هل تغير البلد لهذا الحد؟ المغرب.. كل هذا الثراء

لم يبق أمام أي رحالة إلا أن يرى العالم من وجهة نظره، يكتشفه ويلمسه برؤية لا يشاركه فيها أحد.

02/02/2010

بقلم: سعد القرش

تغير المغرب كثيرا. ليست ملاحظة عبارة، بل لافتة للنظر، ولا يمكن تجاهلها. منذ اليوم الأول لندوة "الرحالة العرب والمسلمين.. اكتشاف الذات والآخر"، التي تحمل دورتها الجديدة عنوان "الرحلة العربية في ألف عام"، ونحن نتلقى تحذيرا ألا نسير فرادى في ليل الرباط. ومشينا، ولكن الله سلم.


المغرب بلد ساحر، منه يسري إليك شوق غامض قبل السفر، وهناك لا تشعر بغربة، منذ الوصول إلى المطار حتى المغادرة. في المطار سألتني موظفة جميلة، بدافع الفضول، ماذا كنت أفعل في بلادها، قلت: شاركت في ندوة عن أدب الرحلة. سألتني بدهشة: ألايزال هناك أدب رحلة؟ هي خريجة قسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب. أعطيتها أحد مجلدين صدرا عن الندوة، وقلت إن العالم أصبح مفتوحا ومكشوفا، لم يبق فيه شيء من دون اكتشاف، كان الغرب قبل أكثر من مئتي عام يلهث بكثير من الهوس، لاكتشاف الشرق المتخيل، والآن لم يبق أمام أي رحالة إلا أن يرى العالم من وجهة نظره، يكتشفه ويلمسه برؤية لا يشاركه فيها أحد، ويظل الإنسان قارة وحيدة مجهولة، يعاد اكتشافها كل رحلة. كنت كالعادة آخر من يصل من ركاب الطائرة، ومشينا في صالة ممتدة إلى حيث انتظار الحافلة المتوجهة إلى الطائرة، وسألتني: هل هذا يستحق ندوة؟ وقلت إن الندوة عنوانها محدد: "الرحلة العربية في ألف عام"؛ تستكشف وتناقش آثار رحالة عرب لا نعرف منهم إلا أسماء قليلة، في مقدمتهم ابن بطوطة وابن جبير.


بالنسبة لإنسان كسول مثلي، أعتبر الندوات والمهرجانات خارج مصر فرصة للابتعاد عن صخب القاهرة، والاستمتاع بالهدوء كاستراحة بين شوطين في الجحيم، وممارسة الحق في الكسل. إلا أن هذه الندوة أرهقتني وأحرجتني وأمتعتني، طوال ثماني جلسات في ثلاثة أيام، إذ فوجئت بالتورط فيها متحدثا ومديرا لجلسة، وهذا آخر ما أتصورني صالحا له. كيف يتخيل فوضوي لا يجلس إلا في الصفوف الأخيرة للتسلل من مدرج الجامعة، أو من محاضرة أو جلسة نقاش، نفسه أمام كاميرا وسط متحدثين يحاولون السطو على بعض الوقت الإضافي، وينادونه: «سيدي الرئيس»!


لكن هذه الندوة نجحت في أن أستخدم «أفعل التفضيل»، فهي أول حدث، لا يفوتني منه شيء، شاهدا ومتورطا، وحاضرا كل نقاشاته، بداية من الافتتاح الذي شهد توزيع جوائز ابن بطوطة للأدب الجغرافي على الفائزين بها عام 2007، وهم (مع حفظ الألقاب) المغربيان مصطفى واعراب وعبدالرحيم بنحادة، والسوري عبدالكريم الأشتر، والتونسي خالد النجار، والعراقي عبدالرحمن صالح مزوري، والفلسطينيان تحسين يقين وحسين شاويش.


كما كرمت الندوة العلامة المغربي عبد الهادي التازي، والشاعر السوري علي كنعان.


