقول: ان ما سأكشفه اليوم هو نتيجة دراسة وتحقيق شاملين أجرتهما لجنة الدفاع والدراسات الاستراتيجية في المجلس الوطني للمقاومة الايرانية، بالإفادة من مقر قيادة منظمة مجاهدي خلق داخل ايران، وسوف أضع هذه النتيجة بين ايديكم.ويعقب المؤلف على ذلك بالقول، انه لم يكن صحيحاً، حيث جاءت معلومات جعفر زادة من الاستخبارات الاسرائيلية ولكن ذلك ليس هو المهم، لأن ما قاله جعفر زادة بعد ذلك قد يضع العالم على مسار يمكن أن يغير مجرى التاريخ الحديث، حيث قال: انه على الرغم من أن النشاط النووي الرئيسي الظاهر على السطح، الذي يمارسه النظام الايراني، يدور حول المصنع النووي في بوشهر، إلا أن هنالك العديد من البرامج النووية السرية التي يجري العمل بها من دون معرفة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأحد هذه المشاريع البالغة السرية مرفق نطنز النووي. وتقع نطنز على بعد نحو مائة ميل شمال اصفهان. والثاني هو المرافق الذرية في أراك، وهي مدينة في وسط ايران، على بعد 150 ميلا جنوبي طهران، وقد ظل هذان المشروعان طي الكتمان حتى الآن.ويمضي المؤلف الى القول ان جعفر زادة استرسل في تقديم معلومات مفصلة عن الهيئات التي تتولى التزويد والصناعة والإدارة، كما أعطى تفاصيل زمنية عن العمل الذي ادعى انه جار في المرفقين.ويضيف المؤلف، ان ما كشفه جعفر زادة لم يحرك ساكنا في وسائل الاعلام الامريكية السائدة، التي كانت منهمكة في قضية برامج اسلحة الدمار الشامل العراقية، والتصريحات الامريكية التي كانت تسير باتجاه الحرب.ويعقب المؤلف على ذلك بالقول، ان المغامرة الاسرائيلية بدت للوهلة الاولى وكأنها فشلت، ولكن العرض الموجز الذي قدمه علي رضا جعفر زادة في ذلك اليوم القائظ في اغسطس/آب ،2002 سوف يتحول في الشهور والسنوات التي تلت الى أزمة دولية، كانت تهدد في صيف 2006 بدفع العالم الى شفير الهاوية.

alkhaleej.ae

تفاصيل التعاون والتنسيق بين إسرائيل ووكالة الطاقة الذرية
يلقي الكتاب الضوء على التنسيق والتعاون القائمين بين الاستخبارات الإسرائيلية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، فيقول في أحد فصول الكتاب:
ظلت الاستخبارات الاسرائيلية على مدى سنوات، تقيم علاقة خفية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث تقوم بتمرير المعلومات الاستخبارية المتعلقة بنشاطات مكافحة انتشار الأسلحة النووية من خلال البعثة الاسرائيلية في فيينا (إذ على الرغم من أن إسرائيل ليست موقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، إلا أنها عضو في الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ سنة ،1957 وقد سمحت بإجراء عمليات تفتيش على إجراءات السلامة، من قبل الوكالة المذكورة، في مفاعلات الأبحاث النووية الإسرائيلية، إلا أن مرفق الأسلحة النووية في ديمونا والمفاعل النووي المتصل به ظل محظوراً دخولهما على موظفي الوكالة).
وتم توسيع هذه العلاقة على نحو كبير في أواسط تسعينات القرن الماضي، عندما وفرت إسرائيل مستوى غير مسبوق من الدعم لفريق العمل التابع للوكالة، فيما يتعلق بعمليات التفتيش عن الأسلحة في العراق.ويتابع المؤلف قائلاً إن فرق الاستخبارات الإسرائيلية كثيراً ما كانت تسافر إلى فيينا، وتلتقي أفراداً يعملون في الوكالة الدولية للطاقة الذرية في غرف الفنادق بعيداً عن العيون، وفي قضية العراق، كان الإسرائيليون قد أقاموا مستوى مماثلاً من التعاون مع فريق العمل في العراق التابع للوكالة (والذي أعيدت تسميته سنة 1999 ليصبح مكتب التحقق النووي في العراق).ولم تكن العلاقة تتضمن فقط قيام إسرائيل بتزويد الوكالة الدولية بالمعلومات الاستخبارية، بل وضع المصادر الواسعة التي تملكها أجهزة تحليل المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية تحت تصرف وكالة الطاقة الذرية، حيث تستطيع الوكالة أن تعرض المسائل على خبراء فنيين مختارين، أو تحصل على نتائج تحقيقات أخرى، أو بيانات استخبارية قام الإسرائيليون بمراجعتها وقد تبين أن هذه العلاقة التي تنطوي على مفارقة كبيرة مثمرة جداً بالنسبة إلى وكالة الطاقة الذرية، وكانت تمارس بإذن صريح من المدير العام (هانز بليكس حتى ديسمبر/كانون الأول ،1997 ومحمد البرادعي بعد ذلك التاريخ).
