حاسبوا الرئيس ... 2/2

اعداد: دينيس لو وبيتر فيليبس

 عرض وترجمة: عمر عدس


ينطلق كتاب “حاسبوا الرئيس” من إدانة الإدارة الأمريكية الحالية بزعامة جورج دبليو بوش، ونائبه ديك تشيني، واعتبار هذين من مجرمي الحرب، الذين يجب تقديمهم الى العدالة، ومحاسبتهم على ما اقترفته ايديهم وما تزال تفعل. والكتاب زاخر بالأمثلة على ذلك، سواء الحروب التي اثارتها وتثيرها الإدارة الأمريكية، أو التضييق على الحريات المدنية وتشويه الديمقراطية في الولايات المتحدة ذاتها، أو الانتهاكات الصارخة والمتكررة للمواثيق والمعاهدات الدولية وحقوق الانسان، في أي مكان تطاله يد الإدارة الامريكية الطويلة.


يتألف الكتاب من ستة عشر فصلاً لكتّاب مختلفين، يلقي كل منهم الضوء على جانب من جوانب أنشطة الإدارة الامريكية، ولكنهم يتفقون جميعا على إدانة هذه الإدارة وضرورة محاسبتها ووقفها عند حدها. ومرجعهم في كل ذلكهو الدستور الامريكي ذاته، واتفاقات جنيف وميثاق الأمم المتحدة، وغير ذلك من مراجع القانون الدولي.والكتاب من اعداد دينيس لو، وهو عالم اجتماع واستاذ مزامل في جامعة ولاية كاليفورنيا للفنون التطبيقية المتعددة، وبيتر فيليبس، الاستاذ المزامل لعلم الاجتماع في جامعة مقاطعة سونوما في ولاية كاليفورنيا، في الولايات المتحدة.ويأمل معدا الكتاب، والمشاركان في تأليفه ايضا، ان يكون جزءاً من الحل للخروج من المأزق الأمريكي الحالي، حيث انه يسهم في توعية الجمهور الامريكي بما تفعله إدارته، وتعبئته وحفزه على التحرك السلمي الديمقراطي للتخلص من هذه الإدارة وأجندتها.
والكتاب صادر عن دار سيفن ستوريز بريس.

2/2

المستشفيات والأطباء والجرحى هدف القوات الأمريكية في الفلوجة


يتابع الصحافي الأمريكي المستقل ضاهر جميل، الحديث عن الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبتها القوات الأمريكية في مدينة الفلوجة العراقية مما شهده هناك بأم عينه، أو سمع عنه ممن شهدوه.


إعاقة الرعاية الطبية


يقول ان الاعاقة المتعمدة للرعاية الطبية كانت من ضمن التكتيكات التي اتبعها الجيش الامريكي في الفلوجة، وفي غيرها من ميادين القتال في العراق، ولكن الفلوجة هي المثال الاوضح على ذلك. ويضيف الكاتب، ان القوات الامريكية والعراقية اجتاحت يوم 7 نوفمبر/ تشرين الثاني ،2004 أي اليوم السابق لبدء عملية غضب الاشباح، مستشفى الفلوجة العمومي واحتلته. وزعم الجيش الامريكي، ان المستشفى قد استهدف لأنه كان “مركزاً للدعاية” ينشر الشائعات عن اصابات المدنيين اثناء هجوم ابريل/ نيسان، وقد تم تجميع المرضى والأطباء على حد سواء، وأمروا بالانبطاح على الأرض وايديهم موثقة وراء ظهورهم.


وبعد ذلك بيومين قصفت الولايات المتحدة بالقنابل مركز الرعاية الصحية المركزي في الفلوجة، فقتلت عشرين من الممرضين والأطباء، وعددا غير محدود من المرضى.ويذكر الكاتب ان المادة (19) من اتفاقية جنيف تنص على ان “المنشآت الصحية الثابتة والوحدات الطبية المتحركة يجب ان تصان وتحترم من قبل جميع اطراف الصراع”. ولكن الجيش الامريكي رفض السماح بدخول المعونات الطارئة الى الفلوجة، بالاضافة الى رفض السماح للأطباء باخلاء الجرحى الى خارج المدينة.


