2008-03-19      alkhaleej.ae
حروب البترول الصليبية 
امريكا بعيون عربية ... 1-2
د. م. عبدالحي زلوم


بدعوة من جامعة هارفارد / كلية John F. Kennedy School of Government ومركز دراسات الشرق الأوسط Center for Middle East Studies التابع لجامعة هارفارد أيضاً، ألقى الخبير النفطي العالمي والكاتب المعروف د. م. عبد الحي يحيى زلوم هذه المحاضرة. ولقد قدمته للحضور المتميز من أساتذة جامعة هارفارد والعديد من الشخصيات البارزة البروفسور سي. روي، كبيرة الباحثين/ مركز دراسات الشرق الأوسط كالآتي:


ولد الدكتور عبد الحي زلوم في فلسطين سنة 1936 حيث أنهى دراسته الابتدائية والثانوية هناك، ثم أنهى دراسته الجامعية الأولى والعليا في جامعات الولايات المتحدة بما في ذلك كلية الدراسات العليا للإدارة هنا في هارفارد. أمضى د. زلوم حوالي 50 عاماً من عمره في مجال صناعة النفط العالمية في الشرق الأوسط، وأوروبا، والولايات المتحدة وإفريقيا، وشارك في الأعمال التأسيسية للعديد من شركات النفط الوطنية العربية، بما فيها شركات لبلدان “اوبك”. وعاصر السنوات التحويلية في السياسة والاقتصاد، والاجتماع لهذه الدول. وخلال العقد الأخير عمل مستشاراً لعدة مشاريع نفطية تابعة للدول السريعة النمو بما فيها الهند والصين، وبذلك راقب عن كثب التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المهمة في هذه الحقبة لهذين البلدين. نفذ أعماله الاستشارية عن طريق “شركة زلوم آند أسوشيتس” التي أسسها سنة ،1972 كما أنه أسس “مجموعة زلوم العاملة في الصناعة والعقار” ويديرها ولداه وكلاهما من خريجي جامعات الولايات المتحدة في الهندسة والإدارة. وعنوان المحاضرة هو: “حروب البترول الصليبية: أمريكا بعيون عربية”، وهو عنوان كتابه الأخير والذي تم تسجيله في قناة “الجزيرة” كفيلم وثائقي من حلقتين والذي نشر أيضاً في الولايات المتحدة عن دار جامعة ميتشغن للنشر، وفي المملكة المتحدة عن دار بلوتو للنشر.
 



الحقيقة شيء والواقع شيء آخر
 

عندما تم اقتطاع فلسطين من الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى قرر مؤتمر فرساي للسلام تشكيل لجنة كنغ كرين King Crane Commission وذلك لاستشارة أهل فلسطين، وسوريا الكبرى بشأن تقرير مصيرهم. وكانت نتائج زيارات هذه اللجنة، كما جاء في تقريرها، بأن الغالبية من شعب سوريا الكبرى بما فيها فلسطين تحبذ الاستقلال، وإذا كان لابد من انتداب، فلتكن الولايات المتحدة هي دولة الانتداب لتساعدهم على تحقيق أحلامهم في الاستقلال.


وحتى بعد ذلك بعقود، وعندما قام جمال عبد الناصر سنة 1952 ذو الاثنين وثلاثين عاماً وذو اخلاص ووطنية لا شك بهما ممزوجتين بسذاجة سياسية وقلة خبرة آنذاك، كان على اتصال مع السفارة الأمريكية قبل وأثناء وبعد انقلابه على الملك فاروق متوهماً بأن الدولة الأمريكية ستساعد على تحقيق أحلامه في التخلص من الاحتلال البريطاني لوجه الله تعالى وحباً للخير والذي هو من طباعها كما كان يظنها الكثيرون. حتى إن عميد المخابرات CIA كيم روزفلت Kim Roosevelt الذي قاد الانقلاب على محمد مصدق في إيران كان له مكتب يجاور مكتب جمال عبد الناصر لبعض السنوات بعد الانقلاب.


وحينما تخرجت من المدرسة الثانوية في القدس سنة 1954 رأى والدي أن أكمل دراستي الجامعية في الولايات المتحدة، حيث هناك العلم والحرية والعدل وطريق السعادة. فهذه الولايات المتحدة بالرغم من قوتها وجبروتها لم تدخل حرباً (إلاّ لإنهاء كافة الحروب) كما أعلن الرئيس الأمريكي ويلسون (Wilson) عندما دخل الحرب العالمية الأولى. هكذا كانت أمريكا بالعيون العربية والإسلامية.


