تدخلات سافرة

 الحلقة الثانية 2

شافيز يتحدى التدخل الأمريكي بتحويل ثروة النفط إلى ثورة من أجل الفقراء

 

يشير المؤلف إلى ان استراتيجيات التدخل الأمريكي الثلاث، توجد مجتمعة على الأغلب في كل مثال من أمثلة دول الجنوب التي يوردها، ولكن درجة كل من هذه التدخلات، قد تختلف من دولة إلى أخرى.


ويبدأ الكتاب باستعراض تاريخ السياسة الأمريكية إزاء العراق، وكيفية تأثرها بالنفط، ويشرح كيف تم استغلال إدارة بوش، للغزو الذي شُن في مارس/آذار ،2003 وما تبعه من احتلال للعراق، في وضع أسس تطبيق السياسات اللبرالية الجديدة، الرامية إلى فتح احتياطات النفط العراقي للاستغلال من جانب الشركات متعددة الجنسيات.


ويسلط الكتاب الضوء كذلك على المناطق الغنية بالنفط في آسيا الوسطى وجنوبي القوقاز في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، ويبين كيف جعل التدخل الاقتصادي والاصلاحات اللبرالية الجديدة التي أجريت بعد انتهاء الحرب الباردة، الموارد الطبيعية في كازاخستان واذربيجان، وهما الدولتان اللتان تتمتعان بأكبر احتياطات للنفط في المنطقة، نهباً لاستغلال شركات النفط متعددة الجنسيات، والشركات الأمريكية منها بخاصة، كما ان ادارة بوش قد استغلت الحرب على الارهاب من أجل ترسيخ وجودها العسكري في المنطقة التي كانت تعتبر بصورة تقليدية الباحة الخلفية لكل من روسيا والصين، ويشرح المؤلف كيف انعكس ذلك على السكان المحليين في تلك المناطق، زيادة هائلة في الفقر والقمع على أيدي الأنظمة الاستبدادية المدعومة من الولايات المتحدة.


ويحلل الكتاب كذلك، الدور الذي لعبته الشركات متعددة الجنسيات في دول غرب افريقيا الغنية بالنفط، ويبين كيف اسهمت العلاقات الوثيقة التي اقامتها شركات النفط الأجنبية، مع حكومة نيجيريا الاستبدادية وجيشها الهمجي، في زيادة الفقر وانتهاكات حقوق الانسان، وكيف تأثرت حياة الناس في دلتا نهر النيجر بالتدمير البيئي الذي نجم عن العمليات النفطية هناك.


ويشير الكتاب إلى الوضع في أنجولا، وكيف أدى الافتقار إلى الشفافية في العلاقات بين شركات النفط الأجنبية، والحكومة الأنجولية، إلى بلوغ مستويات فادحة من الفساد الرسمي، والفقر على نطاق واسع.


ويبين مؤلف الكتاب كيف تضافرت انواع التدخل الأمريكي الثلاثة في كولومبيا، فقد وفرت السياسات اللبرالية الجديدة لشركات النفط الأجنبية شروطاً تعاقدية محابية عز نظيرها. كما استغلت حرب مكافحة المخدرات، والحرب على الارهاب، لتبرير التدخل العسكري الأمريكي في النزاع الأهلي الدائر في كولومبيا منذ زمن طويل، وذلك لأغراض، من بينها توفير الأمن لشركات النفط الأجنبية، كما ان شركات النفط الأجنبية تعمل بالتنسيق الوثيق مع وحدات الجيش الكولومبي المدعوم من الولايات المتحدة، والمسؤول عن ارتكاب انتهاكات بالجملة لحقوق الانسان، ويشير المؤلف إلى ان العديد من الكولومبيين يتهمون التدخل الأمريكي واستغلال النفط بزيادة الفقر في بلادهم، واشعال فتيل حرب قذرة ضد السكان المدنيين.


والحالة الأخيرة التي يدرسها المؤلف بالتفصيل في كتابه الواضح السلس، هي الوضع في فنزويلا، وكيف تحدى هذا البلد مبادئ اللبرالية الجديدة، والطريقة التقليدية التي تدير بها دول الجنوب الغنية بالنفط مواردها الطبيعية، فقد استخدم الرئيس هوجو شافيز ثروة البلاد النفطية لتمويل الثورة من أجل الفقراء.


وفي تباين واضح مع جارتها كولومبيا، اعادت فنزويلا تشكيل شروط العقود النفطية، لكي تصب في مصلحة الدولة والشعب الفنزويلي، وطبق شافيز سياسات اجتماعية واقتصادية تتعارض بصورة مباشرة مع تعليمات اللبرالية الجديدة ونصائحها السائدة، وتتبنى برامج اعادة توزيع الثروة، التي ترمي إلى تحقيق المنفعة للغالبية الفقيرة في البلاد. ونتيجة لذلك، أثار شافيز غضب ادارة بوش، التي تدخلت في الشؤون الداخلية الفنزويلية في محاولات عديدة لتغيير النظام في هذا البلد.


ولكن إدارة بوش واجهت صعوبة في تشويه سمعة شافيز في عيون المجتمع الدولي، أكبر من الصعوبة التي واجهتها في النيل من صدام حسين، فقد كان شافيز منتخباً بصورة ديمقراطية، ويتمتع بدعم شعبي عظيم، ولا يشكل خطراً عسكرياً على الولايات المتحدة، ولم يرتكب أي جرائم ضد الانسانية، وكل هذه الأسباب، تقف عائقاً في طريق محاولات إدارة بوش لعزل الزعيم الفنزويلي في نظر العالم، وكانت سياسات حكومة شافيز الاجتماعية والاقتصادية هي التهديد الحقيقي لمصلحة كل من الولايات المتحدة، وقطاعات النخبة الفنزويلية التي تتمتع بالامتيازات، والرغبة في حماية هذه المصالح هي التي دفعت إدارة بوش والنخب الفنزويلية لترد بشراسة على الثورة البوليفارية.


ويورد المؤلف في هذا الصدد، ما كتبه العالم السياسي تيري جيبس الذي يقول: من المؤكد ان تجد النخب الفنزويلية عملية اعادة توزيع الثروة مؤلمة إلى حدٍ ما، وتعتبر السياسات المرتبطة بها استبدادية ومن الطريف انه لا يقال إن هذا هو الدواء المر الذي يجب ان يتجرعه الأثرياء ليشهدوا مجتمعاً أكثر عدالة وانسانية. بينما كان يطلب من الفقراء، من جهة أخرى، ان يتجرعوا دواء الليبرالية الجديدة المر، على مدى عقدين من الزمن، بأمل عقيم في ان تنز الثروة ذات يوم قطرات تبل ريقهم.


التدخل في العراق


يستعرض المؤلف الأحداث التي أفضت إلى التدخل الأمريكي في العراق، بغزوه، واحتلاله. ولعله بات من الصعب الآن الإتيان بجديد على هذا الصعيد، حيث أصبحت حكاية أسلحة الدمار الشامل وعلاقة النظام العراقي السابق، المزعومة بحركة القاعدة، تاريخاً معروفاً.