وتنص المادة (55) من اتفاقية جنيف الرابعة على ان “القوة المحتلة في منطقة محتلة، تتحمل مسؤولية ضمان حصول السكان على الامدادات الطبية الملائمة”.كما تنص المادة (59) على انه “إذا كان هنالك نقص في الإمدادات الطبية، فإنه يجب على قوات الاحتلال ان توافق عليه، وتدعم جهود الاغاثة التي تبذلها الدول أو المنظمات الانسانية”.ويقول الكاتب، ان الغارات على المستشفيات المدنية تشكل انتهاكات خطيرة (وجرائم حرب) بموجب المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949. (بل ان الهجوم حتى على مستشفى عسكري يشكل انتهاكا خطيرا لنصوص اتفاقية جنيف الاولى).ويضيف الكاتب قائلا، انه على الرغم من ان المادة (18) من اتفاقية جنيف الرابعة تنص صراحة على ان “المستشفيات المدنية المنظمة لتقديم الرعاية للجرحى والمرضى، وحالات العجز والأمومة، لا يجوز بحال من الأحوال ان تكون هدفا للهجوم، بل يجب احترامها في جميع الأوقات ورعايتها من قبل اطراف الصراع”  الا انه قد قابل أطباء اثناء وبعد حصاري ابريل/ نيسان ونوفمبر/ تشرين الثاني للفلوجة، قالوا له ان مستشفياتهم وعياداتهم وسيارات اسعافهم كانت تتعرض لإطلاق النار من قبل القوات الامريكية بصورة منتظمة.وفي العراق، تتحدى إدارة بوش علناً، اتفاقيات جنيف، وتستمر في ذلك من دون أي بادرة تدل على الندم.


مراقبة الصحافة

 

ومن الانتهاكات الامريكية الأخرى في الفلوجة، كما يقول الكاتب ان الصحافيين المستقلين الذين حاولوا تغطية الاحداث في هذه المدينة، كانوا يتعرضون للاحتجاز واطلاق النار عليهم من قبل القوات الامريكية، الأمر الذي يعتبر جريمة حرب بطبيعة الحال. فالصحافيون يتمتعون بحقوق المدنيين الكاملة في مناطق الصراع، وفق اتفاقات جنيف، وينقل الكاتب عن لجنة حماية الصحافيين قولها قبل سنة من الآن تقريبا، ان 64 صحافياً قد قتلوا في العراق منذ مارس/ اذار ،2003 45 صحافيا منهم عراقيون، وثلاثة من الدول العربية، وان 14 منهم قتلوا بنيران القوات الامريكية، علماً بأن مجموع الصحافيين الذين قتلوا طوال فترة الحرب العالمية الثانية، هو 68 صحافياً.


ممارسة التعذيب

 

