الكويت تحيي الذكرى العشرين لاستشهاد ناجي العلي..
حنظله ضمير الثورة الذي لم يغب
«
حنظله هو المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت إنني أستمر به من بعد موتي» ناجي العلي. السؤال الثقيل الذي ارتسم على كل وجه كل من تمعن برسومات ناجي العلي هو ماذا لو كان ناجي حيا يرزق بيننا؟ ماذا كان سيفجره من غضب وهو يتابع تفصيلات المشهد الفلسطيني المتداعي وما يعكسه على الواقع العربي. الكثير من لوحات ناجي تنطق بالخلود، فقد جسدت ريشته الواقع ممزوجا بالمستقبل وسبقت تعليقاته اللاذعة عصرها لتواصل العيش معنا بصلاحية ممتدة الأجل، لتحقق نبوءة من كتبها.خالد ناجي العلي ابن الشهيد قال: إن اغتيال والده الجسدي قبل عشرين عاما، لا يعني أبدا اغتيال فكره ونضاله اللذين جسدهما في أعماله التي تُجدد نفسها يوما بعد يوم على الساحتين الفلسطينية والعربية. بمناسبة ذكرى مرور 20 عاما على استشهاد الفنان الفلسطيني ناجي العلي، نظمت لجنة «كويتيون لأجل القدس احتفالية اشتملت على معرض فني ضم مجموعة مهمة من رسومات الفنان ناجي العلي الكاريكاتورية، وندوة شارك فيها أصدقاء وزملاء الشهيد، وفيلمًا تسجيليًا قصيرًا استعرض أهم محطات حياته الحافلة، ووزع خلال الندوة كتيب جمع فيه الزميل حمزة عليان مجموعة من أهم رسوم الفنان التي نشرت خلال سنوات عمله بجريدة القبس الكويتية.
في بداية الندوة تحدثت رئيسة لجنة «كويتيون من أجل القدس» لولوة الملا قائلة: على الرغم من مرور عشرين عاما على رحيله فإنه مازال قادرا على أن يثير فينا، يفاجئنا، ويرهق عقولنا بالتساؤلات، ناجي ذلك السهل الممتنع، الوديع الثائر بصمته، استطاع بريشته أن يختزل آلامنا وآمالنا، وأن يعبر عن أحلامنا وتطلعاتنا، في فترة ندرك الآن أنها جزء من عمرنا الجميل، حيث القدرة على الغضب والاعتراض والحزن، وحتى الفرح، زمن ليس كأيامنا هذه حيث توقف الكثير منا عن الحلم أو حتى محاولة التغيير، نتيجة لتراكم الإحباطات، وتغيير الأولويات والمسميات.
إن مأساة ناجي العلي وإبداعه تكمنان في انه ولد وترعرع في رحم مأساة فلسطين وفي مخيماتها، تنفس هواءها وتشرب معاناتها مما صنع منه مقاوما حقيقيا، وأصبح ملتصقا بآلام شعبه وأمته التصاق الشمس بأشعتها، كان جريئا وصادقا لم يثنه التهديد والتخويف عندما خالف في توجهه السلطة التي لم يسع لإرضائها على حساب مبادئه، فسما بالفن إلى مرتبة المقاومة، فما كان إلا برصاصات الغدر تنقله عن دنيانا لتسكنه جوانحنا رمزا للإنسان وللطهر القومي ولتجعل من تراثه أمانه نحافظ عليها وكنزا للإنسانية والأجيال التي تعايش ناجي العلي.
تمادينا بالجنون
وتحدث محمد الصقر رئيس البرلمان العربي الانتقالي، ورئيس التحرير السابق لجريدة القبس، التي عمل بها ناجي العلي حتى آخر لحظة من حياته، وذكر بحزن : في اليوم الذي أطلق عليه النار، شعرت بأنني من أسباب اغتياله، فقد تماديت معه في الجنون، هو وأحمد مطر بالذات، مضيفا: كان ناجي العلي ممثل ضمير الأمة وجبهة الرفض الحقيقية منها، حيث كان صادقا في كل ما كان يحمله من شعور وطني وقومي، يقوم بتجسيده في شخصيته الكاريكاتورية المبدعة حنظله.
وأوضح الصقر أن فترة العمل في القبس كانت من أهم المراحل التي مرت على حياة ناجي العلي، فقد كانت من الصحف التي تمادت بشراسة في الدفاع عن قضايا الحريات والمكتسبات الدستورية، وكانت تضم عناصر موهوبة وفعاله تخاطب ضمير الشارع العربي، وبالتالي لم تكن مقبولة من البعض في الكويت وفي الوطن العربي.
