شروط فشل المشروع الصهيوني من منظور واضعيه

 د. أنيس مصطفي القاسم

19/03/2008

ما ضاع حق وراءه مُطالِب. قد تطول المطالبة وقد يتكبد المُطالِبُ المشاق، وتواجهه الصعوبات، وقد تكون المطالبة باهظة التكاليف، ولكن الحق سيعود إذا واظب المُطالِبُ علي طلبه ولم ييأس ويستسلم لاغتصاب حقه. هذا صحيح بالنسبة للأفراد، وهو صحيح بالنسبة للقضايا العامة، وخاصة قضايا التحرر الوطني. فهذه القضايا عدوها الأول، عدوها القاتل، هو اليأس من إمكانية استرداد الحق المغتصب والاستسلام لواقع الاغتصاب.


وقد أدرك منظرو الحركة الصهيونية والناشطون فيها هذه الحقيقة، وتحدثوا بمنتهي الصراحة عن طبيعة مشروعهم، والعوامل التي تضمن له النجاح والبقاء، وكذلك العوامل التي تؤدي إلي إفشاله. فهو ينجح إذا استطاع أن يفرض اليأس في نفوس الفلسطينيين والعرب عامة من إمكانية مقاومته، ويفشل إذا لم يستطع ذلك. وفي هذا المقال نستعرض موقف واحد من أخطر قادة الحركة الصهيونية والذي سارت الحركة ووليدتها إسرائيل وفق المنهج الذي وضعه.

طبيعة المشروع الصهيوني في نظرهم

عندما بدأ الغزو الصهيوني لفلسطين كان قادة الحركة الصهيونية يدركون تماما أن مشروعهم مشروعٌ استعماري استيطاني. وقد حلل ذلك فلادمير جابوتنسكي، الزعيم الصهيوني الذي ورث تفكيرَه حزبُ الليكود وشارون ونتنياهو، بل والمؤسسة والأحزاب الصهيونية بكاملها وعلي اختلاف مشاربها بعد قيام إسرائيل، وجاء هذا التحليل في مقال نشره في برلين في 4 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1923، بعنوان الجدار الحديدي: نحن والعرب (1)، وجهه بشكل خاص لقادة من الحركة الصهيونية فند فيه ادعاءهم بأنهم يستطيعون إغراء الفلسطينيين للموافقة علي المشروع الصهيوني بمنافع مادية لهم زعموا بأنها ستترتب علي المشروع الصهيوني. والجدار الحديدي هو ذلك النهج الذي يجب أن تسير عليه الحركة الصهيونية لحماية مشروعها، وهو نهج طرحه في مقاله، انطلاقا من اعترافه بأن المشروع الصهيوني مشروع استعماري استيطاني، ومن أنه، نتيجة لطبيعته هذه، سيُواجَهُ بمقاومة من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وأن هذه المقاومة ستستمر إلي أن يستولي اليأس علي النفوس. ويؤكد جابوتنسكي أن التاريخ ومسيرة الشعوب كانت دائما في هذا الاتجاه، فما من شعب احتل غزاةٌ أرضه الا وقاوم الاحتلال واستمر في هذه المقاومة إلي أن تخلص من الغزاة، وأفشل المشروع الاستعماري الاستيطاني، ما لم يبلغ هذا الشعب حد اليأس المطلق، كما حصل مع السكان الأصليين في القارة الأمريكية. لقد كتب جابوتنسكي هذا والاستعمار الغربي كان ما زال في أوجه. ومما يسجل له أنه كانت له نظرته الثاقبة وصدقه في المصارحة بطبيعة المشروع الصهيوني، وأن الشعب الفلسطيني لن يغريه أي تحسن في أوضاعه المعيشية للموافقة علي هذا المشروع.

