حاسبوا الرئيس ... 2/2

اعداد: دينيس لو وبيتر فيليبس

 عرض وترجمة: عمر عدس


ينطلق كتاب حاسبوا الرئيس من إدانة الإدارة الأمريكية الحالية بزعامة جورج دبليو بوش، ونائبه ديك تشيني، واعتبار هذين من مجرمي الحرب، الذين يجب تقديمهم الى العدالة، ومحاسبتهم على ما اقترفته ايديهم وما تزال تفعل. والكتاب زاخر بالأمثلة على ذلك، سواء الحروب التي اثارتها وتثيرها الإدارة الأمريكية، أو التضييق على الحريات المدنية وتشويه الديمقراطية في الولايات المتحدة ذاتها، أو الانتهاكات الصارخة والمتكررة للمواثيق والمعاهدات الدولية وحقوق الانسان، في أي مكان تطاله يد الإدارة الامريكية الطويلة.


يتألف الكتاب من ستة عشر فصلاً لكتّاب مختلفين، يلقي كل منهم الضوء على جانب من جوانب أنشطة الإدارة الامريكية، ولكنهم يتفقون جميعا على إدانة هذه الإدارة وضرورة محاسبتها ووقفها عند حدها. ومرجعهم في كل ذلكهو الدستور الامريكي ذاته، واتفاقات جنيف وميثاق الأمم المتحدة، وغير ذلك من مراجع القانون الدولي.والكتاب من اعداد دينيس لو، وهو عالم اجتماع واستاذ مزامل في جامعة ولاية كاليفورنيا للفنون التطبيقية المتعددة، وبيتر فيليبس، الاستاذ المزامل لعلم الاجتماع في جامعة مقاطعة سونوما في ولاية كاليفورنيا، في الولايات المتحدة.ويأمل معدا الكتاب، والمشاركان في تأليفه ايضا، ان يكون جزءاً من الحل للخروج من المأزق الأمريكي الحالي، حيث انه يسهم في توعية الجمهور الامريكي بما تفعله إدارته، وتعبئته وحفزه على التحرك السلمي الديمقراطي للتخلص من هذه الإدارة وأجندتها.
والكتاب صادر عن دار سيفن ستوريز بريس.

2/2

المستشفيات والأطباء والجرحى هدف القوات الأمريكية في الفلوجة


يتابع الصحافي الأمريكي المستقل ضاهر جميل، الحديث عن الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبتها القوات الأمريكية في مدينة الفلوجة العراقية مما شهده هناك بأم عينه، أو سمع عنه ممن شهدوه.


إعاقة الرعاية الطبية


يقول ان الاعاقة المتعمدة للرعاية الطبية كانت من ضمن التكتيكات التي اتبعها الجيش الامريكي في الفلوجة، وفي غيرها من ميادين القتال في العراق، ولكن الفلوجة هي المثال الاوضح على ذلك. ويضيف الكاتب، ان القوات الامريكية والعراقية اجتاحت يوم 7 نوفمبر/ تشرين الثاني ،2004 أي اليوم السابق لبدء عملية غضب الاشباح، مستشفى الفلوجة العمومي واحتلته. وزعم الجيش الامريكي، ان المستشفى قد استهدف لأنه كان مركزاً للدعاية ينشر الشائعات عن اصابات المدنيين اثناء هجوم ابريل/ نيسان، وقد تم تجميع المرضى والأطباء على حد سواء، وأمروا بالانبطاح على الأرض وايديهم موثقة وراء ظهورهم.


وبعد ذلك بيومين قصفت الولايات المتحدة بالقنابل مركز الرعاية الصحية المركزي في الفلوجة، فقتلت عشرين من الممرضين والأطباء، وعددا غير محدود من المرضى.ويذكر الكاتب ان المادة (19) من اتفاقية جنيف تنص على ان المنشآت الصحية الثابتة والوحدات الطبية المتحركة يجب ان تصان وتحترم من قبل جميع اطراف الصراع. ولكن الجيش الامريكي رفض السماح بدخول المعونات الطارئة الى الفلوجة، بالاضافة الى رفض السماح للأطباء باخلاء الجرحى الى خارج المدينة.


وتنص المادة (55) من اتفاقية جنيف الرابعة على ان القوة المحتلة في منطقة محتلة، تتحمل مسؤولية ضمان حصول السكان على الامدادات الطبية الملائمة.كما تنص المادة (59) على انه إذا كان هنالك نقص في الإمدادات الطبية، فإنه يجب على قوات الاحتلال ان توافق عليه، وتدعم جهود الاغاثة التي تبذلها الدول أو المنظمات الانسانية.ويقول الكاتب، ان الغارات على المستشفيات المدنية تشكل انتهاكات خطيرة (وجرائم حرب) بموجب المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949. (بل ان الهجوم حتى على مستشفى عسكري يشكل انتهاكا خطيرا لنصوص اتفاقية جنيف الاولى).ويضيف الكاتب قائلا، انه على الرغم من ان المادة (18) من اتفاقية جنيف الرابعة تنص صراحة على ان المستشفيات المدنية المنظمة لتقديم الرعاية للجرحى والمرضى، وحالات العجز والأمومة، لا يجوز بحال من الأحوال ان تكون هدفا للهجوم، بل يجب احترامها في جميع الأوقات ورعايتها من قبل اطراف الصراع  الا انه قد قابل أطباء اثناء وبعد حصاري ابريل/ نيسان ونوفمبر/ تشرين الثاني للفلوجة، قالوا له ان مستشفياتهم وعياداتهم وسيارات اسعافهم كانت تتعرض لإطلاق النار من قبل القوات الامريكية بصورة منتظمة.وفي العراق، تتحدى إدارة بوش علناً، اتفاقيات جنيف، وتستمر في ذلك من دون أي بادرة تدل على الندم.


مراقبة الصحافة

 

ومن الانتهاكات الامريكية الأخرى في الفلوجة، كما يقول الكاتب ان الصحافيين المستقلين الذين حاولوا تغطية الاحداث في هذه المدينة، كانوا يتعرضون للاحتجاز واطلاق النار عليهم من قبل القوات الامريكية، الأمر الذي يعتبر جريمة حرب بطبيعة الحال. فالصحافيون يتمتعون بحقوق المدنيين الكاملة في مناطق الصراع، وفق اتفاقات جنيف، وينقل الكاتب عن لجنة حماية الصحافيين قولها قبل سنة من الآن تقريبا، ان 64 صحافياً قد قتلوا في العراق منذ مارس/ اذار ،2003 45 صحافيا منهم عراقيون، وثلاثة من الدول العربية، وان 14 منهم قتلوا بنيران القوات الامريكية، علماً بأن مجموع الصحافيين الذين قتلوا طوال فترة الحرب العالمية الثانية، هو 68 صحافياً.