ولكن ما يضيفه المؤلف في حديثه عن العراق، هو إضاءته لبعض جوانب التدخل الأمريكي في هذا البلد، ووضعه لهذا التدخل في سياق أوضح وأشمل.


يتحدث المؤلف عن اعادة تشكيل العراق على ضوء الأسس الليبرالية الجديدة، فيذكر أن الرئيس بوش، في خطبه عن تغيير النظام في العراق، وفي اشارته إلى الاصلاحات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط بوجه عام، كان يلمح إلى مبرر آخر للإطاحة بصدام حسين، وهو تعزيز الديمقراطية والاصلاح اللبرالي الجديد، وحسبما ورد في مبادرة بوش للتجارة الحرة في الشرق الأوسط، التي جرى اعلانها في فبراير/شباط ،2003 كانت الولايات المتحدة تعتزم السعي إلى عقد اتفاقيات تجارة حرة شاملة مع الدول المستعدة والراغبة في ان تأخذ على عاتقها الالتزام العميق بإجراء اصلاحات اقتصادية، وتحرير أنظمتها التجارية وفتح اقتصاداتها، وكانت إدارة بوش تخطط لأن يصبح العراق مثالاً ديمقراطياً واقتصادياً يحتذى من قبل بقية دول الشرق الأوسط، وذلك بدمج هذا البلد في النظام الرأسمالي العالمي من خلال تطبيق الاصلاحات اللبرالية الجديدة، وكان مما لا بد منه ان تتطلب هذه الاصلاحات الخصخصة الكاملة أو الجزئية للكيانات المملوكة من قبل الدولة، وفتح اقتصاد البلد، والقطاع النفطي منه بخاصة، أمام الاستثمار الأجنبي.


ويورد المؤلف وصف عالم الاجتماع الأمريكي وليام روبنسون لاستراتيجية إدارة بوش لإعادة تشكيل العراق، حيث يقول روبنسون:


إن لدى الولايات المتحدة ثلاثة أهداف تتوخى تحقيقها، بالنسبة إلى النظام السياسي الذي ستحاول وضعه في العراق الأول هو غرس نُخب ذات توجهات عالمية، تشارك واشنطن اهتمامها بدمج العراق في النظام الرأسمالي العالمي، وتستطيع ذلك إدارة الحكومة المحلية اثناء بنائها تحت وصاية قوات الاحتلال. والهدف الثاني هو عزل تلك النخب المضادة، التي ليست على استعداد لأن تسلم زمام الأمور للمشروع الأمريكي، مثل النخب التي تسير على هدي وطني (بالمقارنة مع النخب التي تسير على هدْي دولي) وغيرها ممن هو في وضعية الزعامة والسلطة والتأثير، ولا يشارك الولايات المتحدة أهدافها وغاياتها، والهدف الثالث هو ترسيخ هيمنة هذه النخب على الجماهير العراقية، من أجل منع تسييسها وتعبئتها بصورة مستقلة عن المشروع الأمريكي، أو معارضة له، وذلك بدمجها ب التراضي في النظام السياسي الذي ترغب الولايات المتحدة في تأسيسه.


ويذكر المؤلف، أن بول بريمر، رئيس سلطة التحالف المؤقتة، قام بتاريخ 13 يوليو/تموز ،2003 بتعيين مجلس عراقي حاكم يتألف من 25 شخصاً، على الرغم من ان بريمر احتفظ بحق الفيتو على أي قرار يتخذه المجلس، وسارع المسؤولون الأمريكيون إلى الاشارة إلى أن ذلك المجلس يمثل السكان العراقيين، حيث كان غالبية اعضائه من الشيعة، والبقية من السنة والأكراد والتركمان، بالإضافة إلى عضو مسيحي اشوري، ومن الناحية الفنية، كان المظهر العام الديمغرافي للمجلس الحاكم يمثل سكان العراق، ولكن على صعيد الواقع، كان معظم اعضائه الشيعة من المعتدلين الذين كانوا قبل ذلك الوقت يعيشون في المنفى في الولايات المتحدة منذ سنوات، ويقيمون علاقات وثيقة مع المسؤولين الأمريكيين، وبهذا المعنى لم يكونوا يمثلون بصدق، السكان الشيعة في العراق، بل كانوا نخباً ذات توجه عالمي، ومؤيدين للمشروع الأمريكي الذي وصفه روبنسون.


ويتابع المؤلف القول إن احمد جلبي واياد علاوي كانا مثالين على اختيار ادارة بوش الاستراتيجي للشيعة العراقيين كأعضاء في مجلس الحكم، فقد أسس جلبي حزب المؤتمر الوطني العراقي بتمويل من وزارة الدفاع الأمريكية، سنة ،1992 بينما كان في أواسط سنواته الخمس والأربعين في المنفى. وكما قال الدبلوماسي الأمريكي، جيمس أكينس، لعل جلبي كان لديه من المؤيدين في الكونجرس الأمريكي، اكثر مما لديه من المؤيدين في جميع أرجاء العراق، وقد استغل ذلك. فهو يستمد الدعم من الولايات المتحدة.


وقد أيد ما ادعاه أكينس، مسح اجري في مايو/أيار ،2004 أعلن العراقيون من خلاله بنسبة ساحقة ان جلبي هو الزعيم الوطني العراقي الذي يحظى بأقل درجة من ثقتهم، حتى ان ثقتهم فيه أقل من ثقتهم بصدام حسين، فبينما قال 42% من العراقيين إنهم لا يثقون بجلبي على الاطلاق، قال 14% منهم فقط، الشيء ذاته عن صدام...


وفي الوقت الذي اجري فيه ذلك المسح، بدأ اختيار ادارة بوش الاستراتيجي لعضوية جلبي في مجلس الحكم، يعطي نتائج عكسية، فقد اخذ جلبي ينأى بنفسه عن إدارة بوش، بالمطالبة بالسيطرة العراقية التامة على قوات الأمن في البلاد، وانتقاء التكتيكات العسكرية الأمريكية، وفي مايو/أيار، أمر البيت الأبيض وزارة الدفاع الأمريكية بقطع علاقاتها مع جلبي، متهماً إياه بأنه كان يسرب الأسرار الأمريكية إلى الحكومة الايرانية، واوقفت وزارة الدفاع تمويل حزب المؤتمر الوطني العراقي الذي يتزعمه جلبي، والذي كان يبلغ 340 ألف دولار شهرياً، واقتحم الجنود الأمريكيون مسكن المنفي السابق في بغداد، ومعهم أوامر باعتقال رئيس مخابراته أراس حبيب، وادعى جلبي بأن اتهامه بالتجسس، كان الذريعة التي تعللت بها واشنطن من أجل قمع الخطاب الوطني الذي كان يطلقه في الآونة الأخيرة، حيث قال: اني اطالب الآن باتباع سياسات لتحرير الشعب العراقي واستعادة سيادتنا التامة، وانا اطرح هذه القضايا، بطريقة لا يحبها الأمريكيون.