حماية المشروع من الفشل

وكما أصاب جابوتنسكي في تشخيص طبيعة المشروع الصهيوني، فإنه أصاب أيضا في تشخيص ما يؤدي إلي حمايته أو إفشاله. أما الحماية، وهي الجدار الحديدي ، فتأتي من ضمان التفوق الدائم في القوة التي لا يستطيع العرب قهرها، ويكون ذلك (أولا) بالتحالف باستمرار مع دولة عظمي قادرة علي فرض إرادتها وحماية المشروع الصهيوني، و(ثانيا) ببناء القوة الذاتية التي يكون في مقدورها مواجهة المقاومة المنتظرة. وسارت الحركة الصهيونية في هذا النهج، فتحالفت مع بريطانيا أولاً، وفي أثناء الحرب العالمية الثانية حرصت علي إبقاء علاقاتها وتعاونها قائمين مع ألمانيا النازية (2)، بالرغم من اضطهادها لليهود، ثم نقلت تحالفها الأساسي إلي أمريكا، وها هي الآن تسعي لإقامة تحالف مع القوتين العالميتين القادمتين، الهند والصين.
هذا من ناحية توفير الحماية الخارجية. ومن الجهة الأخري فقد استغلت نفوذها داخل أمريكا وفي الغرب بصفة عامة لبناء قوتها الذاتية في مجالات متعددة، بحيث أنها ضمنت تفوقاً ذاتيًا علي الدول العربية مجتمعة، وأقامت مشروعها النووي ليوفر لها قوة الردع الذاتية حتي لو وقفت وحدها.

تيئيس الأنظمة العربية

كان من نتائج توفير هذين العاملين (التحالف مع الدولة العظمي وتطوير القوة الذاتية واستغلالهما من جهة، وتعامي الأنظمة العربية عن طبيعة المشروع الصهيوني وما كان يتوجب عليها اتخاذه من خطوات مشتركة لإفشاله من جهة أخري) أن استطاعت إسرائيل تيئيس معظم الأنظمة العربية من جدوي المقاومة أو إمكانيتها، وجعلتها تخطو خطوات تعبر في دلالاتها علي حالة اليأس هذه. فكان الاعتراف الرسمي وغير الرسمي، والتطبيع الرسمي، وإغلاق ملف المقاطعة العربية وملف معاهدة الدفاع العربي المشترك، ومحاولة قمع التحركات الشعبية الرافضة للتطبيع، والتضييق علي المقاومة الفلسطينية، بل والتحالف غير المعلن عربيا في مقاومة ما يسمي بالإرهاب، وهو تعبير شمل حزب الله وحماس، والاستعداد لقبول مظلة نووية إسرائيلية لتوفير الحماية لبعض الأنظمة العربية، ووصل الحال إلي تخلي بعض الأنظمة حتي عن واجبها الأول وهو حماية أرضها وشعبها من الاعتداءات الإسرائيلية، والقائمة تطول. وانتهي الأمر بالأنظمة العربية مجتمعة إلي تبني مبادرة تعطي الشرعية للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. والتزمت الأنظمة العربية التزاما لا نظير له ليس فقط بما تعهدت به، وإنما أيضاً بالمواقف الإسرائيلية، وليس أدل علي ذلك من تعامل هذه الأنظمة مع حزب الله وحماس، ومن تخلفها حتي في الدفاع عن القدس التي يجري تهويدها وفق خطط متسارعة، ناهيك عن رفع الحصار الجائر عن الشعب الفلسطيني في غزة والتحرك الفاعل لوقف المحرقة التي ترتكب هناك.


