17/02/2010
في حي جبل الحسين بمدينة عمان ، وحيث أسكن ، وفي محيط لا يتجاوز مئات الأمتار ، أمر أثناء غدوي ورواحي بعدة شقق ومنازل ترتفع فوقها أعلام وطنية ، وتعلق على واجهاتها لوافت تحمل أسماء جذابة لمن يتمعن فيها ، ويكلف نفسه عناء قراءتها ، وإن كنت أجزم واثقا ، أنني ما لمحت في يوم من الأيام شخصا يقف بباب واحدة منها ، ولا ضبطت مرة كائنا يدخل أو يخرج من إحداها ، أو يرمق واحدة منها بنظرة ، ولو من باب الفضول أو حب الاستطلاع ، رغم أنني أسكن في هذا الحي منذ سنين عديدة .
هذه اللوافت ومثيلاتها تحمل أسماء كبيرة محفورة في ذاكرتي وذاكرة أبناء جيلي ، إلا أنها لا تعني شيئا لأبناء الجيل الحاضر .
من عناوين هذه اللافتات ( حزب الشعب الديمقراطي - حشد- ) ( حزب الوحدة الشعبية)( الحركة القومية العربية )( الحركة القومية الشعبية الديمقراطية - البديل- )
ذات يوم فاجأني ابني ، الطالب الجامعي الذي أوشك على التخرج بسؤال عن هذه البيوت :
- ما حكاية هذه الشقق التي تحمل هذه العناوين ، بينما لا نرى أحدا يسكنها أو يدخلها إلا نادرا ؟
- حسنا أن قلت نادرا ، وهذا يعني أنك قد ضبطت أحدا يدخلها .
- مرة أو مرتين في السنة ، صدف أن شاهدت في بهو إحداها مجموعة من الرجال ، الذين توحي هيئاتهم بأنهم ليسوا من هذا الزمان ، بل ربما نسوا هناك منذ زمن بعيد ، يثرثرون بكلام غير مفهوم ، وبصوت عال يلفت انتباه الجيران والمارة .
حقا ، ماذا يفعل هؤلاء في هذه الشقق الخالية والخاوية طيلة العام ؟
لماذا لا يؤجرونها مفروشة ؟ فهي مناسبة وفي حي راق ، وستلاقي رواجا كبيرا وسعرا مناسبا لو فعلوا .
- هذا فقط ما تفكر فيه ، فكيف بك لو كنت تسكن في جبل ( اللويبدة ) ؟
إذن لوجدت نصف شققه ومنازله على هذه الهيئة .
- وما الهدف منها فعلا ؟ وماذا تقدم للمجتمع ؟
- يا ولدي تلك حكاية مؤلمة يطول شرحها لك ، وأنت الطالب الموشك على التخرج في الجامعة ، لأن لكل زمان دولة ورجال .
فأنا وأبناء جيلي ، يوم كنا أصغر منك سنا ، و طلابا في المرحلة الإعدادية ، وفي سن تتراوح بين الثانية عشرة والخامسة عشرة ، في منتصف الخمسينات من القرن الماضي ، وفي قرى نائية لا ماء فيها ولا كهرباء ، ولا تربطها بالمدن ولا بالعالم طرق معبدة ، ولا وسائل اتصالات مما تعهدون هذه الأيام ، كنا في معظمنا أعضاء مناصرين لمثل هذه الأحزاب ، وكان مدرسونا القرويون حملة شهادة المترك وما دونها ، ينتمون لهذه الأحزاب ، وكنا نعرف كل واحد منهم بانتمائه الحزبي : الشيوعي والبعثي والتحريري والإخواني ، وكنا نتحزب لهم ونسير على نهجهم .
لقد كانت أمهاتنا وأخواتنا الفلاحات الأميات ، يرددن في أغاني الأفراح والأعراس في قرى سلفيت وديراستيا وارتاح وغيرها :
عاش الحزب الشيوعي يا يُمّا عاش على راسه المناضل خالد بكداش
كنا نعتقد يومها أننا سنغير الدنيا ، ونحن نخطو خطواتنا الأولى على طريق الاستقلال ، الذي نالته معظم دولنا العربية بعد الحرب العالمية الثانية ، وقليل منها قبل ذلك .
