
صيدا برس
يجد عصام الدوخي الذي يحمل شهادة جامعية في
ادارة الاعمال من جامعة بيروت العربية منذ العام 1975 حرجا أو خجلا في بيع
الصحف والمجلات عند قارعة الطريق في ساحة "الشهداء" في صيدا.. بل على العكس
يعتز حينا ويفتخر أحيانا بأنه قادر رغم كل الظروف المعيشية الصعبة التي عاشها
مرارة على تأمين قوت يومه وعائلته بعيدا عن البطالة وذل السؤال.
والدوخي الذي إحترف مهنة بيع الصحف اليومية والمجلات الاسبوعية أو الشهرية
وما بينهما منذ 16 عاما بات مشهورا في المدينة بطلته الضاحكة وإبتسامته
العريضة رغم كل ما يخفيه من معاناة وألم لما آل اليه وضعه وأنتهى به الحال.
يعيش الدوخي في منزل متواضع في حي "الزيب" في مخيم عين الحلوة ورثه عن والده
من بين خمسة اشقاء واربع شقيقات، متزوج وله ولدان علي (16 عاما) وفطوم (17
عاما)، بيد ان زوجته "أم علي" توفيت منذ 7 سنوات بعد مرض عضال اصابها ثلاث
سنوات ونيف واضطره خلالها ان يضع كل قرش ابيض وفره ليومه الاسودـ اي ما فوقه
وتحته من اجل علاجها لكن عبثا فزاد حظه العاثر سوءا.
يعمل الدوخي يوميا 12 ساعة يوزعها بين بيع الصحف والمجلات التي يقول عنها
انها "لم تعد تغني أو تسمن من جوع" وبين العمل على سيارة مرسيدس بالأجرة
ليستطيع سد رمق العائلة واحتياجاتها.
صباح كل يوم، يقف الدوخي عند مفرق ساحة "الشهداء" المؤدي الى ساحة "القدس"
الى جانب سيارته المرسيدس الحمراء التي ركنها قرب المدرسة الرسمية المجاورة
وقد ملأ صندوقها الخلفي بما تيسشر له من الصحف والمجلات وقد رفع البعض منها
كي يراه العابرون بوضوح بعدما أزال كشكا صغيرا نقالا وقبله "فان" كانا يشكلان
محطة معروفة له.
يروي الدوخي تاريخ حياته فيقول: "في العام 1975 تخرجت من جامعة بيروت العربية،
نلت شهادة في إدارة الاعمال بدرجة إمتياز وقد ساعدني ذلك في الحصول على عمل
في المملكة العربية السعودية حتى أصبحت مديرا في شركة مقاولات، الا أن الحظ
العاثر حرمني من أحلامي، بسبب عدم استطاعتي الحصول على إقامة عمل دائمة، فعدت
أدراجي الى لبنان بعد عام واحد فقط.
بيد ان الدوخي عاند شظف الحياة ولم يستسلم الى اليأس والاحباط، سارع الى
افتتاح مكتبة صغيرة لبيع الكتب والقرطاسية والصحف والمجلات في مخيم عين
الحلوة حيث يقطن بما جمعه من مال، الا أن الحظ عاكسه مرة أخرى، فوقع الاجتياح
الاسرائيلي للبنان عام 1982، دمرت الطائرات الحربية والدبابات المخيم ومعه
تناثرت مكتبته وتطايرت محتوياتها أشلاء، فتغير مجرى حياته بعدما زج به في
معتقل أنصار" مع الأف المعتقلين اللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء.
ويؤكد الدوخي لقد خرجت من المعتقل بعد 360 يوما لأبدأ مرحلة جديدة من الحياة
ولكن من الصفر، عملت بالزراعة ثم البناء حتى استقر بي الحال في العام 1999
بائعا للصحف من جديد ولكن دون مكتبة، إذ حملت حقيبتي ورحت أبيع الصحف
والمجلات في صيدا، فصادقت الكثير من الزبائن الى ان تمكنت من شراء سيارة "فان"
لأحمي نفسي وأحافظ على الصحف من الهواء والامطار في فصل الشتاء.. الا ان غلاء
البنزين وارتفاع كلفة التصليح ارغمني على بيعه للأشتري دراجة هوائية مزودة
بصندوق حديدي تجره ثلاث عجلات ثم بعته مجددا لأشتري سيارة مرسيدس كي اعمل
عليها بعد الظهر لان المهنة لم تعد تسد الرمق.
