خطاب
مفتوح إلى الموسيقار مارسيل خليفة: كيف تحكم بلا سماع؟ - خالد جبران
أنا ابنٌ لجيلٍ نشأ في شمال فلسطين المنكوبة، على عشق نزرٍ يسير من رموز مشرفة، كنتَ
أنتَ أحدَها. رموز أنارت معالمَ لطريقٍ، أفتخر اليوم بأني سَلكتُه. كنتُ وأبناء
جيلي، على هداكَ متيقنين أن «العاصفة وعدتنا بأقواس قزح»، سياسية، فكرية، اجتماعية،
وفنية. كيف لا، وقد علمتنا أن نبحث عن البديل؟ أن نتوخى الصدق والشجاعة؟ وأن نبتعد
عن الـ«مؤسسة المتعفنة»؟ أو هكذا فهمنا على الأقل من أغنيتك البديعة:«طوط عَ بيروت»،
يوم جاء التاريخ و«طعمانا كَفّ» هكذا قرأنا، يا أستاذنا، فناناً ثائراً على
الطائفية، والمحسوبيات، وهكذا عشقنا موسيقياً أعاد كرامة العود بالكلمة العميقة،
متحدياً بَلادَة «المؤسسة العَطِنَة»، سواء كانت تلك «متحفاً» للشعارات التاريخية
أو زعامة خائنة، أو حتى سوقاً موسيقية تجارية، مهما بلغت قوته. من هنا، ورفضاً
للفكر البائد وللتاريخ الذي يطعمنا كفوفاً، تضامن كل الفنانين والشرفاء في فلسطين -
وأنا منهم وعلى رؤوس الأشهاد قولا وعزفاً - مع موقفك العادل، أيام الحملة الدينية
الشعواء ضدك في لبنان، بعدها بدأت علاقتك الحميمة بالمعهد الموسيقي في فلسطين والذي
أصبح يجري سنوياً مسابقة موسيقية محترمة بإسمك. من لا يتشرف بوجود إسمٍ كاسمك على
مسابقة موسيقية في وطنه؟ لا بل مَن مِنَ الصناديق المانحة والأثرياء الداعمين
للثقافة في منطقتنا هذه، أو ما تبقى منها، لن يتهافت على شرف ورود اسمك بين محلفيه
ومحكميه، المؤتمنين على توزيع أمواله دعماً لما تيسر من فن حقيقي، في هذه الفترات
الحرجة؟ من أولى منك بقسمة وتوزيع «الأنخاب الجديدة وأقواس القزح»؟ مَن؟
من هنا لك أن تتخيل هول الصاعقة التي داهمتني حين اتضح أن لجنة محلفين أنت أحد
أعضائها، منحت «قوسَ القُزح» هذا العام لموسيقي من فلسطينيي 48، «موسوم» - لتفاعله
النشيط مع شتى المؤسسات الصهيوينة - بجائزة رئيس الحكومة أرييل شارون عام 2004، (ولا
حاجة هنا للتذكير بالظروف العصيبة التي اجتاحت فلسطين والمنطقة في ذاك العام بالذات)،
مروراً بورشة عمل تطبيعية عام 2008 برعاية «مؤسسة صندوق القدس» (الهادفة إلى ضم
القدس الشرقية نهائياً تحت العلم الإسرائيلي)، ولغاية مشروعه الـ «وليد» الجديد،
ألا وهو: إنشاء أوركسترا يهودية عربية، في ناصرة الجليل! مسقط رأسه. تخيل فظاعة
المفارقة؟ جائزة من أرييل شارون! وأخرى من مارسيل خليفة؟؟.