ترويج إسرائيلي
ويمضي المؤلف قائلاً إن الإسرائيليين، حسب بعض المصادر، يقيمون علاقة مشابهة مع قيادة العمليات فرع -ب (المسؤولة عن متابعة شؤون إيران بالإضافة إلى دول أخرى) ضمن دائرة التفتيش الوقائي. وفي سنة 2002 كان رئيس العمليات فرع- ب هو الخبير النووي الفنلندي المعين حديثاً أولي هاينونن وكان رئيسه بيير جولد شميث، يعمل نائبا للمدير العام للتفتيش الوقائي منذ سنة 1999. وكان الرجلان مطلعين على المعلومات الاستخبارية التي تروجها إسرائيل عن مرافق التخصيب النووي غير المعلنة، التي تعمل في نطنز، وأراك. ولكن بسبب عدم وجود أي آلية رسمية لاستخدام المعلومات الإسرائيلية، لم يكن ثمة ما يمكن عمله سوى حفظ تلك المعلومات لاستخدام لاحق، غير أن المؤتمر الصحافي الذي عقده المجلس الوطني للمقاومة في إيران، غير كل ذلك، ولكن المشكلة الإيرانية لم تكن في ذلك الوقت تعتبر الأكثر إلحاحاً، على ضوء الوضع في كل من العراق وكوريا الشمالية.ففي شهر سبتمبر/أيلول ،2002 كانت قضية العراق تتصاعد، وكان ما يذكي جذوتها هذه المرة الخطاب السياسي الذي يصدر عن ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، ومستشارة الأمن القومي آنذاك كوندوليزا رايس.وقد أتاح تصاعد الوضع في قضية العراق، الوقت الكافي لمحمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكي يصرف انتباهه إلى ادعاءات المجلس الوطني للمقاومة في إيران بخصوص البرامج النووية الإيرانية، وعندما انعقد مجلس المديرين التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر/أيلول 2002 زاره نائب الرئيس الإيراني غلام رضا آغا زاده، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية. وقال آغا زاده للمجتمعين في ذلك المجلس إن إيران تخطط برنامج طاقة نووية لإنتاج 6 آلاف ميجاواط على مدى السنوات العشرين المقبلة، وان ذلك البرنامج سوف يشتمل على التخطيط الشامل، الجاري فعلياً، في المجالات المختلفة للتكنولوجيا النووية مثل دورة الوقود، والأمان، ومعالجة الفضلات.وخلال المؤتمر العام، التقى البرادعي مع آغا زاده وطلب منه أن تؤكد إيران ما إذا كانت تبني مرفقاً ذا علاقة بالطاقة النووية تحت الأرض في نطنز، ومصنعاً لإنتاج الماء الثقيل في أراك، كما ذكر المجلس الوطني للمقاومة في إيران في أغسطس/آب. قدم آغا زاده بعض المعلومات حول نيات إيران لإجراء مزيد من التطوير لدورة وقودها النووي، بما في ذلك العمل في نطنز، ووافق على أن يقوم المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، برفقة خبراء التفتيش على إجراءات السلامة، بزيارة نطنز في أكتوبر/تشرين الأول ،2002 ويوضح المؤلف أن مرافق إنتاج الماء الثقيل، مثل الموجود في أراك لا تعتبر مرافق نووية بموجب اتفاقيات الوقاية الشاملة المنبثقة عن معاهدة منع الانتشار النووي، وليس مطلوباً الإعلان عنها للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما أنها لا تخضع لعمليات التفتيش على السلامة.ويتابع المؤلف سرده قائلاً إن نائب الرئيس الإيراني وعد بأن تقوم إيران خلال الاجتماعات المزمعة، بتزويد الوكالة الدولية بتحديث للمعلومات بشأن خطط إيران المتعلقة بالطاقة النووية.ويعلق المؤلف قائلاً إن مقامرة الوكالة الدولية كانت ناجحة في بعض الجوانب، فها هي ماضية في كشف البرنامج النووي الإيراني.