لقاء مفتوح مع فرناندو أرابال سالم اكويندي
 

10/02/2007
 

نظمت النقابة الوطنية لمحترفي المسرح بتنسيق مع المعهد الاسباني سيرفانتيس لقاء مفتوحا مع الكاتب الاسباني فرناندو ارابال يوم 24 كانون الثاني (يناير) 2007 حضرته مجموعة من المسرحيين المغاربة. بعد التقديم الذي استهل به حسن النفالي الأمين العام للنقابة هذا اللقاء حيث رحب فيه بالكاتب الاسباني والذي يحضر وفقا لاتفاقية الشراكة المبرمة بين النقابة والمعهد الاسباني سيرفانتيس وعندما تناول الكاتب فرناندو ارابال الكلمة أظهر استعداده لسماع الأسئلة التي تشغل المسرحيين المغاربة في علاقتهم بأعماله المسرحية والتي عرف أنها لقيت اهتماما كبيرا في المغرب، بل إنها قدمت كعروض مسرحية ابتداء من مسرحية النزهة التي عمل المخرج المرحوم فريد بنمبارك علي إعدادها وإخراجها في إطار المسرح الجامعي في نهاية الخمسينيات وكذلك مسرحية فاندوليس التي قدمها الطيب الصديقي ولعل هذا الاهتمام بفرناندو ارابال من قبل المسرحيين المغاربة يعود لارتباط اسم ارابال بالحركة المسرحية العالمية بعد الحرب العالمية الثانية بفرنسا وما عرفته عاصمتها باريس من استقطاب ثقافي وفني في هذه الفترة علي المستوي العالمي خاصة وأن جل الأسماء الوازنة والفاعلة في الحركة المسرحية الجديدة عرفت انطلاقتها من باريس مثل بيكيت ويونسكو وأداموف المسبوقين بالحركة الثورية مع السورياليين أندري بروتون وأنطونان أرطو وألفريد جاري الذين عاصرهم فرناندو ارابال، وكذلك من المبدعين المنفيين في عهد فرانكو في باريس مثله في ذلك مثل سالفادور دالي وبيكاسو. إن هذه الفترة الزاهرة في الحركة الثقافية عامة والمسرحية خاصة جعلت من فرناندو ارابال حاضرا وشاهدا علي هذه الفترة وشاهدة ناطقة عن تداعياتها بما عرف من حكم ديكتاتوري آنذاك في العديد من الدول الأوروبية وسواها الشيء الذي أعطي ممارسيه صفة المركز الثقافي العالمي المشع بالحرية والعدالة والمساواة والتي لم يعد لها في عصر هيمنة العولمة إلا الذكري.
إن هذه المكانة الرمزية لفرناندو ارابال هي التي جعلت المسرحيين المغاربة يهتمون به بالإضافة لكون ارابال من مواليد مدينة مليلية المغربية.
يقول فرناندو ارابال في هذا اللقاء المفتوح إنه كان أكثر تحررا من كل المثقفين الذين اختاروا باريس ملجأ لهم ومتنفسا لهم وتحررا من أي أيديولوجية أو انتماء سياسي، خاصة وأن جل المثقفين كانوا منتمين للأحزاب الشيوعية باستثناء المسرحيين المنتمين لتيار مسرح اللامعقول (العبث) الذي يرفض أرابال نعت مسرحهم به.
