جوزف سماحة.. عقل اغتاله قلبه

 

تجنب أشباهه وصادق المختلف عنه وأولع بالخصم الشرس
أحمد منصور
07/03/2008

جوزف سماحة ظاهرة أصيلة حديثة فيها شيء من الفرادة والتميز تستحق التأمل والدراسة. استساغة كل قلم مبدع في مهنة المتاعب الممتعة، واستلهامه من هذا القلم الأخضر بل الأحمر في غالب الأحيان.
ان محبي الفقيد الكثر مدعوون الي انشاء مؤسسة تحمل اسمه، من مهماتها جمع واعادة طبع مقالات وكتب هذا الملتزم حتي الموت بقضايا الانسان العربي بدءا مما كتبه من السفير الي الوطن فـ اليوم السابع فـ الحياة فـ الاخبار .. فالرجل بالاضافة الي مشاعل كوكبته كسمير قصير وما شابه ـ بشكل رأسمالاً نهضويا لا يستغني عنه لاستيقاظ أمة مهتئة مجزأة علها تعود الي ملء اكبر مساحة ممكنة تحت الشمس. كيف لا والصحافة امست أقرب الجسور وأبسطها وأخطرها لربط ماضي الأمة بحاضرها الذي يصنع مستقبلها.

كيف عرفته؟

اللقاء الأول ـ عادة ـ يشكل المفتاح للدخول الي معارج وتضاريس شخصية غنية معبرة بشكل عرضي ّ او متعمد. ولقائي مع جوزف منذ عقد او اكثر كان عندما كان داخلاً الي مكتبة ابن سينا في باريس وعندما ما شيته ـ خارجين منها ـ بضع عشرات من الأمتار التي تفصله عن بيته كان وكأنه خارج من تحت الرماد التي ينهشها الجمر غير المرئي. يمشي ـ بقامته الناصرية الفارهة منشطراً عامودياً نصفين: أذنا معك وأذنا مع العالم الخارجي، وعينا عليك وعينا علي الجانب الآخر. قلما يبتسم. ولئن ابتسم فابتسامته اصطنعها بتهذيب واهتمام كي لا يصدمك. انه يبدو وكأنه مسرع لينتهي منك لأنه بحدسه علي موعد آخر قديعرفه وقد لا يعرفه. الا انه يعرف انه بحاجة دائمة الي الوقت عدوه الأول الذي لم يستطع مصادرته، فلذلك يتواصل بتجاهله للانتقام منه في حرقه علي نار السجائر المتقاطرة التي تستبد برئيته وتحولهما الي مدخنتين كامنتين. اللقاء العرضي ينتهي كأنه ما بدأ، والرجل لا يكشّ ولا يبشّ تاركاً الباب مفتوحا للقاء لا يعرف مكانه وزمانه. انه كالبريق الذي لم يبرق ولم يرعد ولم يمطر، الا انه ترك خطاً ابيض في الذاكرة. تسأله (قبل ان ينزلق من بين عينيك ويديك كالزئبق لتتمسك ولو بخيط وهم طمعاً بلقاء آخر مرسوم) أين تكتب هذه الأيام؟ فيجيبك بمنتهي الاريحية الساخرة أجلك بـ الحياة واين بامكاننا ان نراك؟ يضيف: انا ذاهب غدا الي بيروت ينتهي اللقاء بنفس السرعة التي تبدد فيها صوت بصدي. فكأنا لا شهدنا ولا شربنا.. انه جوزف الذاهب دائما والذي لا يعرف التوقيف او الوقوف او التوقف.
جوزف كان يكتب في جريدة الحرية ثم عاش تجربة رئيس تحرير جريدة الوطن لسان الحركة الوطنية التي خرج منها بنتيجة كالقانون الطبيعي: ان الحزبية لا تصنع صحافة . مارس الكتابة مع رعيل السفير الأول الذي كان منه. انه كان يحب السفير علي طريقته التي لا يستطيع ممارستها كليا. وهي تحبه علي طريقتها التي تستلزم بعض الضوابط التي لا تستسيغها كليا حرية كاتبنا.
كان له صحيفة زوجة او صديقة بديلة لحالات الطوارئ كعاطل عن العمل تلك التي ليست سوي حياة لندن اللبنانية التي غدت سعودية والتي يعمل فيها حازم صاغية مطلق فريق السفير الذي ما عرف عن طريقها التحليق بالمدي الذي يريد، والذي لم يدم عسل التفاهم الفكري السياسي بينه وبين جوزف نسبيا سوي سنوات لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة. غير ان الصداقة وهذا ما يستلفت الانتباه ـ استمرت حوالي أربعين سنة اي حتي النفس الأخير.