ولكن لسوء حظ محمد البرادعي كما يقول المؤلف كان العراق لا إيران هو الذي تصدر الأحداث في النصف الأول من شهر أكتوبر/تشرين الأول، فبينما استمر مجلس الأمن في الصراع على صياغة محددة لقرار يتعلق بعودة المفتشين عن الأسلحة إلى العراق، كانت الوكالة الدولية تحاول إعادة تشكيل فريق من الخبراء لا للعودة إلى العراق فقط، بل لتتبع والتحقق من مصدر المعلومات الخاصة بشحنة أنابيب الالمنيوم وكعكة اليورانيوم الصفراء (اكسيد اليورانيوم) إلى العراق.أنابيب الألمنيوم والكعكة الصفراءيستطرد المؤلف في الحديث عن العراق، شأنه في كل أجزاء الكتاب تقريباً، فيقول إنه بالرغم من ضغط إدارة بوش باتجاه الحرب مع العراق إلا ان دعواها ضد العراق، كانت آخذة في التداعي والتفسخ، على الأقل فيما يخص عمل اللجنة الدولية للطاقة الذرية. ففي سبتمبر/ ايلول وأكتوبر/ تشرين الأول ،2002 نشرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية قائمة تضم نحو 25 موقعاً في العراق ادعت انها تستخدم لأغراض تتعلق بأسلحة الدمار الشامل. وأحد هذه المواقع على وجه الخصوص، هو معمل الفرات، الخاص بالطرد المركزي للغاز. حيث عرضت تلك الأجهزة صوراً علوية تبين أن العراقيين قد أصلحوا بعض المباني الرئيسية في معمل الفرات بين سنتي 1998 و،2002 مما يوحي متزامناً مع المعلومات الاستخبارية عن شحنات أنابيب الألمنيوم والكعكة الصفراء، باحتمال ان يكون العراق ماضياً في إعادة تشكيل برنامج أسلحته النووية. وقد تحولت تصريحات كوندوليزا رايس وتحذيراتها بهذا الخصوص الى لازمة تتكرر باستمرار في أوساط الإدارة الأمريكية.ولكن القضية التي كانت الولايات المتحدة قد بنتها على أساس المعلومات الاستخبارية ضد العراق، كانت آخذة في التفكك، لأسباب أهمها العمل الذي كان يقوم به جاك بوت ومفتشو الوكالة الدولية من مكتب التحقق النووي في العراق. ولم يكن موقع الفرات، إلا واحداً من ثمانية مواقع لها علاقة بالطاقة النووية، أشارت اليها الولايات المتحدة باعتبارها مثيرة للقلق بوجه خاص. وقد تم تفتيش المواقع الثمانية جميعاً، ولم يعثر فيها على شيء له علاقة بالنشاط النووي. وقدم العراقيون إعلاناً مفصلاً عن برنامجهم النووي، انسجاماً مع متطلبات القرار 1441 الصادر عن مجلس الأمن.وعلى الرغم من ان الإعلان لم يجب عن بعض الأسئلة الفنية الصغرى التي كانت لدى الوكالة الدولية عن البرامج السابقة، إلا انه ظل منسجماً تماماً مع النتيجة العامة التي توصلت اليها الوكالة الدولية، والتي تفيد ان برنامج الأسلحة النووية العراقي قد تم تفكيكه، وان العراق لم يكن يملك برنامجاً قائماً، وان هذا البلد كان يطبق التزامه بالتجرد من الأسلحة.وفي غمرة محاولة التلاعب بقضيتي كوريا الشمالية والعراق، كان محمد البرادعي مضطراً فجأة الى الاضطلاع بقضية إيران مرة أخرى. ولم يكن المؤتمر الصحافي الذي كان قد عقده المجلس الوطني للمقاومة في إيران ليغيب عن الأذهان. وكانت الوكالة الدولية وإيران قد اتفقتا على إعادة جدولة الزيارة الى نطنز، التي كان من المقرر أن تتم أصلاً في أكتوبر/ تشرين الأول، لتصبح في ديسمبر/ كانون الأول 2002. ونظراً الى الأزمة الجارية مع كوريا الشمالية والعراق، كان من الصعب تحديد موعد دقيق للزيارة.وبعد ذلك، وفي أوائل ديسمبر/ كانون الأول، علمت الوكالة الدولية بأن منظمة رصد نووي، أمريكية خاصة، هي معهد العلوم والأمن الدولي، الذي يرأسه ديفيد اولبرايت، وهو خبير فيزيائي، عمل لفترة وجيزة مفتشاً لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، سوف تنشر صوراً التقطها قمر صناعي تجاري لكل من مرفقي نطنز وأراك. وكان اولبرايت وزميل له قد ابتاعا الصور على نفقتهما، وهما مستعدان لتوفير صور تؤيد الادعاءات التي وردت في المؤتمر الصحافي للمجلس الوطني للمقاومة في إيران الذي عقده في اغسطس/ آب.