فإذا كانت الأحزاب الوطنية قد قادت النضال الوطني ضد الاستعمار، من قلب الوطن العربي في مصر بزعامة سعد زغلول باشا ، امتدادا إلى جناحي الوطن : غربه و شرقه ، من حزب الاستقلال في المغرب بزعامة علال الفاسي ، إلى الحزب الحر الدستوري في تونس بزعامة الحبيب بو رقيبة ، إلى حزب الشعب في سوريا بزعامة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ، إلى الحزب الوطني الديمقراطي في العراق بزعامة كامل الجادرجي ، إلى غير ذلك من الأحزاب والحركات الوطنية .
إذا كان أؤلئك قد جابهوا المستعمر و صنعوا الاستقلال ، فهل نقبل نحن بأقل من صنع الوحدة العربية وتحرير فلسطين ؟
تلك هي الآمال العِراض التي حملتنا إليها أحزاب ذلك الزمان على أجنحتها الزاهية ، فانتمينا لها وناضلنا طويلا في صفوفها ، وآل مآلنا إلى شهيد وشريد ومعتقل ، يمضي نصف عمره في المعتقلات الصحراوية ولا يقول كلمة:
- ( أعلن براءتي أو أستنكر )
- وماذا حدث بعد ذلك ؟
- عندما أنظر اليوم عن بعد إلى تلك النضالات ، وإلى ما آلت إليه أحوال رفاق الأمس ، أجدها وقد تمثلت في حالات أربع :
أما أولاها فأحزاب زعمت أنها ناضلت عندما ركبت موجة العسكر ، وسطت على السلطة في انقلابات عسكرية دموية ، في ليلة ليس فيها ضوء قمر ، ولم تترو حتى تتجذر شعبيتها ، فتصل إلى السلطة في انتخابات ديمقراطية تنافسية ، بل تعجلت القطاف ، فإذا هي قد قبضت على زمام الأمور ، وما هي إلا حفنة من العسكريين ، يشجعهم و يصفق لهم نخبة من الثوريين الوطنيين الذين لا جذور لهم ، ولا امتدادات شعبية من منظمات المجتمع المدني تسندهم وتشد أزرهم .
وحتى يتهربوا من هذا الوضع ، الذي يحرجهم أمام تنظيمات أكثر منهم عراقة وامتدادا في أوساط المجتمع ، لجؤوا إلى الإجراءات التعسفية بإلغاء كل من سواهم ، وابتدعوا مقولة الحزب القائد الذي لا شرعية لحزب سواه ، وساوموا الناس بين الحرمان من لقمة عيشهم ، أو الانخراط في صفوف الحزب القائد ، حتى غدا عدد المنتسبين لهذه الأحزاب أحيانا يفوق في إحصائياتهم عدد سكان البلاد .
ولأنهم في معظمهم كانوا من أبناء الريف ، فقد استقدموا معهم أبناء جلدتهم من الفلاحين ، وسهلوا لهم سبل الهجرة من الريف إلى المدينة ، بما توفره الوظائف العسكرية والأمنية والمخابراتية للجيوش الجرارة التي ابتدعوها ، ليمسكوا بخناق البلاد والعباد ، فإذا عواصمنا تتحول إلى قرى كبيرة بفعل الزحف الريفي ، عندما جاء العسكر بأهليهم وأقاربهم ليؤمنوا حماية لهم ، لأنهم موثوقون لديهم أكثر من أبناء المدن .
فاندثرت بذلك الطبقة الوسطى من المجتمع ، التي كانت حاضنة المثقفين والمناضلين والنقابيين والحزبيين ، وانقسم المجتمع إلى طبقتين اثنتين :
نخبة ثرية تلتف حول الضباط الحاكمين تحتمي بهم ، وتحافظ على مصالحها ومصالحهم ، وأغلبية مسحوقة بائسة لا تجد ملاذا سوى مؤسسات الجيش ووزارة الداخلية وأجهزة المخابرات ، التي يراقب أحدها الآخر ، إلى جانب جيوش غيرهم ممن هجروا قراهم ، وغصت بهم العواصم الحديثة ، فالتفوا حولها في مدن الصفيح والأحياء العشوائية ، يمتهنون المهن الهامشية ، فضاقت القاهرة بالملايين من أبناء الريف والصعيد ، وازدحمت دمشق بالزاحفين من حوران والجزيرة وجبال العلويين ، وامتلأت بغداد بالقادمين من أرياف الجنوب والشمال الذين تحلقوا حولها منتشرين في أحياء بائسة.
