المجلس الوطني الفلسطيني بين الالتئام ومخاطر الانقسام

 علي بدوان - كاتب فلسطيني/دمشق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يشكل العدوان الإسرائيلي الشامل والمتواصل على قطاع غزة وعموم الأرض الفلسطينية فرصة ثمينة للسير خطوات ملموسة من أجل ردم التباينات في الساحة الفلسطينية، وعودة الجميع إلى طاولة الحوار الوطني الحقيقي، في سياق الضرورات الوطنية التي باتت تفترض العودة للوحدة الميدانية العملية والسياسية. فالساحة الساحة الفلسطينية تعيش منذ مدة ليست بالقصيرة جملة من التعقيدات الكبيرة التي فرضتها طبيعة التحولات التي طرأت على المنطقة وعلى الساحة الفلسطينية الداخلية، خصوصاً منذ حدوث التحول الديمقراطي في الخارطة السياسية الفلسطينية في انتخابات المجلس التشريعي بداية العام 2006 والتفاعلات التي جرها التحول إياه، وصولاً إلى انفجار الأوضاع الداخلية في قطاع غزة في حزيران/ يونيو 2007. وقد عكست هذه التعقيدات نفسها على مجموع القوى الفلسطينية، فقد أمست تعاني من انعكاسات التحولات الجارية عليها وعلى بناها وعلى قدرتها في اشتقاق سياسات مستقلة تأخذ بعين الاعتبار المصلحة الوطنية الفلسطينية أولاً وأخيراً.

فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وتحديداً حركة فتح ومعها الجبهة الشعبية، وامتداداً باقي القوى، أصيبت بصدمة وهزة عنيفة جراء التحولات السياسية في ترتيب حضور وفاعلية القوى الفلسطينية


ومن نافل القول بأن التفعيلات الرئيسية للوقائع على الأرض، وللتطورات المشار إليها أصابت بشكل رئيسي قوى وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية وتحديداً حركة فتح ومعها الجبهة الشعبية، وامتداداً باقي القوى المؤتلفة في منظمة التحرير، التي تعرضت لصدمة وهزة عنيفة جراء التحولات السياسية في ترتيب حضور وفاعلية القوى الفلسطينية، استوجبت منها إعادة النظر ببعض المسلمات التي كانت تعتقد بصحتها، وهي المسلمات التي استندت إليها دوماً باعتبارها تعطيها أولوية وارث تاريخي في تثبيت حضورها في البيت الفلسطيني، وفي تراتبية وجود القوى، وفي المحاصصة ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها القائمة بعجرها وبجرها ...

كما لازالت التطورات الأخيرة التي حصلت في دمشق بين الفصائل الفلسطينية بعد عقد المؤتمر الوطني الفلسطيني نهاية كانون الثاني/يناير الماضي تتفاعل، في ظل تبلور الاتجاه الذي يدفع نحو توليد فعل معاكس لقرارات الرئيس محمود عباس في دعوته لعقد دورة اجتماعات متكاملة للمجلس وطني فلسطيني بمن حضر يستبعد فيه كل أعضاء المنظمات الرافضة لسياسته، عدا منظمة الصاعقة والجبهة الشعبية/القيادة العامة، التي وجه مؤخراً إلى كل منهما دعوات حضور المجلس الوطني القادم عبر بطاقات أرسلت إلى ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية بدمشق، وتم تسليمها للفصيلين المشار إليهما.

ومع هذا فان التقديرات التي ترشح كل يوم في فلسطين والشتات تشير إلى الموقف المتردد من قبل دعاة عقد اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في عمان، وقد برز هذا الأمر خلال نصائح أسديت من قبل بعض المراجع الفلسطينية المحايدة، التي رأت ضرورة الكف عن الدعوة لمجلس وطني جديد في ظل غياب التوافق الفلسطيني، خشية من أن يؤدي ذلك نحو تكريس وترسيم الانقسام في الساحة الفلسطينية في ظل وجود اتجاه عام لدى الطرف الأخر المعارض من المعادلة الفلسطينية، يسير نحو العمل لتشكيل إطار من كل القوى في موازاة أي اجتماع غير توافقي للمجلس الوطني الفلسطيني في عمان، وعلى هذا الأساس تم عملياً حل صيغة الفصائل العشرة، ليتجه العمل نحو تشكيل إطار مسنود بقوة كبيرة عمادها حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية/القيادة العامة، ومنظمة الصاعقة، وباقي التنظيمات التي حضرت مؤتمر دمشق.

