يشير المؤلف إلى ان استراتيجيات التدخل الأمريكي
الثلاث، توجد مجتمعة على الأغلب في كل مثال من أمثلة دول الجنوب التي يوردها،
ولكن درجة كل من هذه التدخلات، قد تختلف من دولة إلى أخرى.
ويبدأ الكتاب باستعراض تاريخ السياسة الأمريكية إزاء العراق، وكيفية تأثرها
بالنفط، ويشرح كيف تم استغلال إدارة بوش، للغزو الذي شُن في مارس/آذار ،2003
وما تبعه من احتلال للعراق، في وضع أسس تطبيق السياسات اللبرالية الجديدة،
الرامية إلى فتح احتياطات النفط العراقي للاستغلال من جانب الشركات متعددة
الجنسيات.
ويسلط الكتاب الضوء كذلك على المناطق الغنية بالنفط في آسيا الوسطى وجنوبي
القوقاز في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، ويبين كيف جعل التدخل الاقتصادي
والاصلاحات اللبرالية الجديدة التي أجريت بعد انتهاء الحرب الباردة، الموارد
الطبيعية في كازاخستان واذربيجان، وهما الدولتان اللتان تتمتعان بأكبر
احتياطات للنفط في المنطقة، نهباً لاستغلال شركات النفط متعددة الجنسيات،
والشركات الأمريكية منها بخاصة، كما ان ادارة بوش قد استغلت الحرب على
الارهاب من أجل ترسيخ وجودها العسكري في المنطقة التي كانت تعتبر بصورة
تقليدية “الباحة الخلفية” لكل من روسيا والصين، ويشرح المؤلف كيف انعكس ذلك
على السكان المحليين في تلك المناطق، زيادة هائلة في الفقر والقمع على أيدي
الأنظمة الاستبدادية المدعومة من الولايات المتحدة.
ويحلل الكتاب كذلك، الدور الذي لعبته الشركات متعددة الجنسيات في دول غرب
افريقيا الغنية بالنفط، ويبين كيف اسهمت العلاقات الوثيقة التي اقامتها شركات
النفط الأجنبية، مع حكومة نيجيريا الاستبدادية وجيشها الهمجي، في زيادة الفقر
وانتهاكات حقوق الانسان، وكيف تأثرت حياة الناس في دلتا نهر النيجر بالتدمير
البيئي الذي نجم عن العمليات النفطية هناك.
ويشير الكتاب إلى الوضع في أنجولا، وكيف أدى الافتقار إلى الشفافية في
العلاقات بين شركات النفط الأجنبية، والحكومة الأنجولية، إلى بلوغ مستويات
فادحة من الفساد الرسمي، والفقر على نطاق واسع.
ويبين مؤلف الكتاب كيف تضافرت انواع التدخل الأمريكي الثلاثة في كولومبيا،
فقد وفرت السياسات اللبرالية الجديدة لشركات النفط الأجنبية شروطاً تعاقدية
محابية عز نظيرها. كما استغلت حرب مكافحة المخدرات، والحرب على الارهاب،
لتبرير التدخل العسكري الأمريكي في النزاع الأهلي الدائر في كولومبيا منذ زمن
طويل، وذلك لأغراض، من بينها توفير الأمن لشركات النفط الأجنبية، كما ان
شركات النفط الأجنبية تعمل بالتنسيق الوثيق مع وحدات الجيش الكولومبي المدعوم
من الولايات المتحدة، والمسؤول عن ارتكاب انتهاكات بالجملة لحقوق الانسان،
ويشير المؤلف إلى ان العديد من الكولومبيين يتهمون التدخل الأمريكي واستغلال
النفط بزيادة الفقر في بلادهم، واشعال فتيل حرب قذرة ضد السكان المدنيين.
والحالة الأخيرة التي يدرسها المؤلف بالتفصيل في كتابه الواضح السلس، هي
الوضع في فنزويلا، وكيف تحدى هذا البلد مبادئ اللبرالية الجديدة، والطريقة
التقليدية التي تدير بها دول الجنوب الغنية بالنفط مواردها الطبيعية، فقد
استخدم الرئيس هوجو شافيز ثروة البلاد النفطية لتمويل “الثورة من أجل
الفقراء”.