ممارسة التعذيب

 

يقول الكاتب ان التعذيب هو احد الجوانب الاخرى لجرائم الحرب التي تتورط فيها إدارة بوش في العراق. فالتعذيب مستمر في هذا البلد منذ بداية احتلاله.وعلى الرغم من انكار اشخاص مثل جورج دبليو بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس ان القوات الأمريكية ومن ينوبون عنها من المتعاقدين الغربيين يقومون بتعذيب العراقيين حاليا، تظل الحقيقة ان التعذيب مستمر اثناء قراءة هذه السطور.ويقول الكاتب ان الدلائل على تعذيب العراقيين من قبل الجنود الامريكيين، بدأت تتكشف في وقت مبكر من الاحتلال الامريكي للعراق. ويسوق مقالاً على ذلك، ان الجنود الامريكيين اجتاحوا أحد المنازل وفتشوه فلم يعثروا على أي سلاح، ومع ذلك اعتقلوا صاحب المنزل الذي يبلغ من العمر 57 عاما، يوم 21 يوليو/ تموز ،2003 واطلقوا سراحه يوم 23 أغسطس/ آب، حيث اوصلوه الى مستشفى في تكريت، وهو في غيبوبة، وعلى الرغم من انه لم يكن قادراً على رواية قصته، إلا ان جسده كان مرصعاً بآثار التعديب. بقع محروقة على جلده، آثار ضرب بالهروات على مؤخرة رأسه، ابهام مهشمة بشدة، وحروق كهربائية على أخمص قدميه. كما ان أفراد عائلته وجدوا آثار سياط ورضوضاً على ظهره، وحروقاً على أعضائه الجنسية وعورته.ويتابع الكاتب قائلا، مع احتجاز عشرات الألوف من العراقيين في المعتقلات العسكرية المنتشرة في أرجاء العراق، أصبح الاختفاء والتعذيب من حقائق الحياة اليومية للعراقيين. ولم يعد من الأخبار الجديدة ان الولايات المتحدة قد تسببت في تعذيب السجناء وتعريضهم لعقوبات وحشية وغير عادية ومهينة، خلافا لاتفاقية مكافحة التعذيب، والميثاق الدولي الخاص بالحقوق والسياسية، وقانون حقوق الانسان لسنة ،1998 وقانون العدالة الجنائية لسنة 1988.وتعتبر جميع الحالات التي تحدث في العراق، مثل حالة ذلك المعتقل، انتهاكات لاتفاقات جنيف. وتنطبق هذه الاتفاقات على جميع الاشخاص ضمن منطقة النزاع  المدنيين (وفق اتفاقية جنيف الرابعة)، والعسكريين (وفق ميثاق جنيف).وتنص اتفاقية جنيف الثالثة بوضوح على ان سجناء الحرب يجب ان يعاملوا في جميع الاوقات معاملة انسانية، وبالمثل يجب توفير الحماية لسجناء الحرب في جميع الاوقات خاصة ازاء اعمال العنف أو الترويع أو الاهانات أو التشهير بهم وعرضهم على الملأ.وتضيف المادة (17) من الاتفاقية ذاتها، انه لا يجوز ممارسة أي تعذيب جسدي أو نفسي، أو أي شكل من أشكال الاكراه، على سجناء الحرب من أجل انتزاع أي معلومات منهم، مهما تكن.
ويقول كاتب المقالة انه خلال فترة الثمانية شهور التي قضاها في العراق المحتل، مراسلا اخباريا، قد وثق عشرات الحالات لعراقيين تم تعذيبهم في المعتقلات الامريكية.يورد الكاتب مثالا آخر، لرجل قابله في مايو/ ايار ،2004 فور اطلاق سراحه من سجن أبوغريب، ويدعى علي عباس. ويقول ان هذا الرجل، شأنه شأن الكثيرين الذين قابلهم ممن افرج عنهم من المعتقلات العسكرية الامريكية، ما يزال يحتفظ بحس الدعابة.. ينقل الكاتب عن هذا السجين قوله: لقد اوصل الامريكيون الكهرباء الى مؤخرتي قبل ان يوصلوها الى منزلي.كان علي عباس يعيش في منطقة العامرية في بغداد ويعمل في الادارة المدنية وتم احتجاز عدد كبير جدا من جيرانه، فحثه الاصدقاء على الذهاب الى القاعدة الامريكية الغربية ليحاول الحصول على معلومات عن سبب اعتقال كل هؤلاء الناس، ذهب الى هناك ثلاث مرات. وفي المرة الرابعة تم احتجازه هو نفسه. وخلال يومين جرى نقله من القاعدة العسكرية الى أبوغريب، حيث احتجز هناك اكثر من ثلاثة اشهر من دون توجيه تهمة إليه، قبل ان يطلق سراحه.يقول علي عباس في اللحظة التي وصلت فيها الى هناك، بدأت المعاناة ويقول عن رجل الاستخبارات المركزية الامريكية الذي كان يستجوبه طلبت منه ماء فقال انني سأحصل على شيء منه بعد التحقيق. لقد اتهمني بأمور كثيرة، وطرح عليّ الكثير من الاسئلة، ومن ضمن ذلك قال انني اكره المسيحيين.وقد أجبر هذا المعتقل على التجرد من ملابسه، بعد فترة قصيرة من وصوله، وظل على تلك الحال طوال معظم المدة التي قضاها في السجن. يقول كانوا يجبروننا على ان يتراكم بعضنا فوق بعض، عراة، وكأننا في وضع جنسي، وكانوا يضربوننا بالمكانس. وبالاضافة الى ضرب المعتقلين على عوراتهم، كانوا يحرمون من الماء والغذاء فترات طويلة من الزمن، ويجبرون على رؤية طعامهم ويلقى في القمامة.كما تضمنت المعاملة التي يتلقاها، تصويب بندقية محشوة الى رأسه لمنعه من الصراخ بألم عند شدة الوثاق على يديه، وقد غطوا رأسه بكيس، وربطوا يده اليمنى الى عمود بوساطة الاغلال، وجعلوه يقف على رؤوس أصابعه لشبكه بالعمود.وكانوا يحرمونه من النوم، فيغطسونه في الماء البارد، بينما يسلطون عليه مروحة، وكثيرا ما كانوا يشغلون مكبر صوت، ويضعون السماعات على أذنيه.وفي احدى المرات جاء إليه امريكي برفقة مترجم، وقال له سوف نقطع رأسك ونرسلك الى الجحيم، سوف نأخذك الى جوانتانامو.وفي مرة اخرى، قالت له مجندة ان هدفنا هو ان نضعك في الجحيم لكي تقول الحقيقة. هذه هي الأوامر الصادرة الينا من الجهات العليا، ان نحيل حياتكم الى جحيم.ويضيف عباس كانوا يتغوطون علينا، ويطلقون علينا الكلاب، ويستخدمون الكهرباء ويجوعوننا.وكان المحققون الامريكيون ينتهكون حرمة الإسلام كجزء من اذلال المعتقلين. فقد جعلوا عباس يصوم اليوم الأول من عيد الفطر، وفي بعض الاحيان، حين كان يقرأ القرآن في الليل، على الضوء المتسلل من الممرات، كان الجنود يقتربون منه ويركلون القرآن بأرجلهم، ويحاولون احياناً ان يبولوا عليه أو يدنسوه بالبراز. ولم يكن عباس يشعر بأن تلك المعاملة من فعل أفراد معدودين، بل هي فعل منظم.وتؤيد روايات جماعات حقوق الانسان هذه التهمة. فقد ورد في تقرير اصدرته جماعة مراقبة حقوق الانسان في ابريل/ نيسان ،2005 ان فضيحة سجن أبوغريب لم تكن سوى الجزء الطافي من جبل الجليد. وبات جلياً الا ان اساءة معاملة المحتجزين لدى الولايات المتحدة تجري في جميع انحاء العالم  من افغانستان الى خليج جوانتانامو الى عدد كبير من الزنازين في دول ثالثة حيث ارسلت الولايات المتحدة السجناء، ويحتمل ان يكون هنالك عدد اخر من الاماكن التي لا ندري بها.ويبرهن الكاتب على ان كل ذلك يجري بأوامر من أعلى سلطة في الولايات المتحدة، حيث يستشهد بما قالته جانيس كاربنسكي التي كانت مسؤولة عن سجن أبوغريب وستة عشر سجناً عسكرياً امريكياً آخر في العراق، امام لجنة للتحقيق في جرائم الحرب، في يناير/ كانون الثاني ،2006 حيث تحدثت عن مذكرة موقعة من وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد تتعلق بأساليب التحقيق. وتقول كاربنسكي ان وزير الدفاع ما كان ليصدر تلك المذكرة من دون موافقة من ديك تشيني نائب الرئيس.


