04/02/2010 

شهادة صهيونية حول فشل التطبيع الثقافي مع مصر - عليان عليان


جاءت تصريحات السفير الصهيوني ، شالوم كوهين في مصر الأربعاء الماضي- وهو يحزم حقائبه للعودة الى تل أبيب بعد انتهاء عمله-، حول فشله وزملائه السابقين، في اختراق الجدار الثقافي للشعب المصري، وخلق الحد الأدنى من التطبيع الثقافي معه.

لتشكل شهادة من العدو الصهيوني نفسه، حول أصالة الشعب المصري، وعمق انتمائه العربي والاسلامي، وانه لم يرضخ لما تضمنته معاهدة كامب ديفيد، من نصوص بشان تغيير المنهاج التعليمي، الذي كان يعتبر الكيان الصهيوني عدواً ودخيلاً على المنطقة، ولم يرضخ للاتفاقات الثقافية، ومتطلباتها في انجاز التطبيع الثقافي، مع العدو الصهيوني، وكسر حاجز العداء الاستراتيجي معه.

السفير المذكور، اعتز بان صحيفة مصرية، وصفته بانه أخطر سفير اسرائيلي جاء الى القاهرة، بسبب محاولاته الدؤوبة لتطبيع العلاقات الثقافية بين البلدين، مشيراً بزهو الى انه حقق نجاحات كبيرة وغير مسبوقة، على صعيد تطوير العلاقات السياسية، مع الحكم في مصر.

لقد حقق التطبيع السياسي، بين مصر والكيان الصهيوني، تطوراً ملحوظاً، في عهد الرئيس السابق أنور السادات، في حين راوح بين مد وجزر، منذ تولي الرئيس مبارك مقاليد الحكم ، حيث تراجع بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 ، وإثر تمسك العدوالصهيوني بمنطقة طابا 1985، قبل ان يجري حسم قضيتها عبر التحكيم الدولي، ثم شهد مداً كبيراً، منذ مؤتمر مدريد عام 19991 وتوقيع اتفاقات اوسلو عام 1993، وظلت العلاقات السياسية مع العدو في حالة نماء وتطور، حتى اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، حيث تم تجميد العلاقات الدبلوماسية، من قبل الحكومة المصرية، تحت ضغط الرأي العام المصري، المتضامن مع الشعب الفلسطيني، لكن هذه العلاقة عادت الى سابق عهدها، من حيث الزيارات المتبادلة لمسؤولي الطرفين، حيث بلغت أوجها، عشية وغداة الحرب العدوانية الصهيونيه على قطاع غزة، وهي مرشحة للتطور اكثر،بعد ان شرع النظام المصري، ببناء الجدار الفولاذي، بتمويل أمريكي،لاحكام الحصار على القطاع.

أما بشان التطبيع الاقتصادي، بين مصر والكيان الصهيوني، فقد بدا بخطوات ضعيفة، في مرحلة الثمانينات من القرن الماضي، وتورط فيه لاحقاً كبار رجال الاعمال، في سياق تطبيع "البزنس" بعد أن انضموا للحزب الوطني الحاكم، في حين تلكأت بقايا البرجوازية الوطنية، في الانضام الى ركب التطبيع، لسببين هما (أولاً): ان التعامل الاقتصادي مع الكيان الصهيوني، صب في مصلحة هذا الكيان ، الذي استثمر العلاقات التجارية لأغراض استخبارية،

( وثانياً) ان هذه الشريحة الاجتماعية، رفضت في البداية المعادلة، التي طرحها الكيان الصهيوني في الممارسة، في ان تلعب مصر دور السوق للمنتج الصهيوني، على النحو السائد في معادلة التقسيم الدولي للعمل، بين الشمال والجنوب، ناهيك ان هذه الشريحة، لم تبرح موقفها المعادي للكيان الصهيوني، وتختلف في موقفها، عن فئات السماسرة والكومبرادور والليبراليين الجدد،التي تهلل للانفتاح على (اسرائيل)، والغرب ولتصفية القطاع العام وللخصخصة.