مسألة ذات شجون



لم يسمع كثيرون في مصر بجوائز ابن بطوطة، عبر دوراتها الخمس الماضية ابتداء من عام 2003. وهذه مسألة ذات شجون، منذ اكتفينا بالفخر بأننا أول من بنى هرما في التاريخ، وأول من أقام جسرا على نهر النيل (كوبري قصر النيل)، وأول من حفر قناة بين البحرين. وسوف يقول شاكر لعيبي بمرارة، في بحث عن تجربته في تحقيق مخطوطة رحلة أحمد بن فضلان، إن امتلاء المشارقة بذواتهم جعلهم يستغنون عن المغاربة، ويتجاهلون إنجازاتهم. وقبل سنوات، حين كنت عضوا بهيئة تحرير مجلة ثقافية، تأكد لي أننا في مصر نحتاج إلى زلزال عنيف، يعصف بجيل قديم بعضه أوهام، ويأتي بجيل جديد، إذ كنا نجد صعوبة في العثور على باحثين لتغطية الجوانب المختلفة لإحدى القضايا الثقافية التي تشغل ملفا في المجلة. كان بعض الذين تصورناهم كبارا يبعثون إلينا بأشياء أقرب إلى المقالات الصحفية، أو التعليق «الخفيف» على الأخبار، أو ثرثرة العجائز.


في هذه الندوة وجدت العشرات من الباحثين المغاربة، يقدمون بحوثا جادة ومدهشة. ولم يكن مفاجئا أن يحقق المغرب أعلى نسبة بين الفائزين في الدورات الخمس: اثنا عشر فائزا مغربيا، وأربعة سوريين، وأربعة عراقيين، وفائزان فلسطينيان، وفائزان تونسيان، وفائز واحد من كل من اليمن وعمان والكويت ومصر والأردن والولايات المتحدة.


كما لم يكن مصادفة أن يستضيف المغرب الندوة الأولى للمركز العربي للأدب الجغرافي "الرحلة العربية في ألف عام"، ضمن احتفالات الرباط عاصمة الثقافة العربية عام 2003.


ويرعى الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي "المركز العربي للأدب الجغرافي-ارتياد الآفاق"، ويديره الشاعر نوري الجراح، والمركز هو مانح جوائز ابن بطوطة سنويا في خمسة فروع هي "تحقيق الرحلات"، و"الرحلة المعاصرة"، و"الرحلة الصحفية"، و"اليوميات"، و"الدراسات في أدب الرحلة". وتهدف الجائزة إلى تشجيع أعمال التحقيق والتأليف والبحث في أدب السفر والرحلات، بوصفه جسر التواصل بين الثقافات عبر التاريخ.


صباح الجمعة 22 مايو/أيار 2009، شهدت المكتبة الوطنية بالرباط حفل الافتتاح، بحضور وزيرة الثقافة الفنانة المغربية ثريا جبران. كانت الوزيرة قد تعرضت لأزمة صحية شديدة في الأشهر الأخيرة، وأصرت على الحضور في أول ظهور لها، وتحدثت بصعوبة، وصفق لها الحاضرون، كما حياها الدكتور التازي (88 عاما)، قائلا إن إصرارها هذا يذكره بالحديث الشريف: «إذا قامت القيامة، وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها»، وطال حديث الرجل الذي دعا إلى إقامة متحف لابن بطوطة، يضم كل ما يخصه من عشرات المخطوطات التي كتبها، في رحلات شملت كثيرا من البلدان، وخرائط للدول التي زارها، والترجمات المختلفة لرحلاته، والدراسات والتحقيقات العربية المختلفة لهذه الرحلات التي بدأت من المغرب إلى بلاد الشرق الأقصى.