يقول الكاتب ان التعذيب هو احد الجوانب الاخرى لجرائم الحرب التي تتورط فيها إدارة بوش في العراق. فالتعذيب مستمر في هذا البلد منذ بداية احتلاله.وعلى الرغم من انكار اشخاص مثل جورج دبليو بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس ان القوات الأمريكية ومن ينوبون عنها من المتعاقدين الغربيين يقومون بتعذيب العراقيين حاليا، تظل الحقيقة ان التعذيب مستمر اثناء قراءة هذه السطور.ويقول الكاتب ان الدلائل على تعذيب العراقيين من قبل الجنود الامريكيين، بدأت تتكشف في وقت مبكر من الاحتلال الامريكي للعراق. ويسوق مقالاً على ذلك، ان الجنود الامريكيين اجتاحوا أحد المنازل وفتشوه فلم يعثروا على أي سلاح، ومع ذلك اعتقلوا صاحب المنزل الذي يبلغ من العمر 57 عاما، يوم 21 يوليو/ تموز ،2003 واطلقوا سراحه يوم 23 أغسطس/ آب، حيث اوصلوه الى مستشفى في تكريت، وهو في غيبوبة، وعلى الرغم من انه لم يكن قادراً على رواية قصته، إلا ان جسده كان مرصعاً بآثار التعديب. بقع محروقة على جلده، آثار ضرب بالهروات على مؤخرة رأسه، ابهام مهشمة بشدة، وحروق كهربائية على أخمص قدميه. كما ان أفراد عائلته وجدوا آثار سياط ورضوضاً على ظهره، وحروقاً على أعضائه الجنسية وعورته.ويتابع الكاتب قائلا، مع احتجاز عشرات الألوف من العراقيين في المعتقلات العسكرية المنتشرة في أرجاء العراق، أصبح الاختفاء والتعذيب من حقائق الحياة اليومية للعراقيين. ولم يعد من الأخبار الجديدة ان الولايات المتحدة قد تسببت في تعذيب السجناء وتعريضهم لعقوبات وحشية وغير عادية ومهينة، خلافا لاتفاقية مكافحة التعذيب، والميثاق الدولي الخاص بالحقوق والسياسية، وقانون حقوق الانسان لسنة ،1998 وقانون العدالة الجنائية لسنة 1988.وتعتبر جميع الحالات التي تحدث في العراق، مثل حالة ذلك المعتقل، انتهاكات لاتفاقات جنيف. وتنطبق هذه الاتفاقات على جميع الاشخاص ضمن منطقة النزاع  المدنيين (وفق اتفاقية جنيف الرابعة)، والعسكريين (وفق ميثاق جنيف).وتنص اتفاقية جنيف الثالثة بوضوح على ان “سجناء الحرب يجب ان يعاملوا في جميع الاوقات معاملة انسانية، وبالمثل يجب توفير الحماية لسجناء الحرب في جميع الاوقات خاصة ازاء اعمال العنف أو الترويع أو الاهانات أو التشهير بهم وعرضهم على الملأ”.وتضيف المادة (17) من الاتفاقية ذاتها، انه “لا يجوز ممارسة أي تعذيب جسدي أو نفسي، أو أي شكل من أشكال الاكراه، على سجناء الحرب من أجل انتزاع أي معلومات منهم، مهما تكن”.
ويقول كاتب المقالة انه خلال فترة الثمانية شهور التي قضاها في العراق المحتل، مراسلا اخباريا، قد وثق عشرات الحالات لعراقيين تم تعذيبهم في المعتقلات الامريكية.يورد الكاتب مثالا آخر، لرجل قابله في مايو/ ايار ،2004 فور اطلاق سراحه من سجن أبوغريب، ويدعى علي عباس. ويقول ان هذا الرجل، شأنه شأن الكثيرين الذين قابلهم ممن افرج عنهم من المعتقلات العسكرية الامريكية، ما يزال يحتفظ بحس الدعابة.. ينقل الكاتب عن هذا السجين قوله: لقد اوصل الامريكيون الكهرباء الى مؤخرتي قبل ان يوصلوها الى منزلي”.كان علي عباس يعيش في منطقة العامرية في بغداد ويعمل في الادارة المدنية وتم احتجاز عدد كبير جدا من جيرانه، فحثه الاصدقاء على الذهاب الى القاعدة الامريكية الغربية ليحاول الحصول على معلومات عن سبب اعتقال كل هؤلاء الناس، ذهب الى هناك ثلاث مرات. وفي المرة الرابعة تم احتجازه هو نفسه. وخلال يومين جرى نقله من القاعدة العسكرية الى أبوغريب، حيث احتجز هناك اكثر من ثلاثة اشهر من دون توجيه تهمة إليه، قبل ان يطلق سراحه.يقول علي عباس “في اللحظة التي وصلت فيها الى هناك، بدأت المعاناة” ويقول عن رجل الاستخبارات المركزية الامريكية الذي كان يستجوبه “طلبت منه ماء فقال انني سأحصل على شيء منه بعد التحقيق. لقد اتهمني بأمور كثيرة، وطرح عليّ الكثير من الاسئلة، ومن ضمن ذلك قال انني اكره المسيحيين”.وقد أجبر هذا المعتقل على التجرد من ملابسه، بعد فترة قصيرة من وصوله، وظل على تلك الحال طوال معظم المدة التي قضاها في السجن. يقول “كانوا يجبروننا على ان يتراكم بعضنا فوق بعض، عراة”، وكأننا في وضع جنسي، وكانوا يضربوننا بالمكانس”. وبالاضافة الى ضرب المعتقلين على عوراتهم، كانوا يحرمون من الماء والغذاء فترات طويلة من الزمن، ويجبرون على رؤية طعامهم ويلقى في القمامة.كما تضمنت المعاملة التي يتلقاها، تصويب بندقية محشوة الى رأسه لمنعه من الصراخ بألم عند شدة الوثاق على يديه، وقد غطوا رأسه بكيس، وربطوا يده اليمنى الى عمود بوساطة الاغلال، وجعلوه يقف على رؤوس أصابعه لشبكه بالعمود.وكانوا يحرمونه من النوم، فيغطسونه في الماء البارد، بينما يسلطون عليه مروحة، وكثيرا ما كانوا يشغلون مكبر صوت، ويضعون السماعات على أذنيه.وفي احدى المرات جاء إليه امريكي برفقة مترجم، وقال له “سوف نقطع رأسك ونرسلك الى الجحيم، سوف نأخذك الى جوانتانامو”.وفي مرة اخرى، قالت له مجندة “ان هدفنا هو ان نضعك في الجحيم لكي تقول الحقيقة. هذه هي الأوامر الصادرة الينا من الجهات العليا، ان نحيل حياتكم الى جحيم”.ويضيف عباس “كانوا يتغوطون علينا، ويطلقون علينا الكلاب، ويستخدمون الكهرباء ويجوعوننا”.وكان المحققون الامريكيون ينتهكون حرمة الإسلام كجزء من اذلال المعتقلين. فقد جعلوا عباس يصوم اليوم الأول من عيد الفطر، وفي بعض الاحيان، حين كان يقرأ القرآن في الليل، على الضوء المتسلل من الممرات، كان الجنود يقتربون منه ويركلون القرآن بأرجلهم، ويحاولون احياناً ان يبولوا عليه أو يدنسوه بالبراز. ولم يكن عباس يشعر بأن تلك المعاملة من فعل أفراد معدودين، بل هي فعل منظم.وتؤيد روايات جماعات حقوق الانسان هذه التهمة. فقد ورد في تقرير اصدرته جماعة مراقبة حقوق الانسان في ابريل/ نيسان ،2005 ان فضيحة سجن أبوغريب “لم تكن سوى الجزء الطافي من جبل الجليد. وبات جلياً الا ان اساءة معاملة المحتجزين لدى الولايات المتحدة تجري في جميع انحاء العالم  من افغانستان الى خليج جوانتانامو الى عدد كبير من الزنازين في دول ثالثة حيث ارسلت الولايات المتحدة السجناء، ويحتمل ان يكون هنالك عدد اخر من الاماكن التي لا ندري بها”.ويبرهن الكاتب على ان كل ذلك يجري بأوامر من أعلى سلطة في الولايات المتحدة، حيث يستشهد بما قالته جانيس كاربنسكي التي كانت مسؤولة عن سجن أبوغريب وستة عشر سجناً عسكرياً امريكياً آخر في العراق، امام لجنة للتحقيق في جرائم الحرب، في يناير/ كانون الثاني ،2006 حيث تحدثت عن مذكرة موقعة من وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد تتعلق بأساليب التحقيق. وتقول كاربنسكي ان وزير الدفاع ما كان ليصدر تلك المذكرة من دون موافقة من ديك تشيني نائب الرئيس.