لا يعنيني كم يتشدق هذا الشخص، وغيره من الحائزين جوائز هذا العام، بصداقته العميقه
معك، فصداقاتكم هي أمور تخصك وتخصهم. لكن، أما كان لطبيعة هذا الـ «صديق» أن توضع
تحت مجهر التحكيم النزيه؟ كل هذه المعلومات ليست سرا، لا ولا هي من غيبيات الحياة،
بل يمكن الحصول عليها بسهولة من تصفح أولي في «غوغل». على ما أذكر من تجربتي
السابقة في التحكيم للصندوق العربي للثقافة، فالتقييم هناك يعتمد ثلاثة مركبات: 1-
خلفية المتقدم، 2- ملاءمة المشروع للسياق العام، ومركب ثالث سأذكره لاحقاً. خلفية
المتقدم والملاءمة للسياق العام في هذه البقعة من الأرض، لو كنتَ تذكرُها، تسترعي
منا انتباهاً، أو قُل: حساسيةً خاصة، بسبب الغزو الذي تتعرض له منطقتنا، عسكرياً،
اقتصادياً وثقافياً. هو غزوٌ ذو وجهين، منهما الصريح الوقح، ومنهما ذاك المبطن
الخبيث المتفشي كالسرطان فينا، إن على شكل مشاريع تطبيع موفورة المال والإعلام، وإن
على شكل مؤسسات غربية مانحة مغرضة، جاء الصندوق العربي عسى أن يقينا شَرَّها. فقل
لي بربك، أية خلفية مشرفة أبهرتك، وأية ملاءمة، ولأي سياق منحتَ تقديرك، لتقع في
مطب إلحاق اسمك باسم آرييل شارون؟ هل يعقل أن تكون قصدتَ تسديدَ طعنةٍ إلى خاصرة كل
من تبقى من شرفاء في فلسطين؟
هل لك الآن أن تصوب أنظاركَ إلى أَعْيُن من رفعوا بيارقَكَ عالياً، وأن تقول: «ما
زاغ البَصَرُ وما طَغَى»؟
لا واللّه! لستُ أراكَ قادراً، فقد زاغ البَصَرُ وطغى يا أستاذ. زاغَ منكَ، وطغى
علينا وعلى الصندوق والمانحين وما وهبوا.
التحكيم
ثم النقطة التي دفعتني إلى كتابة هذا العتاب قبيل انتحار كل ما تبقى في عقلي من
منطق قويم. هل يعقل فعلاً أن تكون قد أطلقت أحكامك على طلبات منح الموسيقى بدون أن
تستمع إلى العينات الموسيقية المرفقة؟ آه، لو تدري كم وددتُ تكذيب تلك الشائعة، ليس
لأجلك أنت فقط، بل لأجلي أنا، ولأجل ذَرّاتٍ تبقت في قلبي من إيمان بحتمية وجود
ضمير ما لدى البشر. لكن الواقع يرفض إلا أن يكون أليماً، فقد قام الصندوق العربي
بتاريخ 30 كانون الأول 2009، محاولاً تفنيد الادعاءات ضده، بتأكيد تلك المعلومة
العبثية، لا بل استفاض مبرراً:« إن هذا التوضيح ليس للتقليل من أهمية أن تستمع لجنة
التحكيم إلى العينات السمعية إن توفرت، لكنها بالضرورة ليست الأساس الذي يتم
التحكيم عليه»!! وأيضاً:
« لم يتلق الصندوق أي شكوى من اللجنة تفيد بعدم قدرتها على فتح الملفات باستثناء
المحكم مرسيل خليفة الذي بسبب سفره لم يتمكن من استلام العينات الموسيقية في الوقت
المناسب وقام بناء عليه بتقييم المشاريع بناء على الطلبات نفسها، كما ينبغي».
فعلاً؟ كما ينبغي، أين؟ بأي عرف وأي منطق؟ أنت وأنا موسيقيان، وكلانا يعلم علم
اليقين أن هذا التبرير المغرق في حذاقته الدبلوماسية، يستدعي البكاء من عينٍ والضحك
من قرينتها.
الضحك؟ لبراءة هذا التبرير من كل منطق ومبدأ موسيقي بسيط. أما البكاء؟ وأما البكاء
يا مارسيل فهو لرؤية صفوة العقول النظيفة فعلاً في منطقتنا، وهي تغالط نفسها وتحرج
أصحابها في محاولات يائسة لتنظيف اسمك.