الهوّة بين الحقيقة والواقع


توجهت سنة 1954 من مطار القدس الشرقية (قلنديا) متوجهأً للولايات المتحدة. وحين توجهت بالباص إلى الجامعة في ولاية تكساس أثار اهتمامي جلوس السود في المقعد الخلفي للباص فقط، فقلت  انها صدفة. لكني لاحظت غيابهم أيضاً عن صفوف التسجيل، فعلمت بعد استفساري بأن هذه الجامعة الحكومية هي مخصصة للبيض فقط، ولا يسمح (للزنوج) بالدراسة فيها. وزاد استغرابي عندما ذهبت إلى مركز المدينة فوجدت اشارات ولافتات في المحال العامة، والمطاعم، والمتنزهات (للبيض فقط) أو (لا للزنوج). عندئذٍ انتابني شعور بأن أمريكا الحقيقية هي ليست كأمريكا الكتب ولا أمريكا التي كانت في مخيلتي.


لعل صدمتي هذه كانت مماثلة لما رواه كولن باول Collin Powel عن تجربته في منتصف الخمسينات أيضاً من القرن العشرين في معسكرات التدريب العسكري في ولاية جورجيا في جنوب الولايات المتحدة، كما رواها في كتابه (رحلتي الأمريكية). كان على باول الأسود أن يذهب بعيداً لقداس الأحد في كنيسة للسود، وقام المعسكر بتعيين سائق أبيض ليوصله للكنيسة. سأله السائق إن كان يمكن أن يحضر القداس معه، فاستمهله لحين استئذان راعي الكنيسة والذي أخبره بدوره “إنه عادة سيكون ذلك من دواعي سرورنا لولا أن الأمر سيسوء المواطنين البيض، فالأفضل أن يبقى السائق في السيارة”. يقول باول: “إن الحقيقة التي أردت اغفالها بدأت تضغط على حياتي، هذا النظام الذي يجعل من غير المسموح لرجلين أن يعبدا الله في بيت واحد، أو يأكلا في مطعم واحد، بل وحتى استعمال نفس المرحاض الواحد”.


كفلسطيني المولد، ذهلت من ادعاء الصهاينة بأن فلسطين هي “أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض”. لكن ذهولي الأكبر كان تبني أجهزة الإعلام الأمريكية هذا الادعاء الكاذب. كان العرب يمثلون 95% من شعب فلسطين سنة 1893 في بدايات المشروع الصهيوني، حتى وأن نسبة اليهود بعد حوالي 55 سنة من الهجرة من أرجاء العالم لم تصل إلى 35% من نسبة سكان فلسطين لسنة انشاء الدولة اليهودية سنة ،1948 كما أن اليهود كانوا يمتلكون أقل من 7% من أراضي فلسطين. شاهدت التطهير العرقي الذي مارسته الدولة اليهودية في حربها سنة ،1948 مما نتج عنها تفريغ فلسطين من اكثر عربها والذين هم اليوم لاجئون بالملايين. أما من بقي من عرب فلسطين فلقد تم ضدهم التمييز العنصري واصبحوا مواطنين من الدرجة الثالثة. كانت عمليات التطهير العرقي والعقاب الجماعي تتبع تعليمات بن غوريون كما دونها في مذكراته في 1/1/1948: “إذا اتهمنا عائلة (فلسطينية بمعاداتنا)  علينا ايذاؤهم جميعاً دونما رحمة  بما في ذلك النساء والأطفال وعلينا ألاّ نفرق بين مذنب أو غير مذنب”. عملت جهدي لأعرف لماذا تساند الولايات المتحدة هكذا نظام وهكذا عنصرية وهي تدعي أنها تحمل اعلام الحرية والمساواة والعدل، وأردت أن أعرف سر هذه التوأمة بين “إسرائيل” وأمريكا”.