توقيت خاطئ
يتابع المؤلف هذا السرد، قائلاً ان اولبرايت كان يعمل بالتعاون مع شبكة سي.إن.إن ليلفت الأنظار الى عمله بأوسع درجة ممكنة، عندما طلب البرادعي من موظفيه التدخل. وحاولت الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان تثني اولبرايت عن اذاعة الصور، قائلة ان ذلك قد يجعل الإيرانيين أقل قابلية للتعاون مع الوكالة. وكان البرادعي يعتقد أن توقيت نشر الصور خاطئ، حيث كانت إيران قد وافقت بالفعل على إجراء زيارة للموقع في ديسمبر/ كانون الأول. والاهتمام الذي كان سيجلبه نشر صور نطنز وأراك، كان من شأنه الانحراف بمسار الأمور، وتقويض جهود الوكالة الدولية للدخول الى إيران.وكان اولبرايت يفكر بغير ذلك، وفي 12 ديسمبر/ كانون الأول بث الصور مع تحليل مرافق على شبكة سي.إن.إن. وكان الإيرانيون على علم مسبق ببرنامج السي.إن.إن والمعهد المذكور، وقد ابلغوا الوكالة الدولية للطاقة الذرية، انه نظراً للأعمال غير المسؤولة التي تقوم بها الصحافة ووسائل الإعلام، فإن الزيارة الى نطنز لن تكون في ديسمبر/ كانون الأول، واقترحوا بدلاً من ذلك ان تؤجل الى أواخر فبراير/ شباط ،2003 لتتحقق بذلك مخاوف محمد البرادعي.ومما فاقم هذا الوضع أن الحكومة الأمريكية ردت علناً وعلى الفور، على تقرير السي.إن.إن والمعهد المذكور. فقد قال ناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية، هو ريتشارد باوتشر، خلال إيجاز اخباري يوم 13 ديسمبر/ كانون الأول، ان الولايات المتحدة، قد توصلت الى ان إيران تعمل حالياً بنشاط على تطوير قدرات أسلحة نووية. وناقش باوتشر كلاً من موضوع إنشاء مرفق إنتاج الماء الثقيل في أراك، ومرفق تخصيب اليورانيوم الذي يحتمل ان تكون إيران ماضية في إنشائه في نطنز.ويعقب المؤلف على ذلك بالقول ان التقرير الذي بثته شبكة سي.إن.إن ومعهد العلوم المذكور، وردّ فعل وزارة الخارجية الأمريكية، صورا البرنامج النووي الإيراني بطريقة استفزازية على نحو غير مسؤول، وذلك أمر كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تدركه تماماً. فبينما كان مجلس مديري الوكالة قد طلب من جميع الدول سنة ،1992 ان توفر معلومات عن خططها لإقامة مرافق نووية جديدة فور اتخاذها قرار إنشائها أو الترخيص به، لم يكن هذا القرار ملزما، وبينما وافقت جميع الدول الاخرى على هذا الشرط، لم توافق عليه ايران. ولذلك، فإن ابقاء ايران على انشاء موقع نطنز سرا مطويا، لم يكن مخالفا لأي من جوانب اتفاقية التفتيش الوقائي السارية عليها، والموقعة بينها وبين الوكالة الدولية، كما لم يكن مخالفا لمعاهدة منع انتشار الاسلحة النووية، ما دامت لم تدخل اي مواد نووية الى الموقع. وكانت احدى مهام التحقق التي تعتزم الوكالة الدولية انجازها من وراء اجراء زيارة الى نطنز، هي التحقق مما اذا كان الوضع كذلك ام لا. وكان تقرير السي ان ان والمعهد المذكور، وتصريحات وزارة الخارجية الامريكية، قد حكمت سلفا بأن ايران قد ادخلت الى الموقع مواد نووية.وبالمثل لم تكن ايران قد وقعت مع الوكالة الدولية بروتوكولاً اضافياً (المسمى بروتوكول عمليات التفتيش الوقائي الشامل المعزز 93+2).وكان البرادعي يأمل في العمل مع الايرانيين بعيدا عن الاضواء، لإقناعهم بمتطلبات اعلان مجلس المديرين لسنة ،1992 والتوقيع على البروتوكول الاضافي.