ويتابع المؤلف الحديث عن جلبي، فيقول إن المؤتمر الوطني العراقي، انضم بعد ذلك بشهور إلى (الائتلاف العراقي الموحد) المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالزعيم الشيعي العراقي البارز آية الله العظمى علي السيستاني، وقد ساعد خصام جلبي مع الولايات المتحدة، وقراره التحالف مع الائتلاف المذكور، الذي كان يرمي من ورائه إلى منافسة حزب الوفاق الوطني بزعامة علاوي في الانتخابات المقبلة، على إعادة الاعتبار للمنفي السابق في عيون الكثيرين من شيعة العراق.


ويمضي المؤلف إلى طرح المثال الثاني، من النخبة العراقية ذات المواصفات الأمريكية، وهو اياد علاوي، فيقول ان هذا كان قد أقام علاقات وثيقة مع المسؤولين الأمريكيين خلال سنوات نفيه التي بلغت 33 سنة، بينما كانت مجموعته، وهي حزب الوفاق الوطني تتألف بصورة اساسية من منشقين عن الجيش العراقي. وقد عين المجلس الحاكم المعين من قبل امريكا، علاوي رئيساً مؤقتاً للوزراء في أعقاب تسليم السيادة للعراق في 30 يونيو/حزيران 2004 وقد عين في هذا المنصب بسبب علاقاته الوثيقة مع الولايات المتحدة وتأييده للمشروع الأمريكي.


من يتحكم بعائدات النفط؟


يقول المؤلف، في الوقت الذي كانت في إدارة بوش تطبق مشروعها الذي تسميه تعزيز الديمقراطية، كانت تشرف كذلك على اعادة التشكيل الاقتصادي والفيزيائي للعراق. وبالإضافة إلى عشرات المليارات من دولارات دافعي الضرائب الأمريكيين، التي كانت تمول اعادة البناء، كان ريع النفط العراقي، يستخدم لتمويل التعاقدات المسندة إلى الشركات الأجنبية، غير أن أياً من مجلس الحكم، أو الحكومة الانتقالية التي خلفته، لم يكن يتحكم بالعائدات التي تدرها صادرات النفط العراقي بعد الغزو، فجميع عائدات البلاد من النفط، تودع في حساب يسمى صندوق تنمية العراق، الذي يخضع لسيطرة ادارة بوش بموجب تفويض من الأمم المتحدة، يقتضي انفاق الأموال في منفعة الشعب العراقي.


وخلال الشهور الأربعة عشر الأولى من الاحتلال، ادعت سلطة التحالف المؤقتة بزعامة بريمر، ان معظم الأموال في صندوق التنمية قد دفعت للتعاقدات المبرمة مع شركات عراقية، ولكن بعد ان سلمت سلطة التحالف المؤقتة السلطة الى الحكومة المؤقتة بفترة وجيزة، تبين ان تسعة عشر تعاقداً من التعاقدات الكبرى السبعة والثلاثين التي تم تمويلها بأموال النفط العراقي، التي تبلغ 85% من ال 2،2 مليار دولار التي تم انفاقها، ذهبت لشركات أمريكية، وحسبما ورد في تقرير أعده المفتش العام في سلطة التحالف المؤقتة بشأن مصروفات الأموال العراقية في العقود التي لا تخضع لنظام المناقصات، كانت الشركة التي فازت بنصيب الأسد هي شركة (كيلوج، براون اند روت) وهي فرع لشركة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني السابقة، هاليبرتون، التي حصدت 1،66 مليار دولار - بالإضافة إلى العقد المثير للجدل، الذي لم يخضع للمناقصة، والبالغة قيمته 7 مليارات دولار، والذي كانت قد تلقته هذه الشركة من وزارة الدفاع الأمريكية قبل الغزو مباشرة. وتضمنت المدفوعات الأخرى إلى شركات أمريكية، 48 مليون دولار لمؤسسة هاريس، و16،8 مليون دولار لشركة (كاستر باتلز)، و15،6 مليون دولار لشركة موتورولا.


وحسبما قاله فريد ياسين، الدبلوماسي العراقي في حكومة علاوي الانتقالية لم يكن هنالك في الواقع أي صوت عراقي يتدخل في صرف تلك الأموال.


ويقول المؤلف ان الإدارة الأمريكية كانت قد شرعت في اعادة تشكيل صناعة النفط العراقي قبل مرور اقل من شهرين على الغزو. ففي الرابع من مايو/أيار 2003 عين البيت الأبيض مواطناً أمريكياً، هو المدير العام السابق لشركة نفط شل، فيليب كارول، للإشراف على اعادة بناء وتشكيل صناعة النفط العراقية، وبعد تعيينه بفترة وجيزة قال إن العقود التي كانت قد أبرمتها شركات النفط الأجنبية مع حكومة صدام حسين، قد تُلغى. وكان صدام خلال تسعينات القرن الماضي، قد أبرم عقود استكشاف وانتاج للنفط، مع شركات فرنسية وروسية وصينية، تمهيداً لرفع عقوبات الأمم المتحدة. ولكن الزعيم العراقي كان قد رفض التعامل مع شركات أمريكية، ويتناقض اقتراح الولايات المتحدة إلغاء جميع العقود التي ابرمتها حكومة صدام، تناقضاً صارخاً مع المطالبات الأمريكية في سنوات سابقة، لحكومات حديثة التشكل في دول أخرى، مثل كوبا سنة ،1959 ونيكاراجوا سنة ،1979 بأن تحترم العقود التي كانت الشركات الأمريكية قد وقعتها مع حكومات استبدادية سابقة، وكما هو متوقع، بدأ وزير النفط العراقي، تامر غضبان، الذي عينته الولايات المتحدة، في أواخر مايو/أيار بإلغاء العقود عندما أعلن تعليق تنفيذ ثلاث صفقات نفطية مع شركات روسية وصينية، وأعلن ان تعاقدات النفط العراقي اللاحقة ستكون مفتوحة أمام المناقصة من قبل جميع الشركات الأجنبية.


وبينما لم يكن يشك أحد في أن احد الأهداف الأساسية للاحتلال الأمريكي، هو تأمين الوصول إلى النفط العراقي من قبل الشركات الأمريكية، كانت هناك وجهات نظر مختلفة داخل إدارة بوش بشأن كيفية تحقيق هذا الهدف. فكان المحافظون الجدد في الإدارة يريدون خصخصة القطاع النفطي في العراق، وانسحاب هذا البلد من منظمة أوبك للتقليل من تأثير هذا التكتل في أسعار النفط العالمية، أما وزارة الخارجية الأمريكية، وشركات النفط، من جهة أخرى، فكانت تخشى ان تؤدي الخصخصة إلى نتائج سياسية عكسية تذكر بالفوضى التي أعقبت خصخصة قطاع الطاقة في روسيا، والتي تركت شركات النفط الأمريكية على الهامش. وفي نهاية المطاف، تغلبت الاستراتيجية التي اقترحتها وزارة الخارجية وشركات النفط، وتم وضع خطة جديدة دعت إلى تأسيس شركة نفطية حكومية واستمرار العضوية في منظمة أوبك. فشركات النفط ليست لها مصلحة تقريباً في تقويض الجهود التي تبذلها منظمة أوبك للحفاظ على ارتفاع أسعار النفط، لأن ذلك سيؤثر سلباً في ما تجنيه من أرباح، ومما يوضح العلاقة بين مصالح شركات النفط الأمريكية ومصالح منظمة أوبك، ما قاله آمي جافي من معهد بيكر وهو أحد مهندسي الخطة الامريكية الجديدة للقطاع النفطي العراقي: لو كنت رئيس شركة امريكية وأجريتم لي فحص اختبار الكذب، فلست متأكداً من أنني سأقول ان ارتفاع أسعار النفط سيئ لي ولشركتي.