وفي هذا السياق، فان حركة حماس باعتبارها القطب الأساسي الأخر في ميزان الحضور والتأثير في المعادلة الفلسطينية تجد نفسها الآن، وبالأحرى منذ فترة ليست بالقصيرة أمام مواجهة عدة استحقاقات في آن واحد

في هذا السياق، فقد تباينت المواقف في اجتماع اللجنة التحضيرية المكلفة بالإعداد لاجتماعات المجلس الوطني، وهو الاجتماع الذي عقد مؤخراً في رام الله، وشارك بها شخصيات وطنية من المستقلين إضافة إلى ممثلي ( حركة فتح، الجبهة الشعبية، مجموعة جبهة النضال، جناح جبهة التحرير الفلسطينية، جبهة التحرير العربية، حزب الشعب الفلسطيني، حزب فدا، جماعة حواتمة)، فالجبهة الشعبية اتخذت موقفاً متحفظاً، بينما دعت جبهة التحرير العربية إلى التريث بدعوة المجلس الوطني للانعقاد، وكذلك فعلت جبهة التحرير الفلسطينية عبر مندوبها على اسحق الذي رفض باسم الجبهة عقد دورة للمجلس قبل التوافق الوطني، بينما رحبت الجبهة الديمقراطية بعقد دورة المجلس الوطني في الاجتماع المشار اليه، فيما اطلقت موقفاً اعلامياً أخر في دمشق بعض أيام من الاجتماع المذكور (ربما يدخل الموضوع من باب الاستخدام المعروف).

وفي هذا السياق، فان حركة حماس باعتبارها القطب الأساسي الأخر في ميزان الحضور والتأثير في المعادلة الفلسطينية تجد نفسها الآن، وبالأحرى منذ فترة ليست بالقصيرة أمام مواجهة عدة استحقاقات في آن واحد. وأول هذه الاستحقاقات ماله علاقة بضرورة تطوير ببرنامجها المقدم عربياً ودولياً في سياق تقديم نفسها كطليعة نضالية في المقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني وكفاحه العادل ... ونعتقد بأن المهمة المشار إليها على غاية من الدقة والحساسية في ظل وجود البرنامج الآخر في الساحة الفلسطينية، وهو برنامج (إطار ضيق) في القيادة الفلسطينية القابضة على سلطة القرار، بغالبيتها التي لاتنتمي بالضرورة لحركة فتح بل تضم قوساً من (مجاميع) الحالات المعروفة، فمنها من هو فتحاوي المنشأ ومنها من التحق متأخراً بفتح، ومنها من نشأ في ظل عملية التسوية ومسارها المعقد منذ العام 1990 (مجموعات في الضفة والقطاع) ومنها من هو يساري المنشأ (نبيل عمرو، حنان عشراوي، صائب عريقات، أديب عبد ربه، بسام أبو شريف، رياض المالكي، أفراد من فدا، الشعبية، جماعة حواتمة، جبهة النضال الشعبي، جبهة التحرير الفلسطينية ...).

والاستحقاق الثاني المطروح على حركة حماس يتعلق بالبيت الفلسطيني الداخلي وعلاقاتها مع الأطر والهيئات إن كانت منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية الحالية. ومن هنا يمكن أن نستعرض المحاور الرئيسية لمواقف القوى المختلفة في المعادلة الفلسطينية، بدءاً من حركة فتح التي تعيش أشكال من الضياع والاغتراب التنظيمي، والصراعات الداخلية التي تتخذ عناوين ذاتية وشخصانية بالدرجة الأولى، بما في ذلك الصراع بين أقطاب اللجنة المركزية ( مثلاً صراعات هاني الحسن مع المجموعة المقربة من محمود عباس، وصراعات مجموعة الدحلان وأبو علي شاهين مع نصر يوسف والحكم بلعاوي، وصراعات قريع المخفية مع أبو مازن وهلمجرا ...).