لم ينس الرجل أن يقول إن العرب يجهلون قيمة ابن بطوطة، الذي ترجمت رحلته إلى 50 لغة آخرها الصينية، ورفع يده بمجلد فاخر، يقع في 954 صفحة كبيرة القطع. كان أحدث ترجمة لرحلة ابن بطوطة، إلى اللغة الصينية. وقال إن أميركا لو كانت أميركا تملك ابن بطوطة، لكان له شأن عالمي آخر. لكن أميركا تملك رحالة آخر هو استيبانكو الأزموري، المغربي العجيب الذي لم تكتشفه هوليود بعد، وإن كان مواطنه مصطفى واعراب قد وضعه في صدارة المشهد الثقافي العربي والعالمي، باعتباره أسطورة، منذ تم أسره وبيعه إلى «نبيل» إسباني أرسله إلى أميركا، فأصبح أول أجنبي يتصل بالسكان الأصليين في جنوب غربي الولايات المتحدة في القرن السادس عشر، ثم كانت نهايته تراجيدية.


عود إلى إدوارد سعيد



رغم الطابع الرحلي للندوة، فقد حضر اسم إدوارد سعيد في دراسات منها "برنارد لويس واكتشاف الإسلام لأوروبا: بعض مؤشرات أبلسة الآخر" لخلدون الشمعة الذي تناول كيف تتم شيطنة الآخر، وبحث علي بدر "الفانتازيا والصولجان: الأساطير المؤسسة للعراق من الرحلات الأدبية إلى النصية الاستعمارية"، وورقتي الأقرب للشهادة. والطريف أنني لم أقرأ ورقتي، وقلت إنني مرتبك بعد أن تابعت جلسات الندوة، ورأيت جدية الباحثين، وسأبدو بينهم، أنا القادم من ميدان الرواية إلى حقل البحث العلمي، كمن تسلل لبيع الماء في حارة السقائين. وانطلقت من مقولة الدكتور التازي في حفل الافتتاح: «الذين لا يسافرون لا يتحضرون»، مستعرضا نماذج بالمئات لأناس أعرفهم، لم يزدهم السفر والإقامة في أوروبا إلا انغلاقا، ولم يؤسسوا معرفة بالعالم الذي يعيشون فيه، لأنهم يكرهونه ويلعنونه، وينتظرون أن يرثوه ويستعبدوا أهله.


لم تقف بحوث الندوة عند استعراض الرحلات، بل ذهب بعضها إلى ما هو أبعد، فمثلا تناول عبدالرحيم مؤدن "الحداثة ومستوياتها: الرحلة المغربية في القرن التاسع عشر". واستعرض الطائع الحداوي كيفية إنتاج الدلالة من خلال النصوص الرحلية، وفي الجلسة الختامية نبه إلى أهمية أن تتضمن توصيات الندوة تشجيع الباحثين على دراسة أدب الرحلة من جوانبه المختلفة.. الأسلوبية والحضارية. وتوقف شعيب حليفي أمام "الرحلة المغربية بين وعي الرحالة ولا وعي النص". وقدم عز المغرب معنينو أضواء اجتماعية إنسانية جديدة على إحدى الرحلات السفارية. وأعادنا عبدالنبي ذاكر إلى المشهد الحالي الذي تحول فيه البحر المتوسط إلى مصيدة للحالمين بالعبور إلى الشمال في بحث عنوانه "رحلات في قوارب الموت: أدب الهجرة السرية في المغرب". وتناول زكريا محمد "رحلة الشتاء والصيف: أم الرحلات العربية" متبنيا نظرة جديدة ترى أن رحلة الشتاء والصيف القرآنية رحلة دينية رمزية. رحلة لا رحلتان، ولا علاقة لها بتجارة مكة، وهو بحث طويل لم يأخذ حقه من النقاش، مثل كتاب زكريا "عبادة إيزيس وأوزيريس في مكة الجاهلية". أما على كنعان فقدم قراءة للمشهد الصيني من خلال أربع رحلات، له ولآخرين، بين عامي 1966 و2008.


وفي جلسة الشهادات واليوميات تحدث خليل النعيمي عن تجربته في السفر وكتابة الأسفار. وحملت شهادة حسين شاويش عنوان "سفر بين العوالم: يوميات طبيب فلسطيني بين البقاع وبرلين". وتساءل علي بدر "بماذا تجيب حياتنا إن لم تجب عليها رحلاتنا؟". وقدم تحسين يقين شهادة عن تجربته في أدب المكان في فلسطين. واستعرض خالد النجار يومياته في مصر. وجاءت شهادة نجوان درويش تحت عنوان "أن تكون فلسطينيا في بيت المقدس: شهادة في تجربة الإقامة المهددة بالاقتلاع".