وروى الصقر قصة تعارفه على ناجي العلي قائلا: تعرفت على ناجي بطريقة مجنونة، فبعد أن أصبحت رئيسا لتحرير القبس بأسبوعين، قدمت عرضا لناجي بالعودة إلى الكويت والعمل في القبس، ولم يبد رفضه وكان حينها يعمل في صحيفة السفير اللبنانية، لكنني لم أستطع الانتظار، فسافرت إلى لبنان في صيف 1982 بحرا من قبرص في ذروة الاجتياح الإسرائيلي، وعند وصولي الى بيروت أبلغوني في السفير أن ناجي تركها ويقطن في مخيم عين الحلوة. وبذلك اضطررت إلى عبور عشرة حواجز مختلفة، الإسرائيلية منها واللبنانية، فقط لأصل إليه وأحصل على موافقته ووعده بالقدوم إلى الكويت خلال أيام.
وأخيرا تحدث الصقر عن اغتيال ناجي العلي قائلا : في صيف 1987 وبعد نشر لوحة رشيدة مهران، أخبرني ناجي أن هناك تهديدا من ياسر عرفات باغتياله، فسافرت من فوري إلى لندن لأرتب له الإقامة في غلاسكو بعيدا عن لندن، ولكن بعد سفري، عاد ناجي عن قراره، وآثر البقاء، متحديا الموت. وليصلني بعدها بيومين خبر اغتياله.
وقدم الناقد والصديق المقرب لناجي العلي وزميله في الطليعة والسياسة، محمد الأسعد، شهادته مبينا أن ناجي لم يكن من المشاهدين، بل ترفع بفنه، وأطل، ليكشف حقيقة الممثلين برؤيته الناقدة الممزوجة بالسخرية في آن واحد. موضحا أن نظرة ناجي، تلك، يعللها الواقع الثقيل الذي يواجهه الفنان دائما بمرآته ليكسر
حدة المأساة. موضحا انه من خلال الواقع المأساوي والثقيل الذي عايشه العرب منذ الستينيات وحتى الثمانينيات، كانت القضية الفلسطينية، حسب تصوره، تمثل على مسرح أطلق عليه مسرح المسوخ، مشيرا : حتى لا ننخرط في العويل والصياح، فالفنان لا يريد منا البكاء فقط، بل يريد منا أن نفهم وأن نعي وأن نتخذ موقفا. فالسخرية تنبع من الرغبة في كشف المفارقة. كان لديه الحس البديهي، ولم يُخدع بالشعارات العامة والخطابات، وكان يود أن يكشف لنا حقيقة الممثلين في الدرجة الأولى. كان يدرك المصير، ويسخر من هؤلاء، ويحرج كل ما يسمى بالأبقار المقدسة. وتحدث الأسعد عن جماعية فن ناجي عندما جمع الوجدان العربي بأكمله في رسوماته، فقد كان عربيا أولا، وإنسانا ثانيا، وبذلك وجد انتشارا في العالم العربي من محيطه إلى خليجه، وكان ذلك ضد التيار السياسي الذي يتجه إلى التجزئة والتفتيت، إلى أن أوصلنا إلى مرحلة نطلق فيها على الصراع الإسرائيلي - العربي، الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.
لجنة «كويتيون لأجل القدس»
لجنة «كويتيون لأجل القدس» هي لجنة مشتركة بين جمعية الخريجين الكويتية والجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية، أنشئت مع قيام انتفاضة الأقصى الشريف، إلا أن جذورها تعود إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1988، عندما أنشأت جمعية الخريجين «اللجنة العربية لمساندة الانتفاضة الفلسطينية» التي استمرت في دعم النضال الفلسطيني أثناء انتفاضته الأولى وبشكل يجسد تلاحم الشعب الكويتي مع قضية العرب الأولى وحقهم في استعادة أرضهم ومقدساتهم. وعند اندلاع انتفاضة الأقصى الشريف وأثناء المهرجان الخطابي الجماهيري الكبير الذي أقامته جمعية الخريجين في 7 / 10 / 2000 أعلن مجلس إدارتها قراره بإعادة العمل باللجنة العربية لمساندة الانتفاضة الفلسطينية، كتعبير عمل على الدور الذي يلعبه الشعب الكويتي في دعم قضاياه العربية. ومع بداية عمل اللجنة اتفق أعضاؤها على تغيير الاسم إلى «لجنة كويتيون لأجل القدس» وتحويلها من لجنة خاصة بجمعية الخريجين الكويتية إلى لجنة مشتركة بينها وبين الجمعية الثقافية النسائية من أجل تنسيق جهود الجمعيتين في هذا الخصوص ولإعطاء اللجنة مزيدا من الدعم والمساندة».
حنظله سيرة موجزة