وهذا جانب من ألغاز ومفاهيم شخصية سماحة المركبة الغنية. فطار ملتجئا الي الفصاحة الصحافية في عالم الضباب الشمالي الذي كان يحكم العالم فيما مضي من خلال جزيرة كأنها الرأس التي دفعها البحر لتقود اليابسة القريبة والبعيدة عن كثب.
عندما يأخذ جوزف نفسه وينفّس عن غضبه يدرك ان المنبر اللندني السعودي ليس منبره ولا الصوت صوته (زميله الكبير طلال سلمان كان يعرف ذلك كل المعرفة) فسرعان ما يعود المسافر الي السفير التي كانت واثقة من عودته، فيستأنف العمل فيها من جديد في مكتبه الذي ما زال ينتظره كالزوجة الشرقية الوفية المحافظة، الا انها ليست الزوجة المطلوبة، فلذلك كان يحور ويدور في رأسه حلم الزواج مع الجريدة التي يريد هو ان يختارها. وللتعبير عن هذا الوضع فليس هناك أدق من الحوار الذي سبق وفاته بحوالي عام: ذهبت اليه في السفير فاستقبلني مع زميل له علي مدخل العمارة.. سلمت عليه مصافحاً. فبادرني بالسؤال: شو في بينك وبين طلال أجبته: ما في الا الخير، لكن حوشه يعطل لغة الاتصال بيني وبينه، ولذلك طلبت منك كزميل احترمه ويحترم نفسه والآخرين ايصال بريدي اليه. فعلق علي الفور: انا في السفير عبارة عن خيال صحرا لا استطيع فعل اي شيء. طلعت عليه بالعالي قائلاً: جوزف يجيب عليك ان تقول هذا فأنت رئيس تحرير، وطلال اختصّك بهذا المركز، ولو كنتُ أقدر منك لاختارني انا او سواي، ولكن طلال يعرف بيته وصحبه في السفير . فاحتد لسماعي مكرراً الكلام نفسه: انا في السفير ، خيال صحرا وانت حر ان تصدق اولا. فتركته مستغرباً من هذا الجواب الذي لا يليق بمستواه وقلمه، ولم تطأ قدمي منذ ذلك اليوم صحراء السفير حتي لا اري الرمال ولا الخيال.
وهذا ما منعني عن طرح الموضوع علي الكثيرين من معارفنا المشتركة فكان الرد: ان الرجل بالفعل لم يكن حرا كما يريد في مملكة السفير وما اكده ذلك هو طلاقه النهائي لها الذي واكبه توديع حضاري من قبل رفيقه الكبير ناشر الجريدة الاستاذ طلال سلمان الذي تمني له النجاح والفلاح في تحقيق احلامه. وما زاد التأكيد تأكيداً قول جوزف اللائق لأحد اصدقائه: انه لا يريد ان يحرج او يحمل ناشر السفير اكثر من طاقته بالنسبة لمواقفه الحقيقة التي قد تتجاوز الخط المسموح به. وهذا الكلام المسؤول كان في رأيي هو عين الواقع في العلاقة بين الرجلين.
المرة الأخيرة التي شاهدت فيها فقيد الصحافة والالتزام كانت في مقهي بالحمراء قبل صدور العدد الأول من جريدته الأخبار بحوالي شهرين وهو يتحدث وقوفاً مع احد اصدقائه الجالسين فاقتربت منه محييا بقولي: جوزف سماحة في الأفق ولا اسلم عليه!! هذا ليس من المعقول ولا من عاداتي.. ان محبتي لك هي التي منعتني من زيارتك او محاولة الاتصال بك. سأتركك الي اخبارك حتي تحين الفرصة المناسبة فتلقاني فجأة امامك. لقد قررت ان اتابع مسيرته في اخباره عروسه الجديدة المنتظرة مدة سنة، بعدها اري اذا كان سيكون من الممكن التعاطي مع جوزف الحر مئة بالمئة في المستقبل المؤجل وكيف ستترجم حريته في مملكته الجديدة وفي بيروت بالذات.
لقد مر من السنة نصفها ووقع الجسر الذي كنت انتظر علي احد جانبيه وراحت السكرة او حلم التعاون مع جوزف وحلت الفكرة فكرة تقييم وتحليل هذه الظاهرة الخصبة التي قصف عنقها قضاء القدر او قدر القضاء.