وعلى غير العادة في كثير من الندوات والمؤتمرات العربية، صدرت بحوث الندوة ـ البحوث كاملة لا الملخصات ـ في مجلدين كبيرين، هما "أوروبا في مرايا الرحالين العرب: المعرفة. الحداثة. الآخر" و"مشرق مغرب: عرب ومسلمون.. ديار الإسلام من الأندلس إلى استانبول"، وكلاهما من تحرير وتقديم نوري الجراح.


رحلة ابن فضلان



ابن فضلان صاحب الرحلة الشهيرة، التي ألهبت خيال سينمائيين وصناع دراما، كان محورا لبحثين أحدهما لخديجة صفوت، والآخر لشاكر لعيبي الذي اتهم الثقافة العربية بقلة التدقيق، والاعتماد على الضجيج، وحضور «ثقافة الإشاعة... إذا لم نقل الأكذوبة»، وانغلاق بعض المثقفين على معارفهم، ونكران الشرق العربي لمنجزات المغاربة.


واستعرض شاكر كيفية اكتشاف مخطوطة رحلة ابن فضلان (عام 921 ميلادية)، إذ وقعت نسخة منها عام 1215 ميلادية في يد ياقوت الحموي بمدينة مرو في خراسان، ثم طبع المستشرق الدنمركي راسموسن عام 1814 جزءا منها نقلا عن معجم الحموي، وتعاني هذه الترجمة أخطاء قادمة جزئيا من شروط المخطوطة المنقوصة، ثم توالت ترجمات الرحلة. واكتشف الباحث التركي أحمد وليدي زكي طوغان المخطوطة عام 1923، في متحف بمدينة مشهد الإيرانية، وحققها ونشرها، كما عثر كاتبان فارسيان على مقاطع أخرى لا تتضمنها مخطوطة مشهد. ثم حقق الرحلة سامي الدهان «بمقدمته التأسيسية عربيا»، ونشرها مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1959. وفي سوريا أيضا صدر عام 1991 كتاب "رسالة ابن فضلان.. مبعوث الخليفة العباسي المقتدر إلى بلاد الصقالبة. عن رحلته إلى بلاد الترك والخزر والصقالبة والروس واسكندنافيا في القرن العاشر الميلادي" جمع وترجمة وتقديم حيدر محمد غيبة. وخارج العالم العربي أخرج الأميركي جون تيرنان عام 1999 فيلم "المحارب الثالث عشر" بطولة أنطونيو بانديراس وعمر الشريف، عن رواية "أكلة الموتى.. مخطوط ابن فضلان عن خبرته بأهل الشمال في عام 922 ميلادية" تأليف الأميركي مايكل كرايتون.


كما كانت الرحلة موضوعا للمسلسل التليفزيوني السوري "سقف العالم" الذي كتبه حسن م يوسف وأخرجه نجدت إسماعيل أنزور عام 2007.


وأعاد شاكر لعيبي تحقيق الرحلة في كتاب "رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة"، وصدر عن دار السويدي "ارتياد الآفاق" في أبوظبي عام 2003 ويقع في 151 صفحة كبيرة القطع. وشدد في الندوة على أن التعامل العربي مع رحلة ابن فضلان دليل «كاف ومرير» على كيفية تفكير شريحة واسعة من المثقفين العرب، إما بنوع من الاستهانة والكسل أو بدافع حماس أيديولوجي، ضاربا المثل بكتاب "سفير عربي في إسكندنافيا منذ 1000 عام" للمغربي أحمد عبد السلام البقالي الذي «يرى أن ما قام به كرايتون (في روايته الخيالية) هو الرحلة عينها»، كما صدر في السويد كتاب "رحلة ابن فضلان. دراسة وتعليق وترجمة" العراقي سهر العامري الذي قال إنه ظل سنوات يبحث عن كل حرف يخص الرحلة «وقد تيقنت فيما بعد أن العرب لم يكتبوا إلا شيئا نزرا مقارنة بما كتبه الأوروبيون عنها». كما أخذ على الناقد العراقي «الفاضل» عبدالله إبراهيم قوله «بتعليقات واثقة عن الروح السردية والآخر.. انطلاقا من رواية كرايتون-غيبة التي اعتبرها نصا تاريخيا صحيحا»، على عكس ما أصبح مستقرا بخصوص التعامل مع رواية كرايتون كنص روائي خيالي لا علاقة له بالرحلة الفعلية لابن فضلان.