فتسارع الأحداث وتطورها على الساحة الفلسطينية الداخلية لم يسعف حركة فتح في حث الخطا من أجل تجاوز الأوضاع السلبية التي تعيشها في حياتها التنظيمية الداخلية خصوصاً بعد التحولات الأخيرة التي وقعت منتصف العام الماضي في قطاع غزة والاعتمالات الداخلية التي بدأت تغلي وترتفع في مختلف المفاصل التنظيمية لفتح في الداخل والخارج، وبعد تواتر المعلومات التي لم تتوقف في إشارات واضحة تدل على استمرار التباينات الداخلية في جانبها السياسي المتعلق بتقييم مرحلة ماقبل وما بعد أنابوليس، فضلاً عن المسائل الداخلية المتعلقة بالجسم الفتحاوي في ظل حالة الترهل المؤسساتي، وانفلاش الأوضاع وفق مايعرف باسم " تعدد المرجعيات والمنابر " وسيطرة تيارات وأجنحة معينة على موقع القرار التنفيذي على الأرض، وفي جانبها الأخر المتعلق بالسلطة الوطنية الفلسطينية مع تعالي الأصوات الفتحاوية المنادية باستعادة موقع رئاسة الوزارة من يد سلام فياض الذي تعتبره غالبية الكوادر الوسطى لفتح رجلاً قادماً من خارج عباءة الحركة أو أي من فصائلها وقواها السياسية. ومازاد من تعقد حالة الأوضاع الفتحاوي الداخلية الصعبة، توالد حالات من أشكال الاحتراب الداخلي غير المسؤول بين عدد من المفاصل القيادية التنظيمية والعسكرية والأمنية، وانقطاع اللجنة المركزية عن إتمام اجتماعات عملها النظامية بحضور النصاب الحقيقي، واقتصارها على الحضور فقط، وبغياب فاق في غالبية اجتماعاتها أكثر من الثلثين، فباتت اللجنة المركزية معطلة تماماً، وغائباً كبيراً عن تقرير مصير العمل والبرنامج الفتحاوي. كما ولايخفى على أحد حالة التنافر السلبية الحادة بين الرئيس محمود عباس والسيد فاروق القدومي الذي يعتبر نفسه بمثابة أخر المرجعيات التاريخية لحركة فتح.


أمام استعصاءات عقد المؤتمر العام لفتح، فان البعض من قيادات الحركة وأعضاء اللجنة المركزية بدأ في الحديث عن حلول ترقيعية تقتضي بعقد كونفرنس عن بديلاً عن المؤتمر العام


وفي هذا السياق فهناك حالة من اللامبالاة من قبل بعض أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، في تجاهلها مطالب الكوادر والوسطى والقاعدية للحركة التي تطالب بعقد المؤتمر العام، وانتخاب الهيئات القيادية المفصلية ورفدها بالدماء الشابة التي برزت في سياق الانتفاضتين. وعليه وأمام استعصاءات عقد المؤتمر العام، وهي استعصاءات مازالت قائمة على الأرض بغض النظر عن المؤتمرات الفرعية التي عقدت في بعض مدن الضفة الغربية، فان البعض من قيادات الحركة وأعضاء اللجنة المركزية بدأ في الحديث عن حلول ترقيعية تقتضي بعقد كونفرنس عن بديلاً عن المؤتمر العام. ويمكن القول بأن الحل المتمثل في استبدال عقد المؤتمر العام الموسع لحركة فتح، الذي لم ينعقد منذ العام 1989، بعقد كونفرنس مصغر يشارك فيه ما بين 400 ـ 500 عضو، يبدو أمراً غير مقبول على الأرجح قبل غالبية أعضاء اللجنة التحضيرية التي تم تشكيلها منذ زمن طويل ( قبل حوالي أربع سنوات) للإعداد لأعمال المؤتمر. كما في رفض مبدأ تعيين ما بين 5 ـ 6 أعضاء جدد للجنة المركزية لحركة فتح، حيث تشير التقديرات بأن الحظوظ تقترب من الأسماء التالية لإضافتها للجنة المركزية : محمد دحلان، عزام الأحمد، روحي فتوح، نبيل عمرو، جبريل الرجوب، ويحيى عاشور (حمدان)، وخمسة وعشرين عضواً جديداً لعضوية المجلس الثوري، وإضافة خمسة أعضاء للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية من أعضاء حركة فتح الأمر الذي اعتبرته أيضاً جميع القوى والفصائل أمراً مخالفاً للنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، فاللجنة التنفيذية يتم انتخابها أو اختيارها بالتوافق من خلال جلسات المجلس الوطني الفلسطيني (البرلمان)، بينما اعتبرت بعض مصادر فتح (المتمردة) بأن أي إضافة لأي من قيادات حركة فتح إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ليس سوى (رشوة سكوت وطلب صمت) من المضافين من أجل مطمطة موضوع عقد المؤتمر وتأجيله إلى مدى بعيد.