كيف يمكنني، بل كيف يمكنك أنت، استيعاب فكرة أخرى، أن أحد زملائك المحلفين أعلن
مدافعاً عن نفسه، بعد اتهامكم بالتحكيم السقيم، أنه «كان قد استلم بالبريد
الالكتروني نماذجَ موسيقية معطوبة، لذا لم تَتَسَنَّ له فرصة الاستماع قبل التحكيم!»؟
على فكرة، زميلك هذا لم يكن على دراية بمن هما زميلاه المحلفان الآخران في لجنة
مكونة من ثلاثة محلفين. أقول كيف يتم هذا وأنت موجود، سواء ككبير المحلفين أو كعضو
عادي؟
دعنا نلخص ما حصل، بناءً على رد الصندوق العربي للثقافة والفنون: أ) أنت لم تسمع
أية عينة موسيقية ولم تُخْفِ ذلك. ب) زميلك، لظروف خاصة به، لم تتسن له فرصة
الاستماع لعينات موسيقية هو الآخر لكنه لم يرَ ما يدفعه ليشكو من ذلك. بقي زميل
ثالث، والله وحده يعلم أية ظروف قاهرة ألَمَّت به وأملت عليه مبادئ تحكيمه. جـ) من
الناحية الأخرى يعلمنا الصندوق أن الاستماع إلى عينات موسيقية هو ليس الأساس الذي
يتم بحسبه منح دعم لانتاجات موسيقية! بل إنها الطلبات نفسها. الآن سأذكر المركب
الثالث الذي يعتمد عليه التقييم الصحيح بحسب معايير الصندوق العربي للثقافة والفنون،
ألا وهو: 3- إبداعية المشروع المطلوب دعمه.
إن تقييم الطاقة الإبداعية لمشروع موسيقي، كما تَعلَم ويَعلَم كل من يمت بصلة ما
لفن الموسيقى، يستحيل أن يتم دون الاستماع إلى عينات موسيقية، إلا إذا تمتع المحكم
بنعمة النبوءة والبصيرة الإلهية. هنا سأستميحك عذراً إذ لن يسعني إلا أن أستغيث بك
يا معلمي الأول صارخاً، وبالعامية: شو اللي صابكو؟؟ أية معايير اعتمدتم؟ هل حددتم
إعطاء الجائزة أو حجبها بناءً على الصورة الشمسية للمتقدم مثلاً؟ وهي فعلاً من
متطلبات الطلب الأساسية، أو لربما بحسب الجرس الموسيقي لإسمه الثلاثي؟ أو الرباعي؟
ماذا يسعني أن أقول الآن سوى:«إن هي إلا أسماءٌ سميتموها أنتم ورفقاؤكم، ما أنزل
العدلُ بها من ميزان».
أنا أصدق كلام إدارة الصندوق حين تقول إن المحكم مرسيل خليفة «أرسل توصياته للصندوق
مع توضيح وتشديد على أنه لم يستمع للأعمال السابقة لأصحاب الطلبات الذين يمتلكون
أعمالاً سابقة».
هكذا سيدي؟ لم ترهق نفسك بأعمال سابقة ولا لاحقة إذاً؟ أي أنك «اشتريت دماغك»
وأرسلتَ قائمةً تحمل أسماءً خمسة، تقتصر على خاصتك وحوارييك فقط. منهم أعَزِّ
أصدقائك. منهم من يشاركك حميمية العزف في أعمالك، ومنهم مَنْ يَنتَظِر؟.
التحكيم يعتمد مصداقية المحلفين وأمانتهم، والمحلف بحكم تعريفه، هو من أقسم بشرفه
أن يبذل الجهدَ كلَّ الجُهد، وأن يتوخى الصِّدقَ كلَّ الصدق، والموضوعية الخالصة في
تقييمه. ناهيك بتصريحه المقرون بالقسم، حول انعدام أية علاقة شخصية، أو حميمية
صداقة أو قربى زمالة، أو مصلحة متبادلة من أي نوع كان، مع أي من أصحاب الطلبات
المنظور فيها. بناءً عليه، فإن تحكيمكم المُبتَدَع، سيدي، يُسْقِط نهائياً أية قيمة
تذكر عن الطلبات الرابحة، بتمام قدر ظلمه للطلبات التي رُفِضَت زوراً وبهتاناً.