وفي رأي شاكر أن مسلسل "سقف العالم" «تتويج ذلك الخليط الذي أطلقه غيبة والبقالي المدعوم برواية كرايتون... هنا (في المسلسل السوري) تستعاد من جديد دون تمحيص الخرافة».


تتاري في اليابان



من القضايا اللافتة أيضا العلاقة التي لم تكتمل بين اليابان والعالمين العربي والإسلامي، وهو ما طرحه عبدالرحيم بنحادة، في بحث بدأ بمصادفة، حين كان يعمل بجامعة يابانية، قادته إلى مقبرة في طوكيو، اكتشف أنها للرحالة عبدالرشيد إبراهيم، وهو من أصول سيبيرية، وقد ولد في منتصف القرن التاسع عشر بمدينة طارا لأسرة وفدت من بخارى، ونادي مثل جمال الدين الأفغاني بأن يكون الشرق للشرقيين، وسجل رحلته لدول آسيا الشرقية في بدايات القرن العشرين تحت عنوان "عالم الإسلام"، ثم اشتهرت الرحلة باسم "تتاري في اليابان" وهو عنوان الترجمة الفرنسية للرحلة. وكان الرجل كثير الترحال إلى مدن وبلدان كثيرة منها اسطنبول والصين ومصر وفلسطين وإيطاليا وفرنسا وألمانيا والنمسا وسنغافورة وهونج كونج والهند، ثم عاد إلى اليابان للمرة الثانية عام 1933، وظل بها إلى أن توفي عام 1944.


سجل عبدالرشيد أن بعض المسلمين رأوا في اليابانيين «مسلمين بالفطرة، لم يفطنوا بعد إلى سر القوة الخارقة، وذهب آخرون إلى القول بأن اليابانيين عليهم أن يعتنقوا الإسلام إذا ما أرادوا استثمار تقدمهم سياسيا». كان الرجل ممن اهتموا بأمر اليابانيين، وقد درس الفقه في المدينة المنورة، ثم عاد إلى روسيا عام 1885، وعمل بالتدريس، وكان يتقن التركية والعربية والفارسية والروسية، وسرعان ما أصبح ذا مكانة بارزة في المشهدين الثقافي والسياسي في روسيا، حيث شغل عام 1892 منصب رئيس المجلس الروسي لمسلمي روسيا، وهو أحد رموز التيار التجديدي، وقد وسجل رؤاه الإصلاحية في كتابه "عالم الإسلام". وبعد قيام الثورة البلشفية عام 1917، أقام في تركيا، ولكنه فوجئ بإلغاء الخلافة، وإعلان الجمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك، فأقام في قونية، إلى أن جاءته من الملحق العسكري للسفارة اليابانية دعوة بمثابة توجه استراتيجي جديد في علاقة اليابان بالعالم الإسلامي، عقب طرد اليابان من عصبة الأمم عام 1933.


روى الكاتب أن عبدالرشيد وصل عام 1933 إلى اليابان ـ التي زارها في العقد الأول من القرن العشرين ـ حيث استقبل استقبالا رسميا، ثم ركز جهوده على دعم العلاقات بين العالم الإسلامي واليابان، وتصحيح سوء فهم الإسلام في الأوساط اليابانية التي تستعمل الوساطة الأوروبية لمعرفة الإسلام، وتحقيقا لهذا الهدف وضع أول ترجمة للقرآن إلى اللغة اليابانية، كما كان يكتب مقالات في الصحف اليابانية، لتعريف اليابانيين بالدين الإسلامي والعالم الإسلامي، وهذا هو هدف كتابه "عالم الإسلام".