إضافة إلى ذلك فان الاجتماعات الأخيرة للمجلس المركزي للمنظمة، وهو الهيئة الاستشارية الوسطى بين اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني (البرلمان) والتي عقدت في رام الله، لم يكن من غرض أساسي لها سوى تمرير استحقاقات جديدة تحت عباءة الإجماع الوطني، فالمجلس المركزي كاللجنة التنفيذية للمنظمة يتم استحضاره وقت الطلب، ولتمرير قضايا محددة فيما المجلس في حقيقته نسياً منسياً كما هي حال مؤسسات المنظمة كافة. ومن بين أول القضايا التي طرحت في اجتماعات المجلس وفي وظيفته التي عقدت اجتماعاته من أجلها، ويعمل الآن على ترجمتها على أرض الواقع تأتي مسألة حل المجلس التشريعي المنتخب في دورته الثانية التي جرت في 25/1/2006 والدعوة لانتخابات تشريعية جديدة في الضفة الغربية والقدس والقطاع، وهي مسألة على غاية الخطوة باعتبارها خطوة تفجيرية جديدة في البيت الفلسطيني، تكرس /الانقسام /التام السياسي والجغرافي.

" العصبيات التنظيمية " وعامل " العادة " مازالا يلعبان دوراً مؤثراً في توحيد مجاميع " الفتوح " بغض النظر عن العامل السياسي


وبالطبع فان الخطوة المشار إليها مقبولة جداً من الناحية الإسرائيلية بل وهي مطلب أمريكي صرف. وهنا يبدو بأن حسابات الأوضاع السياسية الساخنة في البيت الفلسطيني ومعها استعصاءات العملية التفاوضية، هي العائق الرئيسي أمام مركز القرار الفتحاوي للمضي قدماً من أجل إتمام عقد المؤتمر العام وانتخاب لجنة مركزية جديدة. وفي هذا السياق لابد من القول بأن " العصبيات التنظيمية " وعامل " العادة " مازالا يلعبان دوراً مؤثراً في توحيد مجاميع " الفتوح " بغض النظر عن العامل السياسي، فغالبية القواعد الفتحاوية في الداخل والشتات تتمسك بمواقف كفاحية جيدة بالرغم من حالة التباين التنظيمي والسياسي بين الكوادر القاعدية والوسطى من جهة والمجموعة المتربعة على قمة الهرم السياسي لحركة فتح.

في هذا السياق، فان الجبهة الشعبية، ما زالت تعيش حالة ارتباك بسبب من وجود اجتهادات واسعة أحياناً في صفوفها بين من يدعو للتجاور مع الإطار القيادي الرسمي في منظمة التحرير بكل الحالات، وهو اتجاه يتغذى بمواقفه على خلفية بعض ممارسات مجموعات من حركة حماس في قطاع غزة (مثلاً تفكيك إذاعة الجبهة الشعبية في غزة)، أما احمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية فهو صاحب الخط الأنقى والأصلب في الجبهة الشعبية، وخطه ينسجم مع دعوات المقاومة.
 

 

المصدر : الجزيرة نت

12/3/2008