وتتذرع بعض هذه الأنظمة لتبرير مواقفها بما تسميه بالتزاماتها التعاقدية مع إسرائيل. وهذه حجة يأس أصيبت به هذه الأنظمة شل إرادتها وقدراتها، حيث إنه، من الناحية القانونية، توجد إلي جانب هذه الالتزامات التعاقدية التزامات تعلو عليها، وهي ضمان احترام القانون الدولي، وفي مقدمة ذلك المبادئ التي نص عليها ميثاق الامم المتحدة، واحترام القانون الدولي الإنساني والالتزامات التي نصت عليها اتفاقية جنيف الرابعة والتي تلزم جميع الدول، ليس فقط باحترامها، وانما تلزمها ايضا بضمان احترام الدول الأخري الأطراف فيها لتلك الالتزامات. وجميع الدول العربية والإسلامية أطراف في هذه الاتفاقية كما أن إسرائيل طرفٌ فيها، كما أن هناك فتوي محكمة العدل الدولية حول شرعية الجدار الذي تقيمه إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي فتوي تحدد التزامات علي جميع الدول لإنهاء جميع الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وواضح من هذا أن الأنظمة العربية تعتبر نفسها ما زالت قاصرة لم تبلغ الرشد كدول ذات سيادة، ولهذا نراها دائما تهيب بالمجتمع الدولي لمواجهة التصرفات الإسرائيلية، وكأنها ليست جزءاً من هذا المجتمع.

محاولة تيئيس الشعب الفلسطيني والشعوب العربية

بقي علي إسرائيل أن تُئيِّسَ الشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية، فتوجهت حتي قبل قيامها للعنف والإرهاب لـ تطهير فلسطين من سكانها العرب لضمان أغلبية سكانية في فلسطين من جهة، وإبعاد الفلسطينيين عن جبهة المواجهة المباشرة من جهة أخري. وسارت علي نفس النهج بعد قيامها وبعد احتلال الضقة والقطاع، وبلغ الأمر حد تنفيذ المحرقة التي هدد بها نائب وزير الدفاع الإسرائيلي ابتداء من 28 شباط/فبراير 2008، فانضم الطفل محمد البرعي والرضيعة ملك ذات اليومين وغيرهما من الأطفال إلي القائمة التي يرأسها محمد الدرة. كل هذا يجري علي أمل تيئيس الفلسطينيين من إمكانية المقاومة والوصول بهم إلي أوضاع تماثل أوضاع الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية، أو إلي مرحلة من اليأس تضطرهم إلي هجرة شبه جماعية أو تهجير يخلي الأرض والوطن للمشروع الصهيوني.


وسارت إسرائيل مسيرة مشابهة ضد من صمد من الفلسطينيين في الداخل. فمصادرة أراضيهم لم تتوقف، كما لم تتوقف الممارسات العنصرية، بل والقتل العشوائي. وها هي أحزاب في داخل الحكومة تتبني سياسة طرد هؤلاء الفلسطينيين أو التخلص منهم بأية وسيلة خوفا من أن يختل التوازن السكاني وتفقد إسرائيل أغلبيتها اليهودية، وتحسبا لهذا بدأت بالمطالبة بالاعتراف بها فلسطينيا وعربيا بأنها دولة الشعب اليهودي .


أما الشعوب العربية فقد كانت فاعلة في النضال الفلسطيني إلي أن أخرجتها الأنظمة من ساحة النضال المباشر. وقد فشلت جميع هذه المحاولات في تيئيس الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخري حتي الآن، وجاء الرد بتيئيس مضاد.

التيئيس المضاد

أفراد الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية لم ييأسوا، وردوا بحملة تيئيس مضادة، تيئيسٍٍ للمشروع الصهيوني من أساسه. فهناك علي الصعيد الفلسطيني أولا صمود الأهل في الأرض، في الضفة والقطاع وفي الداخل، بالرغم من كل المعاناة. وهناك ثانيا تواصل الصمود والمقاومة جيلا بعد جيل، مما أسقط التوقعات الإسرائيلية بأن المقاومة ستموت بعد موت الجيل الذي عاصر النكبة وبعد تشتت نسبة كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض، وهناك ثالثا استعداد الأجيال المتعاقبة من أبناء هذا الشعب لتقديم التضحيات ومواجهة الاحتلال مهما غلي الثمن وطالت المواجهة. إنهم باقون في الأرض وفي المواجهة في مسيرة دفاع عن الأرض والوطن استمرت قرنا من الزمان دون أن تتوقف، مسجلين بذلك أطول مواجهة مع الاستعمار في تاريخ البشرية.