ومن المتوقع أن تكون أرباح شركات الطاقة الأجنبية هائلة حتى من دون خصخصة قطاع النفط، ففي ظل عملية إعادة التشكيل اللبرالي الجديد التي طبقت في دول أخرى منتجة للنفط في الجنوب، يمكن لشركات النفط الاجنبية أن تدخل اتفاقيات إنتاج في ظل شروط مفضلة إلى درجة تجعل الخصخصة غير ضرورية لتأمين أرباح طائلة، وحسبما ذكر منتدى السياسة العالمية وهو منظمة غير حكومية مقرها نيويورك سوف تتيح صفقات الامتيازات المحابية في العراق لشركات النفط الأجنبية أن تحقق أرباحاً لا تقل في حدها الأدنى عن 600 مليار دولار على مدى الخمسين سنة المقبلة.


وفي ديسمبر/كانون الأول 2004 كشف مجلس الحكم الانتقالي الذي عينته الولايات المتحدة عن استراتيجية العراق النفطية الجديدة، وحسبما ذكره هلال عبود البياتي المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء الانتقالي علاوي، فإن تلك الاستراتيجية قد دعت شركة النفط الوطنية العراقية إلى الاستمرار في تشغيل الحقول النفطية الموجودة، بينما سيسمح للشركات الاجنبية بتطوير جميع الحقول الجديدة، وتلك مكافأة ضخمة، إذا أخذنا في الاعتبار أن ما يبلغ 95% من احتياطيات النفط العراقي لم تستغل بعد، وفي حين ان الحكومة لم تعلن شروط الامتيازات النفطية المقترحة، تشكل الاستراتيجية الجديدة علامة على المرة الأولى، منذ تأميم صناعة النفط العراقي سنة ،1972 التي تتمكن فيها الشركات الأجنبية من الوصول إلى احتياطيات البلاد النفطية الضخمة، وقد وقع العديد من شركات النفط الكبرى عقوداً بعد الغزو مع وزارة النفط العراقية لتقديم المعونة الفنية في الدراسات الجيولوجية ولإصلاح خطوط الأنابيب والبنية التحتية.


وفي هذه الأثناء عقد اجتماع في يونيو/حزيران 2005 في لندن، ضم مسؤولين من وزارة النفط العراقية، ومديرين من شركات اكسون موبيل، وبي بي وشل وهاليبرتون وغيرها من شركات الطاقة العملاقة، بهدف وضع أسس عودة دخول شركات النفط الأجنبية إلى العراق. وكما قال حسن جمعة رئيس الاتحاد العراقي العام لمستخدمي النفط، فإن المرحلة الثانية من الحرب سوف تبدأ بقيام هذا المؤتمر بتقسيم كعكة صناعة النفط العراقي. فهو يتعلق بتوزيع حصص من العراق على الدول التي غزته، حيث تأخذ كل منها جزءاً من الغنيمة كمكافأة لها. ومما أضفى المصداقية على مخاوف رئيس ذلك الاتحاد بشأن قيام الحكومة العراقية بتسليم ثروة البلاد النفطية للشركات الأجنبية اعتراف الناطق باسم شركة شل، سايمون بيرل، بقوله إننا نطمح إلى ترسيخ وجود طويل الأمد في العراق.


ويقول مؤلف الكتاب إن إدارة بوش نجحت بعد سنتين من غزو العراق في تأمين استغلال نفط البلاد من قبل شركات النفط الأمريكية، وكان فتح صناعة النفط العراقية مجرد واحد فقط في الاصلاحات اللبرالية الجديدة التي تم تطبيقها خلال السنتين اللتين اعقبتا الغزو، ففي شهر أكتوبر/تشرين الأول 2004 وصف وزير المالية العراقي عادل عبد المهدي التقدم الذي تم احرازه حتى ذلك التاريخ بأنه إطار سليم لاقتصاد واسع النطاق، ونشاط اقتصادي متين، وبداية طيبة لسلسلة واسعة من الإصلاحات البنيوية والقانونية ذات الأهمية البالغة بالنسبة إلى تحقيق الانتقال من اقتصاد مركزي إلى اقتصاد مبني على الملكية الخاصة، والأسواق المفتوحة والشفافية وحكم القانون.
ويضيف المؤلف قائلاً إن صندوق النقد الدولي زود العراق في سبتمبر/أيلول 2004 بقرض قيمته 436،3 مليون دولار، مكافأة له على تطبيق إصلاحات لبرالية جديدة شبيهة بالاصلاحات التي فرضها الصندوق نفسه على العديد من دول الجنوب. وعند تقديم القرض طالب الصندوق الحكومة العراقية بخفض المعونات الغذائية التي تقدمها للشعب العراقي، على الرغم من أن نصف السكان تقريباً عاطلون عن العمل، وكان هذا الطلب مثيراً للقلق بوجه خاص لأنه جاء في أعقاب صدور تقرير عن الامم المتحدة في مارس/آذار 2005 يذكر أن نسبة الاطفال العراقيين الذين يعانون الجوع قد تضاعفت تقريباً بعد الغزو.


وفي ختام عرضه للوضع في العراق، يقول المؤلف إن إدارة بوش قد نجحت في تأسيس نظام اقتصادي يؤمن لشركات الطاقة الأمريكية الوصول إلى احتياطيات النفط العراقي الهائلة، ولكن الجيش الامريكي والقوات العراقية الحديثة العهد بالتدريب تظل عالقة في وحل الصراع الذي يهدف لاحتواء التمرد الذي يخوضه نحو 40 ألف رجل، واستمرار هذا التمرد يجعل من الصعب على الولايات المتحدة أن تفرض الزمن والاستقرار اللازمين لغرس جذور مشروعيها: الإصلاحات اللبرالية الجديدة ونشر الديمقراطية، كما أن الدعم الشعبي الأمريكي للحرب في العراق، آخذ في التضاؤل مما حدّ من حجم آمال إدارة بوش في إنشاء حكومة ديمقراطية وثيقة التحالف مع واشنطن، ويعود المؤلف إلى عالم الاجتماع وليام روبنسون مرة أخرى، فينقل عنه قوله إذا كانت عملية غزو العراق واحتلاله تشكل أكبر تدخل قامت به الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام، فإنها تمثل في الوقت ذاته الهوة الأشد إثارة للذهول التي تفصل بين نيات الولايات المتحدة، من جهة، وبين مقدرتها الحقيقية على السيطرة على الأحداث والنتائج، من جهة أخرى.

