2008-03-09
هل من سبيل إلى النهوض باللغة العربية؟ -

د. حسن عبد الرحيم سليم

 

إن هيمنة الثقافة الغربية بمظاهرها ووسائلها المختلفة بصفة عامة، وهيمنة اللغة الانجليزية بصفة خاصة، حتى أصبحت لغة الإعلام، ووسائل الاتصال الحديثة، وشبكات المعلومات، أمراً يهدد الثقافات واللغات الأخرى، مما حدا ببعض الدول الأوروبية مثل فرنسا أن تدق ناقوس الخطر؛ خوفاً على لغتها وهويتها الثقافية، من الأمواج العاتية للغة الانجليزية، فشجعت على استخدام شبكة المعلومات “الانترنت” بلغتها القومية.

 

استشعر الغيارى من مفكري الأمة وعلمائها الخطر الذي يحدق باللغة العربية في عصر العولمة، فتعالت أصواتهم بالمحافظة عليها، وخطوا خطوات عملية في انشاء عدة جمعيات ومؤسسات هدفها: المحافظة على العربية وحمايتها من الأخطار التي تهددها.

 

غير ان انشاء الجمعيات وعقد المؤتمرات واقامة الندوات وجعل يوم للغة العربية، بهدف المحافظة عليها وحمايتها  لا يكفي، لأن الأخطار أكبر وأعظم، وأدهى وأمر.

 

وهنا سؤال يطرح نفسه: هل من سبيل الى النهوض بالعربية وحمايتها من أخطار الهيمنة الثقافية؟

 

أرى انه من العزيز الاجابة عن هذا التساؤل؛ لأنها مهمة صعبة، وسأحاول وضع نقاط موجزة في سبيل النهوض بلغتنا العربية الأصيلة.

 

أولا: حب هذه اللغة، والاعتزاز بها، والغيرة عليها، وجعل حبها من الدين؛ لأنها لغة القرآن، وهذا الحب يوجب الاتباع والممارسة، قال تعالى: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني...”. “آل عمران 31”.

 

والاتباع يقتضي ايجاد صلة بين العربي ولغته، فيتربى الناشئة على حب العربية، والتحدث بها، ولا يشرك أحدهم في لسانه لغة غيرها.

 

ولنا أن نتساءل لماذا انصرف أبناء العربية عن لغتهم، حتى أصبحنا ندعوهم لاتباعها والعودة إليها؟

 

السبب في ذلك هو: غياب هذا الحب، والجهل بالعربية، والانصراف عن تعلمها، لأنه من جهل شيئاً عاداه.

 

فأصبحت المحافل الاجتماعية تغص بالكلمات الأجنبية التي تسللت إلى ألسنة الناس، وأضحى التلفظ بالعبارات الأجنبية دليلاً على رقي المتحدث وتحضره، ووسيلة للحصول على اعجاب الحاضرين.

 

وفي غفلة من أمرنا سمحنا لأنفسنا ولأبنائنا بالاغتراب والبعد عن لغتنا الشريفة، وخلقنا فجوة بل جفوة بين الناشئة ولغتهم الأم.

 

ثانيا: العناية بتعليم الناشئة اللغة العربية في سن مبكرة، بدءاً بالقرآن الكريم، لصقل مداركهم اللغوية، وتقويم ألسنتهم، وتقوية مخارج الحروف لديهم، وإذا استعرضنا سير أعلامنا الأفذاذ  قديماً وحديثاً  فسنجد أنهم تعلموا القرآن الكريم أولاً، وقد كان الناشئة يحفظون القرآن الكريم والمتون التجويدية والفقهية والنحوية قبل الالتحاق بالأزهر الشريف.

 

ثم قراءة وحفظ بعض الأشعار السهلة للشعراء القدامى والمحدثين، وعدم الاكتفاء بالأناشيد التي يحفظها التلاميذ في المرحلة الابتدائية. وتعويدهم على مطالعة كتب مشاهير الأدباء “كالعبقريات” للعقاد، و”على هامش السيرة” لطه حسين.. وغير ذلك، مع مراعاة عدم الاعتماد على المربيات أو المعلمات الأجنبيات؛ لأن الطفل لن يحرم حنان أمه فقط، بل سيحرم لسانها أيضاً.

 

ثالثا: الاهتمام بمعلم اللغة العربية، ورفع مكانته في المجتمع، وتحسين سبل معيشته، وتصحيح صورته في وسائل الاعلام، حيث درج بعض الصعاليك على تصويره في صورة رثة مثيرة للشفقة حيناً، وللسخرية حيناً آخر، الأمر الذي أسهم في نفور بعض المتعلمين من دراسة اللغة العربية، أو العمل في حقل تدريسها.