الرجل الذي كان موضع حفاوة اليابانيين، رأى أن «الدين الأنسب لليابانيين لا يمكن أن يكون سوى الإسلام، نظرا للتقارب بين الأخلاق اليابانية والأخلاق الإسلامية»، وأن اعتناق اليابانيين للإسلام من شأنه تعزيز النفوذ السياسي لليابان في الشرق الأقصى، كما كتب أيضا أن اليابانيين لم يبلغوا ما بلغوه إلا بتمسكهم بهويتهم واعتزازهم بثقافتهم الوطنية، ناقلا قول سكرتير البرلمان الياباني له: «لا أنتظر أي شيء من الغرب للشرق؛ فحياتنا نحن الشرقيين مرتبطة بالشرق والشرقيين، وبدون ضياع الوقت يجب أن نبذل قصارى جهدنا للتعارف على بعضنا البعض».


المغرب.. ماذا حدث؟!



تنتهي الندوة بتوصية بإقامة متحف وطني لتخليد ابن بطوطة، في مسقط رأسه (طنجة)، وسيتولى النحات السوري المقيم في إسبانيا عاصم الباشا نحت نصب تذكاري الرحالة المغربي.


ولكن جلسة عاصفة في بار بوسط الرباط كادت تتحول إلى مأساة!


لا يعطي المثقفون ولا المكتبات ولا الندوات ولا الفنادق صورة حقيقية عن بلد ما، إنما الشارع المرآة.


كنا نقيم في فندق "بلير" القريب من محطة السكك الحديدية بوسط العاصمة، وقد نزلت فيه ليلة واحدة عام 2006، مدعوا من المهرجان الدولي لسينما المرأة، وفي الصباح فتحت الباب، فاقتحم الغرفة سرب من النحل، لا يعرف أحد من أين جاء. ابتسمت المشرفة على العمال، وقالت إنه من أثر حلاوة المصريين. وفي اليوم نفسه، انتقل ضيوف المهرجان إلى فندق آخر. اختلف فندق بلير، وصار أفضل، ولكن المغرب هو الذي تغير كثيرا.


ففي مساء اليوم الأول، عدنا من المكتبة إلى الفندق سيرا على الأقدام، بصحبة أصدقاء مغاربة منهم عبدالرحيم مؤدن وشعيب حليفي وبوشعيب الساوري ومحمد رزوق، وتلقينا تحذيرا ألا نخرج من الفندق فرادى في الليل. وبعد العاشرة، خرجنا بصحبة مغاربة، وتجولنا في وسط المدينة، وكانت كل البارات مزدحمة، إلى أن وجدنا مكانا معقولا وأقل صخبا. من حسن حظ هذا البلد، وقد لاحظت هذا في زيارتين سابقتين لعدة مدن، من طنجة المطلة على جبل طارق إلى الدار البيضاء مرورا بالرباط، أن الجغرافيا أبعدته بحنو شديد، عن تأثيرات مد وهابي تورطت فيه مصر، وتمكن من استيطانها، ويكاد يغرقها، وكلما رفعت ساقا انغرست أخرى. أخذ المغرب من العقل الأوروبي نوره، وتمجيده للحرية الشخصية. ولكن الفقر لا يرحم، ويمكن أن يذهب بثمار هذه الحرية.


في طريق العودة إلى الفندق، كدنا نقع صيدا في أيدي لصوص، وسط العاصمة وتحت أضواء مصابيحها في شارع محمد الخامس. لم يكونوا لصوصا تماما، ملامحهم خالية من فُجر اللصوص وفجاجتهم، لكنهم يستأذنون بأدب سائلين عن شيء ما، قبل استدراجك وتهديدك، ومن الحكمة ألا تقاوم، إذ قيل إن اللص يكون تحت تأثير مخدر. يسهل تعويض المال، ومن المتسحيل تعويض العمر، أو استعادة الصحة لو حدث شجار أو مقاومة. أنقذنا من أيديهم الأصدقاء المغاربة، وسمعنا همسا وحوارا باللغة الدارجة التي لا نجيدها. كنا قد ابتعدنا، بما يسمح لنا بالعدو نحو الفندق، لو اضطررنا له!