 

تأليف: جاري ليتش - عرض وترجمة: عمر عدس

1 الحلقة الأولى


كتاب تدخلات سافرة: الولايات المتحدة، النفط، واللانظام العالمي الجديد، تأليف جاري ليتش، يتناول موضوع النفط، ولكنه يركز بوجه خاص، على ما تفعله الولايات المتحدة في العالم، وما تخوضه من صراعات، في سبيل السيطرة على موارد النفط.ومن خلال هذا الموضوع، يلقي المؤلف الضوء على السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصاً بعد أحداث سبتمبر/ أيلول ،2001 في خمس مناطق في العالم، هي العراق، آسيا الوسطى، غرب إفريقيا، كولومبيا وفنزويلا.وهو يدقق في السياسات العسكرية والاقتصادية التي تنتهجها إدارة بوش، في هذه المناطق الغنية بالنفط، ويركز على الآثار العميقة التي تخلّفها تلك السياسات على شعوب تلك المناطق على الصعيد الاجتماعي  الاقتصادي، وعلى صعيد حقوق الإنسان. يبيّن الكتاب، كيف أدّت سياسة الطاقة الأمريكية الى تدخلات في العديد من دول العال الغنية بالنفط. وهو يعرض لثلاثة أنواع من التدخل: العسكري، والاقتصادي، وتدخّل الشركات الكبرى. ويشرح الدور الذي لعبته التدخلات العسكرية الأمريكية، في تأمين وصول الشركات متعددة الجنسيات الى احتياطيات النفط العالمية، وخدمة مصالح الطاقة الأمريكية، كما حدث في العراق، وكولومبيا والمناطق الغنية بالنفط في آسيا الوسطى.


كما يسلط الضوء على التدخل الاقتصادي، الذي تقوم به الولايات المتحدة، بصورة مباشرة، أو من خلال المؤسسات المالية الدولية التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.. من أجل فرض الإصلاحات الليبرالية الجديدة التي تفتح أبواب دول الجنوب الغنية بالنفط، في وجه الشركات متعددة الجنسيات، كما حدث في كازاخستان، وأذربيجان والعراق وكولومبيا، وفي فنزويلا حتى أواخر تسعينات القرن الماضي.


                   التعطش للنفط يحدد معالم السياسة الخارجية الأمريكية


التدخل الثالث، الى جانب التدخلين العسكري والاقتصادي، هو التدخل الذي تمارسه الشركات الكبرى لخلق ظروف مريحة لها في الدول الغنية بالنفط، حيث تقيم علاقات وثيقة مع الأنظمة الفاسدة والقمعية في تلك الدول، كما تفعل في آسيا الوسطى وغرب إفريقيا.. الى جانب عملها عن كثب مع الأجهزة العسكرية في نيجيريا وكولومبيا، التي ترتكب الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان، في معرض حمايتها لعمليات شركات النفط الأجنبية.مؤلف الكتاب، جاري ليتش، هو رئيس تحرير موقع كولومبيا جورنال على شبكة الإنترنت، ومحاضر في كلية العلوم السياسية في جامعة كيب بريتون الكندية.والكتاب صادر عن ثلاث دور للنشر، إحداها (زد بوكس) في لندن ونيويورك.يقول المؤلف في مستهل كتابه، إن بداية القرن الحادي والعشرين، أخذت تشهد نشوء لا نظام عالمي جديد، تلعب فيه الحروب على الموارد والثروات دوراً بارزاً. ومما يؤكد أهمية النفط في هذا المشهد السياسة الخارجية ذات الصبغة العسكرية والاقتصادية التي تنتهجها أقوى دولة في العالم، في سعيها الى تأمين وصولها الى هذا المورد الحاسم الأهمية. وفي هذا السياق العالمي، تُجرُّ دول الجنوب الغنية بالنفط الى خوض صراعات للدفاع عن سيادتها، ووحدتها الثقافية، وحقوق الإنسان فيها، وأنظمتها البيئية.ويذكّر المؤلف بأن الولايات المتحدة، التي لا تتجاوز نسبة عدد سكانها 4% من عدد سكان العالم، تستهلك 25% مما ينتجه هذا العالم من الطاقة. فكانت تستهلك سنة 2004 أكثر من 16 مليون برميل من النفط يومياً، حيث تبلغ وارداتها منه أكثر من 10 ملايين برميل يومياً، أي 65% من النفط الذي تستهلكه. وقد لعب هذا  التعطش الى الطاقة دوراً مهماً في تحديد معالم السياسة الخارجية الأمريكية في العقود الأخيرة. كما لعبت الرغبة في تأمين موارد نفط يمكن التعويل عليها، دوراً في تحديد السياسة الخارجية لحكومة جورج دبليو بوش، أشد بروزاً مما كان لدى الإدارات السابقة.ويتابع المؤلف القول، إنه في الوقت الذي تسلّم فيه جورج دبليو بوش زمام السلطة في 20 يناير/ كانون الثاني ،2001 كان النظام العالمي الجديد الذي أعلنه والده في أعقاب نهاية الحرب الباردة قبل عقد من الزمن، قد بدأ يبدي علامات على التوتر. ولكن المقاومة المتنامية في دول عدة للعولمة الاقتصادية، لم تردع البيت الأبيض الجديد في ظل جورج دبليو بوش، والذي يعجّ بالمحافظين الجدد من إدارتي جورج بوش الأب، ورونالد ريجان، عن محاولة الدفاع عن النظام الرأسمالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة وتوسيعه. وكان هنالك موضوعان يُهيمنان على مبادرات السياسة الخارجية التي اتبعتها إدارة بوش الجديد  سواء قبل هجمات 11/ الإرهابية أو بعدها  وهما الدعم المتواصل للإصلاحات الليبرالية الجديدة، أو إصلاحات السوق الحرة، وتأمين الوصول الى مصادر جديدة للنفط، لتلبية الاحتياجات الأمريكية المتنامية دوماً الى الطاقة.