مجرمو حرب

 

يقول كاتب المقالة، ان ما ذكره من انتهاكات للقانون الدولي ارتكبتها القوات الأمريكية في العراق، ليس الا غيضاً من فيض.ويذكر بما كتبه سنة 1946 قاض امريكي في نورمبيرج “ان المبادرة الى شن حرب عدوانية، ليست جريمة دولية وحسب، بل هي كبرى الجرائم الدولية، غير انها تختلف عن جرائم الحرب الأخرى، في انها قد جمعت في ذاتها شرور كل تلك الجرائم”، وقد حكم الأمين العام السابق للأمم المتحدة، على غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة، قائلا: “انه عمل غير شرعي يتناقض وميثاق الأمم المتحدة”.وقد أبدى العديدون من الاعضاء الحاليين والسابقين في ادارة بوش الاحتقار المطلق للقانون الدولي في ما يخص العراق  بدءا بالغزو غير الشرعي لدولة ذات سيادة، وانتهاء بكل جانب من جوانب الاحتلال. ويتوالى ارتكاب جرائم الحرب واحدة إثر اخرى بصورة يومية.ويحكم الكاتب على اعضاء إدارة بوش الحالية والإدارة التي سبقتها، مثل جورج دبليو بوش، ريتشارد تشيني، دونالد رامسفيلد، كولن باول، كوندوليزا رايس، ريتشارد بيرل، وبول وولفوتز وغيرهم بأنهم مذنبون في انتهاكات لا تعد ولا تحصى للقانون الدولي، ويجب محاكمتهم على جرائم الحرب. فهؤلاء الأفراد مجرمو حرب ويجب معاملتهم على هذا الأساس. حيث يجب محاكمتهم بسبب انتهاكاتهم لاتفاقات جنيف، وجلبهم للعدالة. فالانسانية لا تطالب بأقل من ذلك.