اما الآن وقد اذيعت المسألة على الملأ، فليس امام البرادعي الا ان يطالب ايران علنا، في 16 ديسمبر/ كانون الاول، بالتوقيع على البروتوكول الاضافي مع الوكالة الدولية، لإزالة اي التباس قد يكتنف برامج ايران النووية.
خيبة أمل
ينتقل المؤلف ليصف رد الفعل على الجانب الايراني، حيث عبرت ايران على الفور تقريبا عن خيبة املها ازاء تعليقات وزارة الخارجية الامريكية، حيث رد نائب الرئيس الايراني، ورئيس هيئة الطاقة الذرية الايرانية، آغازاده، يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 2002 بأن ايران ترفض الاتهامات الامريكية لها بأنها تسعى الى امتلاك الاسلحة.ومضى آغازاده الى القول ان تلك المسألة من اختصاص الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا الولايات المتحدة. وفي اليوم التالي 18 ديسمبر/ كانون الاول، رفض الرئيس الايراني محمد خاتمي بالمثل الادعاءات الامريكية بأن ايران كانت تطور قدرات اسلحة نووية. وكرر خاتمي الحديث عن نوايا ايران السلمية، مشيرا الى ان ايران تعمل تحت اشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وانها موقعة على معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية ولا تسعى الى امتلاك اسلحة نووية.ويمضي المؤلف في سرده، مذكرا بأن البرادعي ابلغ مجلس الشيوخ الامريكي يوم 27 يناير/ كانون الثاني، بأنه يعتزم زيارة ايران في فبراير/ شباط لمناقشة قضية المرفقين النوويين اللذين لفت المجلس الوطني للمقاومة في ايران انظار العالم اليهما في شهر اغسطس/ آب الماضي.ويتابع المؤلف قائلا، ان المصادر المقربة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقول ان التفاعل بين اسرائيل والوكالة قد ازداد بصورة كبيرة في الفترة بين اغسطس/ آب 2002 وفبراير/ شباط 2003 وكان كل من نائب المدير العام للتفتيش الوقائي بيير جولد شميث، ورئيس الفرع - ب للعمليات (المسؤول عن الملف الايراني في الوكالة الدولية) اولي هاينونن، يلتقيان بإذن من محمد البرادعي، مع افراد من جهاز المخابرات الاسرائيلي. وكان يجري في هذه اللقاءات تبادل كمية كبيرة من المعلومات مع الاسرائيليين فيما يخص مواصفات مرفقي نطنز وأراك. وكان الاسرائيليون يؤكدون لأفراد الوكالة الدولية على اهمية هذه المعلومات، وعلى حقيقة ان الاعمال الايرانية - من وجهة النظر الاسرائيلية - لا يمكن تفسيرها الا على انها جزء من برنامج اسلحة نووية.كما كان الاسرائيليون يطلعون مفتشي الوكالة على ملفات استخبارية اخرى، تناقش جهود ايران لاستخراج اليورانيوم، وتجميع اجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم. وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على علم بنشاط التنقيب عن اليورانيوم واستخراجه (اذ كانت ايران قد اعلنت عن نشاطها في مجال الاستخراج للوكالة الدولية منذ سنة 1992). ويستدرك المؤلف قائلا: لكن المعلومات عن تجميع واختبار اجهزة الطرد المركزي كانت جديدة. وبينما كان بوسع الايرانيين ان يدفعوا بالقول ان امتناعهم عن الاعلان عن موقع نطنز لم يكن انتهاكا لمعاهدة منع انتشار الاسلحة النووية، فإنه اذا صح ما يقوله الاسرائيليون عن اختبارات الطاردات المركزية، وان الايرانيين قد ادخلوا مواد نووية في تلك الطاردات، فإن الايرانيين يكونون قد انتهكوا فعلا معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية، وتلك حقيقة غيرت بصورة جوهرية اي تفسير لنواياهم النهائية في ما يتعلق بالبرنامج النووي الايراني بوجه عام.ويقول المؤلف ان الاسرائيليين قدموا معلومات عن مرفق لاختبار الطاردات المركزية يقع في طهران ويدعى (آب علي)، ويعمل تحت عنوان شركة وهمية لصناعة الساعات تدعى باسم (شركة كالا الكهربائية). وكانت المشكلة الرئيسية التي تواجه الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي كيفية التحقق من هذه المعلومات من دون الكشف عن المصادر التي زودتها بها. طمأن الاسرائيليون الوكالة، وقالوا لها انهم سوف يكشفون هذه المعلومات للملأ قبل زيارة الوكالة الى طهران في فبراير/ شباط.
