عباس
(1) شعر : فيصل سليم التلاوي
كان عباس صديقي يا رفاقْ
وجهه ينضح بشراً وحبوراً وانطلاق
يملأ الحارة ضحكاتٍ هنيه
وأغانٍ قرويه
ذات أنغامٍ شجيه
لم نكن نعرف ما معنى " القضيه"
صِبيةٌ كنا وللزيتون في أفراحنا أحلى المواسمْ
وعبير الزعتر البريِّ عطرٌ لا يُقاوَمْ .
**************
وكبرنا ، غاب عباس صديقي فجأةً دون وداعْ
وسألت الصحبَ عنهُ
لفهم حزنٌ وطوفان التياعْ
وأنا خبّأت وجهي
أمطرت عيني وأعياني صُداع
شفني وَجدٌ ، وأضناني اشتياقْ
******************
ومضى عباس ما أيصرته يومًا
ًوطال الانتظار
وسألت الليل عن خِلّي وأطراف النهار
ونشدت الريح في تجوالها عبر القفارْ"
نبأتني أنه من وهَج "الغور" ومن ساح " الكرامهْ" (2)
بدأ الميلاد والبعث ومعراج القيامه
جرحها أورثه في الخد شامه
وعلى الجبهة وشمٌ وعلامه
ومن " العرقوب" جرحٌ دائم النزف عميقْ (3)
ضمّد الجرح ، و والى سيرهُ
ومضى عباس ما ضلّ الطريق
ورفاق الدرب قد أودعهم في القلبِ قبل التربِ
مُلتاعاً رفيقاً فرفيقْ
ومضى يذرع أرض الله
يجتاز المخاضاتِ ، مضيقاً فمضيقْ.
******************
مرّ عباس على أرض الجزائرْ
خاشعاً صلى على المليون ثائرْ
ومن الصين ومن فيتنام جاءته البشائر
و " بهافانا " أحب الناس والثوار َ
واستدرجهُ طعم السجائر
دمُ " جيفارا" الذي قد أشعل الدنيا منائرْ
صبر" منديلا " الذي يصنع نصرًا بالأظافر
علّماهُ كيف تخضرّ من الجرح ورودٌ وأزاهرْ
*******************
كبُر الجرح الذي يحمله عباسُ
أضحى قمراً يسطع في ليل الجليلْ
صخرة القدس ِ على كاهلهِ يحملها وهناً ويمضي في السبيلْ
" ناصرياً" يُبريء الأكمه والأبرصَ
من علتِهِ يشفي العليل
لم يكن يعرف أن الحلم ممنوعٌ , وشيء مستحيلْ
*************
وصحا عباس من إغفاءةِ الحلمِ الجميلْ
فإذا الثائر شرطيٌ كسيرْ
أوثقوهُ واهنَ الخطوِ أسير
فوق شبرٍ من قفا الأرضِ
التي قد صام كي يُبصرها العمر الطؤيلْ
طلبوا أن يوقف الريح، وأن يمنع في البحر الهديرْ
طلبوا أن ينزع الريش عن الطير الصغير
والعصافير التي تحلم يوما ً أن تطير
واليمامات التي تشرب من ماء الغدير
*****************
ما لهذا صام عباس صديقي ، و"تمرمرْ"
حانيَ الجبهة أفطرْ
فإذا الإفطار علقمْ
مات من حسرته عباس فوراً ما تكلم
غير أن النورس المغدور في عينيه خنقاً
قد تألم ، وتألم ، وتألم .
(1) لا علاقة لاسم عباس بالرئيس الفلسطيني وذلك من قبيل المصادفة .
( 2 ) و ( 3 ) الغور والكرامة والعرقوب
: أسماء أماكن في الأردن وجنوب لبنان كان للفدائيين فيها نشاط بارز في أواخر
الستينات و أوائل السبعينات من القرن الماضي .
صفحة الشاعر والقاص والروائي فيصل سليم التلاوي على صفحات غوغول :
http://tellawifs.google pages.com