ملحمة في قلم

هذا الوجه الذي يحمل هموم البلد كما قالت عنه رنا نجار ترعرع في جو سياسي بشمال لبنان. بدأ با لسوري القومي وتحول الي الشيوعي. نستطيع اختصاره بمسار جوزف اليساري العروبي الناصري. درس عند الفرير الاخوة. كان يحتفظ بالسينيال لرفضه عدم التكلم بالعربية نظراً لوطنيته المتأججة (رغم ندمه فيما بعد). لأنه لم يكن يعتبر اللغة الفرنسية كغنيمة كما فعل الكاتب الجزائري محمد ديب. امه كانت مدرسة مفتوحة نابضة بالمبادئ التي تحياها علي ارض الواقع، كما كانت داراً مشرعة لاستقبال واستضافة الجميع.
واصل جوزف دراسته مختصا بالفلسفة (ام العلوم عند الاغريق)، وعندما اصبح العيش لا يُطاق في لبنان نفي نفسه نفيا معرفيا الي باريس حيث انجز دبلوما في علم السياسة، ورغم حصوله علي منحة دكتوراه فإنه لم يستفد من الفرصة لتحقيق هذا الامل ربما لاعتقاده ان هناك آلاف الاطروحات التي يتنافس عليها الغبار في المكتبات الجامعية لأنها لم تقدم ولم تؤخر بالنسبة لمصير منطقتنا وربما لمصائر المناطق الاخري في العالم.
فجوزف يؤمن ـ حسب اعتقادي ـ بالعلم الميداني الذي لا يهدأ. ولو علمنا ان الاطروحة ـ بالطبع ـ تستلزم منه سنوات عدة يقضيها معتقلاً بين الأوراق والملفات والاجتماع المتواصل بالاستاذ المشرف لأدركنا لماذا اعتبر نفسه بغني عن بذل جهد طويل كهذا وطنه أحوج اليه في الظروف المصيرية التي يجتازها. كان جوزف رهين عمله الصحافي الفكري اليومي. اذ كتب اول افتتاحية في الخامسة والعشرين وصعد السلم بسرعة فغدا بين فرسان الصف الأول خلال ثلاثة عقود ونيّف لا بل بين المتميزين الذين لا يزيد عددهم في العالم العربي عن عدد الأصابع.
ان بيته الثابت لم يكن بيت امه او بيت زوجته بل بيت الصحافة بغرفه المتباعدة: غرفة في بيروت.. غرفة في باريس.. غرفة في لندن.. فكان نزيل هذا المثلث الدائم. جوزف يعطينا الانطباع انه لا يحب الكتابة الاكاديمية الجافة، وهو الذي لم يترك سوي كتابين: سلام عابر حاول فيه معالجة الصراع العربي الاسرائيلي، و قضاء لا قدر كتبه كتحقيق عن مصرع صديقه مارون بغدادي. الا ان إدمانه تجلي في المقال اليومي المنسوج من جمل قصيرة واضحة تنساب بين ثناياها فكرته التي تشكل مرافعة دامغة يصعب الوقوف امام تسلسل منطقها وغزارة حججها. نقرأه فنشعر وكأنه لم يترك شيئا لغيره في الموضوع، فكأن مقاله التالي سيأتي بعد اسبوع علي الأقل الا انك سرعان ما تفاجأ بمقال افتتاحي آخر في اليوم التالي وتالي التالي..مما يثير الاعجاب والاستغراب لقدرة هذا القلم غير العادي. لأن جوزف في كتابته المقال عبارة عن مستشفي كامل من الأطباء لمعالجة مريض واحد، فيحلل ويشخّص بأدقّ ما امكن ثم يصف العلاج. فهو يستعين منذ تناوله قهوة الصباح ـ بما جمعه له ولخصه المقربون منه من المقالات والمعلومات علي صعيد البلد والمنطقة في الساعات الأربع والعشرين الماضية بالاضافة الي مطالعاته واتصالاته الخاصة وينسج من كل ذلك سندويشاً صحافياً غنيا سهل الهضم ينتظره قراؤه بتلهف مع فنجان القهوة عند الصباح.
ان في جوزف الحس الصحافي الساري كالدم. فلو توقف عن القراءة يوما او نصف يوم لشعر انه اختل او لم يعد من العالم. فهو لا يستطيع تصوّر انسان لا يقرأ شيئا خلال اربع وعشرين ساعة كما انه لا يستطيع ان يعاشر شبيها له في المأكل والمشرب والحديث.. انه مولع بالآخر المختلف عنه وبالخصم الشرس في قناعاته. لقد كانت منهجية جوزف التي اقتبس جزءاً كبيراً منها عن الفرنسيين ـ تتجسد في ضرورة التميز والتمايز في البحث والتحليل عن الآخرين، وفي الاعتماد علي الدقة في المراجع والثقة بها وفي عدم الوثوق بالنقل الشفهي او المصادر المشبوهة. كما انه كان يكره التركيز في الكتابة علي المسلمات المسبقة خاصة بين الشعبين اللبناني والفرنسي. انه كان يتألم لعدم وجود الانفتاح الحضاري التلقائي علي مصراعيه بين الشعبين بشكل أصيل خلاق جامع وليس بشكل سطحي بلاستيكي سرعان ما يتشقق ويتقصف.. لقد كانت أمنيته الملحة قيام علاقة شريفة تتخطي التعقيدات الدبلوماسية. جوزف بحكم تجربته السياسية الميدانية العميقة رأي التغيير امراً في غاية الصعوبة في بلد فظيع مرتع العبثية والنذالة والاحكام المسبقة . فالبلد مقسم بين الطوائف والأحزاب والعائلات والشخصيات والجوار والخارج ناهيك عن حضور فلسطيني عابر مقيم متحرك يتجاوز عشر سكان الوطن. وهو رغم ناصريته ويساريته فقد كان يشكل انتماؤه القدري المسيحي حيال المحيط الاسلامي شيئاً من الشعور الكامن الغائص بالمرارة والحزن.