مجرمو حرب

 

يقول كاتب المقالة، ان ما ذكره من انتهاكات للقانون الدولي ارتكبتها القوات الأمريكية في العراق، ليس الا غيضاً من فيض.ويذكر بما كتبه سنة 1946 قاض امريكي في نورمبيرج ان المبادرة الى شن حرب عدوانية، ليست جريمة دولية وحسب، بل هي كبرى الجرائم الدولية، غير انها تختلف عن جرائم الحرب الأخرى، في انها قد جمعت في ذاتها شرور كل تلك الجرائم، وقد حكم الأمين العام السابق للأمم المتحدة، على غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة، قائلا: انه عمل غير شرعي يتناقض وميثاق الأمم المتحدة.وقد أبدى العديدون من الاعضاء الحاليين والسابقين في ادارة بوش الاحتقار المطلق للقانون الدولي في ما يخص العراق  بدءا بالغزو غير الشرعي لدولة ذات سيادة، وانتهاء بكل جانب من جوانب الاحتلال. ويتوالى ارتكاب جرائم الحرب واحدة إثر اخرى بصورة يومية.ويحكم الكاتب على اعضاء إدارة بوش الحالية والإدارة التي سبقتها، مثل جورج دبليو بوش، ريتشارد تشيني، دونالد رامسفيلد، كولن باول، كوندوليزا رايس، ريتشارد بيرل، وبول وولفوتز وغيرهم بأنهم مذنبون في انتهاكات لا تعد ولا تحصى للقانون الدولي، ويجب محاكمتهم على جرائم الحرب. فهؤلاء الأفراد مجرمو حرب ويجب معاملتهم على هذا الأساس. حيث يجب محاكمتهم بسبب انتهاكاتهم لاتفاقات جنيف، وجلبهم للعدالة. فالانسانية لا تطالب بأقل من ذلك.


العراق.. المحطة الثانية

 

من فصول الكتاب الأخرى التي تتحدث عن العراق، فصل بعنوان: (العراق: المرحلة الثانية في حرب على العالم غير محدودة). وكاتب هذا الفصل هو لاري ايفرست مؤلف كتاب النفط، العقود، والامبراطورية، والصحافي الذي غطى أخبار الشرق الأوسط وآسيا الوسطى على مدى أكثر من عشرين سنة لجريدة ريفليوشن الأمريكية وغيرها من المطبوعات.يقول ايفرست في هذا الفصل، عند تجميع ما تم كشفه حتى الآن عن سجل أفعال الولايات المتحدة في العراق خلال تسعينات القرن الماضي، وعن أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، والخط الزمني لقرار جورج دبليو بوش الذهاب إلى الحرب، والفكر الاستراتيجي للإدارة الأمريكية وشخصياتها المهيمنة، تتكشف الصورة المتماسكة التالية:


 كانت حكومة الولايات المتحدة تناقش علناً، بل وتحاول الإطاحة بالنظام العراقي السابق على مدى عقد من الزمن قبل أحداث 11/،9 ولكن، لا لأن العراق كان يشكل تهديداً عسكرياً، أو لأن له علاقات مع حركة القاعدة. بل لأن المؤسسة الأمريكية كانت تشعر بأن هذا النظام يقوض سيطرتها على الشرق الأوسط، ويعيق تقدم طموحاتها على الصعيد العالمي. وكان ذلك هو جوهر دوافع حرب 2003.