أليس كذلك؟
فهل ترضى لي أن أعيش مع الفكرة أنك قد قَتَلتَ اثنين وثلاثين حلماً موسيقياً؟ هل لك
أن تعيش مع هكذا فكرة؟ ومن ثم ستمضي لتمشي «منتصب القامة»؟ ما أقوى قلبك يا رجل!
قبل أيام شاهدت حديثاً لك على قناة «الجزيرة» عن مشاركتك في مهرجان أميركي ما.
أعترف على الملأ بأني أُعجبت بقدرتك على التسامي فوق كل الضغائن والمجازر الأميركية
الصنع، لتقنع الأميركيين الـ«أحباء بأننا لسنا شعبا يعيش في الصحراء مع الجِمال!»
بحسب تعبيرك. أعترف بأني لا أتمتع بقدرتك هذه على التسامي، لذا كنتُ قد اعتذرتُ عن
المشاركة في نفس ذاك المهرجان المِفْصَلِيِّ الرائع. لكنني أسألك بالله والأمانة:
كيف وجدتَ في روحك مثل هذا التسامي الهائل، لتقنع الأميركيين بنظافتنا من رائحة
الجمال وبراءتنا من غبار الصحاري، ولم تجد ولو ذرةً منه في قلبك، تجعلك تبذل جهد
الاستماع إلى النماذج الصوتية للموسيقيين المتقدمين، كيف؟
أعترف بأني على وشك إنهاء كلامي هذا ومرارةٌ في نفسي. إذ لن يتاح لي أن ألومك أنت،
على رفض طلبٍ يتعلق بي، ولو بشكل غير مباشر، فذاك الطلب يتبع، لسوء حظي، لفئة البحث
الموسيقي المتخصص، وهو منحى بعيدٌ جداً عن اهتمامك مع زملائك المذكورين وعن مجال
اختصاصكم. وأيضاً لن تتسنى لي فرصة ملامتك لحصول ابنك على جائزة تمويل جولاته
الموسيقية من نفس الصندوق. لا، لن أتمتع بتكرير الهتاف:«تلكَ قِسْمَةٌ ضِيزَى»!
لأني أعلم أن طلبه هو أيضا يتبع لفئة أخرى غير فئة الموسيقى، وعليه فلستَ أنت شخصياً
من باشر ومنحه الجائزة، بل قام آخرون بفعل ذلك، ربما من قبيل محاباتك؟ هنيئاً لك!
أعلم بأنك ستنكر خطابي هذا جملةً وتفصيلا، وسترفضه شرعاً واصطلاحاً، تماماً كما
التَفَفْتَ سابقاً وتنكرتَ بسهولة لادعائك الأصلي المستهجن، بأن المرحوم محمود
درويش كان قد أوصى قبل وفاته بقصر تلحين أشعاره عليك. ما يهمني من تلك القضية
المحرجة هو بيتٌ واحدٌ من شعر شاعرنا الراحل، ربما يكون معناه قد فاتَكَ:
... اللّه، جَرَّبْناكَ جَرَّبْناكْ،
من أعطاكَ هذا اللُّغزَ، من سَمّاكْ؟
من أعلاكَ فوق جراحنا لنراكْ؟
ما أشقَّ علينا أن نرى رمزاً آخر من رموز «ثورتنا» يتهاوى من ارتفاعه الشاهق!