وفي تباين واضح مع جارتها كولومبيا، اعادت فنزويلا تشكيل شروط العقود
النفطية، لكي تصب في مصلحة الدولة والشعب الفنزويلي، وطبق شافيز سياسات
اجتماعية واقتصادية تتعارض بصورة مباشرة مع تعليمات اللبرالية الجديدة
ونصائحها السائدة، وتتبنى برامج اعادة توزيع الثروة، التي ترمي إلى تحقيق
المنفعة للغالبية الفقيرة في البلاد. ونتيجة لذلك، أثار شافيز غضب ادارة بوش،
التي تدخلت في الشؤون الداخلية الفنزويلية في محاولات عديدة لتغيير النظام في
هذا البلد.
ولكن إدارة بوش واجهت صعوبة في تشويه سمعة شافيز في عيون المجتمع الدولي،
أكبر من الصعوبة التي واجهتها في النيل من صدام حسين، فقد كان شافيز منتخباً
بصورة ديمقراطية، ويتمتع بدعم شعبي عظيم، ولا يشكل خطراً عسكرياً على
الولايات المتحدة، ولم يرتكب أي جرائم ضد الانسانية، وكل هذه الأسباب، تقف
عائقاً في طريق محاولات إدارة بوش لعزل الزعيم الفنزويلي في نظر العالم،
وكانت سياسات حكومة شافيز الاجتماعية والاقتصادية هي التهديد الحقيقي لمصلحة
كل من الولايات المتحدة، وقطاعات النخبة الفنزويلية التي تتمتع بالامتيازات،
والرغبة في حماية هذه المصالح هي التي دفعت إدارة بوش والنخب الفنزويلية لترد
بشراسة على الثورة البوليفارية.
ويورد المؤلف في هذا الصدد، ما كتبه العالم السياسي تيري جيبس الذي يقول: “من
المؤكد ان تجد النخب الفنزويلية عملية اعادة توزيع الثروة مؤلمة إلى حدٍ ما،
وتعتبر السياسات المرتبطة بها “استبدادية” ومن الطريف انه لا يقال إن هذا هو
الدواء المر الذي يجب ان يتجرعه الأثرياء ليشهدوا مجتمعاً أكثر عدالة
وانسانية. بينما كان يطلب من الفقراء، من جهة أخرى، ان يتجرعوا دواء
الليبرالية الجديدة المر، على مدى عقدين من الزمن، بأمل عقيم في ان تنز
الثروة ذات يوم قطرات تبل ريقهم”.
التدخل في العراق
يستعرض المؤلف الأحداث التي أفضت إلى التدخل الأمريكي في العراق، بغزوه،
واحتلاله. ولعله بات من الصعب الآن الإتيان بجديد على هذا الصعيد، حيث أصبحت
حكاية أسلحة الدمار الشامل وعلاقة النظام العراقي السابق، المزعومة بحركة
القاعدة، تاريخاً معروفاً.
ولكن ما يضيفه المؤلف في حديثه عن العراق، هو إضاءته لبعض جوانب التدخل
الأمريكي في هذا البلد، ووضعه لهذا التدخل في سياق أوضح وأشمل.
يتحدث المؤلف عن اعادة تشكيل العراق على ضوء الأسس الليبرالية الجديدة، فيذكر
أن الرئيس بوش، في خطبه عن تغيير النظام في العراق، وفي اشارته إلى الاصلاحات
السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط بوجه عام، كان يلمح إلى مبرر آخر
للإطاحة بصدام حسين، وهو تعزيز الديمقراطية والاصلاح اللبرالي الجديد، وحسبما
ورد في “مبادرة بوش للتجارة الحرة في الشرق الأوسط”، التي جرى اعلانها في
فبراير/شباط ،2003 كانت الولايات المتحدة تعتزم السعي إلى عقد اتفاقيات تجارة
حرة شاملة مع الدول المستعدة والراغبة في ان تأخذ على عاتقها الالتزام العميق
بإجراء اصلاحات اقتصادية، وتحرير أنظمتها التجارية وفتح اقتصاداتها”، وكانت
إدارة بوش تخطط لأن يصبح العراق مثالاً ديمقراطياً واقتصادياً يحتذى من قبل
بقية دول الشرق الأوسط، وذلك بدمج هذا البلد في النظام الرأسمالي العالمي من
خلال تطبيق الاصلاحات اللبرالية الجديدة، وكان مما لا بد منه ان تتطلب هذه
الاصلاحات الخصخصة الكاملة أو الجزئية للكيانات المملوكة من قبل الدولة، وفتح
اقتصاد البلد، والقطاع النفطي منه بخاصة، أمام الاستثمار الأجنبي.