 يبين الاستعراض التاريخي الزمني لقرار بوش شن الحرب، أن إدارته رأت في أحداث 11/9 فرصة سانحة لغزو العراق، كجزء من أجندة عالمية كاسحة كان العمل بها جارياً منذ وقت طويل. فاستغلت أحداث ذلك اليوم الرهيب بسوء نية لحشد التأييد لحرب لا علاقة لها بمنع مثل تلك الهجمات في المستقبل. فقد اتخذ قرار غزو العراق في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني ،2001 أي قبل سنة من محاولة الولايات المتحدة استصدار قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالموافقة على الحرب، في خريف 2002. كانت تبريرات إدارة بوش للحرب، أكاذيب متعمدة وعن وعي تام، لا أخطاء استخبارية فقد كانت الولايات المتحدة والعالم يعلمان أن العراق قد تجرد من أسلحته، وكانت استخبارات الحكومة الأمريكية تتعارض مع إدعاءات الإدارة العلنية في ما يخص أسلحة الدمار الشامل العراقية، وعلاقة العراق المزعومة مع حركة القاعدة. وباختصار، لم يكن فريق بوش يرى العراق خطراً داهماً آخذاً بالتجمع، بل هدف ضمن أجندة أشمل. لم تشن عملية حرية العراق للقضاء على الإرهاب، أو لتدمير أسلحة الدمار الشامل، أو لتحرير العراقيين، بل كانت المرحلة الثانية (بعد أفغانستان في اكتوبر/ تشرين الأول 2001) في حملة كاسحة، وشنت تحت شعار الحرب على الإرهاب لإعادة رسم الخارطة الجغرافية السياسية للعالم، ولتعزيز وتوسيع الهيمنة الامبريالية الأمريكية. وكان المقصود من احتلال العراق تعزيز قبضة أمريكا على الخليج العربي الغني بالنفط، وتحويله إلى رأس جسر للسيطرة على القوس الممتد من شمال إفريقيا إلى آسيا الوسطى (وتنصب الجهود الآن على إيران)  وكل ذلك من أجل تقوية شوكة الولايات المتحدة ضد الخصوم والمنافسين، في الوقت الراهن وفي المستقبل.يبيح القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة سببين شرعيين اثنين فقط للذهاب إلى الحرب، وهما الدفاع عن النفس الفردي والجماعي رداً على هجوم مسلح، أو القيام بعمل مرخص من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ولم تكن تملك الولايات المتحدة أياً من هذين السببين، مما جعل حربها سنة 2003 على العراق عدواناً غير شرعي وليس له ما يبرره  أي جريمة حرب.


لا بد من رحيل إدارة بوش

 

ويناقش الكاتب هذه النقاط بالتفصيل، ثم يخلص منها إلى استنتاج مفاده أن على بوش وأجندته أن يرحلا. وبالنظر إلى ما تنطوي عليه حرب العراق من إجرام، وإلى الأجندة الامبريالية الكاسرة التي تحركها، والحروب العدوانية القادمة التي تتبناها وتخطط لها، فإن من الضروري إزاحة إدارة بوش عن السلطة، ونبذ برنامجها برمته، بما في ذلك ما يسمى الحرب على الإرهاب.ويمضي الكاتب إلى القول، إن ذلك لا يمكن تحقيقه بانتقاد الإدارة لأنها لم تشن الحرب ب كفاءة، أو لأنها ليس لديها استراتيجية لتحقيق النصر. فهذا التوبيخ لا يعدو أن يكون دعوة إلى شن المزيد من الحروب غير الشرعية وغير الأخلاقية والظالمة، بفاعلية أكبر، مما لا يعني سوى المزيد من الأهوال وأشكال القمع للشعب العراقي. كما لا يمكن معارضة هذه الإدارة بمجرد المجادلة بأن حرب العراق قد انحرفت ب الحرب على الإرهاب عن طريقها. فذلك يعني قبول  الإطار العام لأجندة بوش العالمية، والتسليم بشرعية شن حرب امبريالية غير محدودة ضد كل من يقع اختيار الإدارة الأمريكية عليه.كما لا يمكن الاعتماد في ذلك على القنوات العادية المعهودة على أمل أنها سوف تعيد الأمور إلى نصابها. فقد أثبتت جميع مؤسسات النظام القائمة  الحزبان الجمهوري والديمقراطي، وجميع فروع الحكومة، ووسائل الإعلام، وما شابه ذلك  أنها غير راغبة أو غير قادرة على محاسبة بوش ووقف الحرب التي أعلنت إدارته أنها سوف تستمر في شنها على مدى عشرات السنين إذا اقتضى الأمر.ويضيف الكاتب قائلاً إنه من دون اندفاع شعبي غير مسبوق يأتي من قاعدة الهرم، ويتجاوز ما حدث في ستينات القرن الماضي، ويعلن ملايين الناس من خلاله بعزم وإصرار رفضهم استمرار ذلك، فإن بوش لن يحاسب ويدان ويجبر على التنحي عن السلطة.ويتفق معدا الكتاب مع هذا الرأي تماماً، حيث يقولان في الفصل الختامي للكتاب، إن نظام بوش وتشيني قد برهن على مدى السهولة التي يمكن بها فرض أجندة يمينية راديكالية على الحكومة الأمريكية والإعلام الأمريكي السائد. وتتطلب الإطاحة بهذا النظام حركة اجتماعية قوية، لا للتغلب فقط على بوش وتشيني ومن تواطأ معهما، بل لخلق أجواء سياسية مختلفة تماماً.ويرى معدا الكتاب، وغالبية من شاركوا في كتابة فصوله الستة عشر، أن تغيير الوضع في الولايات المتحدة، وتعبئة الناس ضد النظام القائم، يتحققان من خلال استغلال قوة الإعلام، وتوعية الناس بعمق الهوة التي تشدهم إدارة بوش إليها. ففي كل يوم يمر تتعاظم الفجوة بين ما تقول الحكومة الأمريكية وأعوانها إنها تفعله، وبين ما تفعله في الواقع. فهي تدعي أنها ماضية في إحراز النصر في الحرب على الإرهاب وفي الحرب على العراق، ولكن الحقائق التي تتكشف كل يوم تكذب ذلك. وهي تؤكد أنها تحمي الحريات المدنية الأمريكية وتطبق ما ورد في الدستور، ولكن كل أسبوع يمر يكشف المزيد من انتهاكاتها للدستور. والشعب الأمريكي، كما يقول الكاتبان،  الذي استطاع في ستينات القرن الماضي أن يحول بين الرئيس جونسون وبين الترشح لفترة رئاسية أخرى، والذي أجبر الرئيس نيكسون على التنحي في أعقاب فضيحة ووترجيت، قادر اليوم على إجبار الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني على التنحي أيضاً.

 

 

حاسبوا الرئيس ... 1/2

 

                    لائحة الاتهام ضد بوش وتشيني تتضمن 12 سبباً


يتصدر الكتاب اثنا عشر سبباً تدعو الى محاكمة الرئيس جورج دبليو بوش، ونائبه ديك تشيني، وهذه الأسباب هي:
1- الاستيلاء على البيت الأبيض سنة 2000 وسنة 2004 ضمن عملية خداع مباشر للناخبين.


2- الكذب على الشعب الأمريكي وتضليل الكونجرس عن عمد، من أجل شن حرب عدوانية على العراق من دون وجود ما يدعو الى ذلك.