قررت منذ ذلك الوقت نسيان كل الأفكار المسبقة التي أتيت بها وأن أتفكر وأُمحص ذلك النظام (Lunatic Conduct) الذي شاهدته وكتب عنه باول، في صوره المتغيرة منذ كريستوفر كولومبوس وحتى جورج بوش سواءً في أي صورة من صوره المتحركة من عبودية، إلى فصل عنصري، إلى واجب الرجل الأبيض المقدس، إلى الانتقائية والايتثنائية وازدواجية المعايير، وإلى الاحادية والحروب الاستباقية في يومنا هذا. لقد وصلت إلى نتيجة: أن كتب التاريخ ووكالات الأنباء يمكن أن تكذب، فأصبحت لا أقبل الأمور دونما بحث وتدقيق. ووجدت أن لكل أمر حكايتين على الأقل، إذن، فهذه حكايتي.


صدام المصالح الإمبراطورية لا صراع الحضارات


في كتابي: “حروب البترول الصليبية: أمريكا بعيون عربية”، بينت أن العلاقة بين العرب والمسلمين، وبين الغرب تحركه خمسة عوامل كلها تبدأ بحرف G: أديان الله God، الجغرافيا Geography، السياسة الجغرافية Geopolitic، الجيولوجيا Geology وأخيرا العولمة Globalization. أما ال G المسيطرة فكانت تنتقل مع الأيام حسب الترتيب المبين هنا، علماً بأن أكثر من عامل واحد كان يتفاعل مع الآخر. أما اليوم فعاملا الجيولوجيا (النفط والموارد الطبيعية)، و العولمة هما المسيطران. ولنقلها بصراحة فعاملا  الاستيلاء على النفط والمصادر الطبيعية، وعولمة العالم ليصب في خانة المصالح الأمريكية أولاً وأخيراً وهما محور السياسة الأمريكية هذه الأيام.


حسب حكاية صامويل هانتغتون البروفسور في هذه الجامعة، صاحبة دعوتي لهذا الحديث، وكذلك برنارد لويس وجوقته من المستشرقين والمحافظين، فإن العالم تحكمه صراع حضارات، أشدها الصراع بين الحضارة الغربية وحضارة الإسلام. ويبدو لي أن نظرية هانتغتون للصراع هذه قد ركزت على G الأديان، وقللت كثيراً من G العولمة. يقول هانتغتون:


“إن المشكلة بالنسبة إلى الغرب ليست مشكلة الأصوليين الإسلاميين، بل المشكلة بالإسلام نفسه، الذي يمتلك حضارة مختلفة يؤمن أصحابها بتفوقها في الوقت الذي يتألمون من ضعف أحوالهم. والمشكلة للمسلمين هي ليست وكالة المخابرات المركزية أو وزارة الدفاع الأمريكية، المشكلة في الغرب نفسه صاحب الحضارة المختلفة التي يؤمن أصحابها بتفوقها وصلاحيتها كنظام عالمي، يرغبون في فرض هذه الحضارة على العالم”. ودعني أقل إن هذا القول لا يفسر الأمور المعقدة إلاّ بطريقة سطحية.
حقاً، فلقد قامت الحروب بين المسلمين والنصارى بين الحين والآخر منذ بزوغ فجر الإسلام. ولكن أيضاً فالصحيح أن حروباً نشبت في الوقت ذاته بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية، وبين دول الكنيسة الواحدة مع الأخرى. فمنذ ما يسمى عصر التنوير استعرت المعارك بين دول أوروبا المسيحية نفسها على المغانم والموارد والمستعمرات. ألم تكن الحرب العالمية الثانية أعنف وأشرس الحروب في التاريخ قتل بها أكثر من 50 مليون شخص؟ ألم تكن هذه الحرب بين المسيحيين والمسيحيين، وبين المسيحيين وغير المسلمين من اليابان؟ ألم تكن الحرب الباردة بين الغرب المسيحي والاتحاد السوفييتي ذي الأغلبية المسيحية الأرذوكسية؟
إذا لم يكن هذا هو صراع حضارات، فهو صراع ماذا إذن؟  إنه صراع المصالح الإمبريالية في عصر العولمة.