وهذه الصفة المنعوتين بها يقول عنها فرناندو ارابال أنها لا تعني أي شيء لأنه ليس هناك ما يمكن اعتباره عبثا أو لامعقولا في عالم الفن الذي هو عالم الحرية وما كان ينشده هؤلاء الفنانون هو الحرية وممارسة قناعتهم كما يعيشونها هم. وبنفس السخرية يعلق علي مصطلح العبث والذي بقي نعتا منحوتا للناقد الانكليزي مرتان اسيلان لا غير ولأن لا شيء عبثيا في هذه الحياة لأن الحياة تعني أن نعيشها بكل ما أوتينا من فورة إضافة لمعني الطليعية التي جاءت كذلك كنعت لأعمال هؤلاء المسرحيين خاصة وأن مفهوم الطليعة مفهوم عسكري أكثر منه مفهوما فنيا. وفي استرسال حديث فرناندو ارابال عن الحركة السوريالية يركز علي أن بياناتها لم تكن وليدة تجربة فنية أو تراكم مسرحي بقدر ما هي نزعة للتميز كجماعة مسرحية انبنت علي لقاءات الرغبة من قبل أصحابها وأن أعماله المسرحية لا تنتمي إليها رغم أنه أنتجها وقدمت كعروض في معمعان ما كان يعرض من تراكمات فنية في تلك الفترة وأنه لم يتأثر بهم رغم الصداقة التي كانت تربطه معهم وهم كذلك لا يعتبرون أعماله المسرحية منتمية لهم. رغم أن كتابة (المسرح ونظيره) لانطونان ارطو في توصيفه لجوهر المسرح يؤطر تجربته ومسرحه رغما عنه علما بأنه لم يكن يشير إليه بالذات مع تسجيل أن الهدف من الحركة السوريالية كان يرمي للحداثة وجوهر الحداثة ينطلق أساسا من القديم ومحاولة تقديمه وفق تصور جديد وهو الشيء الذي لم يقم به أرطو في المسرح الكلاسيكي، والأعمال الفنية الكبري التي لا تموت ويعطي في ذلك مثالا بأعمال شكسبير، وأن شكسبير لم يفرض ذاته إلا عندما لم يتخندق في تقنينات ومواصفات معينة حيث لم تسع هذه التقنينات إلا لقتل الإبداع وعدم إحيائه ابتداء مما قام به أرسطو حتي الآن، ومن هذا القول فان فرناندو ارابال يختار الحرية وعدم إعطاء أي صيغة أو نعت لأعماله أكثر مما تفصح هي عن صفتها كأعمال فنية، إنه باختصار يريدها أعمالا فنية احتفاء بالحياة وللحياة.
إن فرناندو أرابال فنان يجمع بين المسرح والسينما كتابة وإخراجا وتمثيلا، كما يهتم بالتشكيل والشعر، فنان متعدد الاهتمامات، بما كان يعرفه عصره ورفاق دربه ليعلن انخراطه في الحركية الإبداعية في مناحيها المتعددة وكأن جماع هذه الإبداعية هي التي أعطته سلاسة الانتقال الاجناسي بين كل هذه الفنون، وقد تجلي واضحا هذا التنوع في ما قام به من تنشيط في لقائه المفتوح وكأننا كنا في حضرة ممثل يؤدي دور فاندو وهو مختصر اسمه والذي جاء ناطقا بما تعنيه ازدواجته بخطيبته اوليز (ليز) التي كانت بهذه الصفة منذ خمسين سنة التي عاشرها فيها كزوج، فاندو المرح المتوثب حيوية ونشاطا وليزا التي لم تكن إلا وميضا ينقشع بين ثنايا كلامه المسترسل استدعاء لذكريات أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي ومنها كنا نستعيد وجوه ارابال الشاب الذي كان في رفقة أندري بروتون وانطونان أرطو ودالي وبيكاسو وبيكيت الذي كثيرا ما كان يدعوه بأخي إلي جانب يونسكو في لحظة بكائه وهو يطالع انتقادات جريدة الفيغارو لاحدي أعماله المسرحية، ومن خلال هذه الأسماء تظهر باريس عاصمة الأنوار فيما كان يمثله جان بول سارتر كملاذ لهؤلاء الفنانين اللاجئين، ثلة من الأسماء شكلت ما أطلق عليه فنانو المنفي السياسي أيام القمع والجبروت الديكتاتوري لأنظمة أوروبا فيما بعد الحرب العالمية الثانية، فأي حرية حشد هؤلاء الأدباء لها ؟ وأي منفي كانوا يختارون في انفتاح آفاق الفن ورحابة الإبداع؟ أليسوا أحرارا في علاقتهم بذواتهم التي تنساب بانسياب أمر الكتابة الإبداعية، محلقين في سماوات الفكر الحر، وطلاقة لسان القول المباح؟ ذلك ما منحهم المنفي أمام تعنت الأنظمة السياسية وانغلاقها وراء حدود الوهم والتعنت، ليست الايديولوجيا أحسن حالا من تيتان الايتيوبيا وفضيلتها في عزة وكرامة الإنسان .