3- منح التصريح بممارسة تعذيب ألوف السجناء، وإدارة ذلك التعذيب وتوجيهه، ما افضى الى الموت، والألم المبرح، والتشويه، والصدمة النفسية لدى اولئك السجناء، وكذلك اخفاء السجناء عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالامتناع عمداً عن تسجيلهم كمحتجزين، والقيام بتسليم مئات السجناء الى أنظمة ودول معروف عنها ممارستها التعذيب بصورة روتينية. واحتجاز الناس الى أجل غير مسمى وحرمانهم من حقهم في المثول امام المحاكم.


4- الأمر بإنشاء مناطق يكون اطلاق النار فيها غير خاضع لأي قيود، والتصريح باستعمال الاسلحة المضادة للأفراد، في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية في العراق، مما أدى إلى قتل عشرات الألوف من المدنيين  أي ارتكاب جرائم حرب، بموجب القانون الدولي.


5- مصادرة حق الشعب الامريكي في معرفة الحقيقة بشأن اعمال الحكومة، من خلال الاستعمال المنظم للدعاية والتضليل الاعلامي.


6- بناء زعامة امبراطورية، بقيام الرئيس بإصدار قرارات مكتوبة لدى اعتماد مشروعات القوانين في الكونجرس لتصبح قوانين، حيث تتضمن تلك القرارات تعديلات لمعنى القوانين، مما يتعارض مع الغرض من وجود الكونجرس إضافة إلى اخفاء قرارات الحكومة عن انظار الجماهير والكونجرس من خلال تجاوز قانون حرية المعلومات، والتجسس بوجه غير شرعي على ملايين الأمريكيين من دون تصريح من المحكمة، والكذب بشأن ذلك على مدى سنوات.


7- تقويض قدرة مدينة نيو اورليانز على الصمود في وجه اعصار، والسماح بتدمير هذه المدينة بفعل الاعصار كاترينا، والتقاعس عن نجدة الضحايا في الوقت الملائم وعلى نحو مناسب، مما أدى الى مصرع أو فقدان ألوف الأمريكيين.


8- انكار حدوث الاحتباس الحراري، وتجاهل نظرية الذروة النفطية،  وتقديم ارباح صناعة النفط على بقاء الجنس البشري على المدى البعيد، وعلى قابلية الكوكب للحياة.


9- انتهاك المبدأ الدستوري الذي ينص على فصل الكنيسة عن الدولة من خلال ربط الايديولوجيات الدينية بعملية اتخاذ القرارات في الحكومة الامريكية.


10- التقاعس عن محاولة منع وقوع هجمات 11/،9 على الرغم من وجود كمية كبيرة من الأدلة الدامغة على وشك وقوع هجوم ارهابي على نيويورك، ومركز التجارة العالمي بوجه خاص. واستغلال هذا التقاعس ذريعة لشن هجمات استباقية على الدول الأخرى وتعليق الحريات المدنية الأمريكية الأساسية، وحقنا في احترام خصوصيتنا.


11- تعزيز الهيمنة الكونية الأمريكية على العالم، وبناء اسلحة الدمار الشامل غير الشرعية واستعمالها.


12- الاطاحة برئيس هايتي جين بيرتراند ارستيد، المنتخب بطريقة ديمقراطية، وتنصيب نظام شديد القمع مكانه.


ماذا يفعل الكونجرس؟


منذ السطر الأول في الكتاب، يصدر محررا مواده حكمهما على إدارة بوش وتشيني وقوى اليمين الراديكالي في الولايات المتحدة، التي تشكل كما يقولان، خطرا داهماً على العالم. ومع توالي الأحداث تتبدى هذه الحقيقة بصورة مؤلمة، كارثة اعصار كاترينا المذهلة، احتلال العراق المدمر واللاأخلاقي والذي لا تلوح له نهاية في الأفق، قتل السجناء على ايدي جنود امريكيين في العراق وافغانستان وجوانتانامو، وتسليم السجناء الى دول مشهورة بالتعذيب، واعتراف بوش بأنه رخص سرا وبصورة غير شرعية بالتجسس على جميع الامريكيين، واعلانه الوقح عندما ضبط متلبساً بالجرم انه سوف يستمر في فعل ذلك، وغيره كثير.