العولمة (G of Globalization)


بعد عشر سنوات مضت على كتابي “نذر العولمة”، فإن تعريفي للعولمة ببساطة: هي العملية التي تسعى لتحويل دول العالم إلى جمهوريات موز في خدمة الإمبراطورية الأمريكية، وذلك عن طريق المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة الحرة، والأمم المتحدة إن أمكن، وعن طريق القوة العسكرية عند اللزوم.
سنبين هنا أن العولمة بمفهومها الاقتصادي اليوم هي تطور حتمي لطبيعة النظام الرأسمالي الغربي الذي تطور من اقتصاد محلي إلى اقتصاد اقليمي، فاقتصاد وطني، وأخيراً إلى اقتصاد العولمة هذه الأيام. ذلك لأن عماد هذا النظام هو النمو الدائم وما يتبع ذلك من التوسع بكافة الوسائل. فعند استقلالها كانت الولايات المتحدة تتكون من 13 ولاية في القسم الشرقي من القارة الأمريكية الشمالية. إلاّ أنها ما لبثت بالتوسع بحروب إبادة على السكان الأصليين ممن أسموهم بالهنود الحمر، ثم بالحروب على الجوار حتى امتدت الولايات المتحدة لتشمل الأراضي الممتدة ما بين المحيطين الأطلسي والباسيفيكي. ولقد تم هذا التوسع تحت ادعاءات مختلفة وبوسائل مختلفة كانت مزيجاً من البارود والدولار، فاشترت العديد من أراضي الولايات من فرنسا فيما أسمي Louisiana Purchase واشترت ألاسكا من روسيا، وانتزعت بالحروب بقية الأراضي من المكسيك من تكساس وحتى كاليفورنيا.


ولقد أشعل تسارع الثورة الصناعية والإنتاج الغزير بعد إنتاج النفط سنة 1859 بطرق الحفر الحديثة، وبعد أن وصلت حدود الولايات المتحدة من المحيط إلى المحيط داخل القارة الأمريكية بدأت الولايات المتحدة عهدها الامبريالي كما تسميه “الانسايكلوبيديا بريتانيكا” في نهاية العقد الأخير من القرن التاسع عشر حين شنت الولايات المتحدة حربها على الممتلكات الإسبانية ابتداء من كوبا سنة 1898 وحتى الفلبين والتي بقيت محتلة حوالي 50 سنة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. كانت الولايات المتحدة تعاني حينئذٍ من كساد كبير، فوجدت النخبة الحاكمة أو البارونات اللصوص كما تسميهم كتب التاريخ الأمريكية نفسها بحاجة إلى حرب للخروج من الكساد الاقتصادي وما صاحبه من اضطراب اجتماعي. لم يكن غزو العراق هو الأول الذي قام على ادعاءات كاذبة، وإنما كذلك كانت الحرب الأمريكية الإسبانية حين ادعى الرئيس ماكنلي McKinley أن الإسبان قد أغرقوا المدمرة الأمريكية USS Maine  في ميناء هافانا بكوبا.


وبعد أن تم احتلال المستعمرات الإسبانية أقرت لجنة تحقيق بعدم ثبوت الادعاء بأن الإسبان هم مسؤولون عن التفجير والذي قد يكون لأسباب ميكانيكية. ومنذ ذلك التاريخ أصبح العالم كله مسرحاً حراً لبارونات وشركات الولايات المتحدة المتعددة الجنسيات، وبالتدريج بدأت الولايات المتحدة بتحويل ما أمكنها من العالم، إلى جمهوريات موز في عصر العولمة الأمريكي. لكن العولمة صاحبها تغيرات مهمة. فبعد تجديد نظام التجارة الحرة وحرية تنقل رؤوس الأموال، بدأ الرأسماليون في وول ستريت استثماراتهم حيث العمالة الرخيصة والربح الأعلى، ونتج عن ذلك أنه من بعد أن كانت الولايات المتحدة تمثل حوالي نصف الإنتاج الصناعي في العالم، أصبحت اليوم مضطرة لاستقطاب حوالي 3 مليارات دولار يومياً من الخارج لتمويل عجوزاتها وحروبها. ولقد كان عجز المدفوعات لسنة 2005 يقارب 800 مليار دولار، وأصبح لزاماً على الولايات المتحدة عولمة الاقتصاد العالمي لتعاد فوائض الدول الصناعية ذات النمو السريع خصوصاً في آسيا، وكذلك البترودولارات. مما استدعى الولايات المتحدة إلى نشر قواعدها العسكرية في أكثر دول العالم واستعمال قوتها العسكرية متى وكيفما تشاء هذه الأيام.


