
مخيلتها بصرية وفي شعرها أثر لرسامين
أكثر مما لشعراء
سمر دياب: أكتب سيرتي اللاشخصية
اسكندر حبش
«هناك عراك في الخارج»، عنوان المجموعة الشعرية الأولى، للشاعرة اللبنانية سمر دياب،
المقيمة في اسبانيا، الصادرة حديثا عن «الغاوون» ضمن سلسلتها الشعرية. حول الكتاب،
هذا الحوار، للإطلالة على الشاعرة والمجموعة.
بداية، سنبدأ بسؤال متعارف عليه: أنت في مجموعتك الأولى، كيف أتيت إلى الكتابة؟ ومَن مِن الشعراء الذين دخلوا إلى مشهدك في الكتابة، أي لنقل إنهم مارسوا تأثيراً ما عليك؟
^ أنا أيضاً اليوم أسأل معك كيف أتيت إلى الكتابة، كنت أظن سابقاً أن حبي للشعر والأدب منذ صغري دفع بـي إلى الكتابة، وكلّ يوم يمرّ أكتشف أن هذا ليس صحيحاً.
لا أعرف، أضع عدّة احتمالات أمامي، لربما هي صدمة وعيي الأول بوجوديتي، أو لربما مجـرّد ردة فعل لم أكن أتقن غيرها على هذه الوجودية، أو لعلّها ببساطة قدر أحدّ ما رسمه بعناية وها أنا سائرة فيه، احتمالات كثيرة لا بدّ أن يصلح واحد منها للإجابة عن هذا السؤال الميتافيزيقي بامتياز.
أسماء كثيرة قرأت لها وتأثرت بها وطغت على كتاباتي الأولى، في كلّ مرحلة في السن، في الوعي، في النضج كانت الذائقة تتبدّل فتهمل اسما وتتمسك بآخر. من الصّعب اليوم تحديد أسماء بعينها أرى أن لها تأثيراً مباشراً على كتابتي اليوم. لكني أعي أنّ كلّ من قرأت له وترك أثراً في داخلي، ترك بالضرورة أثراً ما في كتابتي سابقاً وربما حتـى الآن. وديع سعادة على سبيل المثال من الشعراء الذين قرأتهم بعمق وأحببتهم بعمق.
«هناك عراك في الخارج» عنوان مجموعتك الأولى، منذ العنوان توحين بأنك بعيدة، منقطعة عمّا حولك، على الرغم من أنك تكتبين في إحدى قصائدك (يحدث أني أكتبُ عن العالم..)، إذ تفردين مساحة لعزلة ما. هل الكتابة هي قطع هذه الحبال مع الخارج المحيط بك؟ أم أنه موقف ما؟ وما هو إذا كان موجودا؟
الكتابة بحد ذاتها موقف، وغالباً هي موقف احتجاج، أو بأنانية مطلقة أريد لها أن تكون كذلك. لا أستطيع القول إني منقطعة عن شيء، هذا ادّعاء لا أحتاجه لأقول إن هناك عراكاً في الخارج، حتى لو كنت بعيدة ولا مبالية بأن أكون في وسط ذلك الخارج/ الحدث، لكني من خلال تلك المسافة بيني وبين العالم وبيني وبين الآخرين أرقب بشدّة وباهتمام وبمبالاة كبيرة ما يحدث في ذلك الخارج لأنه يتحمـّل المسؤولية الكبرى في جعلي أغازل قوقعتي وألتمس رضاها وغفرانها كلّ مرّة أخرج منها. صحيح أني أكتب عن العالم، وسأبقى أكتب عنه بالحماسة نفسها التي تحرّضني على الابتعاد عنه، قد تكون هذه وسيلة للانتقام من العراك الدائر في كلّ جهاته، أو بشجاعة أكبر، وسيلة لأغلـّف هشاشتي في مواجهته بلغة أتعمـّد أن تكون أقسى منه. أن تكون شاعراً وتفرد مساحة لعزلة ما فهذا يعني أنك مزدحم أكثر مما ينبغي، مضطر للانسحاب وليس بطلاً منهزما بجدارة أمام خصم تحبـّه لكنه غبيّ إلى درجة أنه لا ينتبه لكل محاولاتك اليائسة تلك، للصراخ في وجهه أن يتوقف عن وخزك والزعيق في رأسك، وهذه حالي مع الخارج، متورطة بفتنة هذا العالم بنفس القدر المتورطة فيه بخرابه، لا أستطيع أن أكفّ عن استراق النظر إليه ولو بعين خائفة ولا أستطيع أن أكفّ عن الصراخ أيضا حين أفعل علـّه ينتبه إلى عراكه الذي أشك بأنه يراه مثلي.