ويورد المؤلف وصف عالم الاجتماع الأمريكي وليام روبنسون لاستراتيجية إدارة
بوش لإعادة تشكيل العراق، حيث يقول روبنسون:
“إن لدى الولايات المتحدة ثلاثة أهداف تتوخى تحقيقها، بالنسبة إلى النظام
السياسي الذي ستحاول وضعه في العراق الأول هو غرس نُخب ذات توجهات عالمية،
تشارك واشنطن اهتمامها بدمج العراق في النظام الرأسمالي العالمي، وتستطيع ذلك
إدارة الحكومة المحلية اثناء بنائها تحت وصاية قوات الاحتلال. والهدف الثاني
هو عزل تلك النخب المضادة، التي ليست على استعداد لأن تسلم زمام الأمور
للمشروع الأمريكي، مثل النخب التي تسير على هدي وطني (بالمقارنة مع النخب
التي تسير على هدْي دولي) وغيرها ممن هو في وضعية الزعامة والسلطة والتأثير،
ولا يشارك الولايات المتحدة أهدافها وغاياتها، والهدف الثالث هو ترسيخ هيمنة
هذه النخب على الجماهير العراقية، من أجل منع تسييسها وتعبئتها بصورة مستقلة
عن المشروع الأمريكي، أو معارضة له، وذلك بدمجها ب “التراضي” في النظام
السياسي الذي ترغب الولايات المتحدة في تأسيسه”.
ويذكر المؤلف، أن بول بريمر، رئيس سلطة التحالف المؤقتة، قام بتاريخ 13
يوليو/تموز ،2003 بتعيين مجلس عراقي حاكم يتألف من 25 شخصاً، على الرغم من ان
بريمر احتفظ بحق الفيتو على أي قرار يتخذه المجلس، وسارع المسؤولون
الأمريكيون إلى الاشارة إلى أن ذلك المجلس يمثل السكان العراقيين، حيث كان
غالبية اعضائه من الشيعة، والبقية من السنة والأكراد والتركمان، بالإضافة إلى
عضو مسيحي اشوري، ومن الناحية الفنية، كان المظهر العام الديمغرافي للمجلس
الحاكم يمثل سكان العراق، ولكن على صعيد الواقع، كان معظم اعضائه الشيعة من
المعتدلين الذين كانوا قبل ذلك الوقت يعيشون في المنفى في الولايات المتحدة
منذ سنوات، ويقيمون علاقات وثيقة مع المسؤولين الأمريكيين، وبهذا المعنى لم
يكونوا يمثلون بصدق، السكان الشيعة في العراق، بل كانوا نخباً ذات توجه
عالمي، ومؤيدين للمشروع الأمريكي الذي وصفه روبنسون.
ويتابع المؤلف القول إن احمد جلبي واياد علاوي كانا مثالين على اختيار ادارة
بوش الاستراتيجي للشيعة العراقيين كأعضاء في مجلس الحكم، فقد أسس جلبي حزب
المؤتمر الوطني العراقي بتمويل من وزارة الدفاع الأمريكية، سنة ،1992 بينما
كان في أواسط سنواته الخمس والأربعين في المنفى. وكما قال الدبلوماسي
الأمريكي، جيمس أكينس، “لعل جلبي كان لديه من المؤيدين في الكونجرس الأمريكي،
اكثر مما لديه من المؤيدين في جميع أرجاء العراق، وقد استغل ذلك. فهو يستمد
الدعم من الولايات المتحدة”.