في دراسة شارك بها توماس بارنت Thomas Barnett الباحث الاستراتيجي والبروفسور في الكلية البحرية الأمريكية نشرت في مايو/أيار سنة 2003 في مجلة (Military Officer Magazine) جاء فيها:


“على الولايات المتحدة أن تبذل نصيب الأسد في المجهود الأمني لدعم التقدم في وتيرة العولمة والتي نحن أكثر المستفيدين من نشرها، وكما تدل عجوزات التجارة بوضوح، فإننا نعيش فوق إمكاناتنا الذاتية. وعملياً، فإننا نعتمد على العالم أجمع ليقوم بتمويل عجوزاتنا، وليس هناك ما يدعو للشكوى حول هذه المقايضة التي نبادل بها قصاصات ورق (دولارات وسندات خزينة) مقابل بضائع حقيقية”.


ولكي تستمر وتتنامى عملية “مبادلة البضائع” بما فيها النفط، مقابل قصاصات الورق فعلى العالم أن يتبنى مبادئ العولمة، لكن المشكلة بالنسبة للعالم أن هذه المبادئ جاءت من كتاب “وول ستريت” غير المقدس ولم تأت من أي من كتب الله. ودعنا نبين هنا أن هذا القول هو حقيقة لا مجاز، فجاء في كتاب “خرائط البنتاغون الجديدة” ل Barnett  الذي صدر سنة 2004 ما يلي:


“إن ورشات العمل التي جمعت بين كبار رجالات وول ستريت ورسميون من أجهزة الأمن الوطني، وكبار الأساتذة من الأكاديميين ومراكز الفكر كان مشروعاً مشتركاً لوضع أسس ما تمت تسميته مشروع القوانين الجديدة”. هذه القوانين التي تم فرضها على العالم المتعولم.


إذن: عقدت هذه الاجتماعات في وول ستريت. لقد فرض الإسلام على أتباعه أن يقبلوا ويحترموا كتب اليهودية والمسيحية المقدسة، لكنه لم يأمرهم بامتثال قوانين الوول ستريت غير المقدسة والتي وضعت ليقوموا باستبدال بترولهم ومواردهم لقاء قصاصات ورق لتمويل العجوزات الأمريكية أو تغيير ثقافتهم ودينهم في كل ما يخالف ثقافة وقوانين العولمة وقوانين اقتصاد الكازينو الذي يديره الوول ستريت.


كان وما زال العرب والمسلمون يحترمون الشعب الأمريكي لكنهم يعلمون أن نظام الرأسمالية المتعولم الذي تريده واشنطن لحساب بارونات المال لا يسبقه أحد عندما يتعلق الأمر بتكوين الثروات، وهم يعلمون أيضاً بأن ذلك النظام لا يسبقه أحد أيضاً في الابتعاد عن العدل الاجتماعي والاقتصادي.


حروب النفط والموارد الطبيعية
The G of Geology


في دراسة قامت بها جامعة MIT المشهورة في بداية عقد السبعينات من القرن الماضي، تم نشرها في كتاب عنوانه “حدود النمو Limits of Growth”، تنبأت هذه الدراسة بأن النظام الاقتصادي المبني على النمو الدائم في ظل الأنماط الاستهلاكية الحالية والزيادة في عدد السكان سيصطدم حتماً مع ما تستطيع الطبيعة أن تقدمه من الموارد قبل منتصف القرن الواحد والعشرين. وهناك الكثير من الخبراء، وأنا منهم، يتنبؤون بأن الموارد النفطية وانتاجها قد وصل أو قارب للوصول إلى قمته ليبدأ معه ارتفاع شاهق في الأسعار وانحدار تدريجي في عهد عصر النفط. وكنت قد تنبأت منذ سنوات بحتمية وصول سعر البترول إلى المائة دولار للبرميل قبل سنة.2010 ولعل ما صرح به الرئيس جورج بوش في مايو/أيار سنة 2001 كان واضحاً وصريحاً إيذاناً لبداية نهاية عصر النفط وإن لم ينتبه له الجميع حيث قال:


“يجب على الناس أن تسمع بصوت واضح وقوي بأن موارد الولايات المتحدة من الطاقة (النفط) هي في مرحلة النضوب”. ولقد كان احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة من ضمن هذا السياق. وهذا رئيس البنك المركزي الفدرالي الأمريكي السابق Alan Greenspan يصرح في كتابه سنة 2007 “عصر الاضطراب”:


“يحزنني أنه من غير اللائق من الناحية السياسية الاعتراف بالشيء الذي يعرفه الجميع: بأن حربنا على العراق كانت أساساً بشأن النفط”. لربما صحيحاً بأن الكل يعرف هذه الحقيقة، إلاّ الشعب الأمريكي، والشكر أولاً وأخيراً لإعلامه المتواطئ.