انتهت الجلسة الختامية مساء الأحد، ثم خرجنا ليلا. كانت المحال مفتوحة الأبواب، لكن لكل منها بابا حديديا مغلقا، تتقاطع أعمدته، وفي وسطها ثغرة تسمح لك بمد يدك بالمال، وللبائع في الداخل بإخراج الأشياء. قال لي صديق مغربي: أرأيت كيف أصبح المغرب، غاب الأمان. هؤلاء معذورون، يخشون هجوم لصوص لا يرحمون، ولا يتورعون عن السرقة أو القتل لو اعترضهم أحد.


طه حسين.. ثم يأتي الأستاذ



حين دخلنا البار المتواضع المطل على وسط المدينة، ابتسم النادل، لم تكن ابتسامة آلية، لكنها مرحبة ودافئة؛ فملامحنا تدل على أننا ضيوف. بسرعة أعد لنا مائدة أمام سلم صاعد للطابق الأعلى، بجوار رجل في الستين، تتراص أمامه تسع زجاجات بيرة فارغة. كان نحيلا، أشعث، يرتدي ثيابا رثة، كأنه عائد من المصنع وآثر أن يستريح من الحر حتى تجف ثيابه. لم يبال أحدنا به: عاصم الباشا وعلي بدر وشاكر لعيبي، وسألني أحدهم عن قضية رجل الأعمال المصري هشام طلعت مصطفى والمطربة اللبنانية سوزان تميم، وقد صدر يوم سفري (21 مايو 2009) حكم بتحويل أوراق هشام إلى المفتى، لأخذ رأيه في إعدام المتهم، بعد أن ثبت للمحكمة أنه حرض على قتل المطربة المجهولة.


لم أنتبه للرجل، حين كنت أفسر لهم ألغاز قضية معقدة، تشابك فيها بيع النفوس وشراؤها بالمال والسلطة والنفوذ والشهرة والتدين الزائف وشهوة الاستحواذ. وامتد مسرح الأحداث من القاهرة إلى لبنان ومكة ولندن، ليسدل الستار في دبي. ويبدو أن الرجل الأشعث، الذي كان يعطينا ظهره، قد انتبه إلى كلامي، ثم مد عنقه إلى مائدتنا، غير مكتف باستراق الكلام، وأنا لا أراه، بل رأيت شاكر يشير إليه أن يبتعد، ويلزم مائدته.


نظرت إلى يميني، فوجدت الرجل هائجا مستأسدا، لا يرى عليه أثر الخمر!


أشار إلي، وقال لشاكر بلغة فصحى: «هذا مصري، عرفته من كلامه، أما أنت فلا». وسأله:


ـ «هل تستطيع أن تقول لي متى ولد طه حسين؟».


هز شاكر كتفيه لا مباليا، وقال ضائقا إنه لا يعرف. فقلت للرجل إن طه حسين ولد عام 1889، فابتهج صائحا: «ألم أقل لك إن هذا الشاب مصري؟»، فقلت مازحا إن طه حسين عمي!


كان يصب كلامه على مائدتنا بزاوية مائلة، ثم استدار إلينا بجسده كله. بدا كممثل مغمور ينتظر لحظة للانتقام، لم يكتشفه ولا يعترف به أحد، وحفظ أدوار إحدى المسرحيات، ولا يعطونه الفرصة، وحين علم بغياب البطل، قفز إلى خشبة المسرح، وواجه الجمهور ليقطع الطريق على المخرج فلا يستبعده.


قال الرجل بلسان عربي مبين: أنا أحب مصر، النيل، الأهرام، أم كلثوم، طه حسين. قامت بيني وبين أستاذي معركة لأنه شطب على مقدمة "حديث الأربعاء"، وقال إنها لا لزوم لها، فقلت له: لو علم العميد بأمرك، لشطبك أنت من التعليم، كيف تجرؤ على انتقاد ما سطره العميد. خضت معركة من أجل طه حسين، ثم يأتي الأستاذ ـ يعني شاكر لعيبي ـ ويقول لي ما شأنك بما تتحدثون عنه!