يضاف الى ذلك فساد هذه الإدارة، وانعدام كفاءتها، ونشاطها الاجرامي، وازدراؤها لحقوق الانسان والقانون. ونتيجة لهذه الاحداث بات البيت الأبيض يتعرض للوم والانتقاد بصورة متزايدة، ولكن انهاء هذا النظام، كما يقول محررا الكتاب، يحتاج الى عمل شعبي غير مسبوق، فالحكومات لا تسقط بفعل وزنها، بل يجب طردها طردا.ولكن لماذا يقبل الامريكيون بحدوث كل ذلك؟ وهل هم مثل الألمان الذين اطاعوا هتلر والنظام النازي طاعة عمياء؟ يقول محررا الكتاب، ان الامريكيين لا يقلون عن الألمان في سهولة انقيادهم للسلطة، بل ان الألمان ربما يستطيعون الادعاء بأنهم لم يكونوا يعلمون بما يرتكب في معسكرات الاعتقال، بينما لا يستطيع أي من الامريكيين ان يزعم انه لا يدري بأن التعذيب يرتكب حاليا باسم الشعب الامريكي، فوسائل الاعلام زاخرة بأخبار ذلك.ويضيف محررا الكتاب ان الأشد اثارة للدهشة من قيام الحكومة الأمريكية علناً بالمصادقة على التعذيب وممارسته، هو مدى السهولة التي تقوم بها بذلك  وبالكثير غيره  ومدى تفاهة المعارضة وعدم فاعليتها في مواجهة هذه الجرائم التي ترتكبها المؤسسات السياسية الأمريكية والاعلام الأمريكي.وخير دليل على ذلك هو فضيحة التجسس الذي تمارسه وكالة الأمن القومي، ففي احدى خطبه في ابريل/ نيسان ،2004 طمأن بوش الامريكيين ان التجسس على خطوط الهاتف يتطلب أمراً من المحكمة، وقال ذلك وهو يعلم انه كان منذ سنة 2002 على الأقل يأمر الحكومة بالتجسس على الأمريكيين دون وجود أمر من المحكمة، وقد انكشف أمر هذا التجسس سنة 2005. والآن حين لم يعد قادراً على التظاهر بأنه لم يكن ينتهك قانون امن المخابرات الاتحادي لسنة ،1978 الذي كان الكونجرس قد أقره لمنع هذا السيناريو بالتحديد، رد بوش بالقول ان المجرم الحقيقي هو الشخص الذي كشف الأمر، وان إدارته سوف تستمر في التجسس.فماذا فعل الكونجرس إزاء هذا الاعلان الشخصي الغريب، الصادر عن شخص انتهك القوانين، ويعلن في جوهر الأمر انه فوق القانون، أي انه دكتاتور؟ لقد قرر الكونجرس ان ينشىء هيئة من سبعة اعضاء من أجل الاشراف على برنامج التجسس، وبكلمات اخرى، نحن ازاء إدارة اعلنت انها ترتكب ما هو أسوأ بكثير مما كان قد أجبر ريتشارد نكسون على التخلي عن الرئاسة، وهي تعلن انها ليست خاضعة لأي قوانين اجازها الكونجرس، بينما يتغاضى الكونجرس عن الأمر.ولا يقف الأمر عند ذلك الحد. فقد ادعى البيت الأبيض، في محاولته لاخفاء أثر الجريمة عندما انكشفت اخبار فضيحة التجسس للمرة الاولى، انه لا يتجسس الا على المشتبه بأنهم ارهابيون أثناء إجرائهم مكالمات هاتفية دولية. وادعى ان الحريات المدنية للامريكيين، وخصوصيتهم مصونة. ثم جاءت الفضيحة التالية في مايو/ أيار ،2006 عندما تبين ان البيت الأبيض يتجسس في حقيقة الأمر على مكالمات جميع الامريكيين، الخارجية والداخلية... واتاح الكونجرس بوجهه عن الفضيحة مرة أخرى.ويمضي معدا الكتاب الى القول، اننا  أي الامريكيين  نواجه اليوم وضعا تفتقر فيه المؤسسات السياسية، والموظفون الرسميون، والحزبان الرئيسان، ووسائل الاعلام السائدة واليمينية، الى المعلومات الدقيقة والحديثة، كما ان هذه الفئات ليست على وئام مع الجمهور الأمريكي، اكثر من أي وقت مضى في تاريخ البلاد.ويذكر معدا الكتاب بما جاء في الكتاب الأخير للصحافي الشهير سيمور هيرش سلسلة القيادة، كيف تسنى لثمانية او تسعة من المحافظين الجدد.. ان يوجهوا الحكومة وجهة جديدة، وان يعيدوا ترتيب الأولويات والسياسات الامريكية السارية منذ زمن طويل، بكل هذه السهولة؟ كيف تغلبوا على كل الاجراءات الإدارية، وأرهبوا وسائل الاعلام، وضللوا الكونجرس، وهيمنوا على الجيش؟ وهل ديمقراطيتنا على هذا القدر من الهشاشة؟


تضليل إعلامي


ويحاول معدا الكتاب الاجابة عن هذه الاسئلة، فيقولان، ان المشكلة المركزية هنا هي انه قد حيل بين الحقيقة والواقع، وبين معظم افراد الشعب الامريكي. فلو كان الامريكيون يعرفون حقاً وبصدق، ما يجري باسمهم، لتجمهروا خارج المقر الرئاسي الامريكي، وتسلقوا البوابات، وسحبوا الجناة من داخل البيت الأبيض من ياقات ارديتهم، وقدموهم للمحاكمة على الفور، نظير الجرائم التي ارتكبوها ضد الانسانية. وما يزال يتوجب على ذلك ان يحدث، لأن الجناح اليميني نجح نجاحاً باهراً في تنفيذ الخطط التي بدأ بوضعها في أوائل سبعينات القرن الماضي من أجل تغيير المشهد السياسي فمن خلال الثروات الهائلة لأناس مثل روبرت مردوخ، وأدولف كورس، استثمر الجناح اليميني عشرات المليارات من الدولارات في إنشاء امبراطوريته الاعلامية، مثل شبكة فوكس نيوز، وكلير تشانيل، وبيوت خبرته، ودور نشره، ومعوناته المالية الضخمة، وزرع المثقفين والكتاب في المؤسسات الاعلامية المختلفة، ومن خلال هذه المنابر مارس اليمين التسلط والكذب والتحريف. وقد ارهب الحزب الديمقراطي ووسائل الاعلام السائدة، وأظل بوش وتشيني البلاد بسحابة سوداء قاتمة.ويقول معدا الكتاب، انهما يهدفان الى المساعدة في تبديد تلك السحابة ويضيفان، ان هذه الظروف تستدعي ما لا يقل عن قيام الشعب باتخاذ اجراءات غير عادية للتخلص من هؤلاء الزعماء فما يجب ان يحدث هو انتفاضة شعبية جماعية غير مسبوقة.


العراق.. قتل دون قيود


من أهم فصول الكتاب، فصل بعنوان العراق، المنطقة الحرة لاطلاق النار بقلم الصحافي الامريكي المستقبل ضاهر جميل.يستهل الكاتب هذا الفصل باقتباس عن احد الجنود الامريكيين بقول لمعتقل في سجن ابوغريب هدفنا هو ان نضعكم في الجحيم لتقولوا الحقيقة. هذه هي التعليمات الصادرة الينا من الجهات العليا، ان نحيل حياتكم الى جحيم.ويتحدث الكاتب في هذا الفصل عن القتل والدمار اللذين احدثتهما القوات الامريكية في مدينة الفلوجة العراقية، ويقول ان ربع مليون نسمة من سكان هذه المدينة، لا يعلمون لماذا تم تدمير مدينتهم وسبل عيشهم السابقة فيها من خلال حصارين امريكيين قتلا الألوف من المدنيين الأبرياء.فعندما يتلقى اقوى جيش على وجه الأرض الأوامر من قائده الأعلى بقتل كل شيء يتحرك في مدينة برمتها، فإنه يصعب فعلاً على المدنيين أن يفهموا هذا النوع من المنطق.وينقل الكاتب ما أورده المراسل الحربي لشبكة ان بي سي، كيفن سايتس الذي كان مزروعا ضمن مشاة البحرية الأمريكية في الفلوجة وقت حصارها، حيث كتب في مدونته على شبكة الانترنت يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2004 ان مشاة البحرية يعملون وفق قواعد اشتباك متحررة من كل قيد، وكتب انه سمع بأذنه أحد كبار القادة يقول كل شيء في المنطقة الغربية مباح للأسلحة، ويشرح سايتس معنى ذلك أن مشاة البحرية يستطيعون ان يطلقوا النار على كل ما يقع تحت ابصارهم فكل شيء يعتبر معاديا. وبعد ان كتب سايتس ذلك بفترة وجيزة، صور بالفيديو احد مشاة البحرية الامريكية وهو يجهز على جريح عراقي اعزل في أحد مساجد المدينة المحاصرة.