حينما يصل انتاج النفط إلى الذروة، سيتبعه خلل في معادلة العرض والطلب مالم يتم ادخال بدائل طاقة جديدة. ولعل دراسة اعدت لوزارة الطاقة الأمريكية سنة 2005 تبين هذا الأمر دونما التباس:


“سيواجه العالم والولايات المتحدة تحديات غير مسبوقة عند وصول الإنتاج النفطي إلى ذروته، عندئذٍ ستبدأ أسعار النفط بالارتفاع والتذبذب الكبير، وإذا لم يتم ادخال البدائل بطريقة متزامنة فإن كلفة النتائج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ستزيد. هناك بدائل على طرفي معادلة العرض والطلب، ولكن ليكون لها نتائج يجب البدء بها قبل عشر سنوات على الأقل من الوصول إلى ذروة الإنتاج. وسيكون التعامل مع الوضع حينئذٍ بالغ التعقيد يحتاج حرفياً إلى تريليونات الدولارات وسنوات من الجهد الشاق. وسيكون تدخل الحكومات ضرورياً. لأن النتائج الاقتصادية والاجتماعية ستكون في غاية الفوضى في حال لم تتدخل الحكومات”. فهل أصبح واضحاً لماذا هذه اللهجة المجنونة على العراق ونفط الشرق الأوسط؟
كان أول ظهور للنفط في كتب التاريخ قبل 5000 سنة في العراق، ولربما تكون آخر قطرة منه من العراق والجزيرة العربية والتي يكوّن مخزونها حوالي 70% من المخزون العالمي. وستبقى هذه النسبة في ازدياد في الوقت الذي تتضاءل فيه احتياطات الآخرين. فاحتياط العراق من حقوله ال 18 الحالية يزيد على احتياط الولايات المتحدة وبريطانيا وكل اوروبا الغربية وكل آسيا بما فيها الهند والصين عدا آسيا الإسلامية وروسيا. ويوجد بالعراق 62 حقلاً لم يتم استغلالها بعد مما يضاعف على الأقل احتياط العراق المذكور. كما أن نفط العراق هو من أقل أنواع النفط كلفة لإنتاجه.
صدق بيل ردتشاردسون، وزير الطاقة الأمريكي حين قال سنة 1999: “كان النفط في العقود الماضية هو الأساس الذي بُنيت عليها سياساتنا الاقتصادية والأمنية”. إذن ها نحن أمام أقوى امبراطورية عرفها التاريخ، جائعة للمادة التي تحرك صناعتها وأساطيلها تغزو دولة ظنت أنها فريسة سهلة ليس فقط لتأمين احتياجاتها النفطية ولكن للسيطرة أيضاً على هذه المادة الاستراتيجية عبر قواعد في العراق ستبقى حتى آخر قطرة من بتروله وذلك لتفرض هيمنتها الامبراطورية على الآخرين وتقرر في عصر ما بعد الذروة من يأخذ كم وبأي سعر؟ ومن يقوم بتحويل فوائضه المالية لسد عجوزات الخزانة الأمريكية، ومن لا يقوم؟
وهكذا استقدمت المؤسسة الرأسمالية الدائمة إلى إدارة الولايات المتحدة “رئيس حرب” هو رجل نفط وابن رجل نفط اسمه جورج دبليو بوش، ونائباً له كان لتوه الرئيس التنفيذي لأكبر شركات خدمات النفط في العالم ومركزها تكساس، واسم هذا النائب ديك تشيني، ووزيرة خارجية/ مستشارة للأمن القومي من مجلس إدارة كبرى شركات النفط التي دشنت احدى ناقلات النفط العملاقة حاملة اسمها: كوندوليزا رايس. إنه فريق متميز جاء ليدير حروب النفط تحت هذه الذريعة أو تلك!