هذا كل ما ينشدونه، وهذا هو الإرث الذي خلفته سنوات الرماد.
رغم ما أكد عليه فرناندو ارابال من استقلالية عن كل التخندقات الحزبية والأيديولوجية، فإن أعماله تبقي مناصرة للمستضعفين والمضطهدين، لأنه هو نفسه كان مضطهدا في عهد الجنرال فرانكو وكانت باريس ملجأ لهروبه من شر هذا النظام، وكان انتماؤه الفكري والفني لحركات التجديد الفني يتخذ هذا المنزع نحو الحرية والحداثة لأن جمالية أعماله الفنية لا تقبل هذا البياض الأيديولوجي الذي أرادها أن تكونه. ويمكن أخذ حديثه في هذا التمجيد للحرية والاستقلالية ليس للحد الذي يجعلها تطمس صلتها بدواعي التحرر والانتعاش من الوثنيات وسيادة الفكر الواحد في عهد الأنظمة الكاريزمية، لأنها أعمال فنية يفترض أن تشترط في قيمتها تلك لانتقاء سبل القول الفني ووفق أقانيم الإبداع واشتراطاته في الحرية وجدارة القول إلي الحد الذي يحس فيه المبدع بفرديته كذات فاعلة حسب حقيقة تواجدها الاجتماعي والاشتراط بهذا الوجود. زيادة علي كونه في هذا التوجه قد اختار أن ينحاز إلي حركة التجديد في عصره وهذا ما جعله يركز في حديثه عن أندري بروتون وانطونان أرطو وصموئيل بيكيت ويونسكو وأداموف وبنتر وبرتولد بريشت وبرناديللو وكلها أسماء رمزية للدلالة علي هذا الهروب من الاضطهاد وهذا ما يوضحه أكثر برتولد بريشت في أشعاره عن الشعراء المنفيين. كما أن الهوية الثقافية وقوتها الرمزية لهذه الأسماء تأخذ مشروعيتها من هذا الاعتبار بالذات فضلا عن كون إبداعاتهم كانت ولا زالت إبداعات قوية تؤكد هذا الاختيار المنحاز لتحقيق إنسانية الإنسان وعدم نفيها. فرناندو ارابال علامة واصلة بين عصر تعدد الأقطاب للهيمنة علي العالم إلي الحد الذي جعل هذا العصر يعرف بعصر الحرب الباردة، وعهد محاولة انفراد القطب الواحد أمام انهيار الوثنيات التي كانت طرفا في هذه الحرب الباردة المعلنة ضمنيا لبسط الهيمنة علي العالم وفي محاولة هيمنة أحادية وسمت بتكتم الإخفاء بالعولمة كاستعمار جديد يدير ما يدار حول قطبها لمفهوم خاص للحرية حيث تعني هذه الخصوصية العودة للمراحل الأولي من تاريخ استقلال أمريكا ويقظتها علي انبهار ثروات العالم والسيطرة عليها. إنها الحقيقة التي اشتد خوف فرناندو ارابال للإفصاح عنها خاصة معاناته التي كان يحكيها في لقائه المفتوح عن زيارته لدخول أمريكا وما يخضع له من حصار ومساءلة تدوم أكثر من خمس ساعات قبل أن يخلي سبيله، وهو نفس الخوف الذي جعله لا يستجيب للكثير من الدعوات الموجهة له لزيارة بلدان وأقطار كانت ترزح تحت نير حكام طغاة. إنه الاستبداد المتجدد الذي أفسح حرية اختيار أن ينفي حيث هو حتي رمي بالجنون أو القتل الرمزي الذي أشيع حوله وهو لا زال حيا يرزق، ربما يعود خوفه هذا إلي نوعية التربية التي تلقاها وتشرب قيمها. لأنها كانت تربية في مدارس الرهبان والقساوسة عندما حملته أمه رفقة أخويه هاربة بهم من بطش حكم فرانكو بعد أن اعتقل أبوه لأنه