 

وإذا كانت الدول والحكومات تعمل جاهدة على المحافظة على صحة أبنائها البدنية، فتنشئ المستشفيات والمصحات ودور العلاج، وتدعم كليات الطب، وترعى الأطباء، فإن الصحة اللغوية لا تقل عن الصحة البدنية في شيء فعليها، أيضا أن تُعنى بأطباء اللسان العربي، لأنه هو الذي يحفظ على الأمة هويتها وثقافتها وحضارتها.

 

* رابعاً: جعل المحافظة على اللسان العربي جزءا من الأمن القومي للأمة، وعدم الانسياق خلف دعاوى تدريس جميع العلوم في المراحل التعليمية المختلفة باللغة الانجليزية، بحجة تطوير التعليم وتحقيق المعايير الدولية، فهل تخلت الصين أو احدى النمور الآسيوية عن لغتها في سبيل نهضتها وتقدمها؟ وهل حالت لغتها دون تقدمها؟

 

* خامسا: أن تقوم وزارة التربية والتعليم بمراقبة المدارس الأجنبية، والمدارس التي تسير على مناهجها، لأنها لا تهتم بمادتي: اللغة العربية، والتربية الإسلامية، مما يخلق نفورا لدى التلاميذ من هاتين المادتين، فينشأ التلميذ ضعيفاً في لغته، جاهلا بأمور دينه.

 

* سادسا: الوقوف في وجه الدعوات الخبيثة التي تدعو الى التعبير بالعامية، وإفساح المجال للجهات المختلفة في الفنون والآداب، بدعوى الحداثة والمعاصرة.

 

* سابعاً: فرض رقابة لغوية على البرامج التلفزيونية، والمسلسلات العربية، التي تكثر فيها الألفاظ والعبارات الأجنبية، والاهتمام بالضبط اللغوي، وسلامة مخارج الحروف لدى المذيعين والمذيعات، وتجنيب الناشئة مشاهدة الفضائيات والقنوات التي تعرض برامجها بلهجات سوقية، ولغة مخنثة، لما له من تأثير مباشر في ألسنتهم فضلا عن أخلاقهم.

 

* ثامناً: العمل على تعريب لغة التجارة، حيث أصبح واضحا للعيان استخدام اللغة الأجنبية في الاسواق والمراكز التجارية، فضلا عن كتابة اللوحات واللافتات، واختيار أسماء المحال والشركات، وساعد على ذلك كثافة العمالة الأجنبية في المراكز التجارية، الأمر الذي يفرض على المتعامل معهم النزول الى لغتهم، ومجاراتهم في الحديث بلغة ركيكة لا هي عربية ولا هي أجنبية وإنما هي عوان بين ذلك، وكأني “بالمتنبي” الذي يقول:

 

كأن الفتى العربي فيها   غريب الوجه واليد واللسان  فلمَ لا يحدث العكس؟ وهو أن يرتفع العامل ليتحدث بلغة البلد الذي يعمل فيه - كما حدث للمهاجرين العرب في فرنسا وغيرها - ولن يكون ذلك إلا إذا وضعنا شرطا، وهو إجادة اللغة العربية قبل الالتحاق بأي عمل.

 

* تاسعاً: ربط إجادة اللغة العربية بالوظيفة وسوق العمل، وعدم الاقتصار على اللغة الانجليزية فقط، لأن ذلك سيؤدي الى إهمال اللغة العربية وتهميش دورها في المجتمع العربي.

 

* عاشراً: وأخيرا تعود قوة أي لغة الى قوة الناطقين بها، فيوم أن ساد العرب بالإسلام سادت لغتهم، وتغلبت العربية على لغات البلاد التي فتحوها، كالفارسية والهندية والإسبانية، وغيرها.

 

وإننا لنرنو الى اليوم الذي تتحد فيه كلمة العرب، وتقوى شوكتهم، ويعودون كسابق عهدهم، أمة واحدة مؤثرة تحمل مشاعل حضارة باسقة أشرق العالم بنورها ردحاً طويلاً من الزمن، لأن الضعف الذي أصاب اللغة العربية - الآن - ما هو إلا مظهر من مظاهر ضعف العرب وتفرق كلمتهم.

 

غير أن الأمر الذي يدعو الى التفاؤل، ان اللغة العربية بطبيعتها وخصائصها الفريدة، قادرة على تخطي كل العقبات، واجتياز مراحل الضعف، والتفاعل مع كل ما يجد في المجتمع من تطور وتقدم ورقي، لذا استحقت أن يصطفيها الله تعالى لتكون لغة كتابه الكريم الذي تكفل بحفظه الى يوم الدين.

 

 

* كلية الدراسات الإسلامية والعربية- دبي

hasn63@hotmail.com

 

الخليج