هذه العواصم التي تريّفت ، لم تعد مراكز إشعاع ثقافي أو حضاري أو سياسي أونضالي ، مثلما كانت في عهد الاستعمار وأوائل عهد الاستقلال .
ولم تعد أزياء الرجال والنساء التي تطالعك في شوارع العواصم هي الأزياء المدنية الحضرية ، التي ألفتها واعتادت عليها العين ، بل غدت أزياء النساء الريفيات والبدويات وعباءاتهن ، هي التي تملأ الشوارع والطرقات ، وصارت الدشاديش والعباءات والكوفيات الريفية والبدوية هي سمة شوارع عواصمنا ، واختفت البدلات الأنيقة وربطات العنق والطرابيش الحمراء ، لأبناء الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة من أبناء المدن .
واختزل الوطن كله في حزب واحد ، وكممت أفواه من سواه ، بل تم إخماد كل صوت آخر كان بالأمس شريكا وطنيا ، ورفيقا على درب النضال بأبشع أشكال القمع والتنكيل .
وضاقت الدائرة أكثر ، فالتهم الحزب بنيه ، و صفى الضباط بعضهم بعضا ، فإذا الرفاق القدامى وتاريخهم النضالي يمرّغ في الوحل ، ويتعرضون للاغتيالات والتصفيات على أيدي رفاقهم ، لتستأثر عصبة من العسكريين بالكعكة كلها .
وتستحكم الحلقة أكثر فأكثر ، لتضيق فتصبح بحجم شخص واحد ، هو القائد الملهم والضرورة التاريخية ، وحوله جوقة من المطبلين والمنشدين ، يصيرونه إلها معبودا ، ومعه تظهر نظرية التسعات الخمس في كل انتخابات رآسية ، ولأجل عينيه تغير الدساتير في كل حين ، لتشرع جواز الترشح للرآسة مرة ثالثة ورابعة وأبدية ، ثم لتوريث الحكم لنسله الطاهر ، حتى لا تحرم الأمة من بركات هذه السلالة المباركة .
لكن أحدا لا يسأل أين تختفي كل هذه الجموع والحشود المُصوتة ، والمعدلة للدساتير والهاتفة بملء حناجرها ، عندما ينهار هذا النظام أحيانا ، لدى أول رصاصة رحمة تطلقها يد أجنبية أو داخلية ، ولماذا لا تهب للدفاع عن قائدها الملهم وضرورتها التاريخية ولا تعود تتذكره ؟
بل تمسحه من ذاكرتها على الفور ، مهيئة نفسها لاحتضان القادم الجديد .
أما الفئة الثانية فد ناضلت حتى تعبت ، في بلاد لم تساعدها فيها الظروف على الظفر بالسلطة ، بل استمرت معارضة ، والعجيب أنك تجدها وقد أدركت نصيبها من السلطة أيضا ، فتجد معظم من يتبؤون المناصب الوزارية ، والمراكز العليا في زماننا ، هم لمن يعرفهم ومن جايلهم من أبناء تلك الحقبة ، من الوجوه التي كانت سباقة ومجلية في صفوف النضال الحزبي في سنوات الخمسينات ، وهي الآن في مراكزها الجديدة ، لا لأن شعاراتها القديمة قد انتصرت ، ولا لأنها وصلت إلى مراكزها الجديدة بفضل نضالها الحزبي ، فقد مضى ذلك الزمان وعفت على شعاراته الأيام ، لكنها في مكانها بفضل مبادرتها السريعة لتغيير البندقية من كتف إلى كتف ، وبراعتها في التقاط الطعم الذي أرسلته إليها الأنظمة الحاكمة لتنضم إلى صفوفها ، وتلقي وراء ظهرها بكل شعاراتها السابقة ، وتقفز من مركبها الغارق ، إلى المركب العائم حيث مركز السلطة والجاه .