كان ذا ميول ماركسية ومساندا للجيش الجمهوري في ذلك العهد. كما أن نشأة هذا الخوف المتمكن من سلوكه وردود أفعاله جاء نتيجة سماعه فرار أبيه من المستشفي الذي أودع فيه كسجين ظهرت عليه أعراض الجنون، واختفاء الأب بعد هروبه هذا والذي لم يظهر له أي أثر حتي الآن لأنه أثناء فراره كان فاقدا للهوية، إن تأصل الخوف في الابن الأوسط ارابال سيكون منطلقا لنوعية أعماله المسرحية والتي يفضل نعتها بمسرح الرعب والسخرية، مما يجعل هذه الأعمال أقرب في توجهها الفني وجوهرها لمسرح العبث، الرعب من عبثية العالم إلي حد السخرية من حالاته تلك وهذه الحالات نتعرف عليها في مسرح بيكيت ويونسكو وآداموف وهذا الأخير يكون الأقرب من تأثيث مشهدية هذا المسرح حيث تلتبس المفاهيم والمنطلقات في عبثية مميتة، حضور الله وغيابه في مطلقه في الوجود وفردانية الإنسان أمام مواجهة مصيره إزاء مطلقية حكم الطغاة وجبروتهم والانشداه بحب الحياة والتعلق بها إلي حد فلتان العقل، أليس غودو الحاضر الغائب هو الذي يستدعينا للانتظار، ثم أليس الانتظار من يعيدنا لأن نعيش هذه الحياة في افتراض أن يأتي أولا يأتي هذا الغودو؟
والحياة كلها هي فسحة ما تبقي من هذا الانتظار الممتلئة بأفعال قد لا تنم عن معني إلا من هذا الانتظار في المجيء أو عدم المجيء وهنا يراوح عمر الإنسان معلقا بأفق انتظار وتوقع خيبة عدم المجيء، ألم نتطلع إليه بخوف ورعب وسخرية تغالب اغتيال الأمل بأفق منفتح علي معاودة الانتظار للذي قد يأتي؟ أو لا يأتي قلق وجودي يعيشه الإنسان وفي عيش لحظات القلق وتوجساته هاته تمضي الحياة ويستأنف الإنسان رحلة عمره.
- ذلكم هو مسرح أرابال وهذه مبادؤه:
فرناندو أرابال من سلالة الإبداع المتمرد والرافض لمنطق الخضوع، وينشد أيام هذه السلالة التي غيبها الموت فبقي شاهدا كنصب مليء بالحيوية والبوح التلقائي عن بقايا هذه السلالة، سليل آخر لعمالقة الإبداع المتحرر ينتشي بعبق هذه الذكريات وكأنه يتنفس عبير أريجه لامتلاء بما خلفه هذا السلف الذي كان أحد رموزه سليل يشهد عم كانته السلالة، فهل تعيد السلالة نسغ الحياة في من تبقي الآن من المثقفين؟
وماذا تبقي لنا نحن في الضفة الأخري من البحر المتوسط، بعد أن استنشقنا ضوع هذا الأريج؟ فهل نكون منصتين جيدين لما قاله فرناندوا أرابال في لقائه المفتوح؟
نستشف طبيعة مسرح ارابال من حديثه في هذا اللقاء المفتوح ومن خلال المحاضرة التي ألقاها بمدينة سيدني الاسترالية 1 حيث يعتبر مسرحه ينتمي للأسلوب الجديد الذي يسميه مسرح الذعر le thژČtre panique إذ يؤكد عدم النظر إلي هذا الأسلوب بأنه حركة فنية أو أدبية، بقدر ما ينظر إليه باعتباره طريقة في الوجود أو أنه فقط أسلوب حياة أو طريقة عمل ومصطلح panique مأخوذ من الجذر الإغريقي للحكمة وبالآلهة الذين يحملون نفس الاسم، وكذلك له علاقة بطفولة الكاتب حيث كان هناك مهرج يصرف الوقت في إخافة الناس بظهوره المفاجئ والمستوحش.