وقد أيد ما ادعاه أكينس، مسح اجري في مايو/أيار ،2004 أعلن العراقيون من
خلاله بنسبة ساحقة ان جلبي هو الزعيم الوطني العراقي الذي يحظى بأقل درجة من
ثقتهم، حتى ان ثقتهم فيه أقل من ثقتهم بصدام حسين، فبينما قال 42% من
العراقيين إنهم لا يثقون بجلبي على الاطلاق، قال 14% منهم فقط، الشيء ذاته عن
صدام..”.
وفي الوقت الذي اجري فيه ذلك المسح، بدأ اختيار ادارة بوش الاستراتيجي لعضوية
جلبي في مجلس الحكم، يعطي نتائج عكسية، فقد اخذ جلبي ينأى بنفسه عن إدارة
بوش، بالمطالبة بالسيطرة العراقية التامة على قوات الأمن في البلاد، وانتقاء
التكتيكات العسكرية الأمريكية، وفي مايو/أيار، أمر البيت الأبيض وزارة الدفاع
الأمريكية بقطع علاقاتها مع جلبي، متهماً إياه بأنه كان يسرب الأسرار
الأمريكية إلى الحكومة الايرانية، واوقفت وزارة الدفاع تمويل حزب المؤتمر
الوطني العراقي الذي يتزعمه جلبي، والذي كان يبلغ 340 ألف دولار شهرياً،
واقتحم الجنود الأمريكيون مسكن المنفي السابق في بغداد، ومعهم أوامر باعتقال
رئيس مخابراته أراس حبيب، وادعى جلبي بأن اتهامه بالتجسس، كان الذريعة التي
تعللت بها واشنطن من أجل قمع الخطاب الوطني الذي كان يطلقه في الآونة
الأخيرة، حيث قال: “اني اطالب الآن باتباع سياسات لتحرير الشعب العراقي
واستعادة سيادتنا التامة، وانا اطرح هذه القضايا، بطريقة لا يحبها
الأمريكيون”.
ويتابع المؤلف الحديث عن جلبي، فيقول إن المؤتمر الوطني العراقي، انضم بعد
ذلك بشهور إلى (الائتلاف العراقي الموحد) المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالزعيم
الشيعي العراقي البارز آية الله العظمى علي السيستاني، وقد ساعد خصام جلبي مع
الولايات المتحدة، وقراره التحالف مع الائتلاف المذكور، الذي كان يرمي من
ورائه إلى منافسة حزب الوفاق الوطني بزعامة علاوي في الانتخابات المقبلة، على
إعادة الاعتبار للمنفي السابق في عيون الكثيرين من شيعة العراق.
ويمضي المؤلف إلى طرح المثال الثاني، من النخبة العراقية ذات المواصفات
الأمريكية، وهو اياد علاوي، فيقول ان هذا كان قد أقام علاقات وثيقة مع
المسؤولين الأمريكيين خلال سنوات نفيه التي بلغت 33 سنة، بينما كانت مجموعته،
وهي “حزب الوفاق الوطني” تتألف بصورة اساسية من منشقين عن الجيش العراقي. وقد
عين المجلس الحاكم المعين من قبل امريكا، علاوي رئيساً مؤقتاً للوزراء في
أعقاب تسليم السيادة للعراق في 30 يونيو/حزيران 2004 وقد عين في هذا المنصب
بسبب علاقاته الوثيقة مع الولايات المتحدة وتأييده للمشروع الأمريكي.
من يتحكم بعائدات النفط؟
يقول المؤلف، في الوقت الذي كانت في إدارة بوش تطبق مشروعها الذي تسميه
“تعزيز الديمقراطية”، كانت تشرف كذلك على اعادة التشكيل الاقتصادي والفيزيائي
للعراق. وبالإضافة إلى عشرات المليارات من دولارات دافعي الضرائب الأمريكيين،
التي كانت تمول اعادة البناء، كان ريع النفط العراقي، يستخدم لتمويل
التعاقدات المسندة إلى الشركات الأجنبية، غير أن أياً من مجلس الحكم، أو
الحكومة الانتقالية التي خلفته، لم يكن يتحكم بالعائدات التي تدرها صادرات
النفط العراقي بعد الغزو، فجميع عائدات البلاد من النفط، تودع في حساب يسمى
صندوق تنمية العراق، الذي يخضع لسيطرة ادارة بوش بموجب تفويض من الأمم
المتحدة، يقتضي انفاق الأموال في منفعة الشعب العراقي.