وليس أولئك بالنزر اليسير ، إنهم الغالبية من أبناء الطبقة الحاكمة ، قد غادروا مواقعهم القديمة ، وقفزوا إلى المواقع الجديدة ، متنكرين لكل الماضي القديم ، ولكل الشعارات التي بُحت حناجرهم وهم يهتفون بها ذات يوم .
و ما ذلك علينا بغريب ولا جديد ، فإن من يقلب صفحات تاريخنا القديم يجد فيها عجبا من مثل هذه المواقف . ففي أخبار سقوط الأندلس و خاصة غرناطة ، ما يضع العقل في الكف من مثل هذه المواقف ، التي يغير فيها أحدهم موقفه عندما تميل الكفة لصالح أعدائه ، وهم من غير جنسه أو دينه ، فمن يتأمل آخر أيام ( الزغل )
- عم أبي عبد الله الصغير – الذي كان واليا على مالقة ، والذي يعني لقبه حجر المعصرة ، كما كان يلقبه أنصاره العرب وخصومه الإسبان ، لشدة بأسه وفتكه بالإسبان ، والذي كان اسمه يثير الرعب والفزع في صفوفهم ، وكيف انقلب ذليلا
تابعا لفرديناند وإزابيلا عندما رأى مركبه يغرق .
وكيف تحول سيدي يحيى النيّار ، ذلك الفارس الذي كان مضرب المثل في منازلة الإسبان وإلحاق الهزائم بهم ، وكيف تعمّد وتحول إلى النصرانية وتسمى باسم نصراني ، وما حكاية اقتحامه لحصن روما الذي كان يمثل الخط الأمامي للدفاع عن غرناطة في خديعة لحاميتها ، عندما برز مع فرسانه من العرب المرتدين المتنصرين ، متنكرين في زي جهادي إسلامي ، يسوقون أمامهم الغنائم والأسرى من الإسبان ، حتى فتح الحصن لهم أبوابه ، فكشفوا عن أنفسهم وفتكوا بحاميته ، واستولوا عليه لصالح النصارى ، كأنه بذلك يكفر عن سيئاته السابقة ، التي قاتل بها أسياده الجدد في زمن مضى .
عندما تطالع ذلك تدرك أن بذرة الشوك القديمة لا تزال منغرسة في أعماقنا ، وأن التعلق بالمشيخة القبلية والزعامة الشخصية غاية تهون أمامها كل غاية ، ولوكانت على حساب التنكر للمباديء القديمة ، التي ناضل صاحبها من أجل بلوغها طويلا .
فيبرر التعامل والتطبيع مع العدو التاريخي ، ويسترضيه ويتودد إليه ويعتذر منه عن مواقف لفظية سابقة .
كل ذلك من أجل غاية يراها صاحبها تستحق كل هذا الانقلاب ، والنكوص عن تاريخه ومبادئه ، وما هي في حقيقتها سوى لحظة من المجد الوهمي ، الذي لا يستند إلى واقع حقيقي ، وسرعان ما يطاح به ليؤتى ببديل غيره .
أما الفئة الثالثة من مناضلي أيام زمان ، فهم هؤلاء الذين شاهدت بعضا منهم في أيام معدودات من السنة ، ووصفتهم في جلستهم وهو يتغنون بماضيهم العريق ، فهؤلاء لم يغنموا سلطة مطلقة مثل رفاقهم من الفئة الأولى ، ولا جاها مستعارا كالفئة الثانية ، فما وجدوا إلا تاريخا نضاليا يقلبون صفحاته ، ويستذكرون أياما كانوا فيها مسؤولين حزبيين ، ومناضلي نقابات و نزلاء سجون ، ولا يزالون ( على حطة يدك أو يدهم ) في المكان الذي تركوا فيه ، وتقطعت بهم فيه الأسباب منذ نصف قرن ونيف ، يعيدون نفس الشعارات ويجترون نفس الكلمات التي عفا عليها الزمن ، ليس هنا فقط بل في كل بلد عربي أنت واجد أمثالهم ، حالهم كحال التاجر إذا أفلس ، لا يجد إلا دفاتره القديمة يقلب صفحاتها .