واوضح الدوخي ان سبب تراجع الاقبال على شراء الصحف والمجلات يعود الى الازمة
الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي يئن تحت وطأتها المواطن حيث بات يفضل شراء
شيء اكثر حاجة اليه، فضلا عن إنتشار "الانترنت" فتراجعت قراءة الصحف امام عصر
العولمة.
ويقف الدوخي على عصب قدميه يوميا نحو خمس ساعات متواصلة من السابعة صباحا حتى
الثانية عشرة ظهرا، يعرض صحفه ومجلاته في صندوق سيارته ويعلق بعضها في أعلاه
حتى بات مقصودا من بعض الزبائن وخاصة الموظفين ما يمكنه من جني 15 الف ليرة
لبنانية في اليوم الواحد، لكنها لا تكفي لكل احتياجات العائلة فيضطر للعمل
على السيارة سائقا بالاجرة من الثانية عشرة ظهرا حتى الخامس مساء ليجني
المزيد من المال ويومن كفاف العيش دون اي توفير أو مد يد العوز لاحد..
ويشير الدوخي أن هذه المهنة صعبة، تتطلب الصبر وتحمل العطش والحرارة والرطوبة
في الصيف والبرد والامطار في الشتاء وهي مهنة يومية لا عطل فيها حتى في عز
الأحداث، عطلتي مرتبطة بالصحافة، واليوم الذي أبيع فيه آكل فيه وغير ذلك فلا،
انها مهنة "قوت اليوم".
ويقرأ الدوخي الصحف اليومية وقد بات ملما بالاوضاع السياسية والاجتماعية التي
يلوك اخبارها بإنسياب وخاصة يوم الأحد حيث يكون الاقبال على الشراء قليلا،
فيتفرغ لممارسة القراءة التي بات هواية تسري في شرايينه كالدماء، مشيرا أن
تأزم الاوضاع السياسية في لبنان ينعكس ثغرة في الوضع الامني.. وكلاهما يؤثر
سلبا في الدورة الاقتصادية، فيسود الجمود والركود و"تذهب على الفقير".
ويدافع الدوخي عن الشباب الذين تحرمهم ظروفهم المعيشية من الانكباب على
القراءة وشراء الصحف، فيقول "إن الشعبين اللبناني والفلسطيني يحب المطالعة،
لكن الحالة الاقتصادية المزرية تمنع هؤلاء الشباب من دفع ولو ألف ليرة
لبنانية ثمن صحيفة، فعلى سبيل المثال لدي زبائن يدفعون ثمن الصحف والمجلات
اسبوعيا أو شهريا ولدى اخرين يرغبون بالشراء ولكنهم غير قادرين، فيأتون يوما
بعد آخر ويطلعون على الصحف سريعا وهم واقفين أمامي.
ويصب الدوخي جام غضبه على ضنك العيش في لبنان، يؤكد ان اللاجئين يعيشون حياة
مأساوية، هم محرومين من الحقوق الانسانية والاجتماعية والمدنية، هنا في لبنان
يحتاج الفلسطيني الى اجازة للعمل في اختصاصه ويكاد الحصول عليها مستحيلا رغم
كل الشعارات المرفوعة، وهناك في الخليج العربي فرص عمل كثيرة.. لكن الأمر
يحتاج الحصول على إقامة... وبين الاجازة والاقامة يترنح اللاجىء الفلسطيني
تحت وطأة البطالة والمعاناة التي لا تنهي فصولا سوداء يوميا.
ثم يضحك الدوخي ويردف قائلا "عمري 56 عاما لم يعد يسمح لي بالسفر والعمل،
أنتظر العودة الى فلسطين بفارغ الصبر، هذا الحلم يراودني كل يوم لأنه بالنسبة
لي والاف الفلسطينيين في لبنان النهاية الحقيقية لكل العذاب والمعاناة.
27-12-2009