تصميم على الاستخدام السلمي للتقنية النووية
كانت الوكالة، بشأن قضية ايران، محصورة بين من يصورون ايران بأنها دولة غير مسؤولة تسعى الى الحصول على الاسلحة النووية منتهكة التزاماتها بموجب معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية، وبين الايرانيين انفسهم، الذين يقولون ان كل ما يريدونه هو برنامج طاقة نووية سلمية. وفي 9 فبراير/ شباط وقبل  اقل من ثلاثة اسابيع من زيارة الوكالة الدولية المقررة الى ايران، القى الرئيس الايراني محمد خاتمي كلمة قال فيها ان جمهورية ايران الاسلامية قررت الافادة من التكنولوجيا المتطورة، بما فيها المتعلقة بالصناعة النووية، للأغراض السلمية.وقال خاتمي ان الحكومة الايرانية كانت قد تبنت خططاً لاستغلال مناجم اليورانيوم الموجودة لديها في منطقة ساقند. وقال ان مرفقاً لانتاج اكسيد اليورانيوم  أو الكعكة الصفراء  قيد الانشاء في ساقند. وأضاف ان مرفقاً لتحويل اليورانيوم، يحول اكسيد اليورانيوم الى هكسافلوريد اليورانيوم (وهو المادة التي تتزود بها الطاردات لتخصيب اليورانيوم) قد شارف على الاكتمال، وهو يقع قريباً من اصفهان (ولم يكن ذلك كشفاً جديداً، ففي سنة ،2000 أبلغت الحكومة الايرانية الأمانة العامة للوكالة الدولية ان مصنعاً لتحويل اليورانيوم يجري انشاؤه في اصفهان). كما قال خاتمي ان مرفقاً لتخصيب اليورانيوم، يستخدم لتحويل هكسافلوريد اليورانيوم إلى وقود بمستوى المفاعلات هو قيد الانشاء بالقرب من كاشان (ويعرف أيضاً باسم نطنز)، وان مصنعاً لمعاملة الوقود يجري انشاؤه.وقال خاتمي أيضا ان ايران قد اكتشفت احتياطيات يورانيوم واستخرجته.. اننا مصممون على استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض المدنية.. ونطمئن العالم إلى أن جمهورية ايران الاسلامية تفيد من جميع المرافق المحلية للحصول على التكنولوجيا النووية السلمية وتعتبر ان من حقها ان تفعل ذلك. ومضى خاتمي إلى القول: إذا احتجنا إلى انتاج الكهرباء من مصانع طاقتنا النووية، فعلينا ان نكمل الدورة من اكتشاف اليورانيوم إلى معالجة الوقود المستنزف المتبقي. والحكومة عازمة على اكمال تلك الدورة.ويعقب المؤلف على ذلك بالقول إن تصريحات خاتمي قد أرسلت موجات الصدمة عبر واشنطن، حيث شجب ريتشارد باوتشر، الناطق باسم وزارة الخارجية الاعلان الايراني، وذكر يوم 10 فبراير/ شباط ان خطط ايران لإكمال دورة الوقود تشير بوضوح إلى عزم إيران على انشاء البنية التحتية لقدرة أسلحة نووية. وعززت نية ايران المعلنة على السيطرة على دورة الوقود النووي المخاوف في أوساط الحكومة الأمريكية (وفي إسرائيل) من ان ايران قد تعيد معالجة الوقود المستنزف الذي تحصل عليه من مفاعل نووي، مما يمكنها من استخلاص البلوتونيوم، وهذا هو ما كان حدث مع كوريا الشمالية. وكانت الولايات المتحدة عازمة على ان لا يتكرر حدوث ذلك مع ايران.