العراق.. المحطة الثانية

 

من فصول الكتاب الأخرى التي تتحدث عن العراق، فصل بعنوان: (العراق: المرحلة الثانية في حرب على العالم غير محدودة). وكاتب هذا الفصل هو لاري ايفرست مؤلف كتاب “النفط، العقود، والامبراطورية”، والصحافي الذي غطى أخبار الشرق الأوسط وآسيا الوسطى على مدى أكثر من عشرين سنة لجريدة ريفليوشن الأمريكية وغيرها من المطبوعات.يقول ايفرست في هذا الفصل، عند تجميع ما تم كشفه حتى الآن عن سجل أفعال الولايات المتحدة في العراق خلال تسعينات القرن الماضي، وعن أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، والخط الزمني لقرار جورج دبليو بوش الذهاب إلى الحرب، والفكر الاستراتيجي للإدارة الأمريكية وشخصياتها المهيمنة، تتكشف الصورة المتماسكة التالية:


 كانت حكومة الولايات المتحدة تناقش علناً، بل وتحاول الإطاحة بالنظام العراقي السابق على مدى عقد من الزمن قبل أحداث 11/،9 ولكن، لا لأن العراق كان يشكل تهديداً عسكرياً، أو لأن له علاقات مع حركة القاعدة. بل لأن المؤسسة الأمريكية كانت تشعر بأن هذا النظام يقوض سيطرتها على الشرق الأوسط، ويعيق تقدم طموحاتها على الصعيد العالمي. وكان ذلك هو جوهر دوافع حرب 2003.


 يبين الاستعراض التاريخي الزمني لقرار بوش شن الحرب، أن إدارته رأت في أحداث 11/9 فرصة سانحة لغزو العراق، كجزء من أجندة عالمية كاسحة كان العمل بها جارياً منذ وقت طويل. فاستغلت أحداث ذلك اليوم الرهيب بسوء نية لحشد التأييد لحرب لا علاقة لها بمنع مثل تلك الهجمات في المستقبل. فقد اتخذ قرار غزو العراق في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني ،2001 أي قبل سنة من محاولة الولايات المتحدة استصدار قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالموافقة على الحرب، في خريف 2002. كانت تبريرات إدارة بوش للحرب، أكاذيب متعمدة وعن وعي تام، لا “أخطاء استخبارية” فقد كانت الولايات المتحدة والعالم يعلمان أن العراق قد تجرد من أسلحته، وكانت استخبارات الحكومة الأمريكية تتعارض مع إدعاءات الإدارة العلنية في ما يخص أسلحة الدمار الشامل العراقية، وعلاقة العراق المزعومة مع حركة القاعدة. وباختصار، لم يكن فريق بوش يرى العراق “خطراً داهماً آخذاً بالتجمع”، بل هدف ضمن أجندة أشمل. لم تشن “عملية حرية العراق” للقضاء على “الإرهاب”، أو لتدمير أسلحة الدمار الشامل، أو لتحرير العراقيين، بل كانت المرحلة الثانية (بعد أفغانستان في اكتوبر/ تشرين الأول 2001) في حملة كاسحة، وشنت تحت شعار “الحرب على الإرهاب” لإعادة رسم الخارطة الجغرافية السياسية للعالم، ولتعزيز وتوسيع الهيمنة الامبريالية الأمريكية. وكان المقصود من احتلال العراق تعزيز قبضة أمريكا على الخليج العربي الغني بالنفط، وتحويله إلى رأس جسر للسيطرة على القوس الممتد من شمال إفريقيا إلى آسيا الوسطى (وتنصب الجهود الآن على إيران)  وكل ذلك من أجل تقوية شوكة الولايات المتحدة ضد الخصوم والمنافسين، في الوقت الراهن وفي المستقبل.يبيح القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة سببين شرعيين اثنين فقط للذهاب إلى الحرب، وهما الدفاع عن النفس الفردي والجماعي رداً على هجوم مسلح، أو القيام بعمل مرخص من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ولم تكن تملك الولايات المتحدة أياً من هذين السببين، مما جعل حربها سنة 2003 على العراق عدواناً غير شرعي وليس له ما يبرره  أي جريمة حرب.