لكن شريحة بقايا البرجوازية الوطنية، لم تتمكن من الصمود، بعد ان رضخ النظام المصري كلياً، لمتطلبات الاجندة الامريكية، بتوقيعه اتفاقية " الكويز" عام 2004 لاقامةالمدن الصناعية المؤهلة، التي تشترط دخول (8) في المائة، من المواد الخام الاسرائلية، في منتجات هذه المدن" المنسوجات والألبسة"،مقابل اعفاء هذه المنتجات التي سيجري تصديرها للولايات المتحدة من الرسوم والجمارك.

لقد عبر الشعب المصري، من خلال نقاباته واحزابه الوطنية، عن رفضه لهذه الاتفاقية،لسببين هما

( اولاً): أنها تمثل قمة التطبيع الاقتصادي، بعد ان راوح هذا التطبيع في حدود أرقام هزيلة للتبادل التجاري بين مصر والكيان الصهيوني، حيث لم يتجاوز حجم المبادلات التجارية بين الكيان الصهيوني ومصر عام( 2004) 25 مليون دولار.

(وثانياً): لان هذه الاتفاقية، واتفاقية التجارة الحرة التي تسعى الحكومة المصرية لتوقيعها مع الولايات المتحدة، تشكل تراجعاً ملموساً وصريحاً، عن " السوق العربية المشتركة"، وعن مقولة" التكامل الاقتصادي العربي"، لصالح الاندماج في الاتفاقات الصهيو-امريكية.

وامعاناً في رفع وتيرة التطبيع الاقتصادي، مع الكيان الصهيوني جاءت اتفاقية بيع الغاز معه، عام 2005 ولمدة 20 عاما بضمان حكومي، وبسعر سياسي يقل بكثير عن الأسعار العالمية، وذلك بالضد من رغبة الشعب المصري، وتجاهل تام لقرار القضاء المصري، الذي قضى ببطلان الاتفاقية.

ما يجب الاشارة اليه، وباعتزاز ان الجبهة الثقافية المصرية، ظلت عصية حتى الآن على التطبيع، وذلك راجع لعاملين رئيسيين هما : (اولاً): الحس الديني المرتفع لدى الشعب المصري والتراث الممتد على مداراكثر من 1400 عام، الذي يعتبر التطبيع مع المعتدين اليهود، ومع الكيان الصهيوني من المحرمات.

(وثانياً): الحس القومي المرتفع، والذي تبلور بشكل كبير، في مناخ ثورة 23 تموز – يوليو 1952، ودخول الشعب المصري في معمعان المواجهة مع العدو الصهيوني، حيث قدم الشعب المصري آلاف الشهداء، في تصديه للعدوان الثلاثي عام 1956، وفي حرب 1967 ، وفي حرب تشرين 1973 .

لقد صرح قادة العدو في أعقاب توقيع اتفاقات كامب ديفيد وغيرها من المعاهدات والاتفاقات " بان تحقيق التطبيع الثقافي مع الشعوب العربية أهم من أية ترتيبات سياسية، او عسكرية او اقتصادية"، وأطلق منظرو العدو قولتهم المشهورة" علينا ان ننزع العداء (لاسرائيل) من عقول ووعي العرب، قبل نزع السلاح من أيديهم ".
ما ذكره السفير الصهيوني، حول فشل (اسرائيل) في اختراق الجبهة الثقافية المصرية، وسام على صدر الشعب المصري البطل، الذي يقف بصلابة وايمان، مع قضايا أمته، وفي المقدمة منها، دعم نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، ورفضه لدور نظام الحكم، في احكام الحصار على قطاع غزة، عبر بناء الجدار الفولاذي، على حدود مصر مع فلسطين تنفيذاً لاملاءات أمريكية.

elayyan_@yahoo.com   

كاتب فسطيني