وخلال الشهور الأربعة عشر الأولى من الاحتلال، ادعت سلطة التحالف المؤقتة
بزعامة بريمر، ان معظم الأموال في صندوق التنمية قد دفعت للتعاقدات المبرمة
مع شركات عراقية، ولكن بعد ان سلمت سلطة التحالف المؤقتة السلطة الى الحكومة
المؤقتة بفترة وجيزة، تبين ان تسعة عشر تعاقداً من التعاقدات الكبرى السبعة
والثلاثين التي تم تمويلها بأموال النفط العراقي، التي تبلغ 85% من ال 2،2
مليار دولار التي تم انفاقها، ذهبت لشركات أمريكية، وحسبما ورد في تقرير أعده
المفتش العام في سلطة التحالف المؤقتة بشأن مصروفات الأموال العراقية في
العقود التي لا تخضع لنظام المناقصات، كانت الشركة التي فازت بنصيب الأسد هي
شركة (كيلوج، براون اند روت) وهي فرع لشركة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني
السابقة، هاليبرتون، التي حصدت 1،66 مليار دولار - بالإضافة إلى العقد المثير
للجدل، الذي لم يخضع للمناقصة، والبالغة قيمته 7 مليارات دولار، والذي كانت
قد تلقته هذه الشركة من وزارة الدفاع الأمريكية قبل الغزو مباشرة. وتضمنت
المدفوعات الأخرى إلى شركات أمريكية، 48 مليون دولار لمؤسسة هاريس، و16،8
مليون دولار لشركة (كاستر باتلز)، و15،6 مليون دولار لشركة موتورولا.
وحسبما قاله فريد ياسين، الدبلوماسي العراقي في حكومة علاوي الانتقالية “لم
يكن هنالك في الواقع أي صوت عراقي يتدخل في صرف تلك الأموال”.
ويقول المؤلف ان الإدارة الأمريكية كانت قد شرعت في اعادة تشكيل صناعة النفط
العراقي قبل مرور اقل من شهرين على الغزو. ففي الرابع من مايو/أيار 2003 عين
البيت الأبيض مواطناً أمريكياً، هو المدير العام السابق لشركة نفط شل، فيليب
كارول، للإشراف على اعادة بناء وتشكيل صناعة النفط العراقية، وبعد تعيينه
بفترة وجيزة قال إن العقود التي كانت قد أبرمتها شركات النفط الأجنبية مع
حكومة صدام حسين، قد تُلغى. وكان صدام خلال تسعينات القرن الماضي، قد أبرم
عقود استكشاف وانتاج للنفط، مع شركات فرنسية وروسية وصينية، تمهيداً لرفع
عقوبات الأمم المتحدة. ولكن الزعيم العراقي كان قد رفض التعامل مع شركات
أمريكية، ويتناقض اقتراح الولايات المتحدة إلغاء جميع العقود التي ابرمتها
حكومة صدام، تناقضاً صارخاً مع المطالبات الأمريكية في سنوات سابقة، لحكومات
حديثة التشكل في دول أخرى، مثل كوبا سنة ،1959 ونيكاراجوا سنة ،1979 بأن
تحترم العقود التي كانت الشركات الأمريكية قد وقعتها مع حكومات استبدادية
سابقة، وكما هو متوقع، بدأ وزير النفط العراقي، تامر غضبان، الذي عينته
الولايات المتحدة، في أواخر مايو/أيار بإلغاء العقود عندما أعلن تعليق تنفيذ
ثلاث صفقات نفطية مع شركات روسية وصينية، وأعلن ان تعاقدات النفط العراقي
اللاحقة ستكون مفتوحة أمام المناقصة من قبل جميع الشركات الأجنبية.