ويلفت المؤلف الأنظار الى أن أحد العوامل المميزة لإدارة بوش، هو رجحان كفة كبار الموظفين فيها الذين عملوا سابقاً في رئاسة مؤسسات الصناعة النفطية: فقد عمل الرئيس بوش ذاته ضمن مجلس مديري شركة هاركن للطاقة، من سنة ،1986 وحتى سنة 1993؛ وجمع نائبه ديك تشيني ثروة طائلة تزيد على 50 مليون دولار حين كان رئيساً لشركة هاليبرتون خلال تسعينات القرن الماضي؛ وكانت مستشارة الأمن القومي السابقة، ووزيرة الخارجية الحالية، كوندوليزا رايس، في مجلس إدارة شركة شيفرون، وكان وزير التجارة دونالد ايفانز المدير العام لمؤسسة توم براون، وهي شركة للتنقيب عن النفط والغاز. كما أن شركات الطاقة، كانت من الجهات الرئيسية التي أسهمت في الحملة الانتخابية الرئاسية لبوش، حيث زودت حاكم تكساس السابق بأكثر من 1،8 مليون دولار، إسهاماً منها في حملته الانتخابية سنة ،2000 وأكثر من 2،5 مليون دولار بعد ذلك بأربع سنوات.ويضيف المؤلف، ان العلاقات الوثيقة مع شركات الطاقة الأمريكية، لم تكن العامل الوحيد الذي أملى سياسات إدارة بوش النفطية، بل إن هذه السياسات قد تأثرت كذلك بحقائق الواقع الجغرافي السياسي الضاغطة. وأولى هذه الحقائق، أن هنالك مورداً محدوداً للنفط في العالم، سوف ينتهي في يوم من الأيام.والحقيقة الثانية أن استهلاك الطاقة المتنامي بشدة في الدول الصناعية من دول الجنوب، مثل الصين والهند، قد زاد الطلب العالمي على النفط، وأدى الى وجود سباق للسيطرة على احتياطات النفط في العالم. ففي سنة ،2003 تجاوزت الصين اليابان لتصبح ثاني أكبر مستهلك للطاقة في العالم. وقاد التعطش المتنامي الى النفط، بكين الى أن تبحث عن موارد جديدة في أرجاء العالم، بما في ذلك الدول البعيدة عنها مثل دول أمريكا الجنوبية. ويوحي النمو الاقتصادي الصيني بأن الصين قد تصبح عما قريب الدولة العظمى الثانية، وتشكل تحدياً خطيراً للهيمنة الأمريكية، مما قد يطلق شرارة حرب باردة جديدة، لا تحركها الأيديولوجيا  على الرغم من أن الصين شيوعية رسمياً  بل الرغبة في السيطرة على موارد العالم، وبخاصة من النفط، وغيره من أنواع الوقود المستخرج من باطن الأرض.


ولكي تؤمن الولايات المتحدة حرية الوصول الى أضخم احتياطيات للنفط في العالم، حافظت على علاقات وثيقة مع العديد من الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). وتتحكم دول أوبك بنحو 40% من إنتاج العالم النفطي، ولذلك فإنها تستطيع التحكم بأسعاره العالمية. ويجري تصوير هذه المنظمة في الولايات المتحدة، باعتبارها تكتلاً خطيراً يملك تأثيراً مفرطاً في الاقتصاد الأمريكي. أما في واقع الأمر، فإن سياسات أوبك، كما يقول المؤلف، نادراً ما تنبع من رغبة في مؤازرة المصالح الأمريكية، أو إلحاق الضرر بها. بل تتحرك بدافع من احتياجات اقتصاداتها التي تعتمد على تصدير النفط.
ويرى المؤلف أن منظمة أوبك تمثل عاملاً مهماً من عوامل التناقض الذي يوجد بين الهمّيْن الرئيسييْن للولايات المتحدة على صعيد الطاقة، وهما: تلبية الاحتياجات الوطنية من الطاقة، وتلبية مصالح شركات الطاقة الأمريكية. فالجمهور الأمريكي يفضل انخفاض أسعار النفط العالمية، مما ينعكس عليه انخفاضاً في أسعار البنزين وزيت التدفئة. وغالباً ما تتعارض مصالح عالم صناعة النفط مع المصلحة الوطنية الأمريكية، لأن شركات الطاقة تجني أرباحاً أضخم عندما تكون أسعار النفط مرتفعة. وبناءً عليه، لم يكن نهج إدارة بوش في تطوير سياستها الخارجية التي يحركها النفط موحداً. فمن جهة، يسعى بعض أفراد هذه الإدارة الى تقويض منظمة أوبك وتحقيق سيطرة أمريكية أكبر على الاحتياطيات العالمية من أجل تأمين الوصول الى نفط رخيص لتلبية احتياجات الطاقة المتنامية في الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى ركز آخرون من أعضاء الإدارة الأمريكية اهتمامهم على ضمان تمكُّن شركات الطاقة الأمريكية من الوصول الى الاحتياطيات العالمية ضمن شروط مربحة، مما قد يعني الدفاع عن أوبك وعن ارتفاع الأسعار. وفي كلتا الحالتين، يكون الهدف الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية، تأمين الوصول الى احتياطيات النفط العالمية.