يقول الدكتور محمد السرغيني((2 : إن بدايات مسرح الذعر، يجب أن تتلمس فيما قام به أرابال من أبحاث عن الدور الذي تلعبه الذاكرة، وفيما قرأه عن هذا الموضوع خاصة عند ياربيزيت وبرغسون وكوسلورف والينبيرجر وميرلوبنتي وعند أرسطو في كتابه السماح الطبيعي . ويضيف الدكتور محمد السرغيني: والحقيقة ان مشكل الذاكرة التي تحط فوق قمم الماضي، يتوحد مع مشكل الصدفة، فيصبح هذا التوحد هو مسار المستقبل 3 ويستشهد محمد السرغيني قائلا: إن الذاكرة المصاغة علي شكل سيرة ذاتية بما فيها من حساسية وذكاء وخيال تمتزج بالصدفة، فيصبحان هما القيمتين اللتين يستغلهما الكاتب في إبداعه 4. ومواضيع ومصادر مسرح الذعر يحصرها الدكتور محمد السرغيني كما يلي : - الأنا، - الفرح والرمز، - الغامض، - الجنس، - السخرية، - اختلاف الحيوانات الخرافية، - الواقع المحتضن للحلم الكابوسي، - القذارة والبذاءة، - الاجتهاد في مجال ما هو مهم وتحديد آفاق ما هو جدي، - استغلال كل المسلمات وكل الفلسفات وكل الأخلاقيات يشترط أن تكون ملائمة للموضوع المعالج، - الارتكاز أساسا علي الصدفة والذاكرة والغموض(5).
إن كل هذه المصادر تؤشر علي الارتباط الذي يحاول ارابال نفيه في علاقته بمسرح العبث والتجريد لأن من سمات هذا المسرح هو المتح من نفس المواضيع والمنابع، لأنها كلها تهدف للرجوع إلي القيم الإنسانية بكل ما يثير ويحيي في الإنسان هذه القيم وهنا يحضر بقوة النظام الإكراهي للتراجيديا وكما أعاد صياغة قوانينه أرسطو، وكذلك أعمال الأقطاب الثلاثة لمسرح اللامعقول صموئيل بيكيت في انتظار الله والذي هو غودو، ويونسكو الذي يبني لا معقولية الواقع بهذا الذعر الذي يتولد من خواء حياتنا حيث لا يعني هذا الخواء إلا الانتظار وكذلك اداموف، أما الحركة السوريالية فإنها تعمل علي الاعتلاء علي الواقع حتي لا تضيع القيم الإنسانية النبيلة والتي يذهب أرطو للبحث عنها في منابعها الأولي في مسرح بالي، وهي نفس الاستحضارات في مسرح الديالكتيك عند بريشت والذي يجد صيغته في التناقض الحاصل بين العادي وغير العادي والذي يعطيه نعت التباعد أو الاغتراب.
ويعرف ارابال الذعر والذي هو هنا اسم مذكر بأنه طريقة يتوصل بها إلي سيادة الغموض والسخرية والهلع والصدفة والرفاهية 6. وعلي المستوي الأخلاقي فان الذعر هو أساس الأخلاق الطبيعية عند الناس، أما من وجهة النظر الفلسفية فيظهر أن بديهية الحياة هي الذكري وأن الإنسان أحدث فيها بالصدفة ولا يتحقق وجود الإنسان في الحياة إلا خلال الأعياد والمواسم الصاخبة 7.