يخوض حزبهم الانتخابات بعد نصف قرن من النضال ، فلا يفوز واحد منهم في المجلس النيابي ، أو تحدث معجزة فيفوز واحد منهم مصادفة بين مئة وخمسين نائبا ، بفعل دعم عشائرى أو مناطقي ، فينبري أمينهم العام الذي التصق بمقعده منذ نصف قرن لا يبرحه في اليوم التالي للانتخابات ، مطالبا بحكومة وحدة وطنية ، وبتشكيل جبهة وطنية عريضة وقيادة موحدة ، مثلما كان يطالب بذلك قبل خمسين سنة ، كأنه لم يدرك بعد أن الزمن قد تغير ، وأن الدنيا قد نسيته ونسيت حزبه وشعاراته ، وأن قوى جديدة وتيارات عريضة ، استنبتتها السلطة القائمة ، أو نبتت من تلقاء نفسها بفعل الظروف والمتغيرات الجديدة ، قد اكتسحت الانتخابات وفازت بالأغلبية ، وبدل أن يصارح شعبه بأنه بعد خمسين عاما من النضال ، لم يجد حوله من يوصل له نائبا واحدا للمجلس النيابي ، فلم يجد بدا من إعلان حل حزبه ، والاعتراف بتغير الولاءات والانتماءات والمفاهيم ، تجدهم يصرون على البقاء على الهيئة التي رأيتهم عليها ، وكأنهم خارج الزمان والمكان .
وفئة رابعة إما قضت نحبها في أقبية المخابرات أو السجون الصحراوية ، أو لعقت جراحها وصمتت ، وأطبقت أفواهها عن كل كلام مباح ، قبل أن يدركها الصباح الذي كان يدرك شهرزاد ، ولعل والدك يا بني واحد من هؤلاء .
ولذلك أنت واجد الناس في هذه الأيام لا يعيرون هذه الأحزاب و مكاتبها أدنى انتباه ، ولو سقتهم نحوها بالعصا .
فبعد أن كانت وشاية التعاطف مع حزب وليس الانتساب له ، أو الاجتماع السري مع شخص يتهم بلون فكري معين ، تودي بصاحبها إلى غياهب المعتقلات ، تحول الحال إلى أحزاب مشرعة الأبواب ليل نهار ، رافعة لوافت وأعلاما على قارعة الطريق ، تدعو الناس للوقوف ببابها ، فلا تجد ملتفتا لندائها .
بل إن الحكومة تتولى أمر رعايتها ودعمها بمبالغ مالية ، وربما أنشأت وزارة خاصة للإشراف عليها ، وحث الناس على الانتساب إليها ، وتنشيط الحياة الحزبية في البلاد فلا تجد آذانا صاغية ، وترى الناس ينفرون منها ويتجنبون الوقوف ببابها ، والالتفات ناحيتها بسبب الميراث الأليم الذي أورثتهم إياه أحزابهم القديمة .
فبدل أن توجههم إلى تنافس سياسي شريف ، وتبادل سلمي للسلطة يرونه ماثلا أمامهم ، تمارسه أمم شرقية مثلنا ، إذا لم نشأ أن نقارن أنفسنا مع الأمم الغربية .
يجدونه في الهند
وبنغلاديش وتركيا وأندونيسيا ، بل وفي جنوبي إفريقيا و نيجيريا والسنغال وغيرها
من أمم الأرض ، التي تقبل التبادل السلمي للسلطة ، ولا تلغي غيرها بمجرد السطو
علي السلطة أو الحلول فيها ، بينما أحالتهم أحزابهم القائدة إلى قطعان يسوقها
القائد الملهم ، ليسبحوا بحمده وليعبدوا شخصه ، فعلمتهم التوبة عن الانتساب
للأحزاب . فهم كما تراهم لا يقتربون من أبوابها ، ولو جررتهم إليها بالسلاسل ،
بعد أن أفاقوا من الحلم على الخيبة وليس على اليقظة .
صفحة الشاعر والقاص والروائي فيصل سليم التلاوي على صفحات غوغول :