لا بد من رحيل إدارة بوش

 

ويناقش الكاتب هذه النقاط بالتفصيل، ثم يخلص منها إلى استنتاج مفاده أن على بوش وأجندته أن يرحلا. وبالنظر إلى ما تنطوي عليه حرب العراق من إجرام، وإلى الأجندة الامبريالية الكاسرة التي تحركها، والحروب العدوانية القادمة التي تتبناها وتخطط لها، فإن من الضروري إزاحة إدارة بوش عن السلطة، ونبذ برنامجها برمته، بما في ذلك ما يسمى الحرب على الإرهاب.ويمضي الكاتب إلى القول، إن ذلك لا يمكن تحقيقه بانتقاد الإدارة لأنها لم تشن الحرب ب “كفاءة”، أو لأنها ليس لديها استراتيجية لتحقيق النصر. فهذا التوبيخ لا يعدو أن يكون دعوة إلى شن المزيد من الحروب غير الشرعية وغير الأخلاقية والظالمة، بفاعلية أكبر، مما لا يعني سوى المزيد من الأهوال وأشكال القمع للشعب العراقي. كما لا يمكن معارضة هذه الإدارة بمجرد المجادلة بأن حرب العراق قد انحرفت ب “الحرب على الإرهاب” عن طريقها. فذلك يعني قبول  الإطار العام لأجندة بوش العالمية، والتسليم بشرعية شن حرب امبريالية غير محدودة ضد كل من يقع اختيار الإدارة الأمريكية عليه.كما لا يمكن الاعتماد في ذلك على القنوات العادية المعهودة على أمل أنها سوف تعيد الأمور إلى نصابها. فقد أثبتت جميع مؤسسات النظام القائمة  الحزبان الجمهوري والديمقراطي، وجميع فروع الحكومة، ووسائل الإعلام، وما شابه ذلك  أنها غير راغبة أو غير قادرة على محاسبة بوش ووقف الحرب التي أعلنت إدارته أنها سوف تستمر في شنها على مدى عشرات السنين إذا اقتضى الأمر.ويضيف الكاتب قائلاً إنه من دون اندفاع شعبي غير مسبوق يأتي من قاعدة الهرم، ويتجاوز ما حدث في ستينات القرن الماضي، ويعلن ملايين الناس من خلاله بعزم وإصرار رفضهم استمرار ذلك، فإن بوش لن يحاسب ويدان ويجبر على التنحي عن السلطة.ويتفق معدا الكتاب مع هذا الرأي تماماً، حيث يقولان في الفصل الختامي للكتاب، إن نظام بوش وتشيني قد برهن على مدى السهولة التي يمكن بها فرض أجندة يمينية راديكالية على الحكومة الأمريكية والإعلام الأمريكي السائد. وتتطلب الإطاحة بهذا النظام حركة اجتماعية قوية، لا للتغلب فقط على بوش وتشيني ومن تواطأ معهما، بل لخلق أجواء سياسية مختلفة تماماً.ويرى معدا الكتاب، وغالبية من شاركوا في كتابة فصوله الستة عشر، أن تغيير الوضع في الولايات المتحدة، وتعبئة الناس ضد النظام القائم، يتحققان من خلال استغلال قوة الإعلام، وتوعية الناس بعمق الهوة التي تشدهم إدارة بوش إليها. ففي كل يوم يمر تتعاظم الفجوة بين ما تقول الحكومة الأمريكية وأعوانها إنها تفعله، وبين ما تفعله في الواقع. فهي تدعي أنها ماضية في إحراز النصر في الحرب على الإرهاب وفي الحرب على العراق، ولكن الحقائق التي تتكشف كل يوم تكذب ذلك. وهي تؤكد أنها تحمي الحريات المدنية الأمريكية وتطبق ما ورد في الدستور، ولكن كل أسبوع يمر يكشف المزيد من انتهاكاتها للدستور. والشعب الأمريكي، كما يقول الكاتبان،  الذي استطاع في ستينات القرن الماضي أن يحول بين الرئيس جونسون وبين الترشح لفترة رئاسية أخرى، والذي أجبر الرئيس نيكسون على التنحي في أعقاب فضيحة ووترجيت، قادر اليوم على إجبار الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني على التنحي أيضاً.