سيدي، أأتمنى لك عاماً سعيداً؟
(مدير مركز الأرموي لموسيقى المشرق، فلسطين)
*****************************************************************************************
رداً على خالد جبران - ليس هذا مرسيل خليفة
- عبد الاله بلقيز
كانت العربُ، في ما تقول الروايات، تصنع آلهتها من التمر وتعبدها. فإن جاعت ـ وكان
ذلك يحصل في سنوات القحط والجدب ـ تأكلها. وهي تكاد اليوم لا تفعل مع رموزها غير
ذلك. ترتفع قامات في الوجدان العربي وتسمق ويمتد سلطانها في النفوس ما شاءت لها
الظروف أن تمتد. حتى إذا خِلتها بلغت من العلياء حدّاً، أتى من يهبط بها تحتا وكأنه
ما أعلاها أمس طائعاً مختارا! وليست الرموز أوثاناً في ما نحسب حتى يُحمل قولنا في
تحطيمها على وجه الاسترابة، وإنما نُدركها بما هي حاجات تصنعها الثقافة الجمعية. إذ
ما مِن مجتمع في التاريخ ـ ماضيا وحاضرا ـ يخلو من رموز على ما تعلّمنا
الانثروبولوجيا السياسية وعلم النفس الاجتماعي. حتى أنها في بعض المجتمعات تقوم من
تمثلاتها الجماعية مقام الديناميات العميقة التي تولّدها.
ولقد ألف البعض منا عادة تحطيم الرموز واستمرأها لا لمنزع نقدي لديه يأبى على
الواقعي أن يتأسطر، وإنما لِما يجلب عليه ذلك التحطيم من عائدات مجزية أو هكذا الظن
به يذهب. إذاً لما كان للرمز حرمة في مجتمعاتنا ـ دينيا كان أو سياسيا أو ثقافيا ـ
وكانت الناس تكلف به أشد الكلف، فقد يميل الغمر من الناس إلى النيل منها سبيلا إلى
استدرار انتباه إليهم يخرجهم من حال الشعور بالمغمورية والهامشية. ولست هنا في معرض
التماس تفسير سيكولوجي لهذه «النازلة»، لكني إخال فعل التدمير هذا عبثي النتيجة على
صاحبه الذي يأتيه. إذ لا «رمز» ينشأ من تحطيم رمز «سابق» ولا أحد يجب ما قبله، وإن
سعى أحد في «النجومية» من هذا الباب، فقد ذهل عن السبيل الأقوم وأقفل في وجهه طريق
المستقبل: ذلك أن القاعدة الذهبية في مثل هذه الحال أن الذين يبنون ليسوا كالذين
يهدمون، وليس مَن يملك إزميلا كَمَن يملك معولا.
فلسطين
لهذا القول مناسبة تستدعيه. والمناسبة هي ما قرأته للسيد خالد جبران في جريدة «السفير»
(عدد السبت 16/1/2010) قدحا وذمّا في الفنان مرسيل خليفة وتشهيرا به! أعرف مرسيل
خليفة ولا أعرف الذي هاجمه. وكان يمكن أن لا أعرف مرسيل خليفة شخصيا، وأن أكتفي
بمعرفته العامة أسوة بملايين الناس الذين يعرفونه من فنه: موسيقيا كبيرا وفنانا
ملتزما. وكان يكفيني ذلك ـ مثلما يكفي غيري ـ كي أعلم من أي معدن نفيس هو. لكن مما
أفاء به حظي عليّ أنني عرفته منذ ما يزيد عن عشرين عاما، واتصلت بيننا العلاقة من
دون انقطاع. وبت لذلك السبب ـ أو هكذا أدعي ـ أملك أن أقيس المسافة بين مرسيل
الفنان ومرسيل الإنسان، بين الذي تلتقيه الجموع في الملاعب والميادين والصالات
والذي تصحبه أنت في بعض تفاصيل الحياة اليومية وتقف على الشخصي فيه. بين الذي يعلنه
للناس والذي يمارسه في الحياة. ولي أن أقول إني ما أبصرت فجوة بين الرجلين، فهما
واحد حتى لا أقول إن الخاص والشخصي فيه أغنى من العام وأبعد مدى. والحاصل أن الذي
تحدث عنه السيد خالد جبران في مقاله شخص لا أعرفه، وقطعا لا يعرفه غيري من ملايين
العرب، شخص متخيل على مقاس مَن تخيله، مصنوع من مادة هلامية غير قابلة للتعيين!
