
صلاح خالص ...عاشق
الاندلس عمل في جامعة موسكو

جاء د.صلاح خالص الى روسيا في مطلع الستينيات منتدبا من الحكومة العراقية للعمل في
معهد اللغات الشرقية بجامعة موسكو سوية مع قرينته المصرية د.سعاد محمد خضر .ويعتبر
طلاب المعهد الذين كانوا يستمعون الى محاضراته بأنها اثمن ما تلقوه من اساتذتهم في
تلك الفترة. وكان د. صلاح خالص قد تخرج من دار المعلمين العالية في بغداد ثم ناقش
رسالة الدكتوراه في الادب الاندلسي في جامعة السوربون بباريس. وعرف عنه عشقه
للأندلس وحضارتها الاصيلة وكتب أكثر من كتاب حول هذا الموضوع منها " اشبيلية في
القرن الخامس الهجري" و" المعتمد بن عباد" و" محمد بن عمار الاندلسي " وغيرها. وقد
عرف طلابه في جامعة موسكو هواه هذا فكانوا غالبا ما يوجهون اليه الاسئلة حول
الاندلس وآدابها.
ويقول د.يوري زينين احد طلابه في عام 1964 حول اسلوب د. صلاح خالص في تشويق الطلاب
لدى الحديث عن تاريخ الادب العربي والاسلامي عموما او لدى دراسة بعض السور القرآنية
بموجب المقرر الدراسي انه كان يتحدث بصوت هادئ ويركز على كل كلمة يتفوه بها لكي
تكون مفهومة لدينا.واحيانا كان يسجل على اللوحة الافكار الرئيسية لمحاضرته. وكان
يقرن اقواله بذكر مشاهد طريفة من احداث تلك الازمان البعيدة. لذلك لم تكن محاضراته
عرضا تقريريا اكاديميا جافا ، بل سعى البروفيسور صلاح الى نقلنا الى عبير تلك
الحقبة التاريخية والاحداث والشخوص التاريخية التي كانت من ابطالها. وبدون محاضرات
د.صلاح خالص لما ترسخت لدينا تلك المعلومات القيمة حول آداب وتأريخ العرب. وقد
ألتقيته مرة أخرى في احد شوارع بغداد بعد مضي 17 عاما حين كنت أعمل مديرا لمكتب "نوفوستي"
هناك. وكان هذا الانسان الموسوعي والمثقف يعاني من اوضاع صعبة في تلك الايام فرضها
عليه النظام بسبب افكاره السياسية. ولابد من القول ان الطلاب الروس في جامعة موسكو
لم يعرفوا اي استاذ آخر مثل د.صلاح خالص الذي زودهم بالمعارف الواسعة حول اللغة
العربية وآدابها. لقد كان تواضعه وبساطته في التعامل مع الآخرين نموذجا طيبا للمثقف
العربي.
* * *
ولد د.صلاح خالص في البصرة في عام 1925 وانهي تعليمه الثانوي هناك ثم انتقل الى
بغداد حيث درس في دار المعلماين العالية ، ونظرا لتفوقه ارسل الى فرنسا لمواصلة
التعليم العالي حيث تخرج من جامعة السوربون في باريس باختصاص الادب الاندلسي. ومارس
د. خالص النشاط الادبي بنشره العديد من الكتب في التاريخ والنقد الادبي وانضم الى
نقابة الصحفيين العراقيين واتحاد الادباء العراقيين. وتولى رئاسة تحرير مجلة "
الثقافة الجديدة" في عام 1954 وفيما بعد مجلة " الثقافة" في عام 1971 . وتولى منصب
مدير المعارف في عام 1958 بعد قيام ثورة 14 يوليو/تموز، وبعد ذلك سافر الى موسكو
للعمل في الجامعة.عاد د .خالص الى العراق في عام 1968 وعمل استاذا في كلية الآداب
بجامعة بغداد حتى احالته الى التقاعد في عام 1984 بقرار من مجلس قيادة الثورة "
لمقتضيات المصلحة العامة " ، وتعني هذه الصيغة ان الشخص المعني "غير مرغوب فيه"
بسبب افكاره السياسية.
لقد كان د.صلاح خالص طوال حياته يعمل من اجل نشر الفكر العلمي التقدمي واشاعة
الديمقراطية التي افتقر اليها المجتمع . وقد ابدى الاهتمام بالثقافتين العربية
والكردية وكان يحلم بأن تكون الثقافتان في علاقات تآخ وتعاون فبدون ذلك لا يمكن
احلال السلام والاستقرار في وطنه العراق. وكان يعترف في احاديثه مع معارفه بأن فترة
وجوده في موسكو تركت آثارا عميقة في مواقفه الفكرية،واغنت معارفة الادبية بالاطلاع
على الادب الروسي عن كثب. اذا كان غالبا ما يلتقي ادباء روسيا ومثقفيها ويجري معهم
نقاشات حول الحوار بين الحضارات. لقد رحل د.صلاح خالص وترك خلفه كتبه واعماله
الادبية الكثيرة التي تعتبر مرجعا لا غنى عنه لدارسي الادب العربي وبالاخص الاندلسي.
- من سلسلة مقالات " مبدعون عرب في روسيا"-
13.02.2010
عن موقع روسيا اليوم