اللانظام العالمي الجديد


يجمل المؤلف الحديث عن تدخلات الولايات المتحدة في دول عدة في كافة أرجاء المعمورة، فيقول إنها، على مدى معظم سنوات العقدين المنصرمين، نجحت نسبياً في فرض إصلاحات ليبرالية جديدة على دول الجنوب الغنية بالنفط من أجل فتح اقتصادات هذه الدول ومواردها، أمام شركات الطاقة المتعددة الجنسيات. وفي الدول التي لم يكن ممكناً تطبيق الإصلاحات الليبرالية الجديدة فيها، أو التي تبين فيها أن هذه الإصلاحات ليست كافية، مثل العراق وكولومبيا، حدث التدخل العسكري الأمريكي، الى جانب التدخل الاقتصادي. وفي عهد الرئيس جورج دبليو بوش، غدت الروابط التاريخية بين السياسة الأمريكية في مجال الطاقة، والسياسة الخارجية الأمريكية أوضح وأكثر علانية. وأبرزت السياسة الخارجية التي اتبعتها إدارة بوش، والتي اتسمت بالطابع العسكري والأحادي، الصدوع التي تكتنف النظام العالمي الجديد. وفي مواجهة المقاومة العالمية المتنامية للمشروع الليبرالي الجديد الذي تحركه الولايات المتحدة، أسهمت السياسات العسكرية والاقتصادية لإدارة بوش في قيام لا نظام عالمي جديد. كما أن التدخلات العسكرية الأمريكية زادت عدم الاستقرار في دول تعاني منه أصلاً، بينما أثار دعم البيت الأبيض في عهد بوش للأنظمة الاستبدادية، وإصراره على فرض إصلاحات السوق الحرة القلاقل المدنية بين شعوب الجنوب التي تعارض مثل هذه السياسات بشدة.ففي العراق، يقول المؤلف، أساءت إدارة بوش تقدير حجم المقاومة التي ستنشأ نتيجة الغزو واحتلال البلاد. ولم تُضطر فقط لمقارعة تمرد مسلح كبير من قبل أهل البلاد، مدعوم بنشاط إرهابي خارجي، بل والتعامل مع انتخاب حكومة يقودها الشيعة، الذين يميلون بصورة طبيعية نحو إقامة علاقات قوية مع أحد خصوم الولايات المتحدة، وهو إيران، والذين يرتابون بعمق في النوايا والمخططات الأمريكية البعيدة المدى في العراق وفي المنطقة. ومن المفارقات الغريبة، أن حرب واشنطن على الإرهاب في العراق، حولت هذا البلد الى مرتع للإرهاب.ويمضي المؤلف الى القول، إن الولايات المتحدة قد نجحت على الأغلب في آسيا الوسطى، في ضم معظم تلك المنطقة ودمجها في النظام الرأسمالي العالمي خلال تسعينات القرن الماضي، وإن يكن على حساب السكان المحليين الذين عانوا زيادة كبيرة في مستوى الفقر. وقد استغلت إدارة بوش عندئذٍ حربها العالمية على الإرهاب لتأسيس وجود عسكري في العديد من دول آسيا الوسطى، على الرغم من أن مساندتها للأنظمة الاستبدادية أثارت السخط الشعبي، والتمرد في بعض الأحيان.
وفي غرب إفريقيا، وقفت إدارة بوش وراء أنظمة فاسدة وأجهزة عسكرية همجية كان لنشاطاتها، مترافقة مع عمليات شركات النفط الأجنبية، عواقب مدمرة على صعيد حقوق الإنسان والبيئة، على الشعوب في المناطق المنتجة للنفط. وبالمثل، أفادت شركات النفط الأجنبية في كولومبيا من السياسات الأمريكية التي يجري تنفيذها تحت شعار فضفاض هو شعار مكافحة المخدرات والإرهاب الذي أسهم في إيجاد أسوأ كارثة لحقوق الإنسان في نصف الكرة الأرضية الغربي.ويتحدث المؤلف عن الوضع في فنزويلا، فيقول إنه بينما نجد المعارضة للسياسات الأمريكية واضحة في العديد من الدول، إلا أنها أشد ما تكون وضوحاً في فنزويلا، حيث نبذ الشعب نُخَبه السياسية والاقتصادية المدعومة من قبل الولايات المتحدة، بانتخاب هوجو شافيز رئيساً سنة 1998. وظل شافيز منتقِداً ذائع الصيت للسياسة الخارجية الأمريكية، ولمشروعها الليبرالي الجديد بخاصة. كما بدأ يراجع بصورة جذرية الطريقة التي تدير بها دول الجنوب الغنية بالنفط مواردها وثرواتها الطبيعية. ونتيجة لذلك، أصبح شافيز رمزاً للأمل لدى الغالبية الفقيرة في المنطقة، التي عانت الكثير على مدى عقدين من تطبيق السياسة الليبرالية الجديدة. ولذلك، فلا غرابة في أن يثير شافيز غضب إدارة بوش، التي استخدمت مجموعة من التكتيكات في محاولاتها لتحقيق تغيير النظام في فنزويلا، وسحق هذه التجربة البغيضة في العدالة الاقتصادية والاجتماعية، قبل تفشّي العدوى واستفحال الداء.
ويرى المؤلف أن الولايات المتحدة نجحت منذ انتهاء الحرب الباردة في استغلال الإصلاحات الليبرالية الجديدة التي فرضها صندوق النقد الدولي للضغط على العديد من الدول الغنية بالموارد من دول الجنوب، لكي تقدم عقود امتيازات نفطية محابية للشركات المتعددة الجنسيات. ففي كازاخستان تدفع شركات النفط ما بين 2 و6 سنتات عن برميل النفط من العائدات. وفي كولومبيا تدفع 8 سنتات في جميع حقول النفط في البلاد ما عدا اثنين. وفي تباين حاد، تتقاضى حكومة فنزويلا المناوئة لليبرالية الجديدة ما بين 20 و30 في المائة من ثمن البرميل من العائدات، وهي النسبة التي تقارن بما تدفعه شركات النفط التي تعمل في ألاسكا للحكومة الأمريكية، حيث تدفع 25%. ونتيجة لذلك، أتاحت عائدات النفط المرتفعة التي تجنيها الحكومة الفنزويلة، لإدارة شافيز أن تمول البرامج الاجتماعية والاقتصادية التي تعالج احتياجات الغالبية الفقيرة في البلاد.ويضيف مؤلف الكتاب قائلاً، إن السياسة الاقتصادية التي تتيح لحكومة وطنية أن ترفع قيمة عائداتها، لا تعني بصورة تلقائية وحتمية أن هذه العائدات سوف توزع بإنصاف. فالعديد من الحكومات الوطنية السابقة في الجنوب العالمي لم تفعل سوى القليل لمساعدة غالبية سكانها، التي ظلت ترزح تحت وطأة الفقر. وبدلاً من ذلك، سخّرت جهودها لخدمة النخب الوطنية. ويؤكد المؤلف أن السيادة الاقتصادية يجب أن تقترن بوجود نظام ديمقراطي يعكس طموحات وتطلعات غالبية سكان البلاد. ومن وجهة نظر واشنطن، وعلى الرغم من التشدق الأمريكي البلاغي بدعم الديمقراطية والتنمية، فإن السيادة الاقتصادية والديمقراطية التشاركية في الدول الغنية بالنفط في الجنوب، تتعارضان في العادة مع المصالح السياسية والاقتصادية الأمريكية، كما يوضح المؤلف في دراسات الحالة التي يعرضها في هذا الكتاب. كما أن اعتماد الولايات المتحدة على الوقود الأحفوري غير المتجدد لإرواء ظمئها المتزايد للطاقة، وضعها على مسار يتصادم مع مسار الصين، التي قد يؤدي بروزها كقوة اقتصادية عالمية الى وجود عالمي ثنائي القطب خلال العقود المقبلة.


مصادر الطاقة البديلة


يبرهن المؤلف على أن إدارة بوش مارست وما تزال تمارس سياسة وطنية للطاقة لا تطاق، لا على الصعيد الاقتصادي ولا على الصعيد البيئي. وعند استنزاف الاحتياطيات العالمية للوقود غير المتجدد الذي يستخرج من باطن الأرض، فلا بد من تصاعد أسعار النفط والغاز والفحم. وفي نتيجة ذلك، سوف يرفع اعتماد الولايات المتحدة على الوقود المستخرج من باطن الأرض، تكلفة البنزين والكهرباء ووقود التدفئة المنزلية، الى درجة لا تطاق من الناحية الاقتصادية. وتدّعي بعض الدراسات أن إنتاج النفط العالمي سوف يبلغ ذروته سنة 2012 أو بعد ذلك التاريخ بقليل، وأن الموارد سوف تبدأ بالانخفاض بحلول سنة 2050. ويوضح مثل هذا السيناريو أنه لا مناص من تطوير مصادر بديلة للطاقة في مرحلة ما من المستقبل غير البعيد. ومما يضيف بعداً آخر الى هذه الأزمة، كما تشير الدلائل والدراسات، أن الحرق المستمر للوقود الأحفوري يثبت بصورة متزايدة أنه مدمر للبيئة.وإذا حافظت الولايات المتحدة، والصين، والهند وغيرها، على معدلات الزيادة الحالية في استعمالها للوقود الأحفوري، فلا أحد يستطيع أن يتنبأ بالأذى الذي يتعذر إصلاحه، والذي سيلحق بالبيئة، في الوقت الذي تكون فيه احتياطيات العالم من النفط والفحم قد نفدت.ومن المأساوي، كما يقول المولف، إن إعادة تقويم وشيكة لسياسة الطاقة الأمريكية، لا تلوح في الأفق، ما دامت الإدارة الأمريكية تحتفظ بعلاقات وثيقة مع شركات الطاقة الأمريكية. وإذا كان لإعادة التقويم هذه أن تحدث، فمن المحتمل أن تقود الولايات المتحدة الى تكثيف جهودها من أجل تطوير أشكال بديلة للطاقة.