قلت له إن صديقنا فعل ما فعل بحسن نية، ظانا أن الأمر لا يعنيك، فما الذي يشغل مغربيا بقضية مثارة في مصر، ربما تعني لبنانيا يهمه مصير قتلة المطربة اللبنانية.


فانتفض كأنني أنتقص من مصريته، وقال لي بلسانه العربي، بعيدا عن اللهجة المغربية التي تجنبها طوال الجلسة: لعلك يا أستاذ لا تعلم أن ما يحدث في مصر يهمنا، والقضية التي تتكلم عنها عالمية، ألم تكن تتحدث عن هشام مصطفى والمطربة اللبنانية؟ كنت أتابعك كلامك باهتمام، وأنت تقص الحكاية المثارة في كل صحف العالم وكل وكالات الأنباء، فمصر كبيرة، هي أم كلثوم وعبدالوهاب النهر الخالد، ولن تنال أميركا من النهر الخالد، لأنه مصري، ثم يأتي الأستاذ ـ يعني شاكر ـ وينهرني، ويشير إلي بيده أن أبتعد عن طاولتكم!


ظللنا صامتين، وتصاعد القلق، فأصدقاؤنا المغاربة غادروا الرباط إلى مدنهم بعد انتهاء الندوة، ونحن وحدنا وسط خليط عجيب من البشر، ولا ينتبه إلينا أو ينقذنا أحد، وقد انفرد بنا رجل ظنناه نصف متسول، تمكن بصعوبة من تدبير ثمن زجاجات البيرة التسع، لكنه أفاق، وبدأ يعطينا دروسا في الأدب، ولا نجد وسيلة للخروج الآمن.


قت له: «ماذا يرضيك الآن يا أستاذ؟ صديقنا لم يقصد».


فسأله: «ألم تقصد؟» وكان شاكر ينظر بعيدا، فازداد ضيق الرجل، وتأكد له أنه مقصود بالإهانة والتجاهل. وقال لشاكر: انظر إلي يا أستاذ، أنت لم تقرأ طه حسين، ولا تعرف قدره، أما أنا فأحفظ له عبارات. هل تذكر قوله في (الأيام): «ما هكذا تؤكل اللقمة يا بني»؟ أما أنا فأذكر، وأعرف قدره، ولم أترك كتابا له إلا قرأته، وخضت معركة من أجل العميد طه حسين، ثم يأتي الأستاذ ـ يعني شاكر ـ ويهزأ بي، ويشير إلي بيده!


اعتذر إليه شاكر، ولم يقبل الاعتذار. كان الوقت يمضي ثقيلا، ولا تبدو نهاية لجلسة نشارك فيها بالاستماع مكرهين. وأنقذنا الرجل موجها سؤالا لشاكر عن دولة في أميركا اللاتينية تتشابه مع مصر في آثارها وأهرامها، فرد بسرعة: المكسيك.


ابتسم الرجل لأول مرة، وقال: «الآن مسحت المائدة»، وهم بالقيام، فتجاوبنا معه بنهوضنا السريع، وبلا اتفاق تسللنا، كأننا نجونا بأنفسنا، وعند الباب لمحناه يقبل شاكر، الذي لحقنا على بعد خطوات من باب البار.


في الفندق، كان ينتظرنا نوري الجراح ونجوان درويش وخالد النجار، بما هو ألذ من بيرة مسمومة بصحبة «مجنون مصر». امتد السمر حتى الشروق، على خلفية من أغنيات أم كلثوم وفيروز ونجاة. كنا مرهقين ومنتشين، ونحلق عاليا، فوق عالم عربي خال من الحدود والعسكر، وتلك حكاية أخرى.


سعد القرش - روائي مصري *

saadelkersh@hotmail.com
 

 


ميدل ايست اونلاين