ليست أخلاق مرسيل خليفة تلك التي أتى عليها صاحب المقال بالنقد والتشهير. إنها (أخلاق)
مصممة تسلفا لتتناسب مع تشهير أعد قبلا. فمن ذا الذي يملك أن يُجاري المدعي فيصدق
دعواه، ويصدق فيها أن مرسيل خليفة كيدي او مُجحف أو منحاز حين يحكّم رأيه الموسيقي
في مشاريع معروضة على التحكيم العلمي؟ ولماذا يكيد مرسيل لمن لا يعرفه فيجحف بحقه؟!
وأية مصلحة شخصية او عامة يتحصلها من ترجيح زيد على عمرو وهو لا يعرفهما؟ ثم لماذا
عليه أن ينحاز إلى فلسطيني ضد آخر في مسابقة مشاريع موسيقية وهو الذي لا ينحاز إلا
إلى فلسطين؟!
وأخيرا، مَن أدرى مرسيل خليفة وغيره من أعضاء لجنة التحكيم الموسيقية أن صاحب العرض
الموسيقي الفائز على علاقة مشبوهة بالمؤسسة الصهيونية؟ ناهيك بأن من المشروع أن
يتساءل المرء كيف للمرشح المحتج أن يرتضي لنفسه المشاركة في منافسة مشاريع موسيقية
مع مرشح مشبوه إذا كان وجدانه زاخرا بكل هذه الوطنية التي يعلنها احتجاجه؟!
منافسة
لا يحتاج مرسيل خليفة إلى شهادة أحد منا على عمق وصدق صلته بقضية فلسطين ونضال
شعبها، فعطاؤه الفني يشهد بذلك منذ ما يزيد عن ثلث قرن. ويشهد على ذلك ـ بالدرجة
نفسها ـ تخصيصه ريع العشرات من حفلاته الغنائية والموسيقية في العالم لفائدة مشاريع
مدنية وإنسانية في فلسطين وفي مناطق الانتشار الفلسطيني. وهو ما لم يفعله أحد غيره
ممن أعرضوا عن قضيتها في انتاجهم الفني او أتوا على ذكرها بالاسم في مناسبات معلومة!
ثم ان مرسيل لا يحتاج ـ قطعا ـ إلى من يشكك في صلته تلك بالقضية حتى يدافع عن نفسه
او يؤدي في الاتهام دور الظنين المشتبه فيه. ذلك ان المدعي، في مثل هذه الحال، لا
يعدو أمره ان يكون على أحد وجهين: إما جاهل بأمر تلك الصلة، أو عارف بها ولكنه
يعتمد الإساءة لمرسيل خليفة. ولما كان كاتب المقال غير جاهل بتلك الصلة ـ مثلما هو
نفسه يعلن ـ فإني أخشى عليه من أن تكون الرغبة في الإساءة إلى هذا الرمز الثقافي
الكبير قد أخذته إلى الخروج عن طوره وكتابة ما كتبه من كلام مسيء في «السفير». أما
إن صدّق بأنه يستطيع بهذه الإساءة الجارحة وغير الحضارية أن يلوث سمعة مرسيل خليفة
او يخدش صورته او ينال من مكانته ورمزيته في وجدان ملايين العرب، فقد أخطأ إدارك
حدوده المتواضعة في تخليق المستحيل من الممكن، حتى لا نقول انه سمح لنفسه بأن يتقمص
دورا نديا لا يعرفه عنه أحد!
ولست أخفي أني شعرت بالإهانة الشخصية وأنا أقرأ هذا «المقال»، وعجبت للجرأة كيف لها
أن تتجاوز حدود المألوف والمعهود. وحزّ في نفسي أن يأتيها فلسطيني بالذات تجاه رجل
كبير كان، وما زال، وسيظل، أعظم رمز ثقافي عربي لفلسطين بعد محمود درويش.
في مثل هذه الحال، يملك المرء ان يخاطب مرسيل بالعبارة الأثيرة على نفس الشهيد ياسر
عرفات: «يا جبل، ما يهزّك ريح».