والتكنولوجيا اللازمة لتطوير مصادر طاقة مأمونة، ونظيفة ومتجددة، موجودة بالفعل، والعامل الوحيد المفقود هو الإرادة السياسية. فقد زاد الاتحاد الأوروبي، فيما بين سنة 2000 وسنة 2004 إنتاج الكهرباء المولدة من الرياح بمقدار 24500 ميجاواط تقريباً، بالمقارنة مع زيادة تعادل 4500 ميجاواط فقط في الولايات المتحدة خلال الفترة ذاتها. وفي سنة ،2003 كانت الريح توفر 20% من الكهرباء المستعملة في الدنمارك. وفي تباين حاد مع ذلك، استُخدمت الريح في توليد أقل من 1% من الكهرباء في الولايات المتحدة، على الرغم من أن 24% من الولايات المتحدة مناسبة لتسخير الريح في توليد الكهرباء. وعلاوة على ذلك، يدّعي الخبراء أن الريح يمكن أن تسد أكثر من 30% من الاحتياجات الى الكهرباء في الولايات المتحدة بتكلفة لكل كيلوواط في الساعة تعادل تكلفة النفط أو الفحم أو الغاز الطبيعي. وبينما لن تغطي الكهرباء المولدة بوساطة الريح كل احتياجات الولايات المتحدة من الطاقة، فإنه يمكن توزيعها مترافقة مع أشكال الطاقة المتجددة الأخرى مثل الطاقة الشمسية والطاقة المولدة من فضلات النباتات والحيوانات أي المواد العضوية، مثلما تجري حالياً الإفادة من تركيبة من النفط والغاز والفحم.ولكن مثل هذا الانتقال الى أشكال الطاقة المتجددة غير متوقع في نظر المؤلف، من دون تدخّل مباشر من جانب الحكومة، كذلك التدخل الذي حدث في الاتحاد الأوروبي.


ولا يمكن ترك مثل هذا التحول لقوى السوق، وإلا جاء متأخراً جداً بالنسبة الى البيئة الكونية وبالنسبة الى ملايين الفقراء والمقهورين في دول الجنوب، الذين هم الضحايا الأساسيون للسياسة الأمريكية الخارجية التي تتحرك على وقع خطى شركات الطاقة. ويستشهد المؤلف بقول العالم الفيزيائي مارتن هوفرت من جامعة نيويورك: إن معظم التكنولوجيا الحديثة التي كانت وما تزال تحرك الاقتصاد الأمريكي لم تأت بشكل تلقائي من قوى السوق. فقد ظلت شبكة الانترنت تتلقى الدعم والمساندة على مدى عشرين عاماً من قبل الجيش، وعلى مدى عشر سنوات أخرى من قبل (مؤسسة العلوم الوطنية) قبل أن يهتدي إليها وول ستريت. وقد حذر هوفرت من أن تقاعس الحكومة الأمريكية عن تطوير أشكال بديلة للطاقة يُحتمل أن يؤدي الى تزايد استعمال وقود احفوري أقذر بعد استنزاف احتياطيات النفط العالمية. ويقول هوفرت: إذا لم يكن لدينا سياسة مبادرة في مجال الطاقة، فسوف ينتهي بنا الأمر الى استعمال الفحم، ثم الزيت الصخري، ثم رمال القطران، وسيكون المردود متضائلاً باستمرار، وفي النهاية، فإن حضارتنا ستنهار. ولكنه ليس محتّماً أن تنتهي على ذلك النحو، لأننا ما نزال نملك خيارات أخرى.ويرى المؤلف أن تقاعس الولايات المتحدة عن تقليل اعتمادها على الوقود المستخرج من باطن الأرض قادها الى تطبيق سياسة خارجية غالباً ما تقوض اقتصادات الدول الغنية بالنفط في الجنوب، وتقضي على الديمقراطية فيها وإذا قللت اعتمادها على ذلك الوقود، فلن تعود بحاجة الى سياسات خارجية تقوم في جزء منها على استغلال الموارد. ولكي يكون هذا التغيير نافعاً تماماً للدول الغنية بالنفط، فإنه يجب أن يحدث مترافقاً مع الإقلاع عن السياسات التي تسعى الى دمج دول بالقوة في نظام رأسمالي عالمي تعود معظم الفائدة منه على دول الشمال الصناعية. وعوضاً عن ذلك، تستطيع واشنطن أن تبادر الى وضع سياسة خارجية تدعم الديمقراطيات التي تعطي الأولوية لاحتياجات مواطنيها بدلاً من أن تعطيها للمصالح الاقتصادية الأمريكية، الأمر الذي من شأنه أن يقطع شوطاً بعيداً نحو تحقيق السلام والاستقرار الدائمين. ولأن السوق العالمية للنفط، لن تختفي بين عشية وضحاها، فإن مثل ذلك التحول في السياسة الأمريكية سوف يوفر لدول الجنوب الغنية بالنفط فرصة استخدام ثروتها النفطية لمنفعة سكانها الفقراء من نخبها الوطنية، والشركات المتعددة الجنسيات، واحتياجات دول الشمال من الطاقة.ويقول المؤلف، إن إصرار إدارة بوش على ا ستعمال أنواع الوقود الأحفوري لتلبية الاحتياجات الأمريكية من الطاقة  وهو الموقف الذي لا يُتوقع أن يتغير في جوهره وأساسياته على يدي أي إدارة أمريكية لاحقة، سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية  يعني أن التدخلات العسكرية والاقتصادية الأمريكية في شؤون دول الجنوب الغنية بالنفط، يُتوقع لها أن تستمر. ويتوقع المؤلف بكل ثقة أن مثل هذه التدخلات سوف تُجابَه بمقاومة متنامية من قبل الحركات الوطنية الناشئة، التي تضرب جذورها في تربة إثنية وثقافية ودينية وأيديولوجية، في كل دولة من تلك الدول وتتحدى هذه الحركات الاعتقاد الليبرالي الجديد بأن البُنى السياسية والاقتصادية للدول التي تنشأ فيها، ينبغي أن يتقرر في جزئه الأعظم، بناء على احتياجات الولايات المتحدة على صعيدي الاقتصاد والطاقة.ويبين المثال الفنزويلي أن دول الجنوب تسعى بصورة متزايدة الى امتلاك السيادة، لا على مواردها وثرواتها وحسب، بل على كامل نُظمها السياسية والاقتصادية كذلك.ويعتقد المؤلف أن الطريقة التي تقرر واشنطن أن ترد بها على مطالب الاستقلال هذه، سوف تلعب دوراً عظيماً في تحديد نوع العالم الذي سنعيش فيه خلال القرن الحادي والعشرين. ومن جانبها، ردّت إدارة بوش بسياسات تدخلية، خصوصاً في ما يتعلق بتأمين الوصول الى النفط، الأمر الذي فاقم اللانظام العالمي الجديد، الذي كثيراً ما يسود عندما يبدأ نجم قوة مهيمنة بالأفول.


alkhaleej.ae

www.safsaf.org