هذا من الجانب الفلسطيني. وعلي جانب الشعوب العربية فقد رفضت هذا الشعوب التطبيع وقامت بالمقاطعة الشعبية، ونزل الجيل الجديد من الشباب يخوض معارك الانترنت ومعركة المقاطعة. وأتت مظاهرات الملايين، وذلك التحرك الرائع من الشعب المصري الأصيل، علي الرغم من الأقلام والتعليقات النشاز والتمسح بالاتفاقيات والسيادة، عندما فك التحرك الشعبي الفلسطيني في قطاع غزة الحصار بفتح الحدود مع مصر رغما عن إسرائيل. وكان هناك البطل لاعب الكرة محمد بوتريكة. وها هي الآلاف من أقصي المغرب إلي أقصي المشرق تنطلق منددة ومُطالِبة. الشعب العربي لم يهزم ولم ييأس.


ثم كان هناك الحدثان اللذان هزا الجدار الحديدي من أساسه: أولهما حرب تشرين الأول/أكتوبر المجيدة عام 1973 التي أثبتت أن الجيش العربي النظامي، وهو المصري في هذه الحالة، قادر ليس فقط علي الردع وإنما علي تحقيق الانتصار الكاسح أيضا، مؤكدا بذلك بأنه لا مبرر لليأس الرسمي بشرط أن يتوفر الإعداد السليم. ولا ينتقص من هذا الإنجاز العظيم أن السياسة لم تستثمره استثمارا سليما. أما الحدث الثاني فكان شعبيا هذه المرة تمثل في إرغام إسرائيل علي الانسحاب من لبنان دون اتفاقيات أو اعتراف، ثم ذلك النصر الحاسم الذي حققه أبطال حزب الله في حرب تموز/يوليو 2006، وفي إيصال المعركة إلي عمق إسرائيل.


وقد بدأت حملة التيئيس المضاد هذه في إعطاء ثمارها. فالأمن الذي كان يحس به الإسرائيلي قد تزعزع، وتزعزعت معه الثقة في قدرة الجيش الإسرائيلي علي توفير الأمن والاطمئنان، فاهتزت بذلك قدرة المشروع الصهيوني علي اجتذاب المهاجرين وضمان بقائهم. لقد ثبت أنه لم يعد أي مكان آمنا. وقد حملت الأنباء أخبار الإسرائيليين الذين بدأوا يشترون البيوت في جزيرة قبرص ليفروا إليها عند حدوث أية مواجهة قادمة، كما أن الهجرة إلي إسرائيل قد أصبحت في أزمة حقيقية، ناهيك عن الهجرة المضادة. وللمرة الأولي منذ قيام إسرائيل يتكاثر عدد العازفين عن الخدمة العسكرية أو الفارين منها، ويلجأ القادة العسكريون لأول مرة إلي القيام بحملات لمواجهة هذا التطور الخطير.