 

 

حاسبوا الرئيس ... 1/2

 

                    لائحة الاتهام ضد بوش وتشيني تتضمن 12 سبباً


يتصدر الكتاب اثنا عشر سبباً تدعو الى محاكمة الرئيس جورج دبليو بوش، ونائبه ديك تشيني، وهذه الأسباب هي:
1- الاستيلاء على البيت الأبيض سنة 2000 وسنة 2004 ضمن عملية خداع مباشر للناخبين.


2- الكذب على الشعب الأمريكي وتضليل الكونجرس عن عمد، من أجل شن حرب عدوانية على العراق من دون وجود ما يدعو الى ذلك.


3- منح التصريح بممارسة تعذيب ألوف السجناء، وإدارة ذلك التعذيب وتوجيهه، ما افضى الى الموت، والألم المبرح، والتشويه، والصدمة النفسية لدى اولئك السجناء، وكذلك اخفاء السجناء عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالامتناع عمداً عن تسجيلهم كمحتجزين، والقيام بتسليم مئات السجناء الى أنظمة ودول معروف عنها ممارستها التعذيب بصورة روتينية. واحتجاز الناس الى أجل غير مسمى وحرمانهم من حقهم في المثول امام المحاكم.


4- الأمر بإنشاء مناطق يكون اطلاق النار فيها غير خاضع لأي قيود، والتصريح باستعمال الاسلحة المضادة للأفراد، في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية في العراق، مما أدى إلى قتل عشرات الألوف من المدنيين  أي ارتكاب جرائم حرب، بموجب القانون الدولي.


5- مصادرة حق الشعب الامريكي في معرفة الحقيقة بشأن اعمال الحكومة، من خلال الاستعمال المنظم للدعاية والتضليل الاعلامي.


6- بناء زعامة امبراطورية، بقيام الرئيس بإصدار قرارات مكتوبة لدى اعتماد مشروعات القوانين في الكونجرس لتصبح قوانين، حيث تتضمن تلك القرارات تعديلات لمعنى القوانين، مما يتعارض مع الغرض من وجود الكونجرس إضافة إلى اخفاء قرارات الحكومة عن انظار الجماهير والكونجرس من خلال تجاوز قانون حرية المعلومات، والتجسس بوجه غير شرعي على ملايين الأمريكيين من دون تصريح من المحكمة، والكذب بشأن ذلك على مدى سنوات.


7- تقويض قدرة مدينة نيو اورليانز على الصمود في وجه اعصار، والسماح بتدمير هذه المدينة بفعل الاعصار كاترينا، والتقاعس عن نجدة الضحايا في الوقت الملائم وعلى نحو مناسب، مما أدى الى مصرع أو فقدان ألوف الأمريكيين.


8- انكار حدوث الاحتباس الحراري، وتجاهل نظرية الذروة النفطية،  وتقديم ارباح صناعة النفط على بقاء الجنس البشري على المدى البعيد، وعلى قابلية الكوكب للحياة.


9- انتهاك المبدأ الدستوري الذي ينص على فصل الكنيسة عن الدولة من خلال ربط الايديولوجيات الدينية بعملية اتخاذ القرارات في الحكومة الامريكية.


10- التقاعس عن محاولة منع وقوع هجمات 11/،9 على الرغم من وجود كمية كبيرة من الأدلة الدامغة على وشك وقوع هجوم ارهابي على نيويورك، ومركز التجارة العالمي بوجه خاص. واستغلال هذا التقاعس ذريعة لشن هجمات استباقية على الدول الأخرى وتعليق الحريات المدنية الأمريكية الأساسية، وحقنا في احترام خصوصيتنا.


11- تعزيز الهيمنة الكونية الأمريكية على العالم، وبناء اسلحة الدمار الشامل غير الشرعية واستعمالها.


12- الاطاحة برئيس هايتي جين بيرتراند ارستيد، المنتخب بطريقة ديمقراطية، وتنصيب نظام شديد القمع مكانه.