إصدار متأخر
أنت من الجيل الشعري الذي يضمّ ناظم السيّد وغسان جواد وفيديل سبيتي وزينب عسّاف إلى آخرين، لكنّ الجميع سبقوك إلى الإصدار، أما أنت فتأخرت لتصدري مجموعتك الأولى. لم كان هذا التأخير؟
هذا من حسن الحظ، كنت لأندم كثيراً لو لجأت
إلى النشر قبل الآن. اليوم أنا أكثر وعياً بمسؤولية أن يكون هناك كتاب يحمل اسمك،
اسمك الذي حين قررت أن يعرفك الآخرون به كشاعر فحتماً ستسعى إلى إنقاذه من الوقوع
في فخ الاستنساخ والاستسهال، ولا أرى أنه تأخير طالما هناك حاجة للوقت الذي يعوّل
عليه في اختمار أي تجربة كتابية قبل أن تخرج إلى العلن. الأصدقاء الذين ذكرتهم
كانوا على تماس مباشر مع الحركة الشعرية والمشهد الثقافي الذي أتاح لتجاربهم أن
تنضج باكراً، بعكسي أنا التي لم أتابع شيئاً وبقيت مراوحة مكاني لفترة طويلة، لظروف
عديدة أهمها رحيلي عن لبنان وإقامتي في اسبانيا لفترة طويلة.
تفردين في قصيدتك مساحة كبيرة للمشهدية، هل لعلاقتك بالرسم تأثير في ذلك؟
طبعاً، علاقة قوية أيضاً تتحرك في كلّ الاتجاهات، أعترف بأن مخيلتي في الشعر بصرية بالدرجة الأولى، حتى في نصوصي لا أستطيع أن أرى أثراً لشعراء بقدر ما أرى آثاراً لرسامين يحضرون بلوحاتهم السريالية ومدارسهم الوحشية والتجريدية والتكعيبية الخ. الصورة تحضر أولاً في المخيلة كلوحة ثم تخرج من هناك إلى الورق واللغة ولا تهدأ أيضاً إن لم تخرج رسماً لذلك كثيراً ما أحاول مزاوجة نصوصي مع لوحاتي ضمن تقنية الفن الرقمي الذي أعمل عليه حالياً. لطالما أغرتني اللوحة وأسعدتني أكثر من الشعر، علاقتي مع الشعر ليست ثابتة، مزعزعة وقابلة للانهيار في أي لحظة، بعكس الرسم الذي يشعرني بالسعادة والحرية والانطلاق، ولولا تلك اللوحات التي تزدحم في مخيلتي على مدار الساعة لم أكن لأكتب شعراً ربما.
كتابة اليأس
على الرغم من أن القصيدة عندك تُبنى على ضمير المتكلم، إلا أنه لا بدّ أن نلاحظ أنك تبتعدين عن كتابة تشبه نوعاً من سيرة، أقصد عن هذه الكتابة التي نجدها اليوم عند قسم كبير من الشعراء. هل هو اختلاف متعمـّد مثلا؟
^ لا أملك شيئاً لأتعمّده سوى محاولة زج الآخرين بهذه الهلوسات التي لا أعرف كيف سأخرج منها ومراقبتهم كيف يتذمرون ويتأففون ويخيب أملهم بالأنثى الجميلة التي ينتظرونها في الشعر. من زاوية ما أنا أيضاً أكتب سيرتي اللاشخصية، سيرة من نوع آخر، سيرة كائن غارق في أنانيته لدرجة أنه غير قادر على الاعتراف بعالم لم يخلقه ويرتـّبه هو كما يريد، هي سيرة شرور صغيرة لا تنتبه لسرد التفاصيل الحياتية ولا لحاجة تلك الأنثى لأن يفكّ أسرها من برجها العاجي لتستطيع هي أيضاً أن تكتب سيرتها. سيرُنا ككائنات تدبّ على الأرض تأكل وتشرب وتحبّ وتضاجع وتفعل ما تفعله هي سير استهلاكية وممجوجة. تختلف الوجوه والأجساد وتبقى هي نفسها، لا أجد نفسي في سردها وتناولها في الشعر. الشعر ينبش أتربتنا ووجهنا وما وراء حيواتنا التي تتشابه بشكل يدعو إلى الملل، يفعل هذا بكلّ تصلـّف وبرود، يبحث عن سيرة أخرى لكائن آخر لا تراه الشمس، يعيش وحيداً في بقعة نائية في داخلنا، هذه هي السيرة التي ترضي جموح الشعر وهي التي أحاول يائسة أن أسلّط الضوء عليها.
هل الشعر هو اليأس بهذا المعنى؟
^ الشعر هو ألا تقف على الحياد إزاء ما تشعر به، إن كان هذا الشعور يأساً فالشعر سيذهب بهذا المعنى إلى أقصاه. هنالك يأس، ولا أريد أن أخفيه لصالح النظارة الوردية التي عليّ أن أرى العالم من خلالها. هناك نصف الكأس الفارغ الذي لولا الشعر لكنت حتماً أكثر قدرة على تجاهله. لأني أكتب شعراً فلم يعد بالمقدور ألا أرى ولا أسمع ولا أتكلم. الآن، ما أراه وما أسمعه وأقوله غارق في الفجائعية، هذا ذنب العين التي ترى في داخلي ولن ألصق التهمة بالشعر هذه المرة.
ماذا يعني لك الشّعر و الكتابة؟
يعني أني بالضرورة لا أملك شيئاً آخر سواهما.
assafir
16/02/2010