ومع أن صواريخ المقاومة الفلسطينية بدائية ومن صنع محلي ولم تحدث من الأضرار والاصابات شيئا ذا خطورة، إلا أنه من الواضح أنها تقلق المسؤولين والمواطنين الإسرائيليين علي حد سواء. وهذه الحملة المسعورة التي تقوم بها إسرائيل علي قطاع غزة أكبر دليل علي ذلك. ولا تخفي الصحافة الإسرائيلية الحديث عن الرعب والقلق داخل المجتمع الإسرائيلي، وهو قلق ورعب عبر عنه استطلاع للرأي العام الإسرائيلي في الأسبوع الماضي كانت نتيجته مؤرقة لحكام إسرائيل حيث ان 64% من الإسرائيليين أيدوا التفاوض مع حماس لوقف هذه الصواريخ التي وصفها البعض بأنها عبثية و كاريكاتورية . وها هو رئيس بلدية سديروت، المدينة التي سقطت فيها صواريخ فلسطينية عديدة (دون أن توقع اصابات)، قد أعلن صراحة أنه يريد عقد هدنة مع حماس، وكذلك فإن الإسرائيليين قد بدأوا يرحلون عن المدن والمواقع التي هي في مرمي هذه الصواريخ. وبدأت الصحافة الإسرائيلية بالحث علي إبرام اتفاق سلام مع حماس يقضي بالعودة إلي حدود عام 1967، كما أنها تتحدث عن العبء الثقيل الذي خلفته سياسة إقامة المستوطنات. فماذا سيحدث إذا تحرك الآلاف في اتجاه هذه المستوطنات؟


هذا ما تخشاه الصحافة الإسرائيلية، في ضوء ما حدث من اقتحام الحدود عند معبر رفح. فقد بدأت هذه الصحافة تكشف عن القلق العميق والارتباك لدي الجيش الإسرائيلي وصناع القرار حول احتمال قيام الفلسطينيين بتحركات شعبية كثيفة سلمية غير عنفية في اتجاه الحدود مع إسرائيل والحواجز التي قالت عنها الصحافة الإسرائيلية بأنها ستتحول إلي متاريس للزاحفين في مواجهة جنود يسيطر عليهم الخوف. وماذا لو جاءت انتفاضة العائدين، سلمياً ودون عنف، صوب حدود الوطن؟ هذه انتفاضات ما زالت في الانتظار، ولكن إسرائيل تتوقعها وتخشاها، خاصة إذا كانت سلمية، وهذا ما نصر عليه ونؤكده. إنه الطوفان الذي تتحسب له إسرائيل. وهذا النوع من المقاومة السلمية هو ما يجب أن يقوده رجال السلطة بدلا من أن يقبعوا في مكاتبهم عاجزين يتفرجون علي ضياع الحقوق وإسرائيل تخلق وقائع جديدة علي الأرض. لقد حاول ذلك الدكتور مصطفي البرغوثي عندما كان وزيرا للإعلام في وزارة الوحدة الوطنية، وجاء من خلفه ليبرر لإسرائيل محرقتها في قطاع غزة. يا للعار!


إن الأثر الذي تحدثه المقاومة لا يقيسه الإسرائيليون فقط بمقياس الدمار المادي أو البشري، وانما يقيسونه بما هو أهم، وهو مقياس عنصر الأمان الذي وعد به المشروع الصهيوني، والذي لولاه لما كانت هناك هجرة، ولما قامت إسرائيل أصلا. إنه الجدار الحديدي الذي بدأت أساساته في التآكل، نتيجة للتيئيس المضاد الذي بدأ يشق طريقه.
العنصران الشعبيان اللذان ما زالا في حاجة إلي تفعيل أكبر كعنصرين من عناصر التيئيس المضاد هما (أولا) التحرك الشعبي علي مستوي العالمين العربي والإسلامي بشكل يحل عقدة اليأس التي استولت علي معظم الأنظمة العربية، و(ثانيا) المزيد من التحرك الشعبي العربي والإسلامي داخل منظمات المجتمع المدني الأجنبي وإيصال الرسالة الصحيحة لها.