عقوبات جماعية


يقول كاتب المقالة، لو لم اشاهد مثل هذه الفظائع بنفسي خلال حصار الفلوجة السابق في ابريل/نيسان 2004 عندما كنت داخل المدينة، لكان من الصعب عليّ ان اصدق ارتكاب مثل هذه الانتهاكات السافرة للقانون الدولي، ناهيك عن النذالة واللاإنسانية.ويتابع قائلا: كان ذلك، بينما كنت رابضا في عيادة صغيرة مؤقتة بالغرب من وسط الفلوجة في مطلع ابريل/نيسان، قبل اقل من اسبوع على اغلاق المدينة بإحكام، وانخراط قناصي الجيش الامريكي في صيد الطاووس، كما كانوا يسمون ما يقومون به.. ومن ذلك المكان شهدت المذبحة بأم عيني.كان النساء والاطفال يجلبون الى تلك العيادة، ومعهم رجل بين الحين والآخر، لكي يعالجوا من قبل اطباء عراقيين، وكان جميع الضحايا يقولون الشيء ذاته: انهم قد اطلقت عليهم النار من قبل قناصين امريكيين دون ان يفعلوا شيئا سوى التواجد خارج منازلهم. ويذكر الكاتب بوجه خاص مشهد امرأة عجوز جلبت الى العيادة وهي تشهق طلبا للهواء والدم يتدفق غزيرا من جسدها، وهي ما تزال تقبض بإحكام على راية استسلام بيضاء مبللة بالدم.ويقول الكاتب، ان قتل المدنيين من دون تمييز، الذي اعقب اعلان الفلوجة منطقة حرة لإطلاق النار من قبل الجيش الامريكي، يشكل انتهاكا خطيرا لاتفاقات جنيف لسنة 1949. وحيث ان قانون جرائم الحرب الامريكي، يعتبر الانتهاكات الخطيرة لاتفاقات جنيف جرائم حرب، فإن المتهمين بها يمكن ان يتعرضوا لعقوبة الاعدام.والى جانب اتفاقات جنيف، هنالك محكمة الجنايات الدولية، التي تشكلت سنة 1998 ردا على مقتل 174 مليون شخص في عمليات قتل جماعي وابادة جماعية في ارجاء العالم خلال القرن الماضي. ومع ذلك، ما تزال ادارة بوش ترفض الانضمام الى تلك المحكمة، بل تعارضها في حقيقة الأمر.ويسوق الكاتب مثالا على ذلك، ما كتبه في 15 يوليو/تموز 2002 ستيفن هادلي، نائب مستشار بوش للأمن القومي، في ذلك الوقت، في صحيفة يو اس ايه توداي، تحت عنوان (محكمة الجنايات الدولية خطر على الولايات المتحدة الامريكية)، وجاء في تلك المقالة التي كانت وما تزال توزع من قبل مكتب الاعلام الدولي التابع لوزارة الخارجية الامريكية: ان لدى الولايات المتحدة عددا من الاعتراضات الجدية على محكمة الجنايات الدولية. ومن بينها الافتقار الى ضوابط ملائمة لسلطات المدعي العام لهذه المحكمة وقضاتها، وافتقارها الى أي آلية فعالة لمنع المقاضاة المسيسة للمواطنين الامريكيين. لهذا السبب صوتت ادارة كلينتون ضد محكمة الجنايات الدولية سنة 1998 (وقد وقع كلينتون على المعاهدة فيما بعد في أواخر ولايته الثانية، ولكن جورج دبليو بوش الغى ذلك التوقيع في 6 مايو/ايار ،2006 وتعارضها ادارة بوش بإصرار.


والولايات المتحدة، تناقض العالم كله برفضها الالتزام بمحكمة الجنايات الدولية واتفاقيات جنيف. وذلك يجعلها ايضا في زمرة الدول غير الاعضاء في محكمة الجنايات الدولية، والتي تزخر سجلاتها بانتهاكات حقوق الانسان.وهنالك 192 دولة موقعة على اتفاقيات جنيف، ومن بينها الولايات المتحدة  على الرغم من ان الولايات المتحدة لا تحترم هذه الاتفاقيات فيما يتعلق بالعراق.فالمادة 48 من اتفاقيات جنيف لسنة 1949 تنص على ان القاعدة الاساسية لاتفاقية جنيف هي حماية السكان المدنيين: من أجل تأمين الاحترام والحماية للسكان المدنيين والاهداف المدنية، يجب على اطراف الصراع في جميع الاوقات ان تميز بين السكان المدنيين، والمحاربين، وبين الاهداف المدنية والاهداف العسكرية، وان توجه عملياتها تبعا لذلك ضد الاهداف العسكرية فقط.وتضيف المادة ،51 ان السكان المدنيين في حد ذاتهم، وكذلك المدنيين الافراد، يجب ان لا يكونوا هدفا للهجوم. وتحظر اعمال العنف أو التهديد به، التي يكون هدفها المبدئي نشر الرعب في صفوف السكان المدنيين. وتمضي اتفاقيات جنيف لتقول بالتحديد، ان الهجمات العشوائية محظورة.ثم يناقش الكاتب ما تقوم به الولايات المتحدة في العراق على ضوء نصوص هذه الاتفاقيات، فيقول ان حصار الفلوجة في شهر ابريل/نيسان، قد ضرب بذريعة البحث عن المسؤولين عن مصرع اربعة من المرتزقة الامريكيين العاملين في شركة بلاكووتر، الذين قتلوا قبل اقل من اسبوع من ضرب ذلك الحصار. وحصار نوفمبر/تشرين الثاني، الذي كان في الاساس بعنوان (عملية غضب الاشباح) الذي اطلقته عليه وزارة الدفاع الامريكية، اعيدت تسميته فيما بعد باسم عملية الفجر، الذي سماه به وزير الدفاع العراقي المدعوم من الولايات المتحدة. وحسبما ذكره الجيش الامريكي، كان السبب الذي اعطي للهجوم على المدينة هو استعادة السيطرة عليها من مقاتلي المقاومة العراقية قبل انتخابات يناير/كانون الثاني القادمة، ولكن السبب الحقيقي للحصار كان الانتقام لفشل الجيش الامريكي في السيطرة على المدينة خلال الحصار السابق. وكان لا بد من ايقاع عقوبة جماعية بأهل المدينة، الذين ساندوا عن بكرة ابيهم المقاومة العراقية، بعد ان ضاقوا ذرعا بمداهمات المنازل، والاعتقالات وعمليات التقل على ايدي قوات الاحتلال.