وبينما لم يكن يشك أحد في أن احد الأهداف الأساسية للاحتلال الأمريكي، هو
تأمين الوصول إلى النفط العراقي من قبل الشركات الأمريكية، كانت هناك وجهات
نظر مختلفة داخل إدارة بوش بشأن كيفية تحقيق هذا الهدف. فكان المحافظون الجدد
في الإدارة يريدون خصخصة القطاع النفطي في العراق، وانسحاب هذا البلد من
منظمة أوبك للتقليل من تأثير هذا التكتل في أسعار النفط العالمية، أما وزارة
الخارجية الأمريكية، وشركات النفط، من جهة أخرى، فكانت تخشى ان تؤدي الخصخصة
إلى نتائج سياسية عكسية تذكر بالفوضى التي أعقبت خصخصة قطاع الطاقة في روسيا،
والتي تركت شركات النفط الأمريكية على الهامش. وفي نهاية المطاف، تغلبت
الاستراتيجية التي اقترحتها وزارة الخارجية وشركات النفط، وتم وضع خطة جديدة
دعت إلى تأسيس شركة نفطية حكومية واستمرار العضوية في منظمة أوبك. فشركات
النفط ليست لها مصلحة تقريباً في تقويض الجهود التي تبذلها منظمة أوبك للحفاظ
على ارتفاع أسعار النفط، لأن ذلك سيؤثر سلباً في ما تجنيه من أرباح، ومما
يوضح العلاقة بين مصالح شركات النفط الأمريكية ومصالح منظمة أوبك، ما قاله
“آمي جافي” من “معهد بيكر” وهو أحد مهندسي الخطة الامريكية الجديدة للقطاع
النفطي العراقي: “لو كنت رئيس شركة امريكية وأجريتم لي فحص اختبار الكذب،
فلست متأكداً من أنني سأقول ان ارتفاع أسعار النفط سيئ لي ولشركتي”.
ومن المتوقع أن تكون أرباح شركات الطاقة الأجنبية هائلة حتى من دون خصخصة
قطاع النفط، ففي ظل عملية إعادة التشكيل اللبرالي الجديد التي طبقت في دول
أخرى منتجة للنفط في الجنوب، يمكن لشركات النفط الاجنبية أن تدخل اتفاقيات
إنتاج في ظل شروط مفضلة إلى درجة تجعل الخصخصة غير ضرورية لتأمين أرباح
طائلة، وحسبما ذكر “منتدى السياسة العالمية” وهو منظمة غير حكومية مقرها
نيويورك سوف تتيح صفقات الامتيازات المحابية في العراق لشركات النفط الأجنبية
أن تحقق أرباحاً لا تقل في حدها الأدنى عن 600 مليار دولار على مدى الخمسين
سنة المقبلة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2004 كشف مجلس الحكم الانتقالي الذي عينته الولايات
المتحدة عن استراتيجية العراق النفطية الجديدة، وحسبما ذكره هلال عبود
البياتي المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء الانتقالي علاوي، فإن تلك
الاستراتيجية قد دعت شركة النفط الوطنية العراقية إلى الاستمرار في تشغيل
الحقول النفطية الموجودة، بينما سيسمح للشركات الاجنبية بتطوير جميع الحقول
الجديدة، وتلك مكافأة ضخمة، إذا أخذنا في الاعتبار أن ما يبلغ 95% من
احتياطيات النفط العراقي لم تستغل بعد، وفي حين ان الحكومة لم تعلن شروط
الامتيازات النفطية المقترحة، تشكل الاستراتيجية الجديدة علامة على المرة
الأولى، منذ تأميم صناعة النفط العراقي سنة ،1972 التي تتمكن فيها الشركات
الأجنبية من الوصول إلى احتياطيات البلاد النفطية الضخمة، وقد وقع العديد من
شركات النفط الكبرى عقوداً بعد الغزو مع وزارة النفط العراقية لتقديم المعونة
الفنية في الدراسات الجيولوجية ولإصلاح خطوط الأنابيب والبنية التحتية.