نلاحظ هنا كذلك وحسب الإحالات والتي نستشهد بها اعتمادا علي الدكتور محمد السرغيني، أنها ليست إلا مقابلا للخوف، أو عاطفة الخوف والتي يركز عليها كثيرا أرسطو في كتابه فن الشعر، والذي جاء توصيفا لشعرية المسرح كما قعد له من خلال الأعمال التراجيدية الإغريقية خاصة تراجيديات سوفوكليس إذ اعتبر نظام هذه التراجيديا من أجل إثارة هذه العاطفة وجعل الإنسان أكثر قابلية للاندماج الاجتماعي وبالتالي تشرب القيم السائدة في مجتمعه. هذا الشحن والإعلاء في العواطف والميول هو ما يسمي بالكاتارسيس (التطهير).
أما العودة للحياة من أجل الاندماج فيها من الأعياد والمواسم فليس إلا عودة لتجديد النظام الثقافي العام في أي مجتمع، حيث يلعب القربان كذبيحة بديلة دورا أساسيا في نسج عري العلاقات الاجتماعية وتجديدها لاستمرار الحياة وكذلك تكون هذه الأعياد والمواسم لحظات كبري في حياة المجتمعات من أجل إعادة تجديد نسقها الثقافي العام، وهو أساسي ديني أكثر منه دنيوي حيث يقدم بطقوسية خاصة. وارابال كما سبق القول متشبع بالتربية الدينية بل إنه لم يتلق تعليمه إلا في مدارسها. وحتي هندامه المتشح بالسواد في هذا اللقاء يوحي وكأننا أمام قس أو قديس يتلو وصاياه كما انعكس هذا علي مجموعة من أعماله المسرحية والتي جاءت بعضها بهذه الصفة بالذات مثل مسرحية الصلاة ومسرحية القداس الأكبر والتي يركز فيها كثيرا علي القربان الاحتفالي باعتباره النبع الذي يعيد الإنسان إلي أصله رغم ما يستتبع ذلك من حالة توجس وخوف وكأن المؤلف في عودته هذه يحاول أن يشدنا للأصل، وهو ما جعله يركز علي الأعياد والمواسم ما دامت لحظات وجودية كبري تعطي للإنسان دلالة ومعني في علاقته بهذا الأصل وهو نفس الموقف الذي نستشفه من حالة انتظار غودو عند بيكيت الذي يشدنا إلي صرة الحياة بحبل سري لرحم جديدة، وفي هذا الاحتفال الطقوسي احتفال بالإنسان وحريته وإحساسه بفردانيته في هذا الوجود ما دامت هذه العلاقة مبنية وبشكل متعدد بمثل هذا الاحتفال المعيد للنظام الثقافي وانتظامه واستمراره وهنا يحضر الجانب الاجتماعي للمسرح وإعادة نسج لحمته الاجتماعية بما يجري علي الأرض، والمسرح هنا كاحتفال افتراضي هو نوع من استحضار هذه اللحظات والتماهي معها، ولنا في ثقافتنا الإسلامية مثل هذا الاستحضار وبحضور فيزيقي في الوقوف بجبل عرفات، لأن عرفات بهذا المعني هو الحج، أي أن الحج هو هذا الحضور المادي وبكل طقوسيته لاستعارة يوم الحشر والقيامة وهذا في اعتقادنا أساس من أسس قيام المسرح الاحتفالي إن جاز لنا أن ننعت هذا الاحتفال الطقوسي بهذه التسمية وضمن هذا المجاز الاستعاري نقدم الأضحية البديلة، كما جاء في نداء الفداء الإلهي لإبراهيم، والفن عموما والمسرح بالأخص يلعب هنا دور المعادل الموضوعي وكم صورة مجازية في حياتنا تعادل بين التخييل والواقع؟ أليس المسرح موقعا من مواقع هذا المتخيل للعودة للواقع أكثر قوة ووعيا؟ وضمن هذه المجازات التي تبناها أرابال في اختياره الفني وأسماها بمسرح الذعر نصادف مرة أخري مسرح القسوة مع أرطو ومسرح الموت بكل طقوسياته مع تيدور كونتور.