وهكذا جرت تهيئة الاجواء لهجوم هائل على المدينة. وقبل اسبوع من ضرب الحصار في 8 نوفمبر/تشرين الثاني، طلب من سكان الفلوجة ان يرحلوا والا تعرضوا للقتل، وبعد ايام قليلة فقط من هذا الاعلان، ابلغ السكان بأنه لا يسمح لهم باستخدام مركباتهم. واثناء هذا الحصار الامريكي في نوفمبر/نشرين الثاني ،2004 الذي هاجم المدينة فيه ما يقدر ب 10 الى 15 الف جندي امريكي، جرى عن عمد تجنب التفريق بين المقاتلين والمدنيين.وينقل الكاتب عن صحافي كان موجودا في الفلوجة في ذلك الوقت، وشهد الجرائم التي ارتكبها الامريكيون بنفسه، ان الامريكيين ضاقوا ذرعا بالأهالي الذين لم يكونوا يجيدون التحدث بالانجليزية. يقول ذلك الصحافي: ان الامريكيين لم يكن معهم مترجمون، فكانوا يدخلون المنازل ويقتلون الناس لأنهم لا يتحدثون الانجليزية، لقد دخلوا المنزل الذي كنت فيه مع ستة وعشرين شخصا، واطلقوا النار على الناس لأن هؤلاء الناس لم يمتثلوا لأوامر الجنود، حتى رغم ان الناس لم يستطيعوا فهم كلمة انجليزية واحدة، كان الجنود يظنون ان الناس يرفضون أوامرهم، فيطلقون النار عليهم، ولكن حقيقة الأمر ان الناس لم يكونوا يفهمون الأوامر.ويذكر كاتب المقالة ان العديد من اللاجئين اخبروه بأنهم شهدوا الجنود الامريكيين يقتلون الناس المصابين، والمقاتلين السابقين وغير المحاربين على حد سواء، كما قال بعضهم إنه رآهم يدوسون الجرحى في الشارع بالدبابات، وان ذلك حدث مرات كثيرة. وقال آخرون انهم كانوا يشاهدون القتلى مطروحين على الأرض من دون ان يتمكن احد من دفنهم بسبب القناصة الامريكيين. وكان الامريكيون يلقون بعض الجثث في نهر الفرات بالقرب من الفلوجة، وقال آخرون انهم شاهدوا الامريكيين يطلقون النار على عراقيين يلوحون بأعلام بيضاء، كما كان الجنود يقتلون كذلك من يحاول النجاة بنفسه سابحا في الفرات. وينقل الكاتب عن مصور يعمل لحساب وكالة اسوشيتد برس، قوله انه شاهد الجنود يقتلون عائلة مكونة من خمسة افراد حين حاولت ان تقطع الفرات، قبل ان يدفن جثة رجل ميت بيديه المجردتين.


ويقول الكاتب نقلا عن مدير شبكة مراقبة حقوق الانسان في العراق، المقيم في الفلوجة، ان نحو 4  6 آلاف مدني قد قتلوا على ايدي القوات الامريكية خلال عملية غضب الاشباح، وتم حفر العديد من المقابر الجماعية على تخوم الفلوجة نتيجة للحصار الامريكي.ومن الجوانب الاخرى للعقوبات الجماعية التي ارتكبها الجيش الامريكي في الفلوجة وفي غيرها من المدن العراقية، حرمان السكان المدنيين من الاغذية والرعاية الصحية كوسيلة للحرب حيث تعرضت مدن مثل الرمادي وسامراء والقائم والحديثة وبعقوبة وحتى اجزاء من العاصمة لقطع المياه والكهرباء عنها، وفرض حظر التجول عليها وتحديد الحركة فيها.ولا يقع اللوم فقط على عاتق الجنود الامريكيين الذين يرتكبون المذابح ضد المدنيين. وبينما تجب محاكمتهم على جرائم الحرب التي اقترفوها، يعتبر قادتهم الذين اصدروا اليهم الأوامر اشد جرما.ويستشهد الكاتب بمقالة كتبتها (مارجوري كون) استاذة القانون في كلية توماس جفرسون للحقوق في سان دييجو، كاليفورنيا، في اعقاب عملية غضب الاشباح في نوفمبر/تشرين الثاني ،2004 وجاء في تلك المقالة: ان السلطات العليا هي التي تضع قواعد الاشتباك، حيث يقال لرجال مشاة البحرية ان بوسعهم اطلاق النار على أي شيء يتحرك. وقبل دخولهم الفلوجة تمت تعبئتهم، واوغرت صدورهم من قبل رؤسائهم.ولأن 70% من المدينة قد دمر في عمليات الجيش الامريكي، التي بدأت بعد ايام فقط من الانتخابات الامريكية الرئاسية، فإنه يرجح ان تكون أوامر محاصرة المدينة قد صدرت من قمة هرم السلطة الامريكية.الأسلحة المحرمة دولياًساد كذلك في العراق المحتل، كما يقول كاتب المقالة، استعمال الاسلحة التي تعتبر غير مشروعة بموجب القانون الدولي، مثل القنابل العنقودية،  والذخائر التي تحتوي على اليورانيوم، والفوسفور الابيض، والقنابل التي تحتوي على مزيج من الوقود والهواء.ويذكر الكاتب ان البرتوكول رقم ،1 قسم 1 من اتفاقيات جنيف، الذي يتعلق باساليب ووسائل الحرب، ينص في مادته رقم ،35 على انه في أي صراع مسلح، ليس من حق اطراف الصراع اختيار اساليب ووسائل الحرب، مطلقا غير محدود. ويحظر استعمال الاسلحة والقذائف والمواد واساليب الحرب ذات الطبيعة التي تحدث اضرارا زائدة عن الحد أو معاناة لا ضرورة لها. وجميع الاسلحة المذكورة آنفا، تسبب اضرارا زائدة عن الحد ومعاناة لا ضرورة لها.وينقل الكاتب عن شهود عيان في الفلوجة، وصحافيين ومصورين واطباء، يتحدثون عن قنابل غريبة تخلف سحبا من الدخان على هيئة عيش الغراب.. واجزاء من هذه القنابل التي تنفجر فتسفر عن نيران تستمر في الاشتعال على الجلد حتى بعد ان يسكب الناس الماء على الحروق، وعن ضحايا اثناء الحصار ذابت جلودهم وعن أناس مصابين بنيران اسلحة حارقة، وليس في اجسادهم آثار أو جروح تسببت فيها شظايا، وعن قنابل عنقودية في كل مكان، واحتراق اجساد ضحايا عديدين، من دون ان يكون فيها أثر لعيارات نارية.

يتبع

alkhaleej.ae

www.safsaf.org