علي منظمات حقوق الإنسان العربية والإسلامية أن تضاعف من نشاطها مع منظمات حقوق الإنسان الدولية، وداخل المجتمع الدولي. فالأبواب ليست موصدة وإنما تحتاج إلي من يدق عليها وفقا لأساليبها. وها هي أمثلة قليلة مما حققه هذا النوع من التحرك. لقد استطاعت حركة رفع الحصار عن غزة أن تجند مظاهرات في أكثر من خمسين عاصمة قي يوم واحد ضد هذا الحصار، واستطاعت منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية فرض حصار فعال علي تحركات القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين خوفا من القبض عليهم ومحاكمتهم أمام المحاكم الأجنبية بتهم ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، كما أن حركة المقاطعة التي تقوم بها هذه المنظمات الفلسطينية علي نطاق دولي، قد بدأت هي الاخري تؤتي ثمارها. فهذه الجامعات البريطانية تفرض مقاطعة علي الجامعات الإسرائيلية، وهذه اتحادات عمال أجنبية قد بدأت في فرض مقاطعة للبضائع الإسرائيلية، سابقة بذلك اتحادات العمال العربية والإسلامية، وها هي إسرائيل قلقة الآن بالنسبة لما كانت تمارسه من شبه احتكار في الجامعات الأمريكية. وبقدر ما يبذل من جهد واع تأتي النتائج. لقد بدأت الهيمنة الإسرائيلية في التراجع، بدليل العدد الكبير من الكتب والدراسات التي ظهرت في الآونة الأخيرة سواء في أوروبا أو أمريكا، وكلها تكشف حقيقة المشروع الصهيوني وحقيقة إسرائيل. لقد تحرر الكثير من الخوف من الاتهام بمعاداة السامية إذا هم انتقدوا إسرائيل أو الحركة الصهيونية، فصاروا يكتبون الحقيقة.


من المهم في حملة التيئيس المضاد هذه أن تكون واعية لهدفها ومنسجمة مع تراثنا وقيمنا وديننا. فعليها مثلا أن تؤكد بشكل دائم وقاطع بأنها ليست حملة ضد اليهود بصفتهم هذه، وإنما هي حملة ضد المشروع الصهيوني الاستيطاني. أما اليهود أنفسهم فقد كانوا مواطنين في الأقطار العربية والإسلامية قرونا عديدة، وما زال كثير منهم كذلك حتي اليوم، وكان الوطن العربي ملجأهم من الاضطهاد أينما حل بهم، وباستطاعتهم أن يعيشوا مواطنين في أي قطر عربي وفي فلسطين ذاتها بعد تفكيك المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي نفذته الحركة الصهيونية التي شَخَّصها الكاتب البريطاني (ألان هارت) في مجلديه الضخمين اللذين يحملان عنوانا له دلالته العميقة الصهيونية: العدو الحقيقي لليهود .


مؤدي هذا أن المقاومة العربية والفلسطينية والإسلامية، بمختلف أشكالها، وحتي مع وجود حالة اليأس الرسمي، قادرة علي احداث شروخ حقيقية في الجدار الحديدي ، وبدلا من أن يدب اليأس في نفوس الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخري، فإن حملة التيئيس المضاد قد بدأت تفعل فعلها، ويجب مواصلتها وتعميقها. ليس معني هذا أن المشروع الصهيوني قد شارف علي الانهيار، أو أن القائمين عليه سيقصرون في الدفاع عنه، ولكن معناه علي الأقل أن مقاومته ممكنة وأن أعراض فشله قد بدأت في الظهور. وطبيعة الأشياء تفرض عليه الفشل، بشرط أن يتحصن الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية والإسلامية بالأفعال الواعية الهادفة ضد اليأس ويواصلوا حملة التيئيس المضاد بمختلف أشكالها.


* رئيس اللجنة القانونية سابقا في المجلس الوطني الفلسطيني



(1) أنظر مقال جابوتنسكي في :

 The Iron Wall: We and the Arabs in 51 Documents: Zionist Collaboration with the Nazis, ed.: Lenni Brenner, (2002) p. 32


(2) يحاول الصهيونيون هذه الأيام شطب هذه المرحلة من تاريخ الحركة الصهيونية، غير أنها مرحلة موثقة. انظر الوثائق في المرجع سالف الذكر.