أما في آسيا فالمرجعية واضحة في مسرح الكابوكي والنو، كما هي أكثر جلاء في مسرح التعازي عند الشيعة المسلمين بإيران والعراق وأي احتفال مسرحي أكثر دلالة وارتباطا بجذور أصل الإنسان وتداعياته في الوجود من هذا الذي أشرنا إليه؟ إن ما تبقي من احتفالات غير هذه ليس إلا تهويمات الجموع واستقطابات ذكريات الانتحال المتعالم.

الهوامش والإحالات:
ہ ولد فرناندو ارابال بمدينة مليلية المغربية يوم 11 آب (اغسطس) سنة 1932 وتنقل رفقة أمه كارمن طيران غونزاليس وأخته وأخيه إلي عدة مدن اسبانية بعد اعتقال أبيه بسبب آرائه التحررية وميوله الماركسية وبسبب علاقته بالجيش الجمهوري.
بدأ نشاطه المسرحي منذ حداثة عهده وقبل أن يحصل علي شهادة البكالوريا، حيث كان في مدينة تولوسا قد شاهد أعمال كل من بيكيت ويونسكو بموازاة مع قراءته لأعمال كل من كافكا ودوستويفسكي وبروست ولويس كارول.
وفي سنة 1954رحل إلي باريس لمشاهدة عروض مسرحية قدمتها فرقة بيرلين السامبل الألمانية. وفي سنة 1955 حصل علي منحة دراسية بباريس لمدة ثلاثة أشهر، إلا أن هذه المدة ستطول.
وفي سنة 1959 25 نيسان (أبريل) أخرج جان ماري سيرو أولي مسرحيات أرابال التي ستعرض في فرنسا، وهي مسرحيته: العساكر ولهذه المسرحية عنوان. هو نزهة في الريف وبهذا العنوان نقل محمد فريد بنمبارك هذه المسرحية إلي الدارجة المغربية في بداية الستينيات من القرن الماضي حيث قدمت كعرض في المسرح الجامعي آنذاك.
وفي سنة 1962 أسس فرناندو أرابال حركة مسرح الذعر بمشاركة خودورفسكي وتوبور وسترندبيرغ في مقهي لابي بباريس.
أعمال فرناندو أرابال المسرحية:
- مسرحية: العساكر أو نزهة في الريف
- مسرحية: الجلادون
- مسرحية: الصلاة
- مسرحية: مقبرة السيارات
- مسرحية: القربان الاحتفالي
- مسرحية: المعماري وإمبراطور آشور
- مسرحية: وقيدوا الورود
- مسرحية: الفجر الأحمر والأسود
- مسرحية: غرنيكا
- مسرحية: فاندوليس
- مسرحية: القداس الأكبر
- مسرحية: ستربتيز الغيرة
- مسرحية: رجال العجلات الثلاث
- مسرحية: حرب الألف سنة أو إلي اللقاء يا جميلة
- مسرحية: أغنية القطار الشبح أو الحبل المتهدل
الاستشهادات المرقمة مأخوذة من الدكتور محمد السرغيني من المقدمة التي قدم بها ترجمته لمسرحية (أغنية القطار الشبح أو الحبل المتهدل) الصادرة في سلسلة المسر ح العـــالمي عن وزارة الإعــلام بالكويت تحت رقم 206 بتاريخ أول تشـرين الثاني (نوفمبر) 1986.
ہ كاتب من المغرب - alqouds alrabi

www.safsaf.org