منهجية خطتها التجربة

بالمفهوم الحسابي العادي انهي قلب سماحة ـ الذي ثأر من عقله ـ عمره في الثماني والخمسين. انهي عمر الذي كان ييقظ الفجر ليستيقظ مع الصباح ليكبو خلسة بينهما كالسارق ومن ثم يستأنف العمل النظامي المتعارف عليه. بكلام آخر كان عمله نهاراً متواصلاً لا يعرف الليل. فكأنه كان علي سباق مع الزمن الذي يريد ان يعتصر نسغه ويقطره علي ريشته، فاعتصر الزمن اربع درجات من عينيه. لكأنه عاش حياتين في حياة واحدة. ولذلك عندما كنا نلتقي به كان وجهه يعطينا الانطباع بأنه يحمل اكثر مما حمل من سنوات انه كرجل الاطلس الذي يحمل الكرة الارضية علي منكبيه ولا يزال يسير.
هذا الواحد المتعدد والعديد الموحّد كان لا يستطيع ان يتصور مجتمعاً ابناؤه في طوائفهم متماثلون كعُلب الكبريت او قطع السكر التي يخرجها المصنع. اكبر دليل علي ذلك صداقته اللدودة مع حازم صاغية التي انهته دون صوت بجانبه تحت أحداث الضباب الشمالي المتراكم كالقطن.
كان يحب الحياة ـ وكأنها تهرب منه ـ الي اقصي حدودها مأكلاً.. غناء اصيلاً..مشرباً موسيقي متميزة وسهراً يتسّمر في ليله ويستنطقه ويستلهم منه الوحي.. العمق.. الكثافة.. التجانس.. الامتداد.
بالنسبة له فإن مقاله الافتتاحي يمين الصفحة الأولي هو الحزب الجامع هو خطبة الجمعة اليومية العصرية الحديثة لمخضرمي القرنين العشرين والواحد والعشرين. والمحنة الكبري للكاتب ان يكون في الأرض اللبنانية المحززة المقسّمة بين عشرات الزعامات الطائفية القديمة والحديثة التي تخنق.. تصلب.. تغتال اي صوت اصيل نظيف مندفع لتغيير الواقع المتردّي الذي تقع عليه عيناه وقدماه ويبقي مكانه كالشجرة اليابسة. يكفي جوزف سماحة شرفاً وفخراً انه ترك وراءه فكرة حشد لها أقصي ما استطاع. لقد أرادها شمعة تضيء في ظلامنا الدامس لتأجج شمساً مع الأجيال الطالعة.
لقد خلّف مدرسة اسمها جوزف الانسان الواحد المتنوع المتواصل مع الجميع من النادل الي الزميل الي الخصم.
جوزف سيبقي في الأذهان والوجدان المكتب المفتوح والجيب المفتوح والقلب المفتوح اكثر من اللازم الي درجة ان قلبه رماه انتقاماً منه في بلاد الضباب لأنه لم يسمعه. الا قبل توقفه بأسبوع حيث أخذ موعداً له مع طبيب.. الا ان قلبه لم يكن في امكانه الانتظار اكثر.
جوزف برأيي ـ كان شهيد قضية التي تجسدت بالأخبار قبل ان تتجسد بأخبار قلبه الذي طار به الهواءونزل ليطير به من جديد تراباً يعود الي وطنه.

ہ كاتب من لبنان يقيم في فرنسا