ماذا يفعل الكونجرس؟


منذ السطر الأول في الكتاب، يصدر محررا مواده حكمهما على إدارة بوش وتشيني وقوى اليمين الراديكالي في الولايات المتحدة، التي تشكل كما يقولان، خطرا داهماً على العالم. ومع توالي الأحداث تتبدى هذه الحقيقة بصورة مؤلمة، كارثة اعصار كاترينا المذهلة، احتلال العراق المدمر واللاأخلاقي والذي لا تلوح له نهاية في الأفق، قتل السجناء على ايدي جنود امريكيين في العراق وافغانستان وجوانتانامو، وتسليم السجناء الى دول مشهورة بالتعذيب، واعتراف بوش بأنه رخص سرا وبصورة غير شرعية بالتجسس على جميع الامريكيين، واعلانه الوقح عندما ضبط متلبساً بالجرم انه سوف يستمر في فعل ذلك، وغيره كثير.


يضاف الى ذلك فساد هذه الإدارة، وانعدام كفاءتها، ونشاطها الاجرامي، وازدراؤها لحقوق الانسان والقانون. ونتيجة لهذه الاحداث بات البيت الأبيض يتعرض للوم والانتقاد بصورة متزايدة، ولكن انهاء هذا النظام، كما يقول محررا الكتاب، يحتاج الى عمل شعبي غير مسبوق، فالحكومات لا تسقط بفعل وزنها، بل يجب طردها طردا.ولكن لماذا يقبل الامريكيون بحدوث كل ذلك؟ وهل هم مثل الألمان الذين اطاعوا هتلر والنظام النازي طاعة عمياء؟ يقول محررا الكتاب، ان الامريكيين لا يقلون عن الألمان في سهولة انقيادهم للسلطة، بل ان الألمان ربما يستطيعون الادعاء بأنهم لم يكونوا يعلمون بما يرتكب في معسكرات الاعتقال، بينما لا يستطيع أي من الامريكيين ان يزعم انه لا يدري بأن التعذيب يرتكب حاليا باسم الشعب الامريكي، فوسائل الاعلام زاخرة بأخبار ذلك.ويضيف محررا الكتاب ان الأشد اثارة للدهشة من قيام الحكومة الأمريكية علناً بالمصادقة على التعذيب وممارسته، هو مدى السهولة التي تقوم بها بذلك  وبالكثير غيره  ومدى تفاهة المعارضة وعدم فاعليتها في مواجهة هذه الجرائم التي ترتكبها المؤسسات السياسية الأمريكية والاعلام الأمريكي.وخير دليل على ذلك هو فضيحة التجسس الذي تمارسه وكالة الأمن القومي، ففي احدى خطبه في ابريل/ نيسان ،2004 طمأن بوش الامريكيين ان التجسس على خطوط الهاتف يتطلب أمراً من المحكمة، وقال ذلك وهو يعلم انه كان منذ سنة 2002 على الأقل يأمر الحكومة بالتجسس على الأمريكيين دون وجود أمر من المحكمة، وقد انكشف أمر هذا التجسس سنة 2005. والآن حين لم يعد قادراً على التظاهر بأنه لم يكن ينتهك قانون امن المخابرات الاتحادي لسنة ،1978 الذي كان الكونجرس قد أقره لمنع هذا السيناريو بالتحديد، رد بوش بالقول ان المجرم الحقيقي هو الشخص الذي كشف الأمر، وان إدارته سوف تستمر في التجسس.فماذا فعل الكونجرس إزاء هذا الاعلان الشخصي الغريب، الصادر عن شخص انتهك القوانين، ويعلن في جوهر الأمر انه فوق القانون، أي انه دكتاتور؟ لقد قرر الكونجرس ان ينشىء هيئة من سبعة اعضاء من أجل “الاشراف على” برنامج التجسس، وبكلمات اخرى، نحن ازاء إدارة اعلنت انها ترتكب ما هو أسوأ بكثير مما كان قد أجبر ريتشارد نكسون على التخلي عن الرئاسة، وهي تعلن انها ليست خاضعة لأي قوانين اجازها الكونجرس، بينما يتغاضى الكونجرس عن الأمر.ولا يقف الأمر عند ذلك الحد. فقد ادعى البيت &#