مجرد تفاصيل
أشار باوتشر إلى أن عزم ايران على اعادة معالجة الوقود المستنزف يناقض بصورة مباشرة اتفاقية بين ايران وروسيا تتعلق بكيفية التعامل مع الوقود النووي الخاص بمفاعل بوشهر النووي، الذي هو قيد الانشاء، وبموجب تلك الاتفاقية، تقوم موسكو بتوفير الوقود للمفاعل، ولكن على ايران ان تعيد الوقود المستنزف إلى روسيا. وكانت ايران وروسيا قد اتفقتا في حقيقة الأمر على شروط صفقة وقود بوشهر، ولكن الاتفاقية لم تكن قد وقعت حتى تاريخ 9 فبراير/ شباط.ويعلق المؤلف على ادعاءات باوتشر بأنها مبالغ فيها ولا أساس لها. فخاتمي لم يتطرق إلى ذكر اعادة معالجة الوقود المستنزف، كما ان عزم ايران على امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة لا يناقض التزاماتها مع روسيا فيما يخص بوشهر، بل يعزز تصريحات سابقة لإيران بأنها تنوي بناء المزيد من مفاعلات الطاقة النووية في السنوات القادمة. ولكن السياسة كثيراً ما تتلاعب بالوقائع الحقيقية، وكانت وزارة الخارجية الأمريكية منهمكة في فرض مفهومها عن البرنامج النووي الايراني على الرأي العام الأمريكي والعالمي.وفي عشية زيارة بعثة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران، المكونة من محمد البرادعي وبيير جولد شميث وأولي هاينونن، وفىّ الاسرائيليون بوعدهم بكشف المزيد من المعلومات.. ولجأوا إلى علي رضا جعفر زاده مرة أخرى.. الذي قال في مؤتمر صحافي ان نظام طهران يسعى إلى امتلاك ترسانة نووية في سنة 2004 أو 2005. وقال ان هذا المشروع له ثلاثة أجزاء رئيسية. حيث يستخلص اليورانيوم في ساقند. ويخصب في نطنز. وينتج الماء الثقيل في أراك. ومضى جعفر زاده ليقدم تفصيلات عن نطنز وساقند وأراك ومرفق لتجميع الطاردات المركزية في اصفهان. وقال ان اختبار أنظمة الطرد المركزي يتم في موقع يسمى آب علي. والموقع يحمل اسماً وهمياً لشركة تدعى شركة كالا الكهربائية.وصل البرادعي وجولد شميث وهاينونس طهران في 21 فبراير/ شباط، حيث كان في استقبالهم كبار المسؤولين الايرانيين ومن بينهم الرئيس خاتمي.زار البرادعي ومرافقاه نطنز، واطلعا هناك على مصنع تخصيب الوقود التجريبي. ثم استدعي البرادعي للعودة إلى فيينا، وبقي زميلاه في ايران وقد طرح بيتر جولد شميث موضوع شركة كالا الكهربائية على المسؤولين الايرانيين، فاعترفوا له بأنها تستخدم لانتاج مكونات الطاردات المركزية. ولكنهم أكدوا أنهم لم يدخلوا أية مواد نووية في الطاردات، سواء في هذه الشركة أو في غيرها، وان كل الاختبارات كانت تجري باستخدام دراسات محاكاة. ويمضي الكاتب في عرض التفاصيل التي كثيراً ما يظهر معظمها في وسائل الاعلام المختلفة. ولكنه يذكر بين الحين والآخر، وعلى ضوء وقائع الغزو الأمريكي للعراق، ان تفاصيل ما تقوم به الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تبقى مجرد تفاصيل، حين يكون هدف الولايات المتحدة تغيير الأنظمة، وحين تستخدم هذه القوة العظمى قرارات الأمم المتحدة وأنشطتها ذرائع لما تقدم عليه.

 

www.safsaf.org