وفي هذه الأثناء عقد اجتماع في يونيو/حزيران 2005 في لندن، ضم مسؤولين من
وزارة النفط العراقية، ومديرين من شركات اكسون موبيل، وبي بي وشل وهاليبرتون
وغيرها من شركات الطاقة العملاقة، بهدف وضع أسس عودة دخول شركات النفط
الأجنبية إلى العراق. وكما قال حسن جمعة رئيس الاتحاد العراقي العام لمستخدمي
النفط، فإن المرحلة الثانية من الحرب سوف تبدأ بقيام هذا المؤتمر بتقسيم كعكة
صناعة النفط العراقي. فهو يتعلق بتوزيع حصص من العراق على الدول التي غزته،
حيث تأخذ كل منها جزءاً من الغنيمة كمكافأة لها. ومما أضفى المصداقية على
مخاوف رئيس ذلك الاتحاد بشأن قيام الحكومة العراقية بتسليم ثروة البلاد
النفطية للشركات الأجنبية اعتراف الناطق باسم شركة شل، سايمون بيرل، بقوله
“إننا نطمح إلى ترسيخ وجود طويل الأمد في العراق”.
ويقول مؤلف الكتاب إن إدارة بوش نجحت بعد سنتين من غزو العراق في تأمين
استغلال نفط البلاد من قبل شركات النفط الأمريكية، وكان فتح صناعة النفط
العراقية مجرد واحد فقط في الاصلاحات اللبرالية الجديدة التي تم تطبيقها خلال
السنتين اللتين اعقبتا الغزو، ففي شهر أكتوبر/تشرين الأول 2004 وصف وزير
المالية العراقي عادل عبد المهدي التقدم الذي تم احرازه حتى ذلك التاريخ بأنه
“إطار سليم لاقتصاد واسع النطاق، ونشاط اقتصادي متين، وبداية طيبة لسلسلة
واسعة من الإصلاحات البنيوية والقانونية ذات الأهمية البالغة بالنسبة إلى
تحقيق الانتقال من اقتصاد مركزي إلى اقتصاد مبني على الملكية الخاصة،
والأسواق المفتوحة والشفافية وحكم القانون”.
ويضيف المؤلف قائلاً إن صندوق النقد الدولي زود العراق في سبتمبر/أيلول 2004
بقرض قيمته 436،3 مليون دولار، مكافأة له على تطبيق إصلاحات لبرالية جديدة
شبيهة بالاصلاحات التي فرضها الصندوق نفسه على العديد من دول الجنوب. وعند
تقديم القرض طالب الصندوق الحكومة العراقية بخفض المعونات الغذائية التي
تقدمها للشعب العراقي، على الرغم من أن نصف السكان تقريباً عاطلون عن العمل،
وكان هذا الطلب مثيراً للقلق بوجه خاص لأنه جاء في أعقاب صدور تقرير عن الامم
المتحدة في مارس/آذار 2005 يذكر أن نسبة الاطفال العراقيين الذين يعانون
الجوع قد تضاعفت تقريباً بعد الغزو.
وفي ختام عرضه للوضع في العراق، يقول المؤلف إن إدارة بوش قد نجحت في تأسيس
نظام اقتصادي يؤمن لشركات الطاقة الأمريكية الوصول إلى احتياطيات النفط
العراقي الهائلة، ولكن الجيش الامريكي والقوات العراقية الحديثة العهد
بالتدريب تظل عالقة في وحل الصراع الذي يهدف لاحتواء التمرد الذي يخوضه نحو
40 ألف رجل، واستمرار هذا التمرد يجعل من الصعب على الولايات المتحدة أن تفرض
الزمن والاستقرار اللازمين لغرس جذور مشروعيها: الإصلاحات اللبرالية الجديدة
ونشر الديمقراطية، كما أن الدعم الشعبي الأمريكي للحرب في العراق، آخذ في
التضاؤل مما حدّ من حجم آمال إدارة بوش في إنشاء حكومة ديمقراطية وثيقة
التحالف مع واشنطن، ويعود المؤلف إلى عالم الاجتماع وليام روبنسون مرة أخرى،
فينقل عنه قوله “إذا كانت عملية غزو العراق واحتلاله تشكل أكبر تدخل قامت به
الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام، فإنها تمثل في الوقت ذاته الهوة الأشد
إثارة للذهول التي تفصل بين نيات الولايات المتحدة، من جهة، وبين مقدرتها
الحقيقية على السيطرة على